النص المفهرس
صفحات 61-80
لا يمكن سقي النخل إلا بسقيه ، وإن كان كثيراً والنخل قليلا ففيه
لأصحابه وجهان .
هذا إذا جمع بينهما في عقد واحد ، وسوى بينهما فى الجزء المشروط،
كالثلث أو الربح ، فأما إن فاضل بين الجزءين . ففيه وجهان لأصحابه .
وكذلك إن فرق بينها فى عقدين وقدم المساقاة ، ففيه وجهان . فأما إن
قدم المزارعة لم تصح المزارعة وجهاً واحداً .
فقد جوز المزارعة التى لا يجوز عندهما تبعاً للمساقاة . فكذلك
يجوز إجارة الشجر تبعاً لإجارة الأرض .
وقول ابن عقيل هو قياس أحد وجهي أصحاب الشافعي بلا شك؛
ولأن المانعين من هذا : م بين محتال على جوازه ، أو مرتكب لما يظن
أنه حرام ، أو ضار ومتضرر . فإن الكوفيين احتالوا على الجواز : تارة
بأن يؤجر الأرض فقط ويبيحه تمر الشجر ، كما يقولون فى بيع الثمرة
قبل بدو صلاحها ، يبيعه إياها مطلقا ، أو بشرط القطع بجميع
الأجرة ويبيحه إبقاءها. وهذه الحيلة منقولة عن أبى حنيفة والثوري
وغيرهما . ونارة بأن يكريه الأرض بجميع الأجرة ويساقيه على الشجر
بالمحاباة ؛ مثل أن يساقيه على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك .
وهذه الحيلة إنما يجوزها من يجوز المساقاة ، كأبى يوسف ، ومحمد ،
٦١
والشافعي في القديم . فأما أبو حنيفة فلا يجوزها بحال وكذلك الشافعي
إنما يجوزها فى الجديد فى النخل والعنب . فقد اضطروا فى هذه
المعاملة إلى أن تسمى الأجرة في مقابلة منفعة الأرض ، ويتبرع له إما
بإعراء الشجر ، وإما بالمحاباة فى مساقاتها .
ولفرط الحاجة إلى هذه المعاملة ذكر بعض من صنف فى إبطال
الحيل من أصحاب الإمام أحمد هذه الحيلة فيما يجوز من الحيل - أغنى
حيلة المحاباة فى المساقاة - والمنصوص من أحمد وأكثر أصحابه: إبطال
هذه الحيلة بعينها ، كمذهب مالك وغيره.
والمنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا ؛ لما روى عبد الله بن عمر
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا
شرطان فى بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك ،
رواء الأئمة الخمسة: أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن
ماجة . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . فهى صلى الله
عليه وسلم عن أن يجمع بين سلف وبيع . فإذا جمع بين سلف
وإجارة فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله . وكل تبرع يجمعه إلى البيع
والإجارة ، مثل: الهبة، والعارية،، والعربية، والمحاباة في المساقاة ،
والمزارعة ، وغير ذلك : هي مثل القرض .
فجماع معنى الحديث : أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع ؛ لأن ذلك
٦٢
التبرع إنما كان لأجل المعاوضة ؛ لا تبرعا مطلقا. فيصير جزءا من
العوض ، فإذا اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين ؛
فإن من أقرض رجلا ألف درهم ، وباعه سلعة تساوى خمسمائة بألف :
لم يرض بالإقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة، والمشتري لم يرض ببذل
ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التى اقترضها . فلا هذا باع
بيعاً بألف ، ولا هذا أقرض قرضا محضا ؛ بل الحقيقة : أنه أعطاء
الألف والسلعة بألفين، فهى مسألة ((مد عجوة )) فإذا كان المقصود
أخذ ألف بأكثر من ألف: حرم بلا تردد، وإلا خرج على الخلاف
المعروف . وهكذا من اكترى الأرض التى تساوى مائة بألف وأعراء
الشجر ، أو رضى من تمرها بجزء من ألف جزء . فمعلوم بالاضطرار :
أنه إنما تبرع بالثمرة لأجل الألف التى أخذها ، وأن المستأجر إنما
بذل الألف لأجل الثمرة ، فالثمرة هي جل المقصود المعقود
عليه أو بعضه فليست الحيلة إلا ضربا من اللعب والإفساد ؛ وإلا فالمقصود
المعقود عليه ظاهر .
والذين لا يحتالون ، أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه
الحيلة ، م بين أمرين : إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ، ويعتقدوا أنهم
فاعلون للمحرم ، كما رأينا عليه أكثر الناس . وإما أن يتركوا ذلك
ويتركوا تناول الثمار الداخلة فى هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر
٦٣
والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله . وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو
اثنان ، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التى لا تأتى
به شريعة قط، فضلا عن شريعة قال اللّه فيها: (وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) وقال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُبِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِدُ بِكُمُ
اُلْعُسْرَ ) وقال تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) وفى الصحيحين
((إنما بعثتم ميسرين)) ((بسروا ولا تعسروا)) ((ليعلم اليهود أن
فى ديننا سعة)) فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج . وهو
منتف شرعا .
والغرض من هذا : أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه
قط ؛ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق . فعلم أنه ليس بحرام ؛ بل
هو أشد من الأغلال والآصار التى كانت على بنى إسرائيل ووضعها الله
عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. ومن استقرأ الشريعة في
مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى : ( فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ
بَاِخْ وَلَاعَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) وقوله: ( فَمَنِ أَضْطُرَ فِ مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
ولَِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ،
ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب، أو فعل محرم - لم يحرم
عليهم ؛ لأنهم فى معنى المضطر الذى ليس بباغ ولا عاد ، وإن كان
سبيه معصية ، كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة ، والمنفق للمال
٦٤
فى المعاصى حتى لزمته الديون . فإنه يؤمر بالتوبة ، ويباح له ما يزيل
ضرورته . فتباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة . وإن لم يتب
فهو الظالم لنفسه المحتال ، وحاله كمال الذين قال الله فيهم: (إِذْ
تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ
وقوله ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
(
نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوايَفْسُقُونَ
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ ) الآية . وهذه قاعدة عظيمة ربما
قلبه إن شاء الله عليها .
وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره ابن عقيل: هو
قياس أصول أحمد ، وبعض أصول الشافعي ، وهو الصحيح إن شاء الله
تعالى ؛ لوجوه متعددة؛ بعد الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا وعقلا ؛
فإن دلالة هذه إنما تتم بعد الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول .
الوجه الأول : ما ذكرناه من فعل عمر فى قصة أسيد بن الحضير .
فإنه قبل الأرض والشجر الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء . وهذا
عين مسألتنا ، ولا يحمل ذلك على أن النخل والشجر كان قليلا . فإنه
من المعلوم أن حيطان أهل المدينة كان الغالب عليها الشجر ، وأسيد بن
الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم . فبعيد أن يكون الغالب على
حائطه الأرض البيضاء . ثم هذه القصة لابد أن تشتهر ، ولم يبلغنا أن
أحداً أنكرها . فيكون إجماعا. وكذلك ما ضر به من الخراج على
٦٥
السواد ؛ فإن تسميته خرابا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من
منفعة الأرض والشجر ، كما يسمى الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها
خراجا ، إذا كان على كل شجرة شيء معلوم، ومنه قوله: ( أَمْتَسْئَلُهُمْ
ومنه خراج العبد ؛ فإنه عبارة عن ضريبة
خَرْجَا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ).
يخرجها لسيده من ماله . فمن اعتقد أنه أجرة وجب عليه أن يعتقد
جواز مثل هذا ؛ لأنه ثابت بإجماع الصحابة . ومن اعتقد أنه ثمن أو
عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه غيره . وإنما جوزه الصحابة
- ولا نظير له - لأجل الحاجة الدامية إليه ، والحاجة إلى ذلك موجودة
فى كل أرض فيها شجر كالأرض المفتتحة سواء .
فإنه إن قيل : يمكن المساقاة أو المزارعة . قيل : وقد كان يمكن
عمر المساقاة أو المزارعة ، كما فعل في أثناء الدولة العباسية ؛ إما في
خلافة المنصور ، وإما بعده ؛ فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى
المقاسمة ، التى هي المساقاة والمزارعة .
وإن قيل : إنه يمكن جعل الكراء بإزاء الأرض ، والتبرع بمنفعة
الشجر ، أو المحاباة فيها . قيل : وقد كان يمكن عمر ذلك . فالقدر
المشترك بينهما ظاهر .
وأيضا : فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر
٦٦
ذكرى ؛ بل هذا غالب على أموال أهل الأمصار . ونعلم أن السلف لم
يكونوا كلهم يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم، ونعلم أن المساقاة
والمزارعة قد لا تتيسر فى كل وقت ؛ لأنها تفتقر إلى عامل أمين، وما
كل أحد يرضى بالمساقاة، ولا كل من أخذ الأرض يرضى بالمشاركة.
فلابد أن يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ذات الشجر .
ومعلوم أن الاحتيال بالتبرع أمر نادر لم يكن السلف من الصحابة
والتابعين يفعلونه. فلم يبق إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل عمر رضي
اللّه عنه بمال أسيد بن الحضير، وكما يفعله غالب المسلمين من تلك
الأزمنة وإلى اليوم .
فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الإجارة ، ولا أنهم
أمروا بحيلة التبرع - مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة - علم قطعا
أن المسلمين كانوا يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين. فيكون
فعلها كان إجماعا منهم .
ولعل الذين اختلفوا فى كراء الأرض البيضاء والمزارعة عليها لم يختلفوا
فى كراء الأرض السوداء ، ولا فى المساقاة ؛ لأن منفعة الأرض ليس فيها
طائل بالنسبة إلى منفعة الشجر .
فإن قيل : فقد قال حرب الكرمانى : سئل أحمد عن تفسير
٦٧
حديث ابن عمر: ((القبالات ربا)) قال : هو أن يتقبل القرية فيها
النخل والعلوج . قيل له : فإن لم يكن فيها نخل ، وهي أرض بيضاء ؟
قال : لا بأس ؛ إنما هو الآن مستأجر : قيل : فإن فيها علوجاً ؟ قال:
فهذا هو القبالة المكروهة . قال حرب : حدثنا عبيد الله (١) بن معاذ ،
حدثنا أبى، حدثنا سعيد، عن جبلة سمع ابن عمر يقول: ((القبالات ربا)).
قيل : الربا فيما يجوز تأجيله إنما يكون في الجنس الواحد . لأجل
الفضل . فإذا قيل في الأجرة أو الثمن أو نحوهما : أنه ربا ، مع جواز
تأجيله . فلأنه معاوضة بجنسه متفاضلا، لأن الربا إما ربا النّسَاء، وذلك
لا يكون إلا فيما يجوز تأجيله ، وإما ربا الفضل، وذلك لا يكون إلا
فى الجنس الواحد . فإذا انتفى ربا النَّسَاء الذي هو التأخير لم يبق إلا ربا
الفضل ، الذي هو الزيادة في الجنس الواحد . وهذا يكون إذا كان
التقبل يجنس مغل الأرض ، مثل : أن يقبل الأرض التى فيها نخل
يتمر. فيكون مثل المزابنة. وهذا مثل اكتراء الأرض بجنس الخارج
منها إذا كان مضمونا فى الذمة . مثل : أن يكتريها ليزرع فيها حنطة
بحنطة معلومة . ففيه روايتان عن أحمد . إحداهما : أنه ربا ، كقول
مالك . وهذا مثل القبالة التى كرهها ابن عمر ؛ لأنه ضمن الأرض
للحنطة بحنطة معلومة، فكأنه ابتاع حنطة بحنطة تكون أكثر أو أقل ،
فيظهر الربا .
(١) نسخة: عبد الله
٦٨
فالقبالات التى ذكر ابن عمر أنها ربا: أن يضمن الأرض التى فيها
النخل والفلاحون بقدر معين من جنس مغلها ، مثل أن يكون لرجل
قرية فيها شجر وأرض ، وفيها فلاحون يعملون له تغل له ما تغل من
الخنطة والتمر بعد أجرة الفلاحين أو نصيهم ، فيضمنها رجل منه بمقدار
معلوم من الحنطة والتمر ونحو ذلك . فهذا مظهر تسميته بالربا . فأما
ضمان الأرض بالدراهم والدنانير فليس من باب الربا بسبيل . ومن حرمه
فهو عنده من باب الغرر .
ثم إن أحمد لم بكره ذلك إذا كانت أرضا بيضاء ، لأن الإجارة
عنده جائزة، وإن كانت الأجرة من جنس الخارج على إحدى الروايتين؛
لأن المستأجر يعمل فى الأرض بمنفعته وماله ، فيكون المغل بكسبه ؛
بخلاف ما إذا كان فيها العلوج ، وهم الذين يعالجون العمل . فإنه لا
يعمل فيها شيئا لا يمنفعته ولا بماله ، بل العلوج يعملونها . وهو يؤدي
القبالة ويأخذ بدلها . فهو طلب الربح فى مبادلة المال من غير صناعة
ولا تجارة ، وهذا هو الربا . ونظير هذا ما جاء عن ابن عمر أنه ربا .
وهو اكتراء الحمام والطاعون والفنادق، ونحو ذلك مما لا ينتفع
المستأجر به ، فلا يتجر فيه ولا يصطنع فيه . وإنما يكتريه ليكريه فقط .
فقد قيل : هو ربا .
والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل النخل ، ولا لأجل الأرض إذا
٦٩
كانت بغير جنس المغل، وإنما كانت ربا لأجل العلوج . وهذه الصورة
لا حاجة إليها ؛ فإن العلوج يقومون بها . فتقبيلها لآخر مراياة له ؛ ولهذا
كرهها أحمد ، وإن كانت بيضاء إذا كان فيها العلوج .
وقد استدل حرب الكرماني على المسألة بمعاملة النبي صلى الله
عليه وسلم لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع ،
على أن يعمروها من أموالهم . وذلك أن هذا فى المعنى إكرام للأرض
منهم ببعض ما يخرج منها ، مع إكراه الشجر بنصف ثمره . فيقاس عليه
إكراء الأرض والشجر بشىء مضمون ؛ لأن إعطاء الثمر لو كان بمنزلة بيعه
لكان إعطاء بعضه بمنزلة بيعه. وذلك لا يجوز. وهذه المسألة لها أصلان:
الأصل الأول : أنه متى كان بين الشجر أرض أو مساكن دعت
الحاجة إلى كرائها جميعا ، فيجوز لأجل الحاجة . وإن كان فى ذلك غرر
يسير ؛ لا سيما إن كان البستان وقفاً ، أو مال يتيم؛ فإن تعطيل منفعته
لا يجوز، وإكراه الأرض أو المسكن وحده لا يقع فى العادة ، ولا
يدخل أحد فى إجارته على ذلك . وإن اكتراه اكتراه بنقص كثير من
قيمته . ومالا يتم المباح إلا به فهو مباح. فكل ما ثبت إباحته بنص
أو إجماع وجب إباحة لوازمه ، إذا لم يكن فى تحريمها نص ولا إجماع .
وإن قام دليل يقتضي بحريم لوازمه ، وما لا يتم اجتناب المحرم إلا
باجتنابه فهو حرام . فهنا يتعارض الدليلان . وفي مسألتنا قد ثبت إباحة
٧٠
كراء الأرض بالسنة واتفاق الفقهاء المتبوعين ؛ بخلاف دخول كرا.
الشجر ؛ فإن تحريمه مختلف فيه ، ولا نص عليه .
وأيضا : فتى أكريت الأرض وحدها وبقي الشجر لم يكن
المكتري مأموناً على الثمر، فيفضى إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.
كما إذا بدا الصلاح فى نوع واحد ، ويخرج على هذا القول، مثل
قول الليث بن سعد: إذا بدا الصلاح في جنس - وكان في بيعه
متفرقا ضرر - از بيع جميع الأجناس . لتعسر تفريق الصفقة،
ولأنه إذا أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يجد من يشترى الثمرة إذا
كانت الأرض والمساكن لغيره إلا بنقص كثير . ولأنه إذا أكرى
الأرض فإن شرط عليه سقي الشجر - والسقي من جملة المعقود
عليه - صار المعوض عوضاً . وإن لم يشرط عليه السقي ، فإذا سقاها
- إن ساقاه عليها - صارت الإجارة لا تصح إلا بمساقاة. وإن لم
بساقه لزم تعطيل منفعة المستأجر ، فيدور الأمر بين أن تكون الأجرة
بعض المنفعة، أو لا تصح الإجارة إلا بمساقاة، أو بتفويت منفعة المستأجر.
ثم إن حصل للمكري جميع الثمرة أو بعضها : ففي بيعها - مع أن
الأرض والمساكن لغيره - نقص للقيمة في مواضع كثيرة .
فيرجع الأمر إلى أن الصفقة إذا كان فى تفريقها ضرر جاز الجمع
بيها فى المعاوضة، وإن لم يجز إفراد كل منها ؛ لأن حكم الجمع يخالف
٧١
حكم التفريق. ولهذا وجب عند أحمد وأكثر الفقهاء على أحد الشريكين
إذا تعذرت القسمة : أن يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه ، إن كان
المشترك منفعة: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق
شركا له فى عبد ، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل .
فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق عليه ما
عنق)) أخرجاه فى الصحيحين . فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بتقويم
العبد كله ، وبإعطاء الشريك حصته من القيمة . ومعلوم أن قيمة حصته
فعلم أن حقه في نصف النصف .
منفردة دون حصته من قيمة الجميع
وإذا استحق ذلك بالإعتاق فيسائر أنواع الإتلاف أولى ؛ وإنما يستحق
بالإتلاف ما يستحق بالمعاوضة . فعلم أنه يستحق بالمعاوضة نصف القيمة ،
وإنما يمكن ذلك عند بيع الجميع . فتجب قسمة العين حيث لا ضرر
فيها . فإن كان فيها ضرر قسمت القيمة .
فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع نصيبه لما فى التفريق من
نقص قيمة شريكه فلأن يجوز بيع الأمرين جميعا - إذا كان فى
تفريقهما ضرر - أولى . ولذلك جاز بيع الشاة مع اللبن الذي في
ضرعها . وإن أمكن تفريقهما بالحلب ، وإن كان بيع اللبن
وحده لا يجوز .
وعلى هذا الأصل : فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة ،
٧٢
كمنفعة أرض للزرع أو بناء للسكن . وأما إن كان المقصود هو الثمر
فقط ؛ ومنفعة الأرض أو المسكن ليست جزءاً من المقصود ؛ وإنما
أُدخلت لمجرد الحيلة، كما قد يفعل فى مسائل ((مد عجوة)) لم يجيء
هذا الأصل .
((الأصل الثانى)): أن يقال: إكراه الشجر للاستثمار يجري
مجرى إكراء الأرض للازدراع ، واستئجار الظئر للرضاع . وذلك:
أن الفوائد التى تستخلف مع بقاء أصولها تجري مجرى المنافع ، وإن
كانت أعياناً، وهي تمر الشجر، ولبن الآدميات، والبهائم، والصوف،
والماء العذب : فإنه كما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله بدله مع بقاء
الأصل ، كالمنافع سواء . ولهذا جرت في الوقف والعارية والمعاملة بجزء
من الماء مجرى المنفعة ؛ فإن الوقف لا يكون إلا فيما ينتفع به مع بقاء
أصله . فإذا جاز وقف الأرض البيضاء أو الرباع لمنفعتها ، فكذلك وقف
الحيطان لثمرتها ، ووقف الماشية لدرها وصوفها ، ووقف الآبار والعيون
لمائها ؛ بخلاف ما يذهب بالانتفاع كالطعام ، ونحوه فلا يوقف .
وأما ((باب العارية ، فيسمون إباحة الظهر إفقارا ، يقال: أفقره
الظهر. وما أبيح لبنه: منيحة. وما أبيح تمره: عربة، وغير ذلك
عارية ، وشبهوا ذلك بالقرض الذي ينتفع به المقترض ثم يرد مثله .
ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم ((منيحة لبن، أو منيحة وَرَق))
٧٣
فاكتراء الشجر لأن يعمل عليها ويأخذ ثمرها بمنزلة استئجار الظئر
لأجل لبنها . وليس فى القرآن إجارة منصوصة إلا إجارة الظئر فى
قوله سبحانه ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة ليست عينا
ورأى جواز إجارة الظئر ، قال : المعقود عليه هو وضع الطفل فى
حجرها ، واللبن دخل ضمنا وتبعا ، كنقع البئر. وهذا مكابرة للعقل
والحس ؛ فإنا نعلم بالاضطرار أن المقصود بالعقد هو اللبن ، كما ذكره الله
وضم الطفل إلى حجرها : إن فعل
بقوله : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ)
فإنما هو وسيلة إلى ذلك . وإنما العلة ما ذكرته : من أن الفائدة التى
تستخلف مع بقاء أصلها تجري مجرى المنفعة . وليس من البيع الخاص؛
فإن الله لم يسم العوض إلا أجراً، لم يسمه تماً، وهذا بخلاف ما لو
حلب اللبن، فإنه لا يسمى المعاوضة عليه حينئذ إلا بيعا، لأنه لم يستوف
الفائدة من أصلها . كما يستوفي المنفعة من أصلها .
فلما كان للفوائد العينية التى يمكن فصلها عن أصلها حالان: حال تشبه
فيه المنافع المحضة، وهي حال اتصالها واستيفائها، واستيفاؤه كاستيفاء المنفعة .
وحال تشبه فيه الأعيان المحضة ، وهي حال انفصالها وقبضها ، كقبض
الأعيان . فإذا كان صاحب الشجر هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى
تصلح الثمرة ؛ فإنما يبيع ثمرة محضة، كما لو كان هو الذي يشق الأرض
٧٤
ويبذرها ويسقيها حتى يصلح الزرع. فإنما يبيع زرعاً محضاً ، وإن
كان المشتري هو الذي يجد ويحصد ، كما لو باعها على الأرض ، وكان
المشتري هو الذي ينقل ويحول؛ ولهذا جمع النبى صلى الله عليه وسلم
بينها فى النهي عن بيع الحب حتى يشتد ، وعن بيع الثمر حتى يبدو
صلاحه ؛ فإن هذا بيع محض للثمرة والزرع .
وأما إذا كان المالك يدفع الشجرة إلى المكتري حتى يسقيها ويلقحها
ويدفع عنها الأذى ، فهو بمنزلة دفعه الأرض إلى من بشقها ويبذرها
ويسقيها ؛ ولهذا سوي بينهما فى المساقاة والمزارعة ، فكما أن كراء
الأرض ليس ببيع لزرعها ، فكذلك كراء الشجرة ليس بديع لثمرها ؛
بل نسبة كراء الشجر إلى كراء الأرض كنسبة المساقاة إلى المزارعة .
هذا معاملة بجزء من النماء ، وهذا كراء بعوض معلوم. فإذا كانت هذه
الفوائد قد ساوت المنافع فى الوقف لأصلها ، وفى التبرعات بها ، وفى
المشاركة بجزء من نمائها ، وفي المعاوضة عليها بعد صلاحها : فكذلك
تساويها فى المعاوضة على استفادتها وتحصيلها .
ولو فرق بينهما بأن الزرع إنما يخرج بالعمل ؛ بخلاف الثمر ،
فإنه يخرج بلا عمل : كان هذا الفرق عديم التأثير ؛ بدليل المساقاة
والمزارعة . وليس بصحيح ؛ فإن للعمل تأثيرا فى الإنمار ، كما له تأثير
في الإنبات ، ومع عدم العمل عليها قد تعدم الثمرة وقد تنقص ؛ فإن
٧٥
من الشجر ما لو لم يسق لم يثمر ، ولو لم يكن للعمل عليه تأثير أصلا :
لم يجز دفعه إلى عامل بجزء من تمره ، ولم يجز فى مثل هذه الصورة
إجارته قبل بدو صلاحه ؛ فإنه بيع محض للثمرة ؛ لا إجارة للشجر .
ويكون كمن أكرى أرضه لمن يأخذ منها ما ينبته الله بلا عمل أحد
أصلا قبل وجوده .
فإن قيل : المقصود بالعقد هنا غرر ؛ لأنه قد يثمر قليلا ، وقد
يثمر كثيرا .
يقال : ومثله في إ كراء الأرض ؛ فإن المقصود بالعقد غرر أيضا
على هذا التقدير ؛ فإنها قد تنبت قليلا وقد تنبت كثيرا .
وإن قيل : المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع ، لانفس
الزرع الثابت .
قيل : والمعقود عليه هنا : التمكن من الاستثمار ؛ لانفس الثمر
الخارج . ومعلوم أن المقصود فيها إنما هو الزرع والثمر . وإنما يجب
العوض بالتمكن من تحصيل ذلك . كما أن المقصود باكتراء الدار إنما
هو السكنى ، وإن وجب العوض بالتمكن من تحصيل ذلك .
فالمقصود فى اكتراء الأرض للزرع : إنما هو نفس الأعيان التى
٧٦
تحصد. ليس كاكترائها للسكنى أو البناء ، فإن المقصود هناك نفس
الانتفاع بجعل الأعيان فيها . وهذا بين عند التأمل ، لا يزيده البحث
عنه إلا وضوحا .
فظهر به أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع
الثمرة قبل زهوها ، وبيع الحب قبل اشتداده ، ليس هو - إن شاء
الله - إكراؤها لمن يحصل ثمرتها وزرعها بعمله وسقيه ، ولا هذا
داخل فى نهيه لفظا ولا معنى .
يوضح ذلك : أن البائع لثمرتها عليه تمام سقيها والعمل عليها حتى
يتمكن المشتري من الجذاذ كما على بائع الزرع تمام سقيه حتى يتمكن
المشتري من الحصاد ؛ فإن هذا من تمام التوفية ، ومثونة التوفية على
البائع، كالكيل والوزن . وأما المكري لها لمن يخدمها حتى ثمر،
فهو كمكري الأرض لمن يخدمها حتى تنبت ؛ ليس على المكري
عمل أصلا ، وإنما عليه التمكين من العمل الذي يحصل به
الثمر والزرع .
لكن يقال : طرد هذا : أن يجوز إكراء البهائم لمن يعلفها ويسقيها
ويحتلب لبنها .
قيل : إذا جوزنا على إحدى الروايتين أن تدفع الماشية إلى من
٧٧
يعلفها ويسقيها بجزء من درها ونسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها
لدرها ونسلها بشيء مضمون .
وإن قيل : فهلا جاز إجارتها لاحتلاب لبنها ، كما جاز
إجارة الظهر ؟ .
ء
قيل : إجارة الظئر ان ترضع بعمل صاحبها للغنم ، لأن الظئر هي
التى ترضع الطفل فإذا كانت هي التى توفى المنفعة ، فنظيره : أن يكون
المؤجر هو الذي يوفى منفعة الإرضاع . وحينئذ فالقياس: جوازه . ولو
كان لرجل غنم فاستأجر غنم رجل ليرضعها لم يكن هذا ممتنعا . وأما
إن كان المستأجر هو الذي يحلب اللبن ، أو هو الذي يستوفيه . فهذا
مشتر للبن؛ ليس مستوفيا لمنفعة ، ولا مستوفيا للعين بعمل . وهو شبيه
باشتراء الثمرة . واحتلابه كاقتطافها . وهو الذي نهى عنه النبي صلى
اللّه عليه وسلم بقوله: ((لا يباع لبن فى ضرع)، بخلاف ما
لو استأجرها لأن يقوم عليها ويحتلب لبنها، فهذا نظير اكترا.
الأرض والشجر .
٧٨
فصل
هذا إذا أكراه الأرض والشجر ، أو الشجرة وحدها لأن يخدمها
ويأخذ الثمرة بعوض معلوم . فإن باعه الثمرة فقط وأكراه الأرض
للسكنى : فهنا لا يجىء إلا الأصل الأول المذكور عن ابن عقيل ،
وبعضه عن مالك وأحمد في إحدى الروايتين ، إذا كان الأغلب هو
السكنى. وهو أن الحاجة داعية إلى الجمع بينها . فيجوز فى الجمع ما لا
يجوز فى التفريق ، كما تقدم من النظائر . وهذا إذا كان كل واحد
من السكنى والثمرة مقصوداً له ، كما يجري في حوائط دمشق ؛ فإن
البستان يكترى في المدة الصيفية للسكنى فيه وأخذ تمره من غير عمل
على الثمرة أصلا ؛ ؛ بل العمل على المكري المضمن .
وعلى ذلك الأصل : فيجوز ، وإن كان الثمر لم يطلع بحال ،
سواء كان جنسا واحداً أو أجناسا متفرقة ، كما يجوز مثل ذلك في
القسم الأول . فإنه إنما جاز لأجل الجمع بينه وبين المنفعة . وهو فى
الحقيقة جمع بين بيع وإجارة ؛ بخلاف القسم الأول ؛ فإنه قد يقال :
هو إجارة ؛ لأن مئونة توفية الثمر هنا على المضمن وبعمله بصير ثمرا ؛
٧٩
بخلاف القسم الأول ؛ فإنه إنما يصير مثمراً بعمل المستأجر ؛ ولهذا
يسميه الناس : ضمانا ، إذ ليس هو بيعا محضا ولا إجارة محضة فسمى
باسم الالتزام العام فى المعاوضات وغيرها ، وهو الضمان ، كما يسمى الفقهاء
مثل ذلك في قوله : ألق متاعك فى البحر وعلي ضمانه . وكذلك يسمى
القسم الأول ضمانا أيضا . لكن ذاك يسمى إجارة. وهذا إذا سمى إجارة
أو اكتراء: فلأن بعضه إجارة أو اكترا . . وفيه بيع أيضا .
فأما إن كانت المنفعة ليست مقصودة أصلا ، وإنما جاءت لأجل
جداد الثمرة مثل أن يشتري عنبا أو بلحا ، ويريد أن يقيم فى الحديقة
لقطافه : فهذا لا يجوز قبل بدو صلاحه ؛ لأن المنفعة إنما قصدت هنا
لأجل الثمر ، فلا يكون الثمر تابعا لها، ولا يحتاج إلى إجارتها إلا إذا
جاز بيع الثمر ؛ بخلاف القسم الذي قبله ؛ فإن المنفعة إذا كانت
مقصودة احتاج إلى استئجارها ، واحتاج مع ذلك إلى اشتراء الثمرة ،
فاحتاج إلى الجمع ؛ لأن المستأجر لا يمكنه إذا استأجر المكان للسكنى
أن يدع غيره يشتري الثمرة؛ ولا يتم غرضه من الانتفاع إلا أن يكون
له ثمرة بأ كلها ؛ فإن مقصوده الانتفاع بالسكنى في ذلك المكان والأكل
من الثمر الذي فيه . ولهذا إذا كان المقصود الأعظم هو السكنى ،
وإنما الشجر قليل ، مثل أن يكون فى الدار نخلات أو عريش عنب ونحو
ذلك ، فالجواز هنا مذهب مالك ، وقياس أكثر نصوص أحمد وغيره.
٨٠