النص المفهرس
صفحات 21-40
عليه وسلم عن عثمان بن عفان بيعة الرضوان ، وكان غائباً ، وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون استئذانهما ؛ لعلمه أنهما راضيان بذلك . ولما دعاه صلى الله عليه وسلم اللحام سادس ستة: اتبعهم رجل ، فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي . وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصرى : أن أصحابه لما دخلوا منزله وأ كلوا طعامه، قال : ذكرتمونى أخلاق قوم قد مضوا . وكذلك معنى قول أبى جعفر : إن الإخوان من يدخل أحدهم بده في جيب صاحبه . فيأخذ منه ما شاء . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن استوهبه كبة شعر ((أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب: فقد وهبته لك)). وكذلك إعطاؤه المؤلفة قلوبهم عند من يقول: إنه أعطاهم من أربعة الأخماس . وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع حكيم بن حزام وعروة بن الجعد لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار ؛ فإن التصرف بغير استئذان خاص : نارة بالمعاوضة ، ونارة بالتبرع، ونارة بالانتفاع ، مأخذه : إما إذن عرفى عام ، أو خاص . ٢١ فصل القاعدة الثانية فى العقود حلالها وحرامها والأصل فى ذلك : أن اللّه حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل . وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذم الربا وقد نهوا عنه ، وأ كلهم أموال الناس بالباطل . وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل فى المعاوضات والتبرعات ، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق . وأكل المال بالباطل فى المعاوضة نوعان ، ذكرهما الله في كتابه هما : الربا ، والميسر . فذكر بحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر ((سورة البقرة)) ((وسورة آل عمران)) ((والروم)) ((والمدثر)). وذم اليهود عليه فى ((سورة النساء)) وذكر تحريم الميسر فى ((سورة المائدة)). ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله فى كتابه. فهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر . كما رواه مسلم وغيره عن أبى هريرة رضي الله عنه . والغرر : هو المجهول العاقبة . فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار . وذلك : أن العبد إذا أبق ، ٢٢ أو الفرس أو البعير إذا شرد ؛ فإن صاحبه إذا باعه فإنما يبيعه مخاطرة ، فيشتربه المشترى بدون ثمنه بكثير . فإن حصل له قال البائع : قمرتنى، وأخذت مالى بثمن قليل ، وإن لم يحصل قال المشترى : قمرتنى وأخذت الثمن منى بلا عوض ، فيفضى إلى مفسدة الميسر : التى هي إيقاع العداوة والبغضاء ، مع ما فيه من أكل المال بالباطل ، الذي هو نوع من الظلم . ففى بيع الغرر ظلم، وعداوة ، وبغضاء . ومن نوع الغرر ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع حبل الحبلة ، والملاقيح ، والمضامين ، ومن بيع السنين، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه ، وبيع الملامسة والمنابذة ونحو ذلك : كله من نوع الغرر . وأما الربا: فتحريمه فى القرآن أشد، ولهذا قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنَ لَّمْتَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ») وذكره النبي صلى الله عليه وسلم فى الكبائر ، كما خرجاه فى الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه . وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم. وصدم عن سبيل الله ، وأخذم الربا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل . وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا ، كما يربى الصدقات . وكلاهما أمر مجرب عند الناس . ٢٣ وذلك : أن الربا أصله إنما يتعامل به المحتاج ، وإلا فالموسر لا بأخذ ألفاً حالة بألف ومائتين مؤجلة إذا لم يكن له حاجة لتلك الألف. وإنما يأخذ المال بمثله وزيادة إلى أجل من هو محتاج إليه ، فتقع تلك الزيادة ظلما للمحتاج ، بخلاف الميسر . فإن المظلوم فيه غير مفتقر ، ولا هو محتاج إلى العقد . وقد تخلو بعض صوره عن الظلم إذا وجد فى المستقبل المبيع على الصفة التى ظناها ، والربا فيه ظلم محقق للمحتاج . ولهذا كان ضد الصدقة . فإن اللّه لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء ؛ فإن مصلحة الغنى والفقير فى الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك . فإذا أربى معه ، فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى ، والغريم محتاج إلى دينه . فهذا من أشد أنواع الظلم. ولعظمته : لعن النبي صلى الله عليه وسلم آ كله، وهو الآخذ، وموكله، وهو المحتاج المعطى للزيادة ، وشاهديه وكاتبه، لإعانتهم عليه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء مما يخفى فيها الفساد لإفضائها إلى الفساد المحقق - كما حرم قليل الخمر ؛ لأنه يدعو إلى كثيرها - مثل ربا الفضل ؛ فإن الحكمة فيه قد تخفى ، إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين ؛ إلا لاختلاف الصفات . مثل: كون الدرهم صحيحاً . والدرهمين مكسورين ، أوكون الدريم مصوغا ، أو من نقد نافق ونحو ذلك ؛ ولذلك خفيت حكمة تحريمه على ابن عباس ومعاوية ٢٤ وغيرهما ، فلم يروا به بأساً ، حتى أخبرهم الصحابة الأكابر - كعبادة ابن الصامت ، وأبى سعيد ، وغيرها - بتحريم النبى صلى الله عليه وسلم لربا الفضل . وأما الغرر : فإنه ثلاثة أنواع . إما المعدوم ، كمبل الحبلة ، وبيع السنين . وإما المعجوز عن تسليمه ، كالعبد الآبق . وإما المجهول المطلق، أو المعين المجهول جنسه أو قدره. كقوله: بعتك عبداً، أو بعتك ما فى بيتى ، أو بعتك عبيدي . فأما المعين المعلوم جنسه وقدره، المجهول نوعه أو صفته - كقوله : بعتك الثوب الذي فى كمي ، أو العبد الذي أملكه ونحو ذلك - ففيه خلاف مشهور . وتغلب (١) مسألة بيع الأعيان الغائبة ، وعن أحمد فيه ثلاث روايات ، إحداهن : لا يصح بيعه بحال ، كقول الشافعي فى الجدید . والثانية: يصح وإن لم يوصف، وللمشتري الخيار إذا رآه ، كقول أبى حنيفة. وقد روي عن أحمد: لا خيار له . والثالثة - وهي المشهورة - أنه يصح بالصفة ، ولا يصح بدون الصفة ، كالمطلق الذي فى الذمة . وهو قول مالك . ومفسدة الغرر أقل من الربا ؛ فلذلك رخص فيما ندعو إليه (١) نسخة: ويلتفت إلى مسألة ٢٥ الحاجة منه ؛ فإن تحريمه أشد ضرراً من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة ، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس. ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع ، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن ، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفرداً. وكذلك اللبن عند الأكثرين. وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها ؛ فإنه يصح ، مستحق الإبقاء ، كما دلت عليه السنة ، وذهب إليه الجمهور . كمالك والشافعي وأحمد . وإن كانت الأجزاء التى يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد . وجوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت : أن يشترط المبتاع ثمرتها . فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ؛ لكن على وجه البيع للأصل . فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره . ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص فى بيعها بالخرص . ولم يجوز المفاضلة المتيقنة ؛ بل سوغ المساواة بالخرص فى القليل الذي تدعو إليه الحاجة ، وهو قدر النصاب خمسة أوسق ، أو ما دون النصاب . على اختلاف القولين للشافعى ، وأحمد ، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب . إذا تبين ذلك . فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره؛ ٢٦ فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال : هو أفقه الناس فى البيوع . كما كان يقال : عطاء أفقه الناس في المناسك ، وإبراهيم أفقهم فى الصلاة ، والحسن أجمعهم لذلك كله . ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين فى أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته . والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك فى الأغلب ؛ فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد ؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعظم مفسدته ، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق ، حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه ، وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع مالا يختلف قول أحمد فيه ؛ أو لا يقوله ؛ لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها. وجماع الحيل نوعان : إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود ، أو بضموا إلى العقد عقداً ليس بمقصود . فالأول مسألة ((مد عجوة)) وضابطها : أن يبيع ربوياً بجنسه ، ومعها أو مع أحدهما ما ليس من جنسه ، مثل أن يكون غرضها بيع فضة بفضة متفاضلا ونحو ذلك فيضم إلى الفضة القليلة عوضاً آخر، حتى يديع ألف دينار فى منديل بألفي دينار . فمتى كان المقصود بيع الربوى بجنسه متفاضلا حرمت مسألة (« مد عجوة)) بلا خلاف عند مالك وأحمد وغيرهما ، وإنما يسوغ مثل هذا من جوز الحيل من الكوفيين، وإن ٢٧ كان قدماء الكوفيين يحرمون هذا . وأما إن كان كلاهما مقصوداً كمد عجوة ودرم بمد عجوة ودرم ، أو مدين أو درهمين . ففيه روايتان عن أحمد. والمنع قول مالك والشافعي . والجواز : قول أبى حنيفة . وهي مسألة اجتهاد . وأما إن كان المقصود من أحد الطرفين غير الجنس الربوي ، كبيع شاة ذات صوف أو لبن ، بصوف أو لبن : فأشهر الروايتين عن أحمد الجواز . والنوع الثانى من الحيل : أن يضما إلى العقد المحرم عقداً غير مقصود ، مثل أن يتواطآ على أن يبيعه الذهب بخرزه ، ثم يبتاع الخرز منه بأكثر من ذلك الذهب ، أو يواطئا ثالثاً على أن يبيع أحدهما عرضا، ثم يبيعه المبتاع لمعامله المرابى ثم يبيعه المرابي لصاحبه. وهي الحيلة المثلثة ، أو يقرن بالقرض محاباة: فى بيع ، أو إجارة، أو مساقاة، ونحو ذلك ؛ مثل أن يقرضه ألفاً ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمائتين ، أو بكريه داراً تساوي ثلاثين بخمسة ونحو ذلك . فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التى حرم الله من أجلها الربا . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله ابن عمرو أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ٢٨ ريج مالم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وهو من جنس حيل اليهود . فإنهم إنما استحلوا الربا بالحيل ، ويسمونه المشكند (١) وقد لعنهم الله على ذلك. وقد روى ابن بطة بإسناد حسن عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) وفى الصحيحين عنه أنه قال: ((لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم جملوها فباعوها وأكلوا تمنها )) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أدخل فرساً بين فرسين - وهو لا بأمن أن يسبق - فليس قمارا ، ومن أدخل فرساً بين فرسين - وقد أمن أن يسبق - فهو قمار)) وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله )). ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة، ذكرنا منها نحوا من ثلاثين دليلا فيما كتبنا. في ذلك ، وذكرنا ما يحتج به من يجوزها ، كيمين أيوب ، وحديث تمر خيبر ، ومعاريض (١) نسخة : المشكل. ٢٩ السلف . وذكرنا جواب ذلك . ومن ذرائع ذلك: ((مسألة العينة)) وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل، ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك . فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين ؛ لأنها حيلة . وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين جيدين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد فى سبيل الله: أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم )). وإن لم يتواطآ فإنهما ببطلان البيع الثانى سداً للذريعة . ولو كانت عكس مسألة العينة من غير تواطؤ : ففيه روايتان عن أحمد ، وهو أن يبيعه الا، ثم يبتاع منه بأكثر مؤجلا . وأما مع التواطؤ فربا محتال عليه . ولو كان مقصود المشترى الدرم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ تمنها. فهذا يسمى: ((التورق)). ففي كراهته عن أحمد روايتان . والكراهة قول عمر بن عبد العزيز ومالك ، فيما أظن؛ بخلاف المشتري الذي غرضه التجارة ، أو غرضه الانتفاع أو القنية ، فهذا يجوز شراؤه إلى أجل بالاتفاق . ففي الجملة : أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما، مراعين المقصود الشريعة وأصولها . وقولهم في ذلك هو ٣٠ الذي يؤثر مثله عن الصحابة ، وتدل عليه معانى الكتاب والسنة . وأما الغرر : فأشد الناس فيه قولا أبو حنيفة والشافعي رضى الله عنها . أما الشافعي : فإنه يدخل فى هذا الاسم من الأنواع مالا يدخله غيره من الفقهاء ؛ مثل الحب والثمر فى قشره الذي ليس بصوان : كالباقلاء ، والجوز، واللوز فى قشره الأخضر ، وكالحب فى سنبله ، فإن القول الجديد عنده : أن ذلك لا يجوز ، مع أنه قد اشترى في مرض موته باقلاء أخضر ، خرج ذلك له قولا ، واختاره طائفة من أصحابه، كأبى سعيد الاصطخري . وروى عنه أنه ذكر له : أن النبى صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع الحب حتى يشتد)) فدل على جواز بيعه بعد اشتداده، وإن كان فى سنبله. فقال: إن صح هذا أخرجته من العام ، أو كلاما قريباً من هذا. وكذلك ذكر أنه رجع عن القول بالمنع . قال ابن المنذر: جواز ذلك هو قول مالك وأهل المدينة ، وعبيد الله ابن الحسن وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي . وقال الشافعي مرة لا يجوز ، ثم بلغه حديث ابن عمر ، فرجع عنه وقال به. قال ابن المنذر : ولا أعلم أحداً يعدل عن القول به . وذكر بعض أصحابه له قولين ، وإن الجواز هو القديم . حتى منع ٣١ من بيع الأعيان الغائبة بصفة وغير صفة، متأولا أن بيع الغائب غرر وإن وصف، حتى اشترط فيما فى الذمة .. كدين السلم - من الصفات وضبطها ما لم يشترطه غيره . ولهذا يتعذر أو يتعسر على الناس المعاملة في العين والدين بمثل هذا القول . وقاس على بيع الغرر جميع العقود ؛ من التبرعات والمعاوضات ، فاشترط فى أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة . وصلح أهل الهدنة، وجزية أهل الذمة : ما اشترطه فى البيع عينا ودينا ؛ ولم يجوز في ذلك جنساً وقدرا وصفة إلا ما يجوز مثله فى البيع ، وإن كانت هذه العقود لا تبطل بفساد إعواضها ، أو يشترط لما شروط أخر . وأما أبو حنيفة: فإنه يجوز بيع الباقلاء ونحوه فى القشرين ، ويجوز إجارة الأجير بطعامه وكسوته ، ويجوز أن تكون جهالة المهر كجهالة مهر المثل . ويجوز بيع الأعيان الغائبة بلا صفة، مع الخيار ؛ لأنه يرى وقف العقود ؛ لكنه يحرم المساقاة والمزارعة ومحوهما من المعاملات مطلقاً . والشافعي يجوز بيع بعض ذلك ، ويحرم أيضاً كثيراً من الشروط فى البيع والإجارة والنكاح وغير ذلك مما يخالف مطلق العقد . وأبو حنيفة يجوز بعض ذلك ، ويجوز من الوكالات والشركات مالا يجوزه الشافعي، حتى جوز شركة المفاوضة والوكالة بالمجهول المطلق . ٣٢ وقال الشافعى : إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فما أعلم شيئاً باطلا. فبينها فى هذا الباب عموم وخصوص ، لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبى حنيفة فى ذلك . وأما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب فى هذا . فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة ، أو يقل غرره ، بحيث يحتمل في العقود ، حتى يجوز بيع المقائى جملة، وبيع المغيبات في الأرض ، كالجزر والفجل ونحو ذلك . وأحمد قريب منه في ذلك ، فإنه يجوز هذه الأشياء ، ويجوز - على المنصوص عنه - أن يكون المهر عبداً مطلقا ، أو عبداً من عبيده ونحو ذلك مما لا تزيد جهالته على مهر المثل . وإن كان من أصحابه من يجوز المبهم دون المطلق ، كأبى الخطاب . ومنهم من يوافق الشافعي . فلا يجوز فى المهر وفدية الخلع ونحوهما إلا ما يجوز في المبيع ، كأبى بكر عبد العزيز : ويجوز - على المنصوص عنه - في فدية الخلع أكثر من ذلك ، حتى ما يجوز فى الوصية وإن لم يجز فى المهر ، كقول مالك، مع اختلاف في مذهبه ، ليس هذا موضعه ؛ لكن المنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع المغيب فى الأرض ، كالجزر ونحوه إلا إذا قلع . وقال : ٣٣ هذا الغرر ، شيء ليس يراه ، كيف يشتربه؟ والمنصوص عنه : أنه لا يجوز بيع الفناء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة ، ولا يباع من المقانى والمباطخ إلا ما ظهر دون ما بطن ، ولا تباع الرطبة إلا جزة جزة ، كقول أبى حنيفة والشافعي ؛ لأن ذلك غرر . وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها . ثم اختلف أصحابه فأكثرم أطلقوا ذلك فى كل مغيب ، كالجزر والفجل ، والبصل وما أشبه ذلك . كقول الشافعي وأبي حنيفة . وقال الشيخ أبو محمد : إذا كان مما يقصد فروعه وأصوله ، كالبصل المبيع أخضر ، والكرات والفجل ، أو كان المقصود فروعه . فالأولى جواز بيعه ؛ لأن المقصود منه ظاهر . فأشبه الشجر والحيطان ويدخل مالم يظهر فى المبيع تبعا . وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه فى الأرض؛ لأن الحكم للأغلب ، وإن تساويا لم يجز أيضا ؛ لأن الأصل اعتبار الشرط ، وإنما سقط فى الأقل التابع . وكلام أحمد يحتمل وجهين . فإن أبا داود قال: قلت لأحمد: بيع الجزر فى الأرض ؟ قال : لا يجوز بيعه إلا ما قلع منه . هذا الغرر ، شيء ليس يراه . كيف يشتريه ؟ فعلل بعدم الرؤية . فقد يقال : إن لم ير كله لم يبع . وقد يقال : رؤية بعض المبيع تكفي إذا دلت على الباقي، ٣٤ کرؤية وجه العبد . وكذلك اختلفوا فى المقافى إذا بيعت بأصولها . كما هو العادة غالبا . فقال قوم من المتأخرين : يجوز ذلك ؛ لأن بيع أصول الخضروات . كبيع الشجر ، وإذا باع الشجرة وعليها الثمر لم يبد صلاحه باز. فَكذلك هذا . وذكر أن هذا مذهب أبى حنيفة والشافعي . وقال المتقدمون : لا يجوز بحال ، وهو معنى كلامه ومنصوصه . وهو إنما نهى عما يعتاده الناس ، وليست العادة جارية فى البطيخ والقثاء والخيار : أن يباع دون عروقه . والأصل الذى قاسوا عليه ممنوع عنده؛ فإن المنصوص عنه في رواية الأثرم ، وإبراهيم بن الحارث فى الشجر الذي عليه تمر لم يبد صلاحه: أنه إن كان الأصل هو مقصوده الأعظم باز. وأما إن كان مقصوده الثمرة ، فاشترى الأصل معها حيلة: لم يجز. وكذلك إذا اشترى أرضا وفيها زرع أو شجر مثمر لم يبد صلاحه ، فإن كانت الأرض هي المقصود : باز دخول الثمر والزرع معها تبعا. وإن كان المقصود هو الثمر والزرع ، فاشترى الأرض لذلك : لم يجز . وإذا كان هذا قوله فى ثمرة الشجر، فمعلوم أن المقصود من المقائى والمباطخ : إنما هو الخضروات : دون الأصول التى ليس لها إلا قيمة بسيرة بالنسبة إلى الخضر . وقد خرج ابن عقيل وغيره فيها وجهين : ٣٥ أحدهما : كما في جواز بيع المغيبات ، بناء على إحدى الروايتين عنه فى بيع مالم يره . ولا شك أنه ظاهر فإن المنع إنما يكون على قولنا : لا يصح بيع ما لم يره . فإذا مححنا بيع الغائب فهذا من الغائب . والثانى: أنه يجوز بيعها مطلقا ، كمذهب مالك ، إلحاقا لها بلب الجوز . وهذا القول هو قياس أصول أحمد وغيره لوجهين : أحدهما : أن أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه . والمرجع في كل شي إلى الصالحين من أهل الخبرة به ، وم يقرون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يعرف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى . الثانى : أن هذا مما تمس حاجة الناس إلى بيعه ؛ فإنه إذا لم يبع حتى يقلع ، حصل على أصحابه ضرر عظيم ؛ فإنه قد يتعذر عليهم مباشرة القلع والاستنابة فيه . وإن قلعوه جملة فسد بالقلع. فبقاؤه في الأرض كبقاء الجوز واللوز ونحوهما فى قشره الأخضر . وأحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوزون العرايا مع ما فيها من المزابنة لحاجة المشترى إلى أكل الرطب ، أو البائع إلى أكل التمر . فحاجة البائع هنا أوكد بكثير . وسنقرر ذلك إن شاء الله تعالى . ٣٦ وكذلك قياس أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث : جواز بيع المقافى باطنها وظاهرها . وإن اشتمل ذلك على بيع معدوم ، إذا بدا صلاحها ، كما يجوز بالاتفاق إذا بدا صلاح بعض نخلة أو شجرة : أن يباع جميع تمرها . وإن كان فيها ما لم يصلح بعد . وغاية ما اعتذروا به عن خروج هذا من القياس أن قالوا : إنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة ؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت بغيرها فى يوم واحد ، لأن البسرة تصفر فى يومها . وهذا بعينه موجود فى المقناة . وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي وأحمد عن بيع المعدوم تبعا بأن ما يحدث من الزيادة فى الثمرة بعد العقد ليس بتابع للموجود ؛ وإنما يكون ذلك للمشتري ؛ لأنه موجود فى ملكه . والجمهور من الطائفتين يعلمون فساد هذا العذر ؛ لأنه يجب على البائع سقي الثمرة ، ويستحق إبقاءها على الشجر بمطلق العقد ، ولو لم يستحق الزيادة بالعقد لما وجب على البائع ما به يوجد ؛ فإن الواجب على البائع بحكم البيع توفية المبيع الذي أوجبه العقد ؛ لا ما كان من موجبات الملك. وأيضا : فإن الرواية اختلفت عن أحمد إذا بدا الصلاح فى ٣٧ حديقة من الحدائق هل يجوز بيع جميعها ، أم لا يباع إلا ما صلح منها ؟ على روايتين : أشهرهما عنه : أنه لا يباع إلا ما بدا صلاحه . وهي اختيار قدماء أصحابه . كأبى بكر وابن شافلا . . والرواية الثانية : يكون بدو الصلاح فى البعض صلاحا للجميع ، وهي اختيار أكثر أصحابه . كابن حامد والقاضى ومن تبعها. ثم المنصوص عنه في هذه الرواية أنه قال : إذا كان فى بستان بعضه بالغ ، وبعضه غير بالغ : بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ . فمنهم من فرق بين صلاح القليل والكثير ، كالقاضى أخيراً ، وأبى حكيم النهرواني ، وأبى البركات وغيرهم ممن قصر الحكم بما إذا غلب الصلاح . ومنهم من سوى بين الصلاح القليل والكثير، كأبى الخطاب وجماعات . وهو قول مالك والشافعي والليث . وزاد مالك فقال : يكون صلاحا لما جاوره من الأقرحة . وحكوا ذلك رواية عن أحمد . واختلف هؤلاء: هل يكون صلاح النوع - كالبرنى من الرطب - صلاحا لسائر أنواع الرطب ؟ على وجهين فى مذهب الشافعي وأحمد. ( أحدهما) المنع، وهو قول القاضي وابن عقيل وأبى محمد. ( والثاني) الجواز ، وهو قول أبى الخطاب . وزاد الليث على هؤلاء فقال : ٣٨ صلاح الجنس . كالتفاح واللوز - يكون صلاحا لسائر أجناس الثمار. ومأخذ من جوز شيئا من ذلك : أن الحاجة تدعو إلى ذلك ؛ فإن بيع بعض ذلك دون بعض بفضى إلى سوء المشاركة ، واختلاف الأبدى . وهذه علة من فرق بين البستان الواحد والبساتين . ومن سوى بينهما ، قال : المقصود الأمن من العاهة . وذلك يحصل بشروع الثمر فى الصلاح . ومأخذ من منع ذلك : أن قول التى صلى الله عليه وسلم ((حتى يبدو صلاحها )) يقتضى بدو صلاح الجميع . والغرض من هذه المذاهب : أن من جوز بيع البستان من الجنس الواحد لبدو الصلاح فى بعضه ، فقياس قوله : جواز بيع المقناة إذا بدا صلاح بعضها . والمعدوم هنا فيها كالمعدوم من أجزاء الثمرة ؛ فإن الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر ؛ إذ تفريق الأشجار فى البيع أيسر من تفريق البطيخات والقثاءات والخيارات، وتميز اللقطة من اللقطة لو لم يشق ، فإنه أمر لا ينضبط ؛ فإن اجتهاد الناس فى ذلك متفاوت. والغرض من هذا : أن أصول أحمد تقتضى موافقة مالك فى هذه المسائل ، كما قد روى عنه فى بعض الجوابات ، أو قد خرجه أصحابه على أصوله . ٣٩ وكما أن العالم من الصحابة والتابعين والأئمة كثيرا ما يكون له فى المسألة الواحدة قولان فى وقتين ، فكذلك يكون له فى النوع الواحد من المسائل قولان في وقتين . فيجيب في بعض أفرادها بجواب فى وقت ، ويجيب فى بعض الأفراد بجواب آخر فى وقت آخر . وإذا كانت الأفراد مستوية وكان له فيها قولان . فإن لم يكن بينهما فرق يذهب إليه مجتهد فقوله فيها واحد بلا خلاف ، وإن كان مما قد يذهب إليه مجتهد ، فقالت طائفة، منهم أبو الخطاب : لا يخرج . وقال الجمهور - كالقاضى أبى يعلى ـ يخرج الجواب ، إذا لم يكن هو ممن يذهب إلى الفرق ، كما اقتضته أصوله . ومن هؤلاء من يخرج الجواب إذا رآهما مستويين، وإن لم يعلم هل هو ممن يفرق أم لا. وإن فرق بين بعض الأفراد وبعض مستحضرا لهما ، فإن كان سبب الفرق مأخذا شرعيا : كان الفرق قولا له . وإن كان سبب الفرق مأخذاً عادياً أو حسيا ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك ، فهذا فى الحقيقة لا يفرق بينهما شرعا ، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم. فأما ما كان من أمر دينكم فإلي )) . وهذا الاختلاف في عين المسألة أو نوعها من العلم قد يسمى تناقضا ٤٠