النص المفهرس

صفحات 541-560

بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام ، المحاربين لله ورسوله ،
الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم . فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت
بالسنة والإجماع ، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين: فى أنفسهم.
وأموالهم ، وحرمهم ، ودينهم . وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها .
ومن قتل دونها فهو شهيد ، فكيف بمن قاتل عليها كلها ، وم من شر
البغاة المتأولين الظالمين .
لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ
خطأ قبيحاً ، وضل ضلالا بعيدا؛ فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن
يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به ؛ ولهذا قالوا : إن الإمام يراسلهم ،
فإن ذكروا شبهة بينها ، وإن ذكروا مظلمة أزالها . فأي شبهة لهؤلاء
المحاربين اللّه ورسوله ، الساعين فى الأرض فساداً، الخارجين عن شرائع
الدين . ولا ريب أنهم لا يقولون إنهم أقوم بدين الإسلام علما وعملا
من هذه الطائفة ؛ بل ثم مع دعوام الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة
أعلم بالإسلام منهم ، وأتبع له منهم . وكل من تحت أديم السماء من
مسلم وكافر يعلم ذلك ، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال ، فامتنع
أن تكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين، كيف وم قد
سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوم ؟! حتى إن الناس قد رأوه
يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال ، ويعظمون الرجل
٥٤١

ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب ، ويسبون حريمه ، ويعاقبونه
بأنواع العقوبات التى لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأخبرهم ، والمتأول
تأويلا دينياً لا يعاقب إلا من يراء عاصيا للدين ، وهم يعظمون من
يعاقبونه فى الدين ويقولون إنه أطوع اللّه منهم . فأي تأويل بقي لهم؟!
ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغا : بل تأويل الخوارج
ومانعي الزكاة أوجه من تأويلهم .
أما الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن ، وأن ما خالفه من السنة
لا يجوز العمل به . وأما مانعو الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا : إن
الله قال لنبيه: ( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً ) وهذا خطاب لنبيه فقط. ،
فليس علينا أن ندفعها لغيره . فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ، ولا
يخرجونها له . والخوارج لهم علم وعبادة ، وللعلماء معهم مناظرات،
كمناظرتهم مع الرافضة والجهمية . وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال
المسلمين ، فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل .
وقد خاطبنى بعضهم بأن قال: ملكنا ملك ، ابن ملك ، ابن ملك،
إلى سبعة أجداد ، وملككم ابن مولى . فقلت له : آباء ذلك الملك
كلهم كفار ، ولا خير بالكافر : بل المملوك المسلم خير من الملك
الكافر، قال الله تعالى: ( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌمِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْأَ عْجَبَكُمْ ) .
فهذه وأمثالها حججهم . ومعلوم أن من كان مسلما وجب
٥٤٢

عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبداً ، ولا يطيع الكافر ، وقد ثبت فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اسمعوا وأطيعوا،
وإن أمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله
ودين الإسلام)). إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه ؛ لا بآبائه ؛ ولو
كانوا من بنى هاشم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الله
خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشياً ، وخلق النار لمن عصاه
ولو كان شريفاً قرشيا، وقد قال الله تعالى:
(يَأَيُّهَ النَّاسُ إِنَّا خَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا فضل
لعربى على معجمي ، ولا لعجمي على عربى ، ولا لأسود على أبيض، ولا
الأبيض على أسود، إلا بالتقوى. الناس من آدم، وآدم من تراب )).
وفى الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (( إن آل أبي فلان
ليسوا بأوليائى، إنما وليى الله وصالح المؤمنين)) فأخبر النبي صلى الله
عليه وسلم أن موالاته ليست بالقرابة والنسب ؛ بل بالإيمان والتقوى .
فإذا كان هذا فى قرابة الرسول ، فكيف بقرابة جنكسخان الكافر
المشرك ؟! وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا ونقوى
كان أفضل ممن هو دونه فى الإيمان والتقوى ، وإن كان الأول أسود
حبشياً ، والثانى علوياً أو عباسياً .
٥٤٣

وسئل رحمه الله ورضي عند
عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ، ويقولون : إن فيهم من يخرج
مكرها معهم. وإذا هرب أحدم هل يتبح أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . قتال التتار الذين قدموا إلى بلاد
الشام واجب بالكتاب والسنة؛ فإن الله يقول في القرآن: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى
لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَحِكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ) والدين هو الطاعة ، فإذا كان
بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله
اللّه؛ ولهذا قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ
مِنَ الرِّبَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، )
وهذه الآية نزلت فى أهل الطائف لما دخلوا في الإسلام
والتزموا الصلاة والصيام ؛ لكن امتنعوا من ترك الربا . فبين الله أنهم
محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا . والربا هو آخر ما حرمه
الله، وهو مال يؤخذ برضا صاحبه . فإذا كان هؤلاء محاربين لله
ورسوله يجب جهادهم ، فكيف بمن يترك كثيراً من شرائح الإسلام أو
أكثرها كالتتار ؟ !.
:
٥٤٤

وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن
بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها ، إذا تكلموا
بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة ، أو صيام شهر رمضان أو حج
البيت العتيق ، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة ، أو عن تحريم
الفواحش ، أو الخمر ، أو نكاح ذوات المحارم ، أو استحلال النفوس
والأموال بغير حق ، أو الربا، أو الميسر، أو عن الجهاد للكفار، أو
عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ، ونحو ذلك من شرائع الإسلام،
فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله .
وقد ثبت فى الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر فى مانعى الزكاة قال
له أبوبكر : كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى أوجبها الله ورسوله
وإن كان قد أسلم ، كالزكاة ؟! وقال له : فإن الزكاة من حقها .
والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقائلتهم على منعها . قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح
صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق .
وقد ثبت فى الصحيح من غير وجه أن النبي صلى الله عليه
وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم: (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم،
وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم : يقرؤون القرآن لا يجاوز
حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما لقيتموم
٥٤٥

فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن
أدر كنهم لأ قتلنهم قتل عاد » .
وقد انفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء . وأول من قاتلهم أمير
المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه، وما زال المسلمون يقاتلون
في صدر خلافة بنى أمية وبنى العباس مع الأمراء وإن كانوا
ظلمة ، وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم . فكل أئمة المسلمين
يأمرون بقتالهم.
والتتار وأشباههم أعظم خروجا عن شريعة الإسلام من مانعي
الزكاة والخوارج من أهل الطائف ، الذين امتنعوا عن ترك الربا .
فمن شك فى قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام ، وحيث وجب
قتالهم قوتلوا ، وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين . كما قال العباس
لما أسر يوم بدر : يا رسول الله! إني خرجت مكرها . فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: (( أما ظاهرك فكان علينا ، وأما سريرتك
فإلى الله)).
وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من
أسرى المسلمين ، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا ، فإنهم
يقاتلون ؛ وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم . وإن
٥٤٦

لم يخف على المسلمين ففى جواز القتال المفضى إلى قتل هؤلاء المسلمين
قولان مشهوران للعلماء . وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء ،
ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا . فإن المسلمين إذا
قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا ، ومن قتل وهو فى
الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدا . وقد ثبت
فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يغزو هذا
البيت جيش من الناس ، فبينما م ببيداء من الأرض إذ خسف بهم .
فقيل: يا رسول الله! وفيهم المكره. فقال: يبعثون على نياتهم)) فإذا كان
العذاب الذى ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير
المكره ، فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به بأيدى المؤمنين ، كما
قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِّ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ
يُصِيبَكُللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: أَوْ يَأَيْدِينَا ).
ونحن لا نعلم المكره ، ولا نقدر على التمييز . فإذا قتلنام بأمر
الله كنا فى ذلك مأجورين ومعذورين ، وكانوا هم على نياتهم ، فمن
كان مكرها لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة ،
فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من
عسكر المسلمين . وأما إذا هرب أحدهم فإن من الناس من يجعل قتالهم
بمنزلة قتال البغاة المتأولين.
٥٤٧

وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة . فهل يجوز اتباع مدبرهم ،
وقتل أسيرهم ، والإجهاز على جريجهم؟ على قولين للعلماء مشهورين .
فقيل : لا يفعل ذلك ؛ لأن منادى علي بن أبى طالب نادى يوم الجمل
لا يتبع مدبر ، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير . وقيل : بل
يفعل ذلك ؛ لأنه يوم الجمل لم يكن لهم طائفة ممتنعة . وكان المقصود
من القتال دفعهم ، فلما اندفعوا لم يكن إلى ذلك حاجة ؛ بمنزلة دفع
الصائل . وقد روى : أنه يوم الجمل وصفين كان أمرهم بخلاف ذلك .
فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأولين ، جعل فيهم هذين القولين . والصواب
أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين ؛ فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ
أصلا ، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعى الزكاة وأهل
الطائف ، والخرمية ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من
شرائع الإسلام .
وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء ؛ فإن المصنفين
فى « قتال أهل البغي)) جعلوا قتال مانعى الزكاة ، وقتال الخوارج،
وقتال علي لأهل البصرة ، وقتاله لمعاوية وأتباعه : من قتال أهل البغي ،
وذلك كله مأمور به ، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين
الناس ، وقد غلطوا ؛ بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل
المدينة النبوية ؛ كالأوزاعى ، والثوري ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ،
٥٤٨

وغيرهم : أنه يفرق بين هذا ، وهذا . فقتال علي للخوارج ثابت
بالنصوص الصريحة عن النبى صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين ،
وأما القتال (( يوم صفين)) ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة ؛ بل صد
عنه أكابر الصحابة ؛ مثل سعد بن أبى وقاص ، ومحمد بن مسلمة ،
وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ، وغيرهم . ولم يكن بعد علي بن
أبي طالب في العسكرين مثل سعد بن أبى وقاص .
والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقتضى أنه
كان يجب الإصلاح بين تينك الطائفتين ؛ لا الاقتتال بينها ، كما ثبت
عنه فى صحيح البخارى أنه خطب الناس والجيش معه، فقال: ((إن
ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين)»
فأصلح الله بالحسن بين أهل العراق وأهل الشام: فجعل النبي صلى
الله عليه وسلم الإصلاح به من فضائل الحسن ، مع أن الحسن نزل
عن الأمر وسلم الأمر إلى معاوية . فلو كان القتال هو المأمور به دون
ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم على
ترك ما أمر به وفعل ما لم يؤمر به، ولا مدحه على ترك الأولى وفعل
الأدنى. فعلم أن الذي فعله الحسن هو الذي كان يحبه الله ورسوله ؛
لا القتال. وقد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يضعه وأسامة على فخذيه، ويقول: ((اللهم إنى أحبها، فأحبها، وأحب
٥٤٩

من يحبها )) وقد ظهر أثر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
بكراهتها القتال فى الفتنة ؛ فإن أسامة امتنع عن القتال مع واحدة
من الطائفتين ، وكذلك الحسن كان دائما يشير على علي بأنه لا
يقاتل ، ولما صار الأمر إليه فعل ما كان يشير به على أبيه . رضي
الله عنهم أجمعين .
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال :
« تمرق مارقة علي حين فرقة من المسلمين ، تقتلهم أولى الطائفتين
بالحق ، فهذه المارقة هم الخوارج ، وقاتلهم علي بن أبى طالب . وهذا
بصدقه بقية الأحاديث التى فيها الأمر بقتال الخوارج وتبين أن قتلهم
مما يحبه الله ورسوله ، وأن الذين قاتلوهم مع علي أولى بالحق من معاوية
وأصحابه ، مع كونهم أولى بالحق . فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالقتال لواحدة من الطائفتين ، كما أمر بقتال الخوارج ؛ بل مدح
الإصلاح بينهما . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة
القتال في الفتن ، والتحذير منها . من الأحاديث الصحيحة ما ليس هذا
موضعه، كقوله: ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها
خير من الماشى، والماشي خير من الساعي)) وقال: ((يوشك أن
يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر يفر
بدينه من الفتن )».
٥٥٠

فالفتن مثل الحروب التى تكون بين ملوك المسلمين ، وطوائف
المسلمين ، مع أن كل واحدة من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام .
مثل ما كان أهل الجمل وصفين ؛ وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت .
وأما قتال الخوارج ومانعى الزكاة وأهل الطائف الذين لم يكونوا
يحرمون الربا، فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا في الشرائح الثابتة عن
النبى صلى الله عليه وسلم .
وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتعة ، فلا ريب أنه يجوز قتل أسيرهم
واتباع مديرهم ، والإجهاز على جريحهم ؛ فإن هؤلاء إذا كانوا مقيمين
ببلادهم على ما هم عليه ، فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم فى
بلادهم لقتالهم، حتى يكون الدين كله لله. فإن هؤلاء التتار لا يقاتلون على
دين الإسلام ؛ بل يقاتلون الناس حتى يدخلوا في طاعتهم، فمن دخل في طاعتهم
کفوا عنه وإن كان مشرکا أو نصرانيا أو یهودیا، ومن لم يدخل كان عدوا
لهم وإن كان من الأنبياء والصالحين . وقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا
أعداءه الكفار ، ويوالوا عباده المؤمنين . فيجب على المسلمين من
جند الشام ومصر واليمن والمغرب جميعهم ، أن يكونوا متعاونين على
قتال الكفار ، وليس لبعضهم أن يقاتل بعضا بمجرد الرياسة والأهواء .
فهؤلاء التتار أقل ما يجب عليهم أن يقاتلوا من يليهم من الكفار ، وأن
يكفوا عن قتال من يليهم من المسلمين ، ويتعاونون هم وهم على
٥٥١

قتال الكفار .
وأيضا لا يقاتل معهم غير مكره إلا قاسق ، أو مبتدع ، أو زنديق،
كالملاحدة القرامطة الباطنية، وكالرافضة السبابة ، وكالجهمية المعطلة من
النفاة الحلولية ، ومعهم ممن يقلدونه من المنتسبين إلى العلم والدين من
هو شر منهم ؛ فإن التتار جهال يقلدون الذين يحسنون به الظن ، وهم
لضلالهم وغيهم يتبعونه فى الضلال الذي يكذبون به على الله ورسوله ،
ويبدلون دين الله، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون
دين الحق . ولو وصفت ما أعلمه من أمورم لطال الخطاب .
وبالجملة فمذهبهم ودين الإسلام لا يجتمعان ، ولو أظهروا دين
الإسلام الحنيفي الذي بعث رسوله به لاهتدوا وأطاعوا : مثل الطائفة
المنصورة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال :
(( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق ، لا يضرم من خالفهم ،
ولا من خذلهم ، حتى تقوم الساعة )» وثبت عنه فى الصحيح أنه قال :
((لا يزال أهل الغرب ظاهرين ، وأول الغرب ما يسامت البيرة ونحوها؛
فإن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا الكلام وهو بالمدينة النبوية،
فما يغرب عنها فهو غرب ، كالشام ومصر . وما شرق عنها فهو شرق ،
كالجزيرة والعراق. وكان السلف يسمون أهل الشام ((أهل المغرب)).
ويسمون أهل العراق ((أهل المشرق)). وهذه الجملة التى ذكرتها فيها
٥٥٢

من الآثار والأدلة الشرعية ما هو مذكور فى غير هذا الموضع .
والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ، ثم أجمعوا
على رجل ، واختلفت أقوالهم فيه . فمنهم من يزعم أنه إله ، ومنهم من
يزعم أنه نبي مرسل ، ومنهم من ادعى أنه محمد بن الحسن - يعنون
المهدي - وأمروا من وجده بالسجود له وأعلنوا بالكفر بذلك ،
وسب الصحابة ، وأظهروا الخروج عن الطاعة ، وعزموا على المحاربة .
فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلتهم ؟ وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا؟
فأجاب : الحمد لله. هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا
شرائع الإسلام ؛ فإن النصيرية من أعظم الناس كفرا بدون اتباعهم لمثل
هذا الدجال ، فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال . وثم مرتدون من
أسوأ الناس ردة : تقتل مقاتلتهم ، وتغنم أموالهم . وسبى الذربة فيه
نزاع ؛ لكن أكثر العلماء على أنه تسبى الصغار من أولاد المرتدين ،
وهذا هو الذي دلت عليه سيرة الصديق فى قتال المرتدين . وكذلك
قد تنازع العلماء في استرقاق المرتدة : فطائفة تقول : إنها تسترق ،
٥٥٣

كقول أبى حنيفة . وطائفة تقول لا تسترق ، كقول الشافعي وأحمد .
والمعروف عن الصحابة هو الأول ، وأنه تسترق منهم المرتدات نساء
المرتدين ؛ فإن الحنفية التى تسرى بها علي بن أبى طالب - رضي الله
عنه - أم ابنه محمد بن الحنفية، من سى بني حنيفة المرتدين ، الذين
قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والصحابة لما بعث خالد
ابن الوليد فى قتالهم .
و ((النصيرية)) لا يكتمون أحريم ؛ بل هم معروفون عند جميع
المسلمين ، لا يصلون الصلوات الخمس ، ولا يصومون شهر رمضان ؛
ولا يحجون البيت ، ولا يؤدون الزكاة ، ولا يقرون بوجوب ذلك ،
ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات ، ويعتقدون أن الإله علي بن
أبى طالب ، ويقولون :
حيدرة الأنزع البطين
نشهد أن لا إله إلا
محمد الصادق الأمين
ولا حجاب عليه إلا
سلمان ذو القوة المتين
ولا طريق إليه إلا
وأما إذا لم يظهروا الرفض ، وأن هذا الكذاب هو المهدي المنتظر ،
وامتنعوا ؛ فإنهم يقاتلون أيضا ؛ لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون ،
الذين قاتلهم علي بن أبى طالب رضي الله عنه بأحر رسول الله صلى الله
٥٥٤

عليه وسلم ، وكما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي
الله عنه . فهؤلاء يقاتلون ما داموا ممتنعين ، ولا نسى ذراريهم ، ولا
تغنم أموالهم التى لم يستعينوا بها على القتال . وأما ما استعانوا به على
قتال المسلمين من خيل وسلاح وغير ذلك، ففي أخذه نزاع بين العلماء.
وقد روى عن علي بن أبى طالب أنه نهب عسكره ما فى عسكر الخوارج.
فإن رأى ولي الأمر أن يستبيح مافى عسكرم من المال كان هذا سائغا.
هذا ما داموا ممتتعين .
فإن قدر عليهم ؛ فإنه يجب أن يفرق شملهم، وتحسم مادة شرم،
والزامهم شرائع الإسلام ، وقتل من أصر على الردة منهم .
وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفراً منه ، وهو المنافق الذي
نسميه الفقهاء ((الزنديق)): فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب ، كما
هو مذهب مالك ، وأحمد في أظهر الروايتين عنه ، وأحد القولين فى
مذهب أبى حنيفة والشافعي .
ومن كان داعيا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله قتل
أيضاً؛ وإن أظهر التوبة ، وإن لم يحكم بكفره ، كأمة الرفض الذين
يضلون الناس ، كما قتل المسلمون غيلان القدري ، والجعد بن درهم ،
وأمثالهما من الدعاة . فهذا الدجال يقتل مطلقا. والله أعلم .
٥٥٥

وسئل الشيخ
عن قوم ذوي شركة مقيمين بأرض ، وم لا يصلون الصلوات
المكتوبات ، وليس عندم مسجد ، ولا أذان ، ولا إقامة ، وإن صلى
أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة . ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم
من المواشي والزروع . وهم يقتلون فيقتل بعضهم بعضا ، وينهبون مال
بعضهم بعضا ، ويقتلون الأطفال ، وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ
الأموال ، لا فى شهر رمضان ولا في الأشهر الحرم ولا غيرها ، وإذا
أسر بعضهم بعضاً باعوا أسرام للإفرنج . ويبيعون رقيقهم من الذكور
والإناث للإفرنج علانية ، ويسوقونهم كسوق الدواب . ويتزوجون المرأة
في عدتها . ولا يورثون النساء. ولا ينقادون لحاكم المسلمين. وإذا
دعى أحدم إلى الشرع قال : أنا الشرع . إلى غير ذلك . فهل
يجوز قتالهم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم فى الإسلام
مع ما ذكر ؟
فأجاب : نعم . يجوز ؛ بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء
وأمثالهم من كل طائفة ممتعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة
٥٥٦

المتواترة ؛ مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس ، أو عن أداء الزكاة
المفروضة إلى الأصناف الثمانية التى سماها الله تعالى فى كتابه ، أو عن
صيام شهر رمضان ، أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ
أموالهم ، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله ، كما
قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم فى مانعي الزكاة،
وكما قاتل علي بن أبى طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج،
الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((يحقر أحدكم صلاته
مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرء ون
القرآن لا يجاوز حناجرم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوم ؛ فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم
يوم القيامة )) وذلك بقوله تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وبقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ
اُلِّبَوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِلَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، ).
والربا آخر ما حرمه الله ورسوله ، فكيف بما هو أعظم تحريما .
ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإن التزموها استوثق
منهم، ولم يكتف منهم بمجرد الكلام. كما فعل أبوبكر بمن قاتلهم بعد أن أذلهم ،
وقال : اختاروا؛ إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية ، وقال: أنا خليفة رسول
الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم
٥٥٧

المخزية ؟ قال: تشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار ، وتنزع منكم
الكراع - يعنى الخيل والسلاح - حتى يرى خليفة رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمؤمنون أمرا بعد.
فهكذا الواجب فى مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من
يعلمهم شرائع الإسلام ، ويقيم بهم الصلوات ، وما ينتفعون به من
شرائع الإسلام . وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم فى جند المسلمين،
ويجعلهم فى جماعة المسلمين . وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون
به ، ويمنعون من ركوب الخيل . وإما أنهم يضعونه حتى يستقيموا ؛ وإما
أن يقتل الممتنع منهم من التزام الشريعة . وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله
وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ، وهذا
متفق عليه بين علماء المسلمين . والله أعلم .
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
فيما استقر إطلاقه من الملوك المتقدمين ، وإلى الآن : من وجوه
البر والقربات ، على سبيل المرتب للمرتزقين من الفقراء والمساكين على
اختلاف أحوالهم. فمنهم الفقير الذي لا مال له . ومنهم من له عائلة كثيرة
يلزمه نفقتهم وكسبه لا يقوم بكلفتهم. ومنهم المنقطع إلى الله تعالى الذي
ليس له سبب يتسبب به [و](١) لا يحسن صنعة يصنعها. ومنهم العاجز عن
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٥٥٨

الحركة لكبر أو ضعف . ومنهم الصغير دون البالغ، والنساء الأرامل ،
وذوو العاهات . ومنهم المشتغلون بالعلم الشريف وقراءة القرآن ، ومن
للمسلمین بهم نفع عام ، وله في بيت المال نصیب . ومهم أرباب الزوايا
والربط المتجردون للعبادة، وتلقى الورادين : من الفقهاء ، وأهل العلم،
وغيرهم من أبناء السبيل . ومنهم أيتام المستشهدين في سبيل الله تعالى
من أولاد الجند وغيرهم ممن لم يخلف له ما يكفيه ، وممن يسأل إحياء
الموات فأحياها ، أو استصلح أحراساً عالية لتكون له مستمرة بعد
إصلاحها ، فاستخرجها فى مدة سنين عديدة ، واستقرت عليه على جاري
العوائد فى مثل ذلك .
فهل تكون هذه الأسباب التى اتصفوا بها مسوغة لهم تناول ما
نالوه من ذلك ، وأطلقه لهم ملوك الإسلام ونوابهم على وجه المصلحة ،
واستقر بأيديهم إلى الآن أم لا ؟
وما حكم من ينزلهم بعدم الاستحقاق مع وجود هذه الصفات ،
وتقرب إلى السلطان بالسعي بقطع أرزاقهم ، المؤدي إلى تعطيل الزوايا ،
ومعظم الزوايا والربط التى يرتفق بها أبناء السبيل وغيرهم من المجردين ،
ويقوم بها شعار الإسلام. هل يكون بذلك آتما عاصيا أم لا؟ وهل يجب أن
يكلف هؤلاء إثبات استحقاقهم مع كون ذلك مستقراً بأيديهم من قبل
أولى الأمر. ولو كلفوا ذلك : فهل يتعين عليهم إثباته عند حاكم بعينه ،
٥٥٩

غريب من بلادهم ، متظاهر بمنافرتهم ، مع وجود عدة من الحكام
غيره فى بلادهم أولا ؟ وما حكم من عجز منهم عن الإثبات لضعفه عن
إقامة البينة الشرعية ؟ لما غلب عليه الحال من أن شهود هذا الزمان لا
يؤدون شهادة إلا بأجرة ترضيهم ، وقد يعجز الفقير عن مثلها ، وكذلك
النسوة اللاتى لا يعلم الشهود أحوالهن غالباً .
وإذا سأل الإمام حاكما عن استحقاق من ذكر . فأجاب بأنه لا
يستحق من هؤلاء المذكورين ومن يجري مجرام إلا الأعمى والمكسح
والزمن لا غير ، وأضرب عما سواهم من غير اطلاع على حقيقة
أحوالهم . هل يكون بذلك آنما عاصيا أم لا ؟ وما الذي يجب عليه فى
ذلك ؟ وإذا سأله الإمام عن الزوايا والربط . هل يستحق من هو بها
ما هو مرتب لهم . فأجاب بأن هذه الزوايا والربط دكاكين ، ولا شك
أن فيهم الصلحاء ، والعلماء، وحملة الكتاب العزيز، والمنقطعين إلى الله
تعالى . هل يكون مؤذيا لهم بذلك أم لا ؟
وما حكم هذا القول المطلق فيهم - مع عدم المعرفة بجميعهم ،
والاطلاع على حقيقة أحوالهم بالكلية ، إذا تبين سقوطه وبطلانه -
هل تسقط بذلك روايته ، وما عداها من أخباره أم لا ؟ وهل
للمقذوفين الدعوى عليه بهذا الطعن عليهم المؤدى عند الملوك إلى قطع
أرزاقهم، وأن يكلفوه إثبات ذلك. وإذا عجز عن إثباته فهل لهم مطالبته
٥٦٠