النص المفهرس

صفحات 521-540

ولياً لهم وإن كان كافراً ، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن
كان من خيار المسلمين . ولا يقاتلون على الإسلام ، ولا يضعون
الجزية والصغار .
بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن
يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى ،
كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام ، وهو يخاطب رسل
المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون . فقال هذان آيتان عظيمتان جاءا
من عند الله، محمد وجنكسخان. فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم
إلى المسلمين ، أن يسوي بين رسول اللّه وأكرم الخلق عليه وسيد
ولد آدم وخاتم المرسلين ، وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين
كفراً وفساداً وعدوانا من جنس بختنصر وأمثاله .
وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان فى جنكسخان عظيما ، فإنهم
يعتقدون أنه ابن اللّه من جنس ما يعتقده النصارى فى المسيح. ويقولون
إن الشمس حبلت أمه ، وإنها كانت في خيمة فنزلت الشمس من
كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت . ومعلوم عند كل ذى دين أن
هذا كذب . وهذا دليل على أنه ولد زنا ، وأن أمه زنت فكتمت
زناها ، وادعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا ، وم مع هذا يجعلونه
أعظم رسول عند الله فى تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهواء ، حتى
٥٢١

يقولوا لما عندم من المال. هذا رزق جنكسخان ، ويشكرونه على أكلهم
وشربهم ، وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون
المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين.
فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمداً
صلى الله عليه وسلم بمنزلة هذا الملعون . ومعلوم أن مسيلمة الكذاب
كان أقل ضررا على المسلمين من هذا، وادعى أنه شريك محمد فى
الرسالة ، وبهذا استحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين . فكيف
بمن كان فيما يظهره من الإسلام يجعل محمداً جنكسخان؟! وإلا فهم مع
إظهارهم للإسلام يعظمون أمر جنكسخان على المسلمين المتبعين الشريعة
القرآن، ولا يقاتلون أولئك المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين
بل أعظم .
أولئك الكفار يبذلون له الطاعة والانقياد ، ويحملون إليه الأموال .
ويقرون له بالنيابة ، ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن
طاعة الإمام للإمام . وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ،
ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم وبذل الأموال ، والدخول فيما وضعه
لهم ذلك الملك الكافر المشرك المشابه لفرعون أو النمروذ ونحوهما ؛
بل هو أعظم فساداً فى الأرض منها . قال الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ
عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَخِىء
٥٢٢

نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ).
وهذا الكافر علا فى الأرض : يستضعف أهل الملل كلهم من المسلمين
واليهود والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل الرجال وسبى الحريم،
وبأخذ الأموال، وبهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد . ويرد
الناس عما كانوا عليه من سنن الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما
ابتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية .
فهم يدعون دين الإسلام ، ويعظمون دين أولئك الكفار على
دين المسلمين ، ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله
وموالاة المؤمنين، ويحكمون فيما شجربين أكابرم بحكم الجاهلية ، لا
بحكم الله ورسوله .
وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين
اليهود والنصارى ، وأن هذه كلها طرق إلى الله، بمنزلة المذاهب الأربعة
عند المسلمين .
ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ، ومنهم من
يرجح دين المسلمين ، وهذا القول فاش غالب فيهم ، حتى فى فقهائهم
وعبادهم لاسيما الجهمية من الاتحادية الفرعونية ونحوهم ، فإنه غلبت
عليهم الفلسفة . وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم ، وعلى
٥٢٣

هذا كثير من النصارى أو أكثرهم، وكثير من اليهود أيضا ؛ بل لو
قال القائل : إن غالب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما
أبعد . وقد رأيت من ذلك وسمعت مالا يتسع له هذا الموضع .
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من
سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى
الله عليه وسلم: فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر
ببعض الكتاب، كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً وَأَعْتَدْنَا
*
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوابَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) .
واليهود والنصارى داخلون فى
ذلك ، وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ومن تفلسف
من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين .
وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون
من هذا الضرب ، فإنه كان يهودياً متفلسفاً، ثم انتسب إلى الإسلام مع
ما فيه من اليهودية والتفلسف ، وضم إلى ذلك الرفض . فهذا هو أعظم
من عندم من ذوي الأقلام ، وذاك أعظم من كان عندم من ذوي السيف .
فليعتبر المؤمن بهذا .
وبالجملة فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهي داخلة فى اتباع التتار؛
٥٢٤

لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين ، وأبعدهم عن اتباعه ، وأعظم
الخلق اتباعا الظن وما تهوى الأنفس .
وقد قسموا الناس أربعة أقسام : يال ، وباع، وداشند، وطاط ــ أي
صديقهم وعدوم والعالم والعامي - فمن دخل فى طاعتهم الجاهلية وسنتهم
الكفرية كان صديقهم . ومن خالفهم كان عدوم ولو كان من أنبياء الله
ورسله وأوليائه. وكل من انتسب إلى علم أو دين سموه «داشهد)) كالفقيه
والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب
والكاتب والحاسب ، ويدرجون سادن الأصنام. فيدرجون فى هذا من
المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع مالا يعلمه إلا الله، ويجعلون
أهل العلم والإيمان نوعا واحداً .
بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسى
وأمثاله، هم الحكام على جميع من انتسب إلى علم أو دين من المسلمين
واليهود والنصارى . وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على
هذه الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار
المسلمين أهل العلم والإيمان ، حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى
الزندقة والإلحاد والكفر بالله ورسوله ، بحيث تكون موافقته للكفار
والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة والرافضة على ما يريدونه
أعظم من غيره .
٥٢٥

ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لابد له منه ، لأجل من هناك من
المسلمين . حتى أن وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفا ؛
مضمونه أن النبى صلى الله عليه وسلم رضي بدين اليهود والنصارى،
وأنه لا ينكر عليهم ، ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم ، ولا يؤمرون
بالانتقال إلى الإسلام . واستدل الخبيث الجاهل بقوله: ( قُلْ يَأَيُّهَا
اَلْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَآَ أَنْ عَاِدٌ
(
مَّاعَبَدُّمْ * وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْدِینُّكُمْ وَلِىَ دِينِ
وزعم أن هذه الآية تقتضي أنه يرضى دينهم ، قال : وهذه الآية محكمة؛
ليست منسوخة . وجرت بسبب ذلك أمور .
ومن المعلوم أن هذا جهل منه. فإن قوله: ( لَكُرْدِيِئُكُمْوَلِىَ
دِينِ ) ليس فيه ما يقتضى أن يكون دين الكفار حقاً ولا مرضياً له ؛
وإنما يدل على تبرئه من دينهم ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى هذه
السورة: ((إنها براءة من الشرك)) كما قال فى الآية الأخرى: (وَإِن
كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِمَّاتَعْمَلُونَ )
فقوله : (لَكُتْدِيِئُّكُمْوَلَِدِينِ
) كقوله: (لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَلُكُمْ )
وقد أتبح ذلك بموجبه ومقتضاه حيث قال :
) . ولو قدر أن فى هذه
( أَنْتُم بَرِيِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْبَرِىٌّمِّمَا تَعْمَلُونَ
السورة ما يقتضي أنهم لم يؤمروا بترك دينهم ، فقد علم بالاضطرار من
٥٢٦

دين الإسلام بالنصوص المتواترة وبإجماع الأمة أنه أمر المشركين وأهل
الكتاب بالإيمان به ، وأنه جاءهم على ذلك ، وأخبر أنهم كافرون
يخلدون فى النار .
وقد أظهروا الرفض ، ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء
الراشدين ، وذكروا علياً وأظهروا الدعوة للاثنى عشر ؛ الذين تزعم
الرافضة أنهم أئمة معصومون ، وأن أبا بكر وعمر وعثمان كفار وفجار
ظالمون ؛ لا خلافة لهم ، ولا لمن بعدهم . ومذهب الرافضة شر من
مذهب الخوارج المارقين ؛ فإن الخوارج غايتهم تكفير عثمان وعلي
وشيعتها . والرافضة تكفير أبى بكر وعمر وعثمان وجمهور السابقين
الأولين ، وتجحد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم مما
جحد به الخوارج ، وفيهم من الكذب والافتراء والغلو والإلحاد ما
ليس فى الخوارج ، وفيهم من معاونة الكفار على المسلمين ما ليس
فى الخوارج .
والرافضة بحب التتار ودولتهم ؛ لأنه يحصل لهم بها من العز مالا
يحصل بدولة المسلمين . والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود
والنصارى على قتال المسلمين ، وهم كانوا من أعظم الأسباب فى دخول
التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام ، وكانوا
من أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين
٥٢٧

وسبى حريمهم . وقضية ابن العلقمي وأمثاله مح الخليفة ، وقضيتهم فى
حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس . وكذلك فى
الحروب التى بين المسلمين وبين النصارى بسواحل الشام : قد عرف
أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين ، وأنهم
ء
عاونوهم على أخذ البلاد لما جاء التتار ، وعن على الرافضة فتح عكة
وغيرها من السواحل ، وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان
ذلك غصة عند الرافضة ، وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان
ذلك عيدا ومسرة عند الرافضة .
ودخل فى الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من ((النصيرية»
و ((الإسماعيلية)، وأمثالهم من الملاحدة ((القرامطة)) وغيرهم ممن
كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك . والرافضة جهمية قدرية ،
وفيهم من الكذب والبدع والافتراء على الله ورسوله أعظم مما في
الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي وسائر الصحابة بأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل فيهم من الردة عن شرائح الدين
أعظم مما في مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة .
ومن أعظم ما نم به النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قوله
فيهم: (( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) كما أخربا فى
الصحيحين ؛ عن أبي سعيد ، قال : بعث علي إلى النبى صلى الله عليه
٥٢٨

وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة - يعنى من أمراء نجد - فغضبت
قريش والأنصار . قالوا : يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا . قال :
((إنما أتألفهم)). فأقبل رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين، ناتئ
الجبين ، كث اللحية ، محلوق ، فقال: يا محمد ! اتق الله . فقال :
((من يطع الله إذا عصيته، أيأمنى الله على أهل الأرض ولا تأمنونى؟))
فسأله رجل قتله فمنعه . فلما ولى قال: ((إن من ضئضئ هذا - أو
في عقب هذا .. قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من
الدين حروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل
الأوثان ؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد » وفى لفظ في الصحيحين عن
أبى سعيد ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
- وهو يقسم قسما - أناه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني
تميم - فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: ((ويلك فمن يعدل إذا
لم أعدل ! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)) فقال عمر: يا رسول
الله! أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: ((دعه فإن له أصحابا يحقر
أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرأون القرآن لا
يجاوز تراقيهم . يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر
إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه
شيء ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا
يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم . آيتهم رجل أسود، إحدى
٥٢٩

عضديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة . يخرجون على حين فرقة
من الناس )) قال أبو سعيد : فأشهد أنى سمعت هذا الحديث من رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبى طالب قائلهم وأنا
معه . فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته .
فهؤلاء الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبى صلى الله عليه
وسلم : أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، وذكر :
أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس ، والخوارج مع هذا لم يكونوا
يعاونون الكفار على قتال المسلمين ، والرافضة بعاونون الكفار على
قتال المسلمين ، فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين حتى
قاتلوا المسلمين مع الكفار ، فكانوا أعظم حروقا عن الدين من أولئك
المارقين بكثير كثير .
وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض ونحوم
إذا فارقوا جماعة المسلمين ، كما قاتلهم علي رضي الله عنه، فكيف إذا
ضموا إلى ذلك من أحكام المشركين - كنائساً - وجنكسخان ملك
المشركين : ما هو من أعظم المضادة لدين الإسلام ، وكل من قفز إليهم
من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم ، وفيهم من الردة عن
شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام . وإذا كان السلف
٥٣٠

قد سموا مانعي الزكاة مرتدين - مع كونهم يصومون. ويصلون ، ولم
يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين - فكيف بمن صار مع أعداء الله
ورسوله قاتلا للمسلمين؟! مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون
لله ورسوله، المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله ، على أرض الشام
ومصر فى مثل هذا الوقت ، لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام
ودروس شرائعه .
أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما ، فهم فى هذا الوقت المقاتلون
عن دين الإسلام ، وثم من أحق الناس دخولا فى الطائفة المنصورة التى
ذكرها النبى صلى الله عليه وسلم بقوله فى الأحاديث الصحيحة المستفيضة
عنه: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من
خالفهم ، ولا من خذلهم ، حتى تقوم الساعة )» وفى رواية لمسلم :
(( لا يزال أهل الغرب))
والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية،
فغربه ما يغرب عنها ، وشرقه ما يشرق عنها ؛ فإن التشريق والتغريب
من الأمور النسبية ؛ إذ كل بلد له شرق وغرب ؛ ولهذا إذا قدم الرجل إلى
الإسكندرية من الغرب يقولون : سافر إلى الشرق، وكان أهل المدينة يسمون
أهل الشام : أهل الغرب ، ويسمون أهل نجد والعراق: أهل الشرق ، كما
فى حديث ابن عمر قال : قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا، وفى
٥٣١

رواية من أهل نجد - ولهذا قال أحمد بن حنبل: ((أهل الغرب،
ثم أهل الشام - يعنى م أهل الغرب - كما أن نجداً والعراق أول
الشرق ، وكل ما يشرق عنها فهو من الشرق، وكل ما يغرب عن الشام
ء
من مصر وغيرها فهو داخل فى الغرب . وفى الصحيحين : ان معاذ بن
جبل قال : في الطائفة المنصورة : وهم بالشام . فإنها أصل المغرب ، وهم
فتحوا سائر المغرب ، كمصر ، والقيروان ، والأندلس ، وغير ذلك .
وإذا كان غرب المدينة النبوية ما يغرب عنها ، فالبيرة ونحوها على مسامتة
المدينة النبوية ، كما أن حران، والرقة، وسميساط ونحوها على مسامتة مكة ، فما
يغرب عن البيرة فهو من الغرب الذين وعدم النبى صلى الله عليه وسلم ؛ لما تقدم.
وقد جاء فى حديث آخر فى صفة الطائفة المنصورة (( أنهم بأكناف البيت
المقدس )) وهذه الطائفة هي التى بأكتاف البيت المقدس اليوم .
ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي
أقوم الطوائف بدين الإسلام : علما ، وعملا، وجهادا عن شرق
الأرض وغربها ؛ فإنهم م الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من
ء
المشركين وأهل الكتاب ، ومغازيهم مع النصارى ، ومع المشركين من
الترك ، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين فى الرافضة وغيرهم ،
كالإسماعيلية ومحوم من القرامطة معروفة . معلومة قديما وحديثا . والعز
الذي للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعرهم ، ولهذا لما هزموا
٥٣٢

سنة تسع وتسعين وستمائة دخل على أهل الإسلام من الذل والمصيبة
بمشارق الأرض ومغاربها ما لا يعلمه إلا الله . والحكايات في ذلك كثيرة
ليس هذا موضعها .
وذلك أن سكان اليمن في هذا الوقت ضعاف ، عاجزون عن الجهاد
أو مضيعون له ؛ وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد ، حتى ذكروا
ء
انهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء ، وملك المشركين لما جاء إلى حلب
جرى بها من القتل ما جرى. وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم
خارجون عن الشريعة ، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه
إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون ؛ وإنما تكون
القوة والعزة فى هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد ، فلو
ذلت هذه الطائفة - والعياذ بالله تعالى - لكان المؤمنون بالحجاز
من أذل الناس ؛ لا سيما وقد غلب فيهم الرفض ، وملك هؤلاء التتار
المحاربون الله ورسوله الآن مرفوض ، فلو غلبوا لفسد الحجاز بالكلية.
وأما بلاد أفريقية فأعرابها غالبون عليها ، وهم من شر الخلق ؛ بل هم
مستحقون للجهاد والغزو . وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنج على
أكثر بلادهم ، لا يقومون بجهاد النصارى هناك ؛ بل فى عسكرم من
النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم . لو استولى التتار على هذه
البلاد لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس ، لا سيما والنصارى
٥٣٣

تدخل مع التتار فيصيرون حزبا على أهل المغرب .
فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التى بالشام ومصر في هذا
الوقت هم كتيبة الإسلام ، وعزهم عز الإسلام ، وذلهم ذل الإسلام .
فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز ، ولا كلمة عالية ، ولا طائفة
ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه .
فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار ؛
فإن التنار فيهم المكره وغير المكره ، وقد استقرت السنة بأن عقوبة
المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة . منها أن
المرتد يقتل بكل حال ، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة ؛ بخلاف
الكافر الأصلى . ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزاً عن القتال ؛ بخلاف
الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال ، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء
كأبي حنيفة ومالك وأحمد ؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو
مذهب مالك والشافعى وأحمد . ومنها أن المرتد لا يرت ولا يناكح ولا
تؤكل ذبيحته ، بخلاف الكافر الأصلي . إلى غير ذلك من الأحكام .
وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين،
فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه ؛ ولهذا
كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار ، ويعلم أن المرتدين الذين فيهم
٥٣٤

من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم
وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين
غير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم ، وبهذا يتبين أن من
كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارا ؛
فإن المسلم الأصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه، كان أسوأ حالا ممن لم
يدخل بعد في تلك الشرائع ، مثل مانعى الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم
الصديق . وإن كان المرتد عن بعض الشرائح متفقها أو متصوفا أو تاجراً
أو كاتبا أو غير ذلك ، فهؤلاء شر من الترك الذين لم يدخلوا فى تلك
الشرائع وأصروا على الإسلام . ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء
على الدين ما لا يجدونه من ضرر أولئك ، وينقادون للإسلام وشرائعه
وطاعة الله ورسوله أعظم من انقياد هؤلاء الذين ارتدوا عن بعض
الدين ، ونافقوا فى بعضه، وإن تظاهروا بالانتساب إلى العلم والدين .
وغاية ما يوجد من هؤلاء يكون ملحدا : نصيريا، أو إسماعيليا ،
أو رافضيا . وخيارهم يكون جهميا اتحاديا أو نحوه ، فإنه لا ينضم إليهم
طوعا من المظهرين للإسلام إلا منافق أو زنديق أو فاسق فاجر . ومن
أخرجوه معهم مكرها فإنه يبعث على نيته . ونحن علينا أن نقاتل العسكر
جميعه إذ لا يتميز المكره من غيره .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
٥٣٥

((يغزو هذا البيت جيش من الناس ، فبينماهم ببيداء من الأرض إذا
خسف بهم . فقيل يا رسول اللّه: إن فيهم المكره فقال: يبعثون على
نياتهم )). والحديث مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم من
وجوه متعددة ، أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة ، وحفصة ، وأم
سلمة . ففى صحيح مسلم عن أم سلمة ، قالت : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((يعوذ عائذ بالبيت ، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا
ببيداء من الأرض خسف بهم . فقلت : يا رسول الله! فكيف بمن
كان كارها . قال : يخسف به معهم ؛ ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته))
وفى الصحيحين عن عائشة قالت: ((عبث رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى منامه . فقلنا : يا رسول الله! صنعت شيئا في منامك لم تكن
تفعله . فقال : العجب ! أن ناساً من أمتى يؤمون هذا البيت برجل
من قريش وقد لجأ إلى البيت ، حتى إذا كانوا بالبيداء خسفت بهم .
فقلنا : يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس . قال: نعم؛ فيهم
المستنصر ، والمجنون، وابن السبيل، فيهلكون مهلكا واحداً؛ ويصدرون
مصادر شتى ، يبعثهم الله عز وجل على نياتهم )) وفى لفظ للبخاري ،
عن عائشة ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يغزو جيش
الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم . قالت :
قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن
ليس منهم؟! قال: يخسف بأولهم وآخرم ثم يبعثون على نياتهم))
٥٣٦

وفى صحيح مسلم عن حفصة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : سيعوذ بهذا البيت - يعنى الكعبة - قوم ليست لهم متعة ،
ولا عدد ، ولا عدة ، يبعث إليهم جيش يومئذ حتى إذا كانوا بيداء من
الأرض خسف بهم. قال يوسف بن ماهك : وأهل الشام يومئذ
يسيرون إلى مكة . فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو
بهذا الجيش.
فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكره فيهم
وغير المكره - مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم،
فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره ،
وثم لا يعلمون ذلك ؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك
بمجرد دعواه ، كما روي : أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى
اللّه عليه وسلم لما أسره المسلمون يوم بدر: يا رسول الله ! إني
كنت مكرها . فقال: ((أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى
الله)) . بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم
إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا ، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو
تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا ؛ فإنه يجوز أن
نزميهم ونقصد الكفار . ولو لم تخف على المسلمين باز رمي أولئك
المسلمين أيضا فى أحد قولي العلماء . ومن قتل لأجل الجهاد الذي
٥٣٧

أمر الله به ورسوله - هو فى الباطن مظلوم - كان شهيداً .
وبعث على نيته ، ولم يكن قتله أعظم فساداً من قتل من يقتل من
المؤمنين المجاهدين .
وإذا كان الجهاد واجباً وإن قتل من المسلمين ما شاء الله . فقتل
من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا ؛ بل
قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه.
وليس له أن يقاتل ؛ وإن قتل ، كما فى صحيح مسلم ، عن أبى بكرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنها ستكون فتن،
ألاثم تكون فتن ، ألاثم تكون فتن: القاعد فيها خير من الماشي ،
والماشي فيها خير من الساعى . ألا فإذا نزلت - أو وقعت - فمن
كان له إبل فليلحق بإيله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن
كانت له أرض فليلحق بأرضه ، قال ، فقال رجل : يا رسول الله !
أرأيت من لم يكن له إبل ، ولا غم ، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى
سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة . اللهم هل بلغت.
اللهم هل بلغت . اللهم هل بلغت . فقال رجل : يا رسول الله . أرأيت إن
أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو - إحدى الفئتين -
فيضربنى رجل بسيفه، أو بسهمه، فيقتلنى؟ قال: يبوء بإيمه، وإتمك،
ويكون من أصحاب النار )) .
٥٣٨

ففي هذا الحديث أنه نهى عن القتال فى الفتنة ؛ بل أمر بما
يتعذر معه القتال من الاعتزال ، أو إفساد السلاح الذي يقاتل به ،
وقد دخل فى ذلك المكره وغيره . ثم بين أن المكره إذا قتل ظلما
كان القاتل قد باء بإنمه وإثم المقتول ، كما قال تعالى فى قصة ابني آدم
: ( إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النََّرِ
عن المظلوم
ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على
وَذَلِكَ جَزَّؤْ الظَّلِينَ)
نفسه باز له الدفع بالسنة والإجماع ؛ وإنما تنازعوا هل يجب عليه الدفع
بالقتال ؟ على قولين ، هما روايتان من أحمد : ( إحداها ) يجب الدفع
عن نفسه ولو لم يحضر الصف . و (الثانية ) يجوز له الدفع عن نفسه.
وأما الابتداء بالقتال فى الفتنة فلا يجوز بلا ريب .
والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال فى الفتنة ليس له أن
يقاتل؛ بل عليه إفساد سلاحه ، وأن يصبر حتى يقتل مظلوما ، فكيف
بالكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟!
كما نعى الزكاة والمرتدين ونحوم ، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا
أكره على الحضور أن لا يقاتل ، وإن قتله المسلمون ، كما لو أكرهه
الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين ، وكما لو أکره رجل رجلا
على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين ؛ وإن أكرهه
بالقتل ؛ فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس .
٥٣٩

فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو ؛ بل إذا فعل ذلك كان
القود على المكره والمكرَه جميعاً عند أكثر العلماء، كأحمد ، ومالك ،
والشافعي فى أحد قوليه ، وفى الآخر يجب القود على المكره فقط ،
كقول أبى حنيفة ومحمد . وقيل: القود على المكره المباشر ، كما روي
ذلك عن زفر . وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ، ولم
يوجبه . وقد روى مسلم فى صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم
قصة أصحاب الأخدود، وفيها: (( أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل
مصلحة ظهور الدين)) ؛ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم فى
صف الكفار ، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه ؛ إذا كان في ذلك
مصلحة للمسلمين . وقد بسطنا القول في هذه المسألة فى موضع آخر .
فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد ،
مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره : كان ما يفضى إلى قتل غيره
لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد
للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. وإذا كانت السنة والإجماع
متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل ، وإن
كان المال الذي يأخذ قيراطا من دينار. كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم فى الحديث الصحيح: (( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن
قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون حرمه فهو شهيد )» فكيف
٥٤٠