النص المفهرس
صفحات 481-500
حصل به فائدة ، بل مضرة . ومع هذا فالإيمان عندهم لا يصح إلا به ، ولا يكون مؤمناً إلا من آمن به ، ولا يدخل الجنة إلا أتباعه : مثل هؤلاء الجهال الضلال من سكان الجبال والبوادي ، أو من استحوذ عليهم بالباطل : مثل ابن العود ونحوه ، ممن قد كتب خطه مما ذكرناه من المخازي عنهم ، وصرح بما ذكرناه عنهم ، وبأكثر منه . وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التى فى الكتاب والسنة ، وكل من آمن بقدر الله وقضائه : فآمن بقدرته الكاملة ، ومشيئته الشاملة ، وأنه خالق كل شيء . وأكثر محققيهم - عندهم - يرون أن أبا بكر وعمر ، وأكثر المهاجرين والأنصار ، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : مثل عائشة وحفصة، وسائر أئمة المسلمين وعامتهم ؛ ما آمنوا بالله طرفة عين قط ؛ لأن الإيمان الذي يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلا من أصله ، كما بقوله بعض علماء السنة . ومنهم من يرى أن فرج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع به عائشة وحفصة لا بد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطء الكوافر على زعمهم ؛ لأن وطء الكوافر حرام عندهم . ومع هذا يردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة المتواترة عنه عند أهل العلم مثل أحاديث البخاري ومسلم ، ويرون أن ٤٨١ شعر شعراء الرافضة : مثل الخميري ، وكوشيار الديلمي ، وعمارة اليمنى خيراً من أحاديث البخاري ومسلم . وقد رأينا فى كتبهم من الكذب والافتراء على النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته وقرابته أكثر مما رأينا من الكذب فى كتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل . وثم مع هذا يعطلون المساجد التى أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، فلا يقيمون فيها جمعة ولا جماعة ، ويبنون على القبور المكذوبة وغير المكذوبة مساجد يتخذونها مشاهد . وقد لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من اتخذ المساجد على القبور ، ونهى أمته عن ذلك . وقال قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد . ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ؛ فإنى أنهاكم عن ذلك)). ويرون أن حج هذه المشاهد المكذوبة وغير المكذوبة من أعظم العبادات ، حتى إن من مشايخهم من يفضلها على حج البيت الذى أمر اللّه به ورسوله . ووصف حالهم بطول. فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء ، وأحق بالقتال من الخوارج . وهذا هو السبب فيما شاع فى العرف العام: أن أهل البدع ثم الرافضة : فالعامة شاع عندها أن ضد السني هو الرافضي فقط ، لأنهم أظهر معاندة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرائع دينه من سائر أهل الأهواء . ٤٨٢ وأيضا فالخوارج كانوا يتبعون القرآن بمقتضى فهمهم ، وهؤلاء إنما يتبعون الإمام المعصوم عندم الذى لا وجود له . فمستند الخوارج خير من مستندم . وأيضا فالخوارج لم يكن منهم زنديق ولا غال ، وهؤلاء فيهم من الزنادقة والغالية من لا يحصيه إلا الله . وقد ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق: عبد الله بن سبأ ؛ فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولص النصرانى الذي كان يهودياً فى إفساد دين النصارى . وأيضا فغالب أئمتهم زنادقة؛ إنما يظهرون الرفض ؛ لأنه طريق إلى هدم الإسلام ، كما فعلته أئمّة الملاحدة الذين خرجوا بأرض أذربيجان فى زمن المعتصم مع بابك الخرمي، وكانوا يسمون ((الخرمية)) و((المحمرة)) (( والقرامطة الباطنية)» الذين خرجوا بأرض العراق وغيرها بعد ذلك، وأخذوا الحجر الأسود ، وبقى معهم مدة : كأبى سعيد الجنابى وأتباعه. والذين خرجوا بأرض المغرب ثم جاوزوا إلى مصر ، وبنوا القاهرة ، وادعوا أنهم فاطميون ، مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وان نسبهم متصل بالمجوس واليهود ، واتفاق أهل العلم بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أبعد عن دينه من اليهود والنصارى . بل الغالية الذين يعتقدون ٤٨٣ إلهية علي والأئمة . ومن أتباع هؤلاء الملاحدة أهل دور الدعوة الذين كانوا بخراسان والشام واليمن وغير ذلك . وهؤلاء من أعظم من أعان التنار على المسلمين باليد واللسان : بالمؤازرة والولاية وغير ذلك ؛ لمباينة قولهم لقول المسلمين واليهود والنصارى؛ ولهذا كان ملك الكفار ((هولاكو )، يقرر أصنامهم . وأيضا فالخوارج كانوا من أصدق الناس وأوقام بالعهد، وهؤلاء من أكذب الناس وأنقضهم للعهد . وأما ذكر المستفتى أنهم يؤمنون بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فهذا عين الكذب ؛ بل كفروا مما جاء به بما لا يحصيه إلا الله: فتارة يكذبون بالنصوص الثابتة عنه. وتارة يكذبون بمعانى التنزيل. وما ذكرناه وما لم نذكره من مخازيهم يعلم كل أحد أنه مخالف لما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم . فإن الله قد ذكر فى كتابه من الثناء على الصحابة والرضوان عليهم والاستغفار لهم مام كافرون بحقيقته. وذكر فى كتابه من الأمر بالجمعة والأمر بالجهاد وبطاعة أولي الأمر مام خارجون عنه . وذكر فى كتابه من موالاة المؤمنين وموادتهم ومؤاخاتهم والإصلاح بينهم مام عنه خارجون . وذكر في كتابه من النهي عن موالاة الكفار وموادتهم ما هم خارجون ٤٨٤ عنه. وذكر في كتابه من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم. وتحريم الغيبة والهمز ، واللمز: ما هم أعظم الناس استحلالا له. وذكر في كتابه من الأمر بالجماعة والائتلاف والنهي عن الفرقة والاختلاف ماهم أبعد الناس عنه . وذكر فى كتابه من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته واتباع حكمه ما هم خارجون عنه . وذكر في كتابه من حقوق أزواجه ما هم برآء منه . وذكر فى كتابه من توحيده وإخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون عنه . فإنهم مشركون كما جاء فيهم الحديث ، لأنهم أشد الناس تعظيما للمقابر التى اتخذت أوثاناً من دون الله . وهذا باب يطول وصفه . وقد ذكر فى كتابه من أسمائه وصفاته ما هم كافرون به . وذكر في كتابه من قصص الأنبياء والنهي عن الاستغفار للمشركين ما هم كافرون به . وذكر فى كتابه من أنه على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء، وأنهما شاء الله لا قوة إلا بالله: ما هم كافرون به . ولا تحتمل الفتوى إلا الإشارة المختصرة . ومعلوم قطعاً أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من إيمانهم . فإذا كان أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه قد قتلهم ونهب عسكره ما في عسكريم من الكراع والسلاح والأموال، فهؤلاء أولى أن يقاتلوا وتؤخذ أموالهم، كما أخذ أمير المؤمنين علي بن ٤٨٥ أبي طالب أموال الخوارج . ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ ، كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين : فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام ، وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها . فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التى يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك ؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته شراً من خروج الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ ؛ فإن التأويل السائخ هو الجائز الذى يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب ، كتأويل العلماء المتنازعين فى موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ، ولكن لهم تأويل من جنس تأويل مانعى الزكاة ، والخوارج ، واليهود ، والنصارى . وتأويلهم شر تأويلات أهل الأهواء . ولكن هؤلاء المنفقهة لم يجدوا تحقيق هذه المسائل فى مختصراتهم . وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا فى مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية ، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم ، إلا من جنس قتال الخارجين على الإمام ، كأهل ٤٨٦ الجمل وصفين . وهذا غلط ؛ بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين ، كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه، والسنة ، والحديث والتصوف، والكلام ، وغيرهم . وأيضا فقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يشملهم وغيرم ؛ مثل ما رواه مسلم في صحيحه ، عن أبى هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات : مات ميتة جاهلية ، ومن قتل تحت راية عمية ؛ يغضب العصبية ، ويقاتل للعصبية : فليس منى ، ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يبقى لذى عهدها فليس منى)) فقد ذكر صلى الله عليه وسلم البغاة الخارجين عن طاعة السلطان ، وعن جماعة المسلمين ، وذكر أن أحدم إذا مات مات ميتة جاهلية ؛ فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يجعلون عليهم أيّة؛ بل كل طائفة تغالب الأخرى. ثم ذكر قتال أهل العصبية ، كالذين يقاتلون على الأنساب مثل قيس ويمن ، وذكر أن من قتل تحت هذه الرايات فليس من أمته ، ثم ذكر قتال العدالة الصائلين والخوارج ونحوهم ، وذكر أن من فعل هذا فليس منه . وهؤلاء جمعوا هذه الثلاثة الأوصاف وزادوا عليها . فإنهم خارجون عن الطاعة والجماعة : يقتلون المؤمن والمعاهد ، لا يرون لأحد من ولاة ٤٨٧ المسلمين طاعة سواء كان عدلا أو فاسقاً ؛ إلا لمن لا وجود له . وم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب : وهي العصبية للدين الفاسد ؛ فإن فى قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس فى قلب أحد . وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله: مستقدمهم، ومستأخرهم. وأمثلهم عندهم الذى لا يلعن ولا يستغفر . وأما خروجهم يقتلون المؤمن والمعاهد : فهذا أيضا حالهم ؛ مع دعواهم أنهم هم المؤمنون وسائر الأمة كفار . وروى مسلم في صحيحه عن محمد بن شريح ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنه ستكون هنأة وهنأة ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) وفي لفظ: ((فاقتلوه )) وفى لفظ : ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه )). وهؤلاء أشد الناس حرصاً على تفريق جماعة المسلمين ؛ فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة ، سواء كان عدلا أو فاسقاً ؛ ولا يطيعونه لا فى طاعة ولا فى غيرها ؛ بل أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور ؛ كالخلفاء الراشدين ، والعلماء المسلمين ، ومشايخهم؛ لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذى لا وجود له فما آمن ٤٨٨ بالله ورسوله . وإنما كان هؤلاء شراً من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء ، لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج؛ وذلك لأن الخوارج الحرورية كانوا أول أهل الأهواء خروجاً عن السنة والجماعة ؛ مع وجود بقية الخلفاء الراشدين ، وبقايا المهاجرين والأنصار، وظهور العلم والإيمان ، والعدل فى الأمة ، وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة ، وسلطان القدرة ؛ حيث أظهر الله دينه على الدين كله بالحجة والقدرة . وكان سبب خروجهم ما فعله أمير المؤمنين عثمان وعلي ومن معهما من الأنواع التى فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك ، وجعلوا موارد الاجتهاد ؛ بل الحسنات ذنوباً ، وجعلوا الذنوب كفراً، ولهذا لم يخرجوا فى زمن أبى بكر وعمر ؛ لانتفاء تلك التأويلات وضعفهم. ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف ، فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية ، والمستأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها . كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت أفضل . فالسنن ضد البدع ، فكل ما قرب منه صلى الله عليه وسلم مثل سيرة أبى بكر وعمر كان أفضل مما ٤٨٩ تأخر كسيرة عثمان وعلي ، والبدع بالضد ، كل ما بعد عنه كان شراً مما قرب منه، وأقربها من زمنه الخوارج . فإن التكلم يبدعتهم ظهر فى زمانه؛ ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ثم ظهر فى زمن علي التكلم بالرفض ؛ لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه؛ بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبى بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة فسموا ((رافضة)) واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم . واتبعه آخرون فسموا ((زيدية)) نسبة إليه . ثم فى أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة ، فردها بقايا الصحابة ؛ كابن عمر ، وابن عباس ، وجابر بن عبد اللّه، وأبى سعيد ، وواثلة بن الأسقع ، وغيرهم ؛ ولم يصر لهم سلطان واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك . ثم فى أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات ، ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون؛ فإنه أظهر التجهم ، وامتحن الناس عليه ، وعرب كتب ٤٩٠ الأعاجم: من الروم، واليونانيين، وغيرهم. وفى زمنه ظهرت ((الخرمية)). وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام ، وتفرعوا بعد ذلك إلى القرامطة ، والباطنية، والإسماعيلية ، وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر. وصارت الرافضة الإمامية فى زمن بنى بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة : فيهم الخروج، والرفض ، والقدر ، والتجهم . وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا الله. فهذا كله يبين أن فيهم ما في الخوارج الحرورية وزيادات. وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون اتباع القرآن بآرائهم، ويدعون اتباع السنن التى يزعمون أنها تخالف القرآن . والرافضة تنتحل اتباع أهل البيت ، وتزعم أن فيهم المعصوم الذي لا يخفى عليه شيء من العلم، ولا يخطئ؛ لا عمداً، ولا سهواً، ولا رشداً. واتباع القرآن واجب على الأمة ؛ بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بعث به رسوله ، وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٠ يجب محبتهم ، وموالاتهم ، ورعاية حقهم . وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فروى مسلم في صحيحه . عن زيد بن أرقم ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خماً بين مكة والمدينة، فقال: ((يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين)) - وفى رواية ((أحدهما أعظم من الآخر - كتاب الله فيه الهدى ٤٩١ والنور)) فرغب في كتاب الله، وفي رواية: ((هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على الضلالة ، وعترتي أهل بيتى . أذكركم الله في أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله في أهل بيتى)). فقيل لزيد بن أرقم : من أهل بيته ؟ قال : أهل بيته من حرم الصدقة : آل العباس ، وآل علي ، وآل جعفر ، وآل عقيل . والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: ((والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي )) وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد، وطهرم من الصدقة التى هي أوساخ الناس ، وجعل لهم حقاً فى الخمس والفيء، وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت فى الصحيح: ((إن الله اصطفى بنى إسماعيل ، واصطفى كنانة من بنى إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى بنى هاشم من قريش ، واصطفاني من بنى هاشم ، فأنا خيركم نفساً وخيركم نسباً)). ولو ذكرنا ما روى فى حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب ، فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة . ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة . وتبرأوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبى طالب ويفسقونه ، ٤٩٢ ويتنقصون بحرمة أهل البيت ؛ مثل من كان يعاديهم على الملك ، أو يعرض عن حقوقهم الواجبة ، أو يغلو فى تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق. وتبرأوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين ؛ ويكفرون عامة صالحي أهل القبلة . وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك ، كما ذكرنا من أن هؤلاء الرافضة المحاربين شر من الخوارج ، وكل من الطائفتين انتحلت إحدى الثقلين ؛ لكن القرآن أعظم . فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض : مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله، ومخالفة لصحابته وقرابته ، ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته . وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء، وفى إجماع العترة هل هو حجة يجب اتباعها ؟ والصحيح أن كليهما حجة. فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) وهذا حديث صحيح فى السنن. وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنى تارك فيكم الثقلين : كتاب الله، وعترتى، وإنها لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )) رواه الترمذي وحسنه، وفيه نظر . وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية فى زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة . ٤٩٣ والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة وبحوم هم شر من الخوارج الذين نص النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم ورغب فيه . وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته . ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع ، ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم فى معنام . فإن الحديث روي بألفاظ متنوعة ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة ، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( سيخرج قوم فى آخر الزمان حداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة)). وفى صحيح مسلم: ((عن زيد بن وهب أنه كان فى الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج . فقال علي : يا أيها الناس إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراء تكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء . يقرء ون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، ٤٩٤ لا تجاوز صلاتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ماقضى لهم على لسان نبيهم لنکلوا عن العمل ، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض)). والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا فى سرح الناس. فسيروا على اسم الله. وذكر الحديث إلى آخره . وفى مسلم أيضا ((عن عبد الله بن رافع كانب علي رضي الله عنه، أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا: لا حكم إلا لله . فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً إني لأعرف صفتهم فى هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق الله إليه ، منهم رجل أسود إحدى بدبه طبي شاة أو حلمة ثدي . فلما قتلهم علي بن طالب قال : انظروا . فنظروا فلم يجدوا شيئاً . فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كُذِبت - مرتين أو ثلاثاً - ثم وجدوه فى خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه)) . وهذه العلامة التى ذكرها النبى صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من يخرج منهم ، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم . فإنه قد أخبر ٤٩٥ فى غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال . وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر . وأيضا فالصفات التى وصفها تعم غير ذلك العسكر ؛ ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا ، مثل ما فى الصحيحين ، عن أبى سلمة ، وعطاء بن يسار : أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه من الحرورية : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكرها؟ قال: لا أدري؛ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يخرج فى هذه الأمة ــ ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو حلوقهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فينظر الرامي إلى سهمه ، إلى نصله ، إلى رصافه ، فيتمارى فى الفوقة هل علق بها شيء من الدم )) اللفظ لمسلم . وفى الصحيحين أيضا عن أبى سعيد، قال: بينما النبى صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد اللّه ذو الخويصرة التميمي - وفى رواية أناء ذو الخويصرة رجل من بني تميم - فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ((ويلك! من يعدل إذا لم أعدل ، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ، قال عمر ابن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه. قال: ((دعه ، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ٤٩٦ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قدذه فلا يوجد فيه شيء . قد سبق الفرث والدم ». وذكر ما فى الحديث . فهؤلاء أصل ضلالهم : اعتقادم فى أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل ، وأنهم ضالون ، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم . ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً. ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها . فهذه ثلاث مقامات المارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم . فى كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام ، حتى حرقوا منه كما مرق السهم من الرمية، وفى الصحيحين فى حديث أبى سعيد: ((يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد » وهذا نعت سائر الخارجين كالرافضة ومحوم ؛ فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين ؛ لأن المرتد شر من غيره . وفى حديث أبى سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته: «يخرجون فى فرقة من الناس ، سيمام التحليق . قال : ثم شر الخلق، أو من شر الخلق ، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)) وهذه السيما سما أولهم كما كان ذو الثدية ؛ لأن هذا وصف لازم لهم . ٤٩٧ وأخرجا فى الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى ، ورواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ، ورواه مسلم من حديث أبى ذر، ورافع بن عمرو ، وجابر بن عبد الله ، وغيرم ، وروى النسائي عن أبى برزة أنه قيل له : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج ؟ قال: نعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنى ، ورأيته بعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسم أتي بمال فقسمه ، فأعطى من عن يمينه ، ومن عن شماله ؛ ولم يعط من وراءه شيئاً . فقام رجل من ورائه ، فقال : يا محمد ! ما عدلت فى القسمة - رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان - فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، وقال له: ((والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل منى)) ثم قال: ((يخرج فى آخر الزمان قوم كأن هذا منهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيام التحليق ، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال . فإذا لقيتموهم فاقتلوهم . هم شر الخلق والخليقة)) وفى صحيح مسلم ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن بعدي من أمتى - أو سيكون بعدي من أمتى - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة)). قال ابن الصامت : فلقيت ٤٩٨ رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم بن عمرو الغفاري ، قلت : ما حديث سمعته من أبى ذر كذا وكذا ؟ فذكرت له الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)). فهذه المعانى موجودة فى أولئك القوم الذين قتلهم علي رضي الله عنه وفى غيرهم . وإنما قولنا: إن علياً قاتل الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل ما يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل الكفار ، أي قاتل جنس الكفار ، وإن كان الكفر أنواعا مختلفة. وكذلك الشرك أنواع مختلفة ، وإن لم تكن الآلهة التى كانت العرب تعبدها هي التى تعبدها الهند والصين والترك ؛ لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه . وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان فى معنى أولئك ، ويجب قتالهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، كما وجب قتال أولئك . وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة، وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير . فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج ؛ كالحرورية، والرافضة ، ونحوهم : فهذا فيه قولان للفقهاء ، هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم ؛ كالداعية إلى مذهبه ، ونحو ذلك ممن فيه ٤٩٩ فساد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنما لقيتموم فاقتلوهم)) وقال: (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )) وقال عمر لصيغ بن عسل : لو وجدتك محلوقا لضربت الذى فيه عيناك . ولأن علي بن أبى طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه . ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين فى الأرض . فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ، ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول ، أو كان فى قتله مفسدة راجحة . ولهذا ترك النبى صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ، ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام ؛ ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقاً كثيراً ، وكانوا داخلين فى الطاعة والجماعة ظاهراً لم يحاربوا أهل الجماعة ، ولم يكن يتبين له أنهم م . وأما تكفيرهم وتخليدهم : ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران : وهما روايتان عن أحمد . والقولان فى الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم . والصحيح أن هذه الأقوال التى يقولونها التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر ، وكذلك أفعالهم التى هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا . وقد ذكرت دلائل ذلك فى غير هذا الموضع ؛ لكن تكفير الواحد العين منهم والحكم بتخليده فى النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه . فإنا نطلق ٥٠٠