النص المفهرس

صفحات 461-480

الصوت . ومنه : الانتحاب في البكاء ، وهو الصوت الذي تكلم به في
العهد . ثم لما كان عهدم هو نذرم الصدق فى اللقاء - ومن صدق
فى اللقاء فقد يقتل _ صار يفهم من قوله (قَضَى نَحْبَهُ, ) أنه استشهد،
لا سيما إذا كان النحب : نذر الصدق فى جميع المواطن ؛ فإنه لا يقضيه
إلا بالموت . وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد. كما قال تعالى: ( مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُواْاللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ. )
أي
أكمل الوفاء . وذلك لمن كان عهده مطلقاً : بالموت ، أو القتل .
( وَمِنْهُمْ مَّن يَنْتَظِرُ ) قضاءه، إذا كان قد وفى البعض ، فهو ينتظر
تمام العهد . وأصل القضاء : الإتمام والإكمال .
(لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْيَتُوبَ
بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب
عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًارَّحِيمًا ).
ليجزي الصادقين بصدقهم، حيث صدقوا فى إيمانهم، كما قال تعالى:
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْقَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَكِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ ).
فحصر الإيمان فى
المؤمنين المجاهدين ، وأخبر أنهم م الصادقون في قولهم: آمنا؛ لامن
قال ، كما قالت الأعراب: ( آمنا ) والإيمان لم يدخل فى قلوبهم ؛ بل
انقادوا واستسلموا . وأما المنافقون فهم بين أمرين : إما أن يعذبهم ،
وإما أن يتوب عليهم . فهذا حال الناس فى الخندق وفى هذه الغزاة .
٤٦١

وأيضا فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة، ليجزي الصادقين
بصدقهم ، وهم الثابتون الصابرون ، لينصروا الله ورسوله، ويعذب المنافقين
إن شاء أو يتوب عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق
كثير من هؤلاء المذمومين؛ فإن منهم من ندم. والله سبحانه يقبل
التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . وقد فتح الله للتوبة بابا
من قبل المغرب عرضه أربعون سنة . لايغلقه حتى تطلع الشمس
من مغربها .
وقد ذكر أهل المغازي - منهم ابن إسحق - أن النى
صلى الله عليه وسلم قال فى الخندق: ((الآن نغزوهم، ولا يغزونا))
فما غزت قريش ولا غطفان ، ولا اليهود المسلمين بعدها ؛ بل غزاهم
المسلمون: ففتحوا خيبر ثم فتحوامكة. كذلك - إن شاء الله - هؤلاء
الأحزاب من المغول وأصناف الترك ومن الفرس ، والمستعربة ، والنصارى ،
ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام: الآن نغزوم ولا
يغزونا . ويتوب الله على من يشاء من المسلمين ، الذين خالط قلوبهم
مرض أو نفاق ، بأن ينيبوا إلى ربهم، ويحسن ظنهم بالإسلام ، وتقوى
عزيمتهم على جهاد عدوهم. فقد أرام الله من الآيات ما فيه عبرة لأولى
الأبصار، كما قال: (وَرَّالَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَّيَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
اُلْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا ).
٤٦٢

فإن اللّه صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ربح
الصبا : ريح شديدة باردة . وبما فرق به بين قلوبهم ، حتى شنت
شملهم ، ولم ينالوا خيراً . إذ كان همهم فتح المدينة والاستيلاء عليها وعلى
الرسول والصحابة ، كما كان ثم هذا العدو فتح الشام والاستيلاء على
من بها من المسلمين ، فردهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثلج العظيم،
والبرد الشديد، والريح العاصف، والجوع المزعج ، ما الله به عليم.
وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى
وقعت فى هذا العام ، حتى طلبوا الاستصحاء غير مرة . وكنا نقول
لهم : هذا فيه خيرة عظيمة. وفيه الله حكمة وسر، فلا تكرهوه . فكان
من حكمته : أنه فيما قيل : أصاب قازان وجنوده ، حتى أهلكهم ، وهو
كان فيما قيل : سبب رحيلهم . وابتلى به المسلمون ليتبين من يصبر
على أمر الله وحكمة ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه . وكان مبدأ رحيل
قازان فيمن معه من أرض الشأم وأراضي حلب : يوم الاثنين مادي
عشر جمادى الأولى ، يوم دخلت مصر عقيب العسكر ، واجتمعت
بالسلطان وأمراء المسلمين ، وألقى الله فى قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما
ألقاه . فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو ، جزاء منه، وبياناً
أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل، وإن
تباعدت الديار .
٤٦٣

وذكر أن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغول والكرج وألقى بينهم
تباغضاً وتعاديا ، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان ،
وبين اليهود . كما ذكر ذلك أهل المغازى . فإنه لم يتسع هذا المكان
لأن نصف فيه قصة الخندق . بل من طالعها على صحة ذلك ، كما ذكره
أهل المغازي . مثل عروة بن الزبير ، والزهري ، وموسى بن عقبة ،
وسعيد بن يحيى الأموي ، ومحمد بن عائذ ، ومحمد بن إسحق ،
والواقدي ، وغيرم .
ثم تبقى بالشام منهم بقايا ، سار إليهم من مسكر دمشق أكثرم،
مضافا إلى عسكر حماة وحلب ، وما هنالك . وثبت المسلمون بإزائهم .
وكانوا أكثر من المسلمين بكثير ؛ لكن فى ضعف شديد وتقربوا إلى
حماة، وأذلهم الله تعالى ، فلم يقدموا على المسلمين قط . وصار من
المسلمين من يريد الإقدام عليهم ، فلم يوافقه غيره ، فجرت مناوشات
صغار ، كما جرى فى غزوة الخندق ، حيث قتل علي بن أبى طالب
رضي الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامري لما اقتحم الخندق ، هو
ونفر قليل من المشركين .
كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرم المسلمون ، مع كون العدو
المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين . وما من مرة إلا وقد
كان المسلمون مستظهرين عليهم . وساق المسلمون خلفهم فى آخر
٤٦٤

النوبات ، فلم يدركوم إلا عند عبور الفرات . وبعضهم فى جزيرة فيها .
فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم، وخالطوهم ؛ وأصاب المسلمون بعضهم.
وقيل : إنه غرق بعضهم .
وكان عبورم وخلو الشأم منهم فى أوائل رجب ، بعد أن جرى
- ما بين عبور قازان أولا وهذا العبور - رجفات ووقعات صغار ، وعزمنا
على الذهاب إلى حماة غير مرة ؛ لأجل الغزاة ؛ لما بلغنا أن المسلمين
يريدون غزو الذين بقوا . وثبت بإزائهم المقدم الذي بحماة ، ومن معهم
من العسكر ، ومن أتاه من دمشق ، وعزموا على لقائهم ، ونالوا أجراً
عظيما . وقد قيل : إنهم كانوا عدة كمانات ؛ إما ثلاثة ، أو أربعة .
فكان من المقدر: أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون اللّه يلقي فى
قلوب عدوهم الرعب فيهربون ، لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل
(تيزين)) و((الفوعة)) و((معرة مصرين)» وغيرها مالم يكونوا وطئوه
في العام الماضي .
وقيل : إن كثيراً من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم ؛ بسبب
الرفض ، وأن عند بعضهم فرامين منهم ؛ لكن هؤلاء ظلمة ، ومن أعان
ظالما بلي به . والله تعالى يقول:
( وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظِّينَ بَعْضَاً
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ).
وقد ظاهروم على المسلمين: الذين كفروا من أهل الكتاب ، من
٤٦٥

أهل ((سيس)) والإفرنج. فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم.
وهي الحصون - ويقال للقرون : الصيامى - ويقذف في قلوبهم الرعب.
وقد فتح الله تلك البلاد. وتغزوم إن شاء الله تعالى ، فنفتح أرض
العراق وغيرها ، وتعلو كلمة الله ويظهر دينه ؛ فإن هذه الحادثة كان فيها
أمور عظيمة جازت حد القياس . وخرجت عن سنن العادة . وظهر
لكل ذي عقل من تأييد الله لهذا الدين ، وعنايته بهذه الأمة ، وحفظه
للأرض التى بارك فيها للعالمين - بعد أن كاد الإسلام أن ينتلم ، وكر
العدو كرة فلم يلو عن .. وخذل الناصرون فلم يلووا على .. وتحير
السائرون فلم يدروا من .. ولا إلى .. وانقطعت الأسباب الظاهرة .
وأهطعت الأحزاب القاهرة ، وانصرفت الفئة الناصرة ، وتخاذلت
القلوب المتناصرة ، وثبتت الفئة الناصرة ، وأيقنت بالنصر القلوب
الطاهرة، واستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة ، ففتح الله
أبواب سمواته لجنوده القاهرة ، وأظهر على الحق آياته الباهرة ،
وأقام عمود الكتاب بعد ميله ، وثبت لواء الدين بقوته وحوله ،
وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق ، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى
يوم التلاق .
فالله يتم هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل
الطغيان ، ويجعل هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة ، وأساسا
٤٦٦

لإقامة الدعوة النبوية القويمة ، ويشفى صدور المؤمنين من أعاديهم ،
ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على
سيدنا محمد وآله و محبه وسلم تسليما .
قال الشيخ رحمه الله: كتبت أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان
وجنوده ، لما رجعت من مصر فى جمادي الآخرة ، وأشاعوا أنه لم يبق
منهم أحد . ثم لما بقيت تلك الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم ، وقصد
الذهاب إلى إخواننا بحماة ، وتحريض الأمراء على ذلك ، حتى جاءنا
الخبر بانصراف المتبقين منهم. فكتبته فى رجب والله أعلم. والحمد
لله وحده. وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم
تسليما كثيراً إلى يوم الدين .
٤٦٧

وسئل شيخ الإسلام تقي الدين
عمن يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر، ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم هو علي بن أبى طالب ، وأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم نص على إمامته، وأن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه ، وأنهم كفروا
بذلك . فهل يجب قتالهم ؟ ويكفرون بهذا الاعتقاد أم لا ؟ .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة
ممتعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها،
حتى يكون الدين كله لله .
فلو قالوا : نصلي ولا تزكى ، أو نعلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا
الجماعة ، أو نقوم بمبانى الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم،
أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر ، أو نتبع القرآن ولا نتبع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو
نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين ، وأن أهل
القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة ،
٤٦٨

أو قالوا : إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين ، أو غير ذلك من الأمور
المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وما عليه
جماعة المسلمين . فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها ، كما جاهد
المسلمون مانعى الزكاة ، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا
الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرم من أصناف أهل الأهواء والبدع
الخارجين عن شريعة الإسلام .
وذلك لأن الله تعالى يقول فى كتابه: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَككُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله
وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله. وقال تعالى: (فَإِن تَابُواْ
وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُواْسَبِيلَهُمْ ) فلم يأمر بتخلية سبيلهم
إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر ، وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة .
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُ واْمَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنْتُم
فقد
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، )
مُؤْمِنِينَ *
أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله
ورسوله، والربا آخر ما حرم الله فى القرآن ، فما حرمه قبله أوكد .
وقال تعالى: ( إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْيُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْيُنفَوْاْ
مِنَ الْأَرْضِ ).
٤٦٩

فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول فى طاعة الله
ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله
وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً ؛ ولهذا تأول السلف هذه
الآية على الكفار وعلى أهل القبلة ؛ حتى أدخل عامة الأمة فيها قطاع
الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال ، وجعلوهم بأخذ
أموال الناس بالقتال محاربين الله ورسوله ساعين فى الأرض فساداً .
وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه، ويقرون بالإيمان بالله ورسوله.
فالذى يعتقد حل دماء المسلمين، وأموالهم ، ويستحل قتالهم :
أولى بأن يكون محاربالله ورسوله ، ساعياً فى الأرض فساداً من هؤلاء.
كما أن الكافر الحربي الذى يستحل دماء المسلمين وأموالهم ، ويرى
جواز قتالهم: أولى بالمحاربة من الفاسق الذى يعتقد تحريم ذلك. وكذلك
المبتدع الذى خرج عن بعض شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسنته ، واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وشريعته، وأموالهم : هو أولى بالمحاربة من الفاسق
وإن اتخذ ذلك ديناً يتقرب به إلى الله. كما أن اليهود والنصارى تتخذ
محاربة المسلمين ديناً تتقرب به إلى الله .
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب
التى يعتقد أصحابها أنها ذنوب . وبذلك مضت سنة رسول الله صلى
٤٧٠

الله عليه وسلم : حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة ، وأمر بالصبر
على جور الأمة وظلمهم ، والصلاة خلفهم مع ذنوبهم، وشهد لبعض
المصرين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله ، ونهى عن
لعنته ، وأخبر عن ذي الخويصرة وأصحابه - مع عبادتهم وورعهم -
أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . وقد قال تعالى
في كتابه : (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوأ ◌َسْلِيمًا ).
فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته ،
فقد أقسم اللّه بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا .
وحتى لا يبقى فى قلوبهم حرج من حكمه . ودلائل القرآن على هذا
الأصل كثيرة .
وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة
خلفائه الراشدين . ففي الصحيحين: عن أبى هريرة قال: (( لما توفى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد من ارتد من العرب، قال
عمر بن الخطاب لأبى بكر : كيف تقاتل الناس ، وقد قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم
٤٧١

وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ؟ فقال أبو بكر : ألم يقل إلا
بحقها ؟! فإن الزكاة من حقها . والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . فقال عمر :
فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال
فعلمت أنه الحق)) . فاتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على
قتال أقوام بصلون ويصومون إذا امتنعوا عن بعض ما أوجبه الله عليهم
من زكاة أموالهم .
وهذا الاستنباط من صديق الأمة قد جاء مصرحا به . ففي الصحيحين:
((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا
ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فأخبر صلى الله عليه
وسلم أنه أمر بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات .
وهذا مطابق لكتاب الله. وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه
وسلم من وجوه كثيرة ، وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ،
ذكرها مسلم فى صحيحه، وأخرج منها البخاري غير وجه . وقال الإمام
أحمد - رحمه الله - : صح الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه .
قال صلى الله عليه وسلم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه
٤٧٢

مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم. يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ،
يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لو يعلم الذين يقاتلونهم
ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)). وفى رواية ((لئن
أدركتهم لأقتلهم قتل عاد)) وفى رواية: ((شر قتلى تحت أديم السماء،
خير قتلى من قتلوه )) .
وهؤلاء أول من قائلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه.
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاتلهم بحرورى لما
خرجوا عن السنة والجماعة ، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم ؛ فإنهم
قتلوا عبد الله بن خباب ، وأغاروا على ماشية المسلمين . فقام أمير
المؤمنين علي بن أبى طالب وخطب الناس ، وذكر الحديث ، وذكر
أنهم قتلوا وأخذوا الأموال ، فاستحل قتالهم ، وفرح بقتلهم فرما عظيما ،
ولم يفعل في خلافته أمراً عاما كان أعظم عنده من قتال الخوارج . وم
كانوا يكفرون جمهور المسلمين ، حتى كفروا عثمان وعليا . وكانوا
يعملون بالقرآن فى زعمهم ، ولا يتبعون سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم التى يظنون أنها تخالف القرآن . كما يفعله سائر أهل البدع
- مع كثرة عبادتهم وورعهم.
وقد ثبت عن علي في صحيح البخاري وغيره من نحو ثمانين وجهاً
أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر ثم عمر . وثبت عنه
٤٧٣

أنه حرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية . وروى عنه بأسانيد
جيدة أنه قال : لا أوتى بأحد يفضلني على أبى بكر وعمر إلا جلدته
حد المفتري . وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر
وعمر ليقتله فهرب منه .
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبى بكر أن
يجلد لذلك . وقال عمر رضي الله عنه الصبيغ بن عسل ؛ لما ظن أنه من
الخوارج : لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك .
فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره ، قد أمر بعقوبة الشيعة :
الأصناف الثلاثة ، وأخفهم المفضلة . فأمر هو وعمر بجلدم . والغالية
يقتلون باتفاق المسلمين ، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة فى علي
وغيره ، مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال لهم : بيت صاد، وبيت
سين ، ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع ، أو
ينكرون القيامة ، أو ينكرون ظواهر الشريعة: مثل الصلوات الخمس ،
وصيام شهر رمضان ، وحج البيت الحرام ، ويتأولون ذلك على معرفة
أسرارم، وكنان أسرارهم، وزيارة شيوخهم . ويرون أن المخمر حلال
لهم ، ونكاح ذوات المحارم حلال لهم .
فإن جميع هؤلاء الكفار أكفر من اليهود والنصارى . فإن لم يظهر
٤٧٤

عن أحدثم ذلك كان من المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار ،
ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفرا . فلا يجوز أن يقر بين
المسلمين لا يجزية ولا ذمة ، ولا يحل نكاح نسائهم ، ولا تؤ كل ذباتحهم ؛
لأنهم مرتدون من شر المرتدين . فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم
كما يقاتل المرتدون ، كما قاتل الصديق والصحابة أصحاب مسيلمة الكذاب،
وإذا كانوا فى قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد التوبة ،
وألزموا بشرائع الإسلام التى تجب على المسلمين .
وليس هذا مختصا بغالية الرافضة ، بل من غلافى أحد من المشايخ،
وقال : إنه يرزقه ، أو يسقط عنه الصلاة أو أن شيخه أفضل من
النبى ، أو أنه مستغن عن شريعة النبى صلى الله عليه وسلم ، وإن
له إلى الله طريقاً غير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أن أحدا
من المشابخ يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر
مع موسى .
وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين ، وقتل الواحد
المقدور عليه منهم .
وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة ، فقد روى عنهما
- أعني عمر وعلي - قتلها أيضا. والفقهاء وإن تنازعوا فى قتل الواحد
٤٧٥

المقدور عليه من هؤلاء ، فلم يتنازعوا فى وجوب قتالهم إذا كانوا
ممتعين ؛ فإن القتال أوسع من القتل ، كما يقاتل الصائلون العداة
والمعتدون البغاة، وإن كان أحدثم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله
ورسوله به .
وهذه النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى
الخوارج قد أدخل فيها العلماء لفظا أو معنى من كان في معنام من أهل
الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة
المسلمين ؛ بل بعض هؤلاء شر من الخوارج الحرورية ؛ مثل الخرمية ،
والقرامطة ، والنصيرية ، وكل من اعتقد فى بشر أنه إله ، أو فى غير
الأنبياء أنه نى، وقاتل على ذلك المسلمين. فهو شر من الخوارج الحرورية.
والنبى صلى الله عليه وسلم إنما ذكر الخوارج الحرورية، لأنهم أول
صنف من أهل البدع خرجوا بعده؛ بل أولهم خرج في حياته . فذكرم
لقربهم من زمانه ، كما خص الله ورسوله أشياء بالذكر لوقوعها فى ذلك
الزمان، مثل قوله : ( وَلَنَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِ
. (
) ومحو
وقوله: ( مَنْ يَرْتَدَ مِنَّكُمْ عَنْ دِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ؟
ذلك . ومثل تعيين النى صلى الله عليه وسلم قبائل من الأنصار ،
وتخصيصه أسلم وغفار وجهينة وتميم وأسد وغطفان وغيرهم بأحكام :
لمعان قامت بهم ، وكل من وجدت فيه تلك المعانى ألحق بهم ؛ لأن
٤٧٦

التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم بالحكم ؛ بل لحاجة المخاطبين
إذ ذاك إلى تعيينهم ؛ هذا إذا لم تكن ألفاظه شاملة لهم .
وهؤلاء الرافضة إن لم يكونوا شرا من الخوارج المنصوصين فليسوا
دونهم ؛ فإن أولئك إنما كفروا عثمان وعلياً ، وأتباع عثمان وعلي فقط ؛
دون من قعد عن القتال أو مات قبل ذلك .
والرافضة كفرت أبا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار
والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفروا
جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين.
فيكفرون كل من اعتقد فى أبى بكر وعمر والمهاجرين والأنصار
العدالة ، أو ترضى عنهم كما رضي الله عنهم، أو يستغفر لهم كما أمر
اللّه بالاستغفار لهم، ولهذا يكفرون أعلام الملة: مثل سعيد بن المسيب.
وأبى مسلم الخولانى، وأويس القرنى ، وعطاء بن أبى رباح ، وإبراهيم
النخعي ، ومثل مالك والأوزاعي، وأبى حنيفة ، وحماد بن زيد ، وحماد
ابن سلمة ، والثوري، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وفضيل بن عياض،
وأبي سليمان الدارانى ، ومعروف الكرخي ، والجنيد بن محمد ، وسهل
ابن عبد الله التستري ، وغير هؤلاء . ويستحلون دماء من خرج عنهم،
ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور ، كما يسميه المتفلسفة ونحوهم بذلك ،
٤٧٧

وكما تسميه المعتزلة مذهب الحشو ، والعامة وأهل الحديث . ويرون فى
أهل الشام ومصر والحجاز والمغرب واليمن والعراق والجزيرة وسائر
بلاد الإسلام أنه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم، وأن المائعات التى
عندم من المياه والأدهان وغيرها نجسة ، ويرون أن كفرم أغلظ من
كفر اليهود والنصارى؛ لأن أولئك عندهم كفار أصليون، وهؤلاء
مرتدون ، وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي .
ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين ، فيعاونون
النار على الجمهور. وهم كانوا من أعظم الأسباب فى خروج جنكز خان،
ملك الكفار ، إلى بلاد الإسلام ، وفى قدوم هولاكو إلى بلاد العراق ؛
وفي أخذ حلب ، ونهب الصالحية، وغير ذلك ، بخبثهم ومكرهم ؛ لما
دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم .
وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه إلى
مصر في النوبة الأولى . وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين.
وبهذا السبب ظهر فيهم من معاونة التتار والإفرنج على المسلمين ،
والكآبة الشديدة بانتصار الإسلام ما ظهر، وكذلك لما فتح المسلمون
الساحل - مكة وغيرها - ظهر فيهم من الانتصار للنصارى وتقديمهم
على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم . وكل هذا الذي وصفت بعض
أمورهم ، وإلا فالأمر أعظم من ذلك .
٤٧٨

وقد اتفق أهل العلم بالأحوال ؛ أن أعظم السيوف التى سلت على
أهل القبلة ممن ينتسب إليها ، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين
ممن ينتسب إلى أهل القبلة : إنما هو من الطوائف المنتسبة إليهم .
فهم أشد ضرراً على الدين وأهله ، وأبعد عن شرائع الإسلام
من الخوارج الحرورية ؛ ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة . فليس فى
الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبا ولا أكثر تصديقا للكذب
وتكذيباً للصدق منهم ، وسيما التفاق فيهم أظهر منه فى سائر الناس ؛
وهي التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: (( آية المنافق ثلاث:
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان )» وفى رواية :
«أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب وإذا وعد
أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)). وكل من جربهم يعرف
اشتمالهم على هذه الخصال؛ ولهذا يستعملون التقية التى هي سيما المنافقين،
واليهود، ويستعملونها مع المسلمين (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَالَيْسَ فِى
قُلُوبِهِمْ ) ويحلفون ما قالوا وقد قالوا ، ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين
والله ورسوله أحق أن يرضوه .
وقد أشبهوا اليهود في أمور كثيرة ، لا سيما السامرة من اليهود ؛
فإنهم أشبه بهم من سائر الأصناف : يشبهونهم فى دعوى الإمامة فى
٤٧٩

شخص أو بطن بعينه ، والتكذيب لكل من جاء محق غير ما يدعونه،
وفى اتباع الأهواء أو تحريف الكلم عن مواضعه ، وتأخير الفطر ،
وصلاة المغرب ، وغير ذلك ، وتحريم ذبائح غيرهم .
ويشبهون النصارى فى الغلو في البشر والعبادات المبتدعة ، وفى
الشرك ، وغير ذلك .
وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين ، وهذه
شيم المنافقين. قال الله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْالْيَهُودَ وَالنَّصَرَىّ
أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَ مَن يَتَوَلَهُم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
وقال تعالى: (تَرَى كَثِيرًامِنْهُمْ يَتَوَلَّوَنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَاقَدَّمَتْ
لَمُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ * وَلَوْكَانُواْ
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ
فَسِقُونَ ). وليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا
منصورة ، وهم لا يصلون جمعة ولا جماعة - والخوارج كانوا يصلون
جمعة وجماعة - وهم لا يرون جهاد الكفار مع أئمة المسلمين، ولا
الصلاة خلفهم ، ولا طاعتهم فى طاعة الله ، ولا تنفيذشيء من أحكامهم؛
لاعتقادهم [ أن ذلك] لا يسوغ إلا خلف إمام معصوم . ويرون أن
المعصوم قد دخل فى السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة .
وهو إلى الآن لم يخرج ، ولا رآء أحد ، ولا على أحدا ديناً، ولا
٤٨٠