النص المفهرس

صفحات 421-440

حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة،
حتى والله لوكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار - كأبى بكر،
وعمر ، وعثمان، وعلي ، وغيرم - حاضرين في هذا الزمان، لكان من
أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين .
ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته ، وسفه نفسه،
وحرم حظا عظيما من الدنيا والآخرة ؛ إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى،
كالمريض ، والفقير ، والأعمى وغيرهم ، وإلا فمن كان له مال وهو
عاجز ببدنه فليغز بماله . ففى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( من جهز غازيا فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير
فقد غزا ، ومن كان قادرا بيدنه وهو فقير فليأخذ من أموال المسلمين
ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة ، أو صلة ، أو من بيت المال ،
أو غير ذلك ؛ حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر
رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو
رهون أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينفقها فى سبيل الله، فإن
ذلك مصرفها .
ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد ؛ فإن الله عز وجل
يغفر ذنوبه، كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: (يَغْفِرْلَكُمْ
◌ُنُوبَكُمْ ) . ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى
أصحابه فلينفقه فى سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة إلى
٤٢١

خلاصه ، مع ما يحصل له من أجر الجهاد .
وكذلك من أراد أن يكفر الله عنه سيئاته فى دعوى الجاهلية
وحميتها فعليه بالجهاد ؛ فإن الذين يتعصبون للقبائل وغير القبائل - مثل
قيس ويمن ، وهلال وأسد ونحو ذلك - كل هؤلاء إذا قتلوا فإن
القاتل والمقتول فى النار، كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول في النار . قيل:
يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل
أخيه)) أخرجاه فى الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من قتل
تحت راية عمية : يغضب لعصبية ، ويدعو لعصبية فهو فى النار )) رواه
مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من تعزى بعزاء أهل الجاهلية
فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا )) فسمع أبى بن كعب رجلا يقول: يا لفلان !
فقال : اعفض أير أبيك ، فقال : يا أبا المنذر ! ما كنت فاحشا . فقال،
بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد فى مسنده.
ومعنى قوله: ((من تعزى بعزاء الجاهلية )) يعني يعتزى بعزواتهم، وهي
الانتساب إليهم في الدعوة ، مثل قوله : يالقيس ! ياليمن ! ويالهلال !
ويالأسد ، فمن تعصب لأهل بلدته ، أو مذهبه ، أو طريقته ، أو قرابته،
أو لأصدقائه دون غيرهم ، كانت فيه شعبة من الجاهلية ، حتى يكون
المؤمنون كما أمرم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله . فإن
٤٢٢

كتابهم واحد ، ودينهم واحد ، ونبيهم واحد ، وربهم إله واحد ،
لا إله إلا هو، له الحمد فى الأولى والآخرة، وله الحكم ، وإليه ترجعون.
قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم
◌ُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنُمْ أَعْدَاءُ قَلََّ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِإِخْوَنًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا
تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأُخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُالْبَيِنَتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ ) قال ابن عباس رضى الله عنهما : تبيض
وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل الفرقة والبدعة .
فالله! الله! عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله،
والجهاد في سبيله؛ يجمع الله قلوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويحصل
لكم غير الدنيا والآخرة. أعاننا الله وإياكم على طاعته وعبادته، وصرف
عنا وعنكم سبيل معصيته ، وآنانا وإياكم فى الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة ، ووقانا عذاب النار ، وجعلنا وإياكم ممن رضي الله عنه وأعد
له جنات النعيم ، إنه على كل شيء قدير ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
٤٢٣

وقال قرس الآّروھـ
بِسْمِ اللهِالرَّحِ الرَّحَمِ
إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين . سلام عليكم ورحمة الله
وبركاته ؛ فإنا محمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وهو للحمد أهل،
وهو على كل شيء قدير ، ونسأله أن يصلي على صفوته من خليقته
وخيرته من بريته محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم تسليما .
أما بعد: فقد صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ،
وهزم الأحزاب وحده، (وَرَدَّلَهُالَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيِّظِمْ لَمْ يَنَا لُواْ خَيًْ وَكَفَى اللَّهُ
اَلْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا )
واللّه تعالى يحقق لنا
التام بقوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُّلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ
وَأَمْوَهُمْ وَرْضَا لَّمْ تَطَعُوهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرًا).
٤٢٤

فإن هذه الفتنة التى ابتلي بها المسلمون مع هذا العدو المفسد ،
الخارج عن شريعة الإسلام : قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع
عدوهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المغازي التى أنزل
الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين: مما هو أسوة لمن كان يرجو
الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا إلى يوم القيامة؛ فإن نصوص
الكتاب والسنة، اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، يتناولان
عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوى ، أو بالعموم المعنوي . وعهود الله
فى كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة ، كما نالت أولها . وإنما قص
الله علينا قصص من قبلنا من الأمم، لتكون عبرة لنا. فنشبه حالنا
بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها . فيكون للمؤمن من المتأخرين
شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين . ويكون للكافر والمنافق من
المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين ، كما قال تعالى
لما قص قصة يوسف مفصلة، وأجمل قصص الأنبياء . ثم قال :
(لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى)
أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما
يفترى من القصص المكذوبة ، كنحو ما يذكر فى الحروب من
السير المكذوبة .
وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَّكَاَلْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ »
٤٢٥

وقال فى سيرة نبينا محمد
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَى )
صلى الله عليه وسلم مع أعدائه بيدر وغيرها: (قَدْكَانَ لَكُمْ
ءَايَةٌ فِى فِتَتَيْنِ اَلْتَّقَتَّافِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ
رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى
اُلْأَبْصَرِ ).
وقال تعالى فى محاصرته لبنى النضير: (هُوَاُلَّذِىّ
أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن ◌ِيَرِهِمْ لِأَوَلِ الْحَثْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنُّواْ أَنَّهُم
مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ
بُوَتَهُم بَيْدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُ وا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ) . فأمرنا أن نعتبر
بأحوال المتقدمين علينا، من هذه الأمة ، وممن قبلها من الأمم .
وذكر في غير موضع : أن سنته فى ذلك سنة مطردة ، وعادنه
(لَّيِن لَّيَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ مَّرَضُ
مستمرة . فقال تعالى :
وَالْمُرْحِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُحَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا *
مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْتَفْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْمِن
) . وقال تعالى: (وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
قَبْلُ وَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّةِ اللهِتَبْدِيلاً
لَوَلَّواْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ
وأخبر سبحانه أن دأب
تَجِدَلِسُنَّةِ اللَّهِتَبْدِيلاً ).
الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين .
٤٢٦

فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه فى عباده. ودأب الأمم
وعاداتهم ، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التى طبق الخافقين
خبرها ، واستطار فى جميع ديار الإسلام شررها ، وأطلع فيها النفاق
ناصية رأسه ، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه ، وكاد فيه عمود
الكتاب أن يجتث ويخترم . وحبل الإيمان أن ينقطع ويصطلم . وعقر
دار المؤمنين أن يحل بها البوار . وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة
التتار . وظن المنافقون والذين فى قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله
ورسوله إلا غرورا . وأنْ لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم
أبداً ، وزين ذلك فى قلوبهم ، وظنوا ظن السوء وكانوا قوماً بوراً ،
ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران ، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة
السكران ، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا
اليقظان ، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان ، حتى بقي للرجل
بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان . وميز الله فيها أهل البصائر
والإِيقان ، من الذين فى قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان ، ورفع
بها أقواما إلى الدرجات العالية ، كما خفض بها أقواماً إلى المنازل الهاوية،
وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة ، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها
قيامة مختصرة من القيامة الكبرى .
فإن الناس تفرقوا فيها مابين شقي وسعيد ، كما يتفرقون كذلك
٤٢٧

في اليوم الموعود ، وفر الرجل فيها من أخيه وأمه وأبيه ؛ إذ كان
لكل امرئ منهم شأن يغنيه . وكان من الناس من أقصى همته النجاة
بنفسه ، لا يلوى على ماله ولا ولد ولا عرسه . كما أن منهم من فيه
قوة على تخليص الأهل والمال . وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه بيال .
وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع . وهم درجات عند الله فى المنفعة
والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح،
والبر والتقوى . وبليت فيها السرائر . وظهرت الخبايا التى كانت تكنها
الضمائر . وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج
ما كان إليه فى المآل. وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيلا.
كما حمد ربه من صدق فى إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا . وبان صدق
ما جاءت به الآثار النبوية ، من الإخبار بما يكون . وواطأتها قلوب
الذين هم فى هذه الأمة محدثون ، كما تواطأت عليه المبشرات التى أريها
المؤمنون . وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين ، الذين لا
يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة . حيث محزبت
الناس ثلاثة أحزاب : حزب مجتهد فى نصر الدين . وآخر خاذل له .
وآخر خارج عن شريعة الإسلام .
وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور. وآخر قد غره بالله الغرور.
وكان هذا الامتحان تمييزاً من الله ونفسيا. (لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ
٤٢٨

بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَنُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ كَانَ غَفُورًارَّحِيمًا ).
ووجه الاعتبار فى هذه الحادثة العظيمة : أن الله تعالى بعث محمدا
صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرع
له الجهاد إباحة له أولا ، ثم إيجابا له ثانيا لما هاجر إلى المدينة ، وصار
له فيها أنصار ينصرون الله ورسوله ، فغزا بنفسه صلى الله عليه وسلم
مدة مقامه بدار الهجرة ، وهو نحو عشر سنين : بضعا وعشرين غزوة.
أولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك: أنزل الله في أول مغازيه ((سورة
الأنفال)) وفى آخرها ((سورة براءة)). وجمع بينهما فى المصحف ؛ لتشابه
أول الأمر وآخره ، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سئل عن القران
بين السورتين من غير فعل بالبسملة .
وكان القتال منها فى تسع غزوات .
فأول غزوات القتال: بدر ، وآخرها حنين ، والطائف . وأنزل
اللّه فيها ملائكته، كما أخبر به القرآن، ولهذا صار الناس يجمعون
بينها فى القول ، وإن تباعد ما بين الغزونين مكاناً وزمانا؛ فإن بدراً
كانت فى رمضان ، فى السنة الثانية من الهجرة ، ما بين المدينة، ومكة،
شامى مكة ، وغزوة حنين فى آخر شوال من السنة الثامنة . وحنين واد
قريب من الطائف ، شرقى مكة. ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم
٤٢٩

غنائمها بالجعرانة واعتمر من الجعرانة . ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهل
الطائف زحفاً وصفوفا وإنما قاتلوه من وراء جدار . فآخر غزوة كان
فيها القتال زحفا واصطفافاً : هي غزوة حنين. وكانت غزوة بدر أول
غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار. وقتل اللّه أشرافهم وأسر
رءوسهم ، مع قلة المسلمين وضعفهم ؛ فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ،
ليس معهم إلافرسان ، وكان يعتقب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد.
وكان عدوم بقدرم أكثر من ثلاث مرات ، فى قوة وعدة
وهيئة وخيلاء .
فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة ، وفيها النبى صلى
الله عليه وسلم وأصحابه . فخرج إليهم النى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه في نحو من ربع الكفار ، وتركوا عيالهم بالمدينة ، لم ينقلوم
إلى موضع آخر . وكانت أولا الكرة للمسلمين عليهم ، ثم صارت
للكفار. فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفراً قليلا حول النبى صلى
اللّه عليه وسلم: منهم من قتل ، ومنهم من جرح. وحرصوا على قتل
النبى صلى الله عليه وسلم، حتى كسروا رباعيته ، وشجوا جبينه،
وهشموا البيضة على رأسه. وأنزل الله فيها شطرا من سورة آل عمران،
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ)
من قوله :
وقال فيها : (إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ
٤٣٠

وقال
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ )
فيها : (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّاتُحِبُّونَ
ج
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ اُلْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وقال فيها :
( أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُم مِّثْلَيُّهَا قُلْتُمْ أَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) .
وكان الشيطان قد نعق في الناس : أن محمداً قد قتل ، فمنهم من
تزلزل لذلك فهرب . ومنهم من ثبت فقاتل . فقال الله تعالى: (وَمَا
مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْرِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ).
وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا فى العام الماضى . وكانت
هزيمة المسلمين فى العام الماضى بذنوب ظاهرة ، وخطايا واضحة : من
فساد النيات ، والفخر والخيلاء ، والظلم ، والفواحش والإعراض عن
حكم الكتاب والسنة ، وعن المحافظة على فرائض الله ، والبغي على
كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم وكان عدوم في أول الأمر
راضيا منهم بالموادعة والمسالمة ، شارعاً فى الدخول في الإسلام .
٤٣١

وكان مبتدئا فى الإيمان والأمان ، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير
من أحكام الإيمان .
فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلام بما ابتلام به ليمحص
الله الذين آمنوا، وبنيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوم ما ظهر منه من
البغي والمكر ، والنكث، والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم
ما يستوجبون به النصر ، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام .
فقد كان فى نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر
الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم - الذي هو على الحال المذكورة -
لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف. كما أن نصر الله
للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة ، وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة
على المؤمنين ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقضي الله
للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له . وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن
أصابته سراء فشكر الله كان خيراً له ، وإن أصابته ضراء فصبر كان
خيراً له )).
فلما كانت حادثة المسلمين عام أول شبيهة بأحد . وكان بعد أحد
بأكثر من سنة - وقيل بسنتين - قد ابتلى المسلمون عام الخندق.
كذلك فى هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم ، كنحو ما ابتلى المسلمون
٤٣٢

مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الخندق ، وهي غزوة الأحزاب التى
أنزل الله فيها ((سورة الأحزاب)) وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة،
التى نصر الله فيها عبده صلى الله عليه وسلم ، وأعز فيها جنده
المؤمنين ، وهزم الأحزاب - الذين يحزبوا عليه - وحده بغير قتال؛ بل
بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم. ذكر فيها خصائص رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وحقوقه ، وحرمته ، وحرمة أهل بيته، لما كان هو القلب
الذي نصره الله فيها بغير قتال. كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء . وظهر
فيها سر تأييد الدين ، كما ظهر فى غزوة الخندق . وانقسم الناس فيها
كانقسامهم عام الخندق .
وذلك أن الله تعالى منذ بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وأعزه
بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام :
قسماً مؤمنين ، وهم الذين آمنوا به ظاهراً وباطنا .
وقسماً كفارا، وهم الذين أظهروا الكفر به.
وقسماً منافقين ، وهم الذين آمنوا ظاهرا ، لا باطنا .
ولهذا افتح ((سورة البقرة)) بأربع آيات في صفة المؤمنين ، وآيتين
في صفة الكافرين . وثلاث عشرة آية فى صفة المنافقين .
وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب. كما
٤٣٣

دلت عليه دلائل الكتاب والسنة ، وكما فسره أمير المؤمنين علي بن أبى
طالب رضي الله عنه فى الحديث المأثور عنه فى الإيمان ودعائمه وشعبه.
فمن النفاق ما هو أكبر ، يكون صاحبه فى الدرك الأسفل من
النار ؛ كنفاق عبد الله بن أبي وغيره ؛ بأن يظهر تكذيب الرسول أو
جحود بعض ما جاء به ، أو بغضه ، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه ، أو
المسرة بانخفاض دينه ، أو المساءة بظهور دينه . ونحو ذلك : مما لا
يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله . وهذا القدر كان موجوداً في
زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال بعده ؛ بل هو بعده
أكثر منه على عهده ؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى . فإذا
كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجوداً فوجوده فيما دون ذلك أولى.
وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين ، ولا يعلم
بعضهم، كما بينه قوله : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ
اُلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )
كذلك خلفاؤ.
بعده وورثته : قد يعلمون بعض المنافقين ، ولا يعلمون بعضهم . وفى
المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون ، فى الخاصة
والعامة. ويسمون ((الزنادقة)).
وقد اختلف العلماء فى قبول توبتهم فى الظاهر ، لكون ذلك لا
٤٣٤

يعلم، إذهم دائما يظهرون الإسلام. وهؤلاء يكثرون فى المتفلسفة : من
المنجمين ، ونحوم . ثم فى الأطباء . ثم فى الكتاب أقل من ذلك .
ويوجدون فى المتصوفة والمتفقهة ، وفى المقابلة والأمراء ، وفى العامة
أيضاً . ولكن يوجدون كثيراً فى نحل أهل البدع؛ لاسيما الرافضة .
ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس فى أحد من أهل النحل . ولهذا
كانت الخرمية ، والباطنية ، والقرامطة، والإسماعيلية ، والنصيرية ، ونحوهم
من المنافقين الزنادقة : منتسبة إلى الرافضة .
وهؤلاء المنافقون فى هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء
التنار ؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام ؛ بل يتركونهم وما هم عليه.
وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم فى الدنيا ، واستيلائهم على
الأموال، واجترائهم على الدماء ، والسبى ؛ لا لأجل الدين .
فهذا ضرب النفاق الأكبر .
وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها : مثل أن
يكذب إذا حدث ، ويخلف إذا وعد ، ويخون إذا ائتمن ، أو يفجر
إذا خاصم. ففى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية
المنافق ثلاث: إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا انتمن غان))
وفى رواية صحيحة ((وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم)) وفى الصحيحين
٤٣٥

عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع
من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه
خصلة من النفاق ، حتى يدعها : إذا حدث كذب . وإذا وعد أخلف.
وإذا عاهد غدر . وإذا خاصم فجر)).
ومن هذا الباب : الإعراض عن الجهاد . فإنه من خصال المنافقين.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه
بالغزو مات على شعبة من نفاق)) رواه مسلم. وقد أنزل الله (( سورة
براءة)» التى تسمى الفاضحة ؛ لأنها فضحت المنافقين . أخرجاه فى
الصحيحين عن ابن عباس ، قال : هي الفاضحة ، ما زالت تنزل
(ومنهم)، (ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها .
وعن المقداد بن الأسود قال: هي ((سورة البحوث)) لأنها بحثت
عن سرائر المنافقين . وعن قتادة قال : هي المثيرة ؛ لأنها أثارت
مخازي المنافقين .
وعن ابن عباس قال : هي المبعثرة . والبعثرة والإثارة متقاربان .
وعن ابن عمر : أنها المقشقشة . لأنها تبرئ من مرض النفاق .
يقال : تقشقش المريض إذا برأ . وقال الأصمعي : وكان يقال لسورتى
الإخلاص : المقشقشتان ؛ لأنهما يبرئان من النفاق .
٤٣٦

وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبى صلى الله عليه وسلم:
غروة تبوك ، عام تسع من الهجرة ، وقد عن الإسلام ، وظهر .
فكشف اللّه فيها أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجين ، وترك الجهاد .
ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشح على المال. وهذان
داءان عظيمان: الجبن والبخل. قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((شر
ما فى المرء شح هالع ، وجبن خالع )) حديث صحيح ؛ ولهذا قد يكونان
من الكبائر الموجبة للنار ، كما دل عليه قوله :
(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَ اتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمْ بَلَّ هُوَ شَرٌّلَهُمّ
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخْلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقال تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ
دُبُرَهُ إِلَّ مُتَحَرِّفَا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْبَآءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ
جَهَنَّمٌ وَبِْسَ اْصِيرُ ) .
وأما وصفهم بالجبن والفزع، فقال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ
لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِنْكُوَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْيَجِدُونَ مَلْجَنَا أَوْمَغَرَاتٍ
أَوْ مُدَخَلَا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) .
فأخبر سبحانه أنهم
وإن حلفوا أنهم من المؤمنين فماهم منهم ؛ ولكن يفزعون من العدو .
فـ (لَوَيَجِدُونَ مَلْجَئًا) يلجأون إليه من المعاقل والحصون التى يفر إليها
من يترك الجهاد ، أو ( مغارات ) وهي جمع مغارة . ومغارات سميت
بذلك لأن الداخل يغور فيها، أي يستتر ؛ كما يغور الماء . (أو مدخلا)
٤٣٧

وهو الذى يتكلف الدخول إليه ، إما لضيق بابه ، أو لغير ذلك . أي
مكانا يدخلون إليه . ولو كان الدخول بكلفة ومشقة ( لولوا ) عن
الجهاد (إِلَيْهِوَهُمْ يَجْمَحُونَ ) أي يسرعون إسراعا لا يردهم شيء،
كالفرس الجموح الذي إذا حمل لا يرده اللجام . وهذا وصف منطبق على
أقوام كثيرين في حادثتنا ، وفيما قبلها من الحوادث ، وبعدها .
وكذلك قال فى ((سورة محمد ) صلى اللّه عليه وسلم: (فَإِذَاَ
أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيَّكَ
نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ )
أي فبعداً لهم (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ اُلْأَمْرُ فَلَوْصَدَ قُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ )
ج
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ
بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَتِكَ هُمُ الصَدِقُونَ)
فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد .
(لَا يَسْتَغْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ
وقال تعالى :
يُجَهِدُ وابِأَ مْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَغْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْفَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ).
فهذا إخبار من اللّه بأن المؤمن لا يستأذن الرسول فى ترك الجهاد ؛
وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن ، فكيف بالتارك من غير استئذان ؟!
ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متضافرة على هذا المعنى .
٤٣٨

وقال فى وصفهم بالشح: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّوَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
فهذه حال من أنفق كارها ، فكيف بمن ترك النفقة
كَرِهُونَ ) .
(وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ
رأساً ؟! وقال :
يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) وقال :
(وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيِنُ
ءَاتَمْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ * فَلَمَّآءَاتَنهُم ◌ِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْبِهِ.
وَتَوَلَّواْوَّهُمْ مُعْرِضُونَ ).
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ كَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ
وقال فى السورة :
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَأَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلٍِ )*
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا
كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْفَذُ وقُواْمَاكُمْ تَكْفِرُونَ ).
فانتظمت هذه الآية حال من أخذ المال بغير حقه ، أو منعه من مستحقه
من جميع الناس ؛ فإن الأحبار م العلماء ، والرهبان م العباد . وقد
أخبر أن كثيرا منهم يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون -
أي يعرضون ويمنعون . يقال : صد عن الحق ، صدودا وصد
غيره صدا .
وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل: من وقف ، أو عطية على
٤٣٩

الدين ، كالصلات، والنذور التى تنذر لأهل الدين ، ومن الأموال
المشتركة ، كأموال بيت المال ، ونحو ذلك . فهذا فيمن يأكل المال
بالباطل بشبهة دين .
ثم قال: ( وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَأَيُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ
اللَّهِ ) فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله.
والجهاد أحق الأعمال باسم سبيل الله، سواء كان ملكا أو مقدماً ،
أو غنياً ، أو غير ذلك. وإذا دخل في هذا ماكنز من المال الموروث
والمكسوب ، فما كنز من الأموال المشتركة التى يستحقها عموم الأمة
- ومستحقها : مصالحهم - أولى وأحرى .
فصل
فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق. فإذا قرأ الإنسان ((سورة
الأحزاب )) وعرف من المنقولات فى الحديث ، والتفسير ، والفقه ،
والمغازي : كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن ، ثم اعتبر هذه
الحادثة بتلك : وجد مصداق ما ذكرنا . وأن الناس انقسموا فى هذه
الحادثة إلى الأقسام الثلاثة . كما انقسموا فى تلك . وتبين له كثير
من المتشابهات .
٤٤٠