النص المفهرس
صفحات 401-420
ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية ، ظهر فيهم من الخزى والنكال ما عرفه الناس منهم . ولما نصر الله الإسلام النصرة العظمى عند قدوم السلطان ، كان بينهم شبيه بالعزاء . كل هذا، وأعظم منه ، عند هذه الطائفة التى كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان إلى بلاد الإسلام، وفى استيلاء هولا كو على بغداد ، وفى قدومه إلى حلب ، وفى نهب الصالحية ، وفى غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله . لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد . ومن استحل الفقاع فهو كافر . ومن مسح على الخفين فهو عندم كافر . ومن حرم المتعة فهو عندم كافر. ومن أحب أبابكر أو عمر ، أو عثمان ، أو ترضى عنهم ، أو عن جماهير الصحابة : فهو عندم كافر . ومن لم يؤمن بمنتظريم فهو عندهم كافر . وهذا المنتظر صبى عمره سنتان أو ثلاث ، أو خمس . يزعمون أنه دخل السرداب بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة . وهو يعلم كل شيء، وهو حجة الله على أهل الأرض ، فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر ، وهو شيء لا حقيقة له ، ولم يكن هذا في الوجود قط . وعندهم من قال : إن الله يرى فى الآخرة فهو كافر . ومن قال : ٤٠١ إن اللّه تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر . ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر . ومن آمن بالقضاء والقدر ، وقال : إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وإن الله يقلب قلوب عباده، وإن الله خالق كل شيء ، فهو عندم كافر . وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التى أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله ، فهو عندم كافر . هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم . مثل بنى العود ؛ فإنهم شيوخ أهل هذا الجيل . وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين ، ويفتونهم بهذه الأمور . وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره . وفيها هذا وأعظم منه. وم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق . ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية ؛ فإنما أقاموا يجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ، ويبذلونه من البرطيل لمن يقصدهم . والمكان الذي لهم فى غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله ؛ ولهذا كثر فسادهم ، فقتلوا من النفوس ، وأخذوا من الأموال ، مالا يعلمه إلا الله . ٤٠٢ ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم فى أمر لا يضبط شره ، كل ليلة تنزل عليهم منهم طائفة ، ويفعلون من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد . كانوا فى قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الجنايات ، يرد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين ، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين . فإما أن يقتلوه أو يسلبوه . وقليل منهم من يفلت منهم بالحيلة. فأعان الله ويسر بحسن نية السلطان وهمته ، فى إقامة شرائح الإسلام ، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله ، بعد أن كشفت أحوالهم ، وأزيحت عللهم ، وأزيلت شبههم ، وبذل لهم من العدل والإنصاف مالم يكونوا يطمعون به ، وبين لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي اللّه عنه فى قتال الحرورية المارقين ، الذين تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم ونعت حالهم من وجوه متعددة . أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه : من حديث علي بن أبى طالب ، وأبى سعيد الخدري ، وسهل بن حنيف ، وأبي ذر الغفاري ، ورافع بن عمرو ، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال فيهم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ٤٠٣ وقراءته مع قراءتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد . لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل . يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان . يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، شر قتلى تحت أديم السماء. غير قتلى من قتلوه )). وأول ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين على رضي الله عنه . وكان لهم من الصلاة ، والصيام ، والقراءة ، والعبادة ، والزهادة مالم يكن لعموم الصحابة ؛ لكن كانوا خارجين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن جماعة المسلمين . وقتلوا من المسلمين رجلا اسمه عبد الله بن خباب ، وأغاروا على دواب المسلمين . وهؤلاء القوم كانوا أقل صلاة وصياما . ولم نجد فى جبلهم مصحفا ولا فيهم قارئا للقرآن ؛ وإنما عندهم عقائدهم التى خالفوا فيها الكتاب والسنة، وأباحوا بها دماء المسلمين . وهم مع هذا فقد سفكوا من العماء وأخذوا من الأموال مالا يحصي عدده إلا الله تعالى . فإذا كان علي بن أبى طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنه قتلهم جميعهم، كان هؤلاء أحق بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء ٤٠٤ بمنزلة المتأولين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل : أنه لا يقتل مدبرهم ولا يجهز على جريجهم ، ولا يقتم لهم مال ولا يسبي لهم ذرية . لأن مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل سائغ . ومثل أولئك إنما يكونون خارجين عن طاعة الإمام . وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته . وهم شر من التنار من وجوه متعددة ؛ لكن التتر أكثر وأقوى . فلذلك يظهر كثرة شرهم . وكثير من فساد النتر هو لمخالطة هؤلاء لهم ، كما كان في زمن قازان، وهولاكو ، وغيرهما ؛ فإنهم أخذوا من أموال المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم . وأرضهم في لبيت المال . وقد قال كثير من السلف: إن الرافضة لا حق لهم من الفيء ؛ لأن الله إنما جعل الفيء المهاجرين والأنصار، (وَالَّذِينَ جَمُ و مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فمن لم يكن قلبه سليما لهم، ولسانه مستغفراً لهم ، لم يكن من هؤلاء . وقطعت أشجارهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بنى النضير قطع أصحابه نخلهم وحرقوه . فقال اليهود : هذا فساد . وأنت ٤٠٥ يا محمد تنهى عن الفساد . فأنزل الله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنِلِينَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ). وقد اتفق العلماء على جواز قطع الشجر ، وتخريب العامر ، عند الحاجة إليه. فليس ذلك بأولى من قتل النفوس وما أمكن غير ذلك . فإن القوم لم يحضروا كلهم من الأماكن التى اختفوا فيها ، وأيسوا من المقام فى الجبل إلا حين قطعت الأشجار . وإلا كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم. وما أمكن أن يسكن الجيل غيرم؛ لأن التركمان إنما قصدم الرعي ، وقد صار لهم مرعى، وسائر الفلاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه . فالحمد لله الذي يسر هذا الفتح فى دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجيل منهم وإخراجهم من ديارهم . وثم يشبهون ما ذكره الله في قوله: (هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوْمِنْ أَهْلِ صى اُلْكِتَبِ مِن ◌ِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْأَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمُ حُصُونُهُم مِّنَ اُللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى اَلْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَّا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَّهُمْ شَاقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،وَ مَن يُشَاقِ اللَّهَ ٤٠٦ فَإِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَاقَطَعْتُمْ مِنِ لِّيِنَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ ). وأيضا فإنه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز ، واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان ، ويعز به أهل الإيمان . فصل تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بجسم مادة أهل الفساد ، وإقامة الشريعة فى البلاد ؛ فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان فى قرى كثيرة من يقتدون بهم ، وينتصرون لهم . وفى قلوبهم غل عظيم ، وإبطان معاداة شديدة ، لا يؤمنون معها على ما يمكنهم . ولو أنه مباطنة العدو . فإذا أمسك رءوسهم الذين يضلونهم - مثل بى العود - زال بذلك من الشر مالا يعلمه إلا الله . ويتقدم إلى قراهم . وهي قرى متعددة بأعمال دمشق ، وصفد ؛ وطرابلس ؛ وحماة ، وحمص ، وحلب : بأن يقام فيهم شرائع الإسلام؛ والجمعة ، والجماعة ، وقراءة القرآن ، ويكون لهم خطباء ومؤذنون ، ٤٠٧ كسائر قرى المسلمين ، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية ، وتنشر فيهم المعالم الإسلامية ، ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام . فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جمال . وهؤلاء كانوا يعلموننا، ويقولون لنا : أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين ، ومن قتل منکم فهو شهيد . وفى هؤلاء خلق كثير لا يقرون بصلاة ، ولا صيام ، ولا حج ولا عمرة ، ولا يحرمون الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، ولا يؤمنون بالجنة والنار . من جنس الإسماعيلية ، والنصيرية، والحاكمية ، والباطنية ، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين . فتقدم المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة ، والجماعة، وقراءة القرآن ، وتبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في قرى هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية . وأبلغ الجهاد فى سبيل الله . وذلك سبب لانقماع من يباطن العدو من هؤلاء ، ودخولهم فى طاعة الله ورسوله ، وطاعة أولى الأمر من المسلمين . وهو من الأسباب التى يعين الله بها على قمع الأعداء. فإن ما فعلوه بالمسلمين في أرض (( سيس)) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفى ذلك الله حكمة ٤٠٨ عظيمة ، ونصرة للإسلام جسيمة . قال ابن عباس : ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو . ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوة الإيمان ، وللعدو من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين ، وبذل به الكفار والمنافقين . والله هو المسئول أن يتم نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . ٤٠٩ وكتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه - لما قدم العدو من التتار سنة تسع وتسعين وستمائة إلى حلب ، وانصرف عسكر مصر ، وبقي عسكر الشام . 3 3 إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين - أحسن الله إليهم فى الدنيا والآخرة ، وأسبخ عليهم نعمه باطنة وظاهرة ، ونصرهم نصرا عزيزاً ، وفتح عليهم فتحاً كبيراً ، وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيرا ، وجعلهم معتصمين بحبله المتين ، مهتدين إلى صراطه المستقيم - سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل ، وهو على كل شيء قدير ، ونسأله أن يصلي على صفوته من خليقته ، وخيرته من بريته ، محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . أما بعد : فإن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وجعله خاتم النبيين ، وسيد ولد آدم من الناس أجمعين ، وجعل كتابه الذي أنزله ٤١٠ عليه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها ، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس : يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ؛ فهم يوفون سبعين فرقة، هم خيرها وأكرمها على الله، وقد أكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً. فليس دين أفضل من دينهم الذي جاء به رسولهم ، ولا كتاب أفضل من كتابهم ، ولا أمة خيراً من أمتهم. بل كتابنا ونبينا وديننا وأمتنا أفضل من كل کتاب ودین ونی وأمة . فاشكروا اللّه على ما أنعم به عليكم. (وَمَن شَكَرَ فَإِنَمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ) واحفظوا هذه التى بها تنالون نعيم الدنيا والآخرة، واحذروا أن تكونوا ممن بدل نعمة الله كفراً، فتعرضون عن حفظ هذه النعمة ورعايتها ، فيحيق بكم ما حاق بمن انقلب على عقبيه ، واشتغل بمالا ينفعه من أمر الدنيا عما لا بدله منه من مصلحة دينه ودنياه ، فخسر الدنيا والآخرة . فقد سمعتم ما نعت الله به الشاكرين والمنقلبين حيث يقول: ( وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْقُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّكِرِينَ). أنزل الله سبحانه هذه الآية وما قبلها وما بعدها فى غزوة أحد، لما انكسر المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ٤١١ وقتل جماعة من خيار الأمة ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طائفة بسيرة حتى خلص إليه العدو ، فكسروا رباعيته ، وشجوا وجهه ، وهشموا البيضة على رأسه ، وقتل وجرح دونه طائفة من خيار أصحابه لذبهم عنه ، ونعق الشيطان فيهم : أن محمدا قد قتل . فزلزل ذلك قلوب بعضهم ، حتى انهزم طائفة ، وثبت اللّه آخرين حتى ثبتوا . وكذلك لما قبض النبى صلى الله عليه وسلم، فتزلزلت القلوب، واضطرب حبل الدين ، وغشيت الذلة من شاء اللّه من الناس، حتى خرج عليهم الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وقرأ قوله: (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلََّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْقُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ) فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها الصديق رضي الله عنه، فلا يوجد من الناس إلا من يتلوها . وارتد بسبب موت الرسول صلى الله عليه وسلم ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس : قوم ارتدوا عن الدين بالكلية . وقوم ارتدوا عن بعضه ، فقالوا : نصلي ، ولا نزكي . وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فآمنوا مع محمد ٤١٢ بقوم من النبيين الكذابين ، كمسيلمة الكذاب ، وطليحة الأسدي ، وغيرهما ، فقام إلى جهادهم الشاكرون ، الذين ثبتوا على الدين ، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، والطلقاء ، والأعراب ، ومن اتبعهم بإحسان ، الذين قال الله عز وجل (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْمَن يَرْتَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَوْفَ ◌َتِى اللَّهُبِقَوِْ مُهُمْ فيهم : هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على أعقابهم وَيُحِبُّونَهُ( ) الذين لم يضروا اللّه شيئاً . وما أنزل الله فى القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم ، وسيعمل بها آخرون . فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين ، الذين يحبهم الله عز وجل ورسوله ؛ فإنه يجاهد المنقلبين على أعقابهم ، الذين يخرجون عن الدين ، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه ، كمال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين ، الذين خرجوا على أهل الإسلام ، وتكلم بعضهم بالشهادتين ، وتسمى بالإسلام من غير التزام شريعته ؛ فإن عسكرم مشتمل على أربع طوائف : كافرة باقية على كفرها : من الكرج، والأرمن ، والمغول . وطائفة كانت مسلمة فارتدت عن الإسلام ، وانقلبت على عقبيها : من العرب، والفرس ، والروم، وغيرهم. وهؤلاء أعظم جرما عند الله ٤١٣ وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة . فإن هؤلاء يجب قتلهم حتما مالم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه ، لا يجوز أن يعقد لهم ذمة ، ولا هدنة ، ولا أمان، ولا يطلق أسيرم، ولا يفادى بمال ولا رجال ، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، ولا يسترقون؛ مع بقائهم على الردة بالاتفاق . ويقتل من قائل منهم ، ومن لم يقاتل ؛ كالشيخ الهرم ، والأعمى، والزمن ، باتفاق العلماء . وكذا نساؤهم عند الجمهور . والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان وهدئة ، ويجوز المن عليه والمفاداة به إذا كان أسيرا عند الجمهور ، ويجوز إذا كان كتابيا أن يعقد له ذمة ، ويؤكل طعامهم ، وتنكح نساؤهم ، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل ، باتفاق العلماء . وكذلك لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء ، كما دلت عليه السنة . فالكافر المرتد أسوأ حالا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره . وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة مالا يحصي عددهم إلا الله. فهذان صنفان . وفيهم أيضاً من كان كافراً فانتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه؛ من إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، والكف عن دماء ٤١٤ المسلمين وأموالهم ، والتزام الجهاد فى سبيل الله وضرب الجزية على اليهود والنصارى ، وغير ذلك . وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين ، كما قائل الصديق مانعي الزكاة ؛ بل هؤلاء شر منهم من وجوه ، وكما قاتل الصحابة أيضاً مح أمير المؤمنين - علي رضي الله عنه - الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال صلى الله عليه وسلم فى وصفهم : ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) وقال: ((لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل(١)) وقال: ((هم شر الخلق والخليقة، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه )). فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ، وقاتلهم أمير المؤمنين علي ، وسائر الصحابة الذين معه، ولم يختلف أحد فى قتالهم ، كما اختلفوا فى قتال أهل البصرة والشام ؛ لأنهم كانوا يقاتلون المسلمين . فإن هؤلاء شر من أولئك من غير وجه، وإن لم يكونوا مثلهم فى الاعتقاد؛ فإن معهم من يوافق رأيه فى المسلمين رأي الخوارج . فهذه ثلاثة أصناف . وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء . وهم قوم ارتدوا عن شرائع (١) في صحيح مسلم مجلد ٢ ص ٧٤٨ بلفظ مختلف . ٤١٥ الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه . فهؤلاء الكفار المرتدون ، والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه ، والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته : كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين ، حتى يلتزموا شرائع الإسلام ، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله - التى هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره - هي العليا . هذا إذا كانوا قاطنين فى أرضهم ، فكيف إذا استولوا على أراضي الإسلام: من العراق ، وخراسان، والجزيرة ، والروم، فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيا وعدوانا (أَلَاتُقَئِلُونَ قَوْمَا نَكَثُواْأَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَنْدِ يكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَقَوْمِ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمٌ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ) . واعلموا - أصلحكم الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، إلى قيام الساعة » وثبت أنهم بالشام . فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق : الطائفة المنصورة ، وم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين . والطائفة المخالفة ، وتم هؤلاء ٤١٦ القوم ، ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام . والطائفة المخذلة ، وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا صحيحي الإسلام. فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة ؟ فما بقى قسم رابع . واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة ، وفى تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى فى كتابه: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآإِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) يعنى: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة . فمن عاش من المجاهدين كان كريما له ثواب الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة . ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة . قال النبى صلى الله عليه وسلم: «يعطى الشهيد ست خصال ، يغفر له بأول قطرة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويكسى حلة من الإيمان ، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين ، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر)) رواه أهل السنن . وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن فى الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض ، أعدها اللّه سبحانه وتعالى للمجاهدين فى سبيله، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام)) ((وقال رجل : أخبرنى بعمل يعدل الجهاد فى سبيل الله؟ قال : لا تستطيعه . ٤١٧ قال : أخبرنى به ؟ قال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر ، وتقوم لا تفتر ؟ قال : لا . قال : فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله)). وهذه الأحاديث فى الصحيحين وغيرهما. وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس فى التطوعات أفضل من الجهاد . فهو أفضل من الحج ، وأفضل من الصوم التطوع ، وأفضل من الصلاة التطوع . والمرابطة فى سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس ، حتى قال أبو هريرة رضى الله عنه: لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود . فقد اختار الرباط ليلة على العبادة فى أفضل الليالي عند أفضل البقاع ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة ؛ لمعان منها أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو، ويخيف العدو فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو حرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواء من المنازل)) رواه أهل السنن ومححوه. وفي صحيح مسلم ((عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطا أجرى عليه عمله ، وأجرى عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان)) يغنى منكرا ونكيرا. فهذا في الرباط فكيف الجهاد . ٤١٨ وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبدا)) وقال ((من اغبرت قدماء في سبيل اللّه حرمها الله على النار )) فهذا فى الغبار الذي يصيب الوجه والرجل ، فكيف بما هو أشق منه ؛ كالثلج ، والبرد ، والوحل . ولهذا عاب الله عز وجل المنافقين الذين يتعللون بالعوائق ، كالحر والبرد . فقال سبحانه وتعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَأَنْ يُجَهِدُ واْبِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِ الَّهِوَقَالُواْلَ نَفِرُواْفِى الْحَرَّقُلْ نَارُجَهَنَّمَ أَشَدُّحَرَّا لَوْكَانُوايَفْقَهُونَ ) وهكذا الذين يقولون : لا تنفروا فى البرد ، فيقال : نار جهنم أشد برداً . كما أخرجاه فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اشتكت النار إلى ربها ، فقالت : ربى أكل بعضى بعضا ، فأذن لها بنفسين نفس فى الشتاء ونفس في الصيف ، فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم)) فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل اللّه حر جهنم وبردها، والمنافق يفر من حر الدنيا وبردها حتى يقع فى حر جهنم وزمهريرها . واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مح الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون . والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ، ومنتقم لنا منهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فأبشروا بنصر الله تعالى ويحسن (١) الحديث ورد في فتح الباري بشرح صحيح البخاري مجلد ٦ ص ٣٣٠ رقم ٣٢٦٠ بلفظ مختلف ٤١٩ (وَلَاتَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) وهذا عاقبته أمر قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين. (يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْهَلْ أَدُلُّكُ عَلَى تِجَزَقِ نُجِيكُمِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * نُؤْمِنُونَ بِالَِّوَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِبِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَّ ◌َّكُمْ إِنْ كُنَعَلَمُونَ * يَغْفِرْلَكُمْذُ نُوبَكُمْ وَيُدْ خِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِىِمِن تَحِهَا الْأَنْهَرُوَمَسَكِنَ طِبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْغَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ وَيَشْرِالْمُؤْمِنِينَ يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْكُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِيّإِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِتُّونَ فَحْنُ أَنْصَارُاللَّهِ فَامَنَت طَآئِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَّةِيلَ وَكَفَرَتَ طَّبِفَةٌ فَيَدْنَا الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَمِنَ). واعلموا - أصلحكم الله - أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ، ويحيى فيه شعار المسلمين ، وأحوال المؤمنين والمجاهدين ، حتى يكون شبيها بالسابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار . فمن قام في هذا الوقت بذلك ، كان من التابعين لهم بإحسان ، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدا ، ذلك الفوز العظيم . فينبغى للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التى ٤٢٠