النص المفهرس

صفحات 361-380

الدين أهم ، وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى .
ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس : صلح للطائفتين دينهم
ودنياهم ؛ وإلا اضطربت الأمور عليهم. وملاك ذلك كله صلاح النية
للرعية ، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاص
والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة ، كما أمرنا أن نقول فى صلاتنا :
( إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّاءَ نَسْتَعِينُ ) فإن هاتين الكلمتين قد قيل : إنهما
يجمعان معانى الكتب المنزلة من السماء. وقد روى أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان مرة فى بعض مغازيه ، فقال: ((يا مالك يوم الدين .
إياك نعبد، وإياك نستعين)) فجعلت الرءوس تندر عن كواهلها، وقد
ذكر ذلك فى غير موضع من كتابه كقوله (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ )
وقوله تعالى: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَبِّبُ ) وكان صلى الله عليه وسلم
- إذا ذبح أضحيته - يقول: ((اللهم منك ولك)).
وأعظم عون لولي الأمر خاصة ، ولغيره عامة ، ثلاثة أمور : أحدها:
الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره . وأصل ذلك المحافظة على
الصلوات بالقلب والبدن . الثاني : الإحسان إلى الخلق ، بالنفع والمال
الذي هو الزكاة . الثالث : الصبر على أذى الخلق وغيره من
النوائب . ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيراً ، كقوله تعالى :
(وَأَسْتَعِينُواْ بِالضَّبْرِ وَالصَّلَوةِ) وَكقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَي
٣٦١

* وَأَصْبِرْ
اُلْتَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ الَيْلِ إِنَّاُ لْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ
فَإِنَّاللَّهَلَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ ) . وقوله تعالى:
(فَأَصْبِرُ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِها )
وكذلك فى (( سورة ق )): (فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اَلْغُرُوبِ ) . وقال تعالى :
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ).
وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جداً .
فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية ، إذا
عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة : يدخل في الصلاة
ذكر الله تعالى، ودعاؤه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل
عليه . وفى الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع : من نصر المظلوم،
وإغاثة الملهوف ، وقضاء حاجة المحتاج . ففي الصحيحين عن النبى صلى
الله عليه وسلم، أنه قال: ((كل معروف صدقة)) فيدخل فيه كل
إحسان . ولو ببسط الوجه ، والكلمة الطيبة . ففي الصحيحين : عن
عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: قال النى صلى الله عليه وسلم:
(( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان،
فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه ، وينظر أشأم منه فلا يرى
٣٦٢

إلا شيئاً قدمه ، فينظر أمامه، فتستقبله النار ، فمن استطاع منكم أن
يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة )).
وفى السنن، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تحقرن
من المعروف شيئاً ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ، ولو
أن تفرغ من دلوك في إناء المستقى ». وفى السنن عن النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن)).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأم سلمة: ((يا أم سلمة
ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة )).
وفي الصبر احتمال الأذى ، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس ،
ومخالفة الهوى ، وترك الأشر والبطر ، كما قال تعالى : (وَلَيِنْ أَذَقْنَا
الْإِنسَنَ مِنَّارَحْمَةُ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَئُوسُ كَفُورٌ * وَلَبِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ
بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىّ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
الْجَهِلِينَ) . وقال تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ
وَاُلْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقال تعالى: ( وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى
٣٦٣

بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ، وَلِىُّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ واْ وَمَا يُلَقَّنِهَا
///////٠٠٩
إِلَّاذُوحَظٍ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَ غَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَالسَّمِيعُ
اُلْعَلِيمُ ) . وقال تعالى:
(وَجَزَّ وَ أْسَيْئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِإِنَّهُ وَ يُحِبُّ الَِّمِينَ).
قال الحسن البصري رحمة الله عليه: إذا كان يوم القيامة ، نادى
مناد من بطنان العرش: ألا ليقم من وجب أجره على اللّه ، فلا يقوم
إلا من عفا وأصلح .
فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم : أن يفعل ما يهوونه
ويترك ما يكرهونه ، فقد قال الله تعالى: (وَلَوَ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ
لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنِ فِيهِنَ) . وقال تعالى للصحابة :
( وَأَعْلَمُوْأَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الَهِلَوْبُطِعُكُمْ فِ كَثِ مِنَ الْأَمِّلَعَنْتُمْ ) . وإنما
الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ، ولو كرهه من كرهه ؛
لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه . ففي الصحيحين ، عن النبى
صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا
كان العنف في شيء إلا شانه)). وقال صلى الله عليه وسلم:
((إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق مالا يعطى
على العنف )».
وكان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه يقول: والله إني
٣٦٤

لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق ، فأخاف أن ينفروا عنها ،
فأصبر حتى مجيء الحلوة من الدنيا ، فأخرجها معها ، فإذا نفروا لهذه ،
سكنوا لهذه .
وهكذا كان النبى صلى الله عليه وسلم، إذا أتاه طالب حاجة
لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول. وسأله مرة بعض أقاربه أن
بوليه على الصدقات، ويرزقه منها، فقال: ((إن الصدقة لا تحل لمحمد
ولا لآل محمد )). فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء. وتحاكم إليه علي،
وزيد ، وجعفر ، فى ابنة حمزة ، فلم يقض بها لواحد منهم ؛ ولكن
قضى بها لحالتها ، ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة ،
فقال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)). وقال لجعفر: ((أشبهت خلقي
وخلقي)). وقال لزيد: (( أنت أخونا ومولانا )).
فهكذا ينبغي لولي الأمر فى قسمه وحكمه ؛ فإن الناس دائماً يسألون
ولي الأمر مالا يصلح بذله من الولايات ، والأموال والمنافع والأجور ،
والشفاعة فى الحدود وغير ذلك ، فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن ،
أو يردهم بميسور من القول، مالم يحتج إلى الإغلاظ ؛ فإن رد السائل
يؤلمه ، خصوصا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: (وَأَمَّا
اُلسَّآئِلَ فَلَائَنْهَرْ). وقال اللّه تعالى: (وَءَاتِ ذَا ◌ُلْقُرْبَ حَقَّهُ, وَاَلْمِسْكِينَ
وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) إلى قوله: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ
٣٦٥

تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ).
وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى ، فإذا طيب نفسه بما يصلح
من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة ، وهو نظير ما يعطيه الطبيب
للمريض ، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه ، وقد قال الله لموسى
عليه السلام - لما أرسله إلى فرعون - : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
أَوْيَخْشَى ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ، وأبى موسى
الأشعري رضي الله عنها - لما بعثهما إلى اليمن -: (( يسرا ولا
تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)). وبال مرة أعرابي
فى المسجد فقام أصحابه إليه فقال: ((لا تزرموه)) أي لا تقطعوا عليه
بوله ؛ ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه . وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) والحديثان
فى الصحيحين .
وهذا يحتاج إليه الرجل فى سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته ؛
فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التى هي
محتاجة إليها ، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة.
ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان ؟ حتى لو
٣٦٦

اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء ، فإن لم يأكل
حتى مات دخل النار ؛ لأن العبادات لا تؤدى إلا بهذا ، ومالا يتم
الواجب إلا به فهو واجب .
ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها .
ففي السنن عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((تصدقوا . فقال رجل يا رسول الله! عندي دينار.
فقال تصدق به على نفسك . قال : عندي آخر . قال : تصدق به
على زوجتك . قال : عندي آخر . قال تصدق به على ولدك . قال :
عندي آخر . قال تصدق به على خادمك . قال عندي آخر . قال :
أنت أبصر به )). وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته
في رقبة ، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينا ر أنفقته على أهلك . أعظمها
أجراً الذي أنفقته على أهلك)). وفى صحيح مسلم عن أبى أمامة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن آدم إنك
إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف؛
وابدأ بمن تعول . واليد العليا خير من اليد السفلى)). وهذا تأويل
قوله تعالى: (وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) أي الفضل.
وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين ؛ بخلاف
٣٦٧

النفقة في الغزو والمساكين ؛ فإنه فى الأصل إما فرض على الكفاية ،
وإما مستحب ؛ وإن كان قد يصير متعيناً إذا لم يقم غيره به ؛ فإن
إطعام الجائع واجب؛ ولهذا جاء فى الحديث: ((لو صدق السائل
لما أفلح من رده ، ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا علم صدقه
وجب إطعامه .
وقد روى أبو حاتم البستى في صحيحه حديث أبى ذر رضي الله
عنه الطويل ، عن النبى صلى الله عليه وسلم - الذي فيه من أنواع
العلم، والحكمة . وفيه أنه كان فى حكمة آل داود عليه السلام: ((حق
على العاقل أن تكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة
يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه
ويحدثونه عن ذات نفسه ، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل ؛
فإن فى هذه الساعة عونا على تلك الساعات)). فبين أنه لابد من
اللذات المباحة الجميلة فإنها تعين على تلك الأمور .
ولهذا ذكر الفقهاء : أن العدالة هي الصلاح فى الدين والمروءة ؛
باستعمال ما يجمله ويزينه ، وتجنب ما يدنسه ويشينه . وكان أبو الدرداء
رضي الله عنه يقول: إنى لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ، لأستعين
به على الحق . والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات فى الأصل لتمام
مصلحة الخلق ؛ فإنه بذلك يحتلبون ما ينفعهم ، كما خلق الغضب ليدفعوا
٣٦٨

به ما يضرهم ، وحرم من الشهوات ما يضر تناوله ، وذم من اقتصر
عليها . فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق ، فهذا من الأعمال
الصالحة ؛ ولهذا جاء فى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((فى بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته
ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه
وزر ؟ قالوا: بلى. قال: فلم يحتسبون بالحرام ولا يحتسبون بالحلال)).
وفى الصحيحين عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه ، أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال له: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله
إلا ازددت بها درجة ورفعة ، حتى اللقمة تضعها فى في امرأتك)). والآثار
فى هذا كثيرة .
فالمؤمن إذا كانت له نية ، أنت على عامة أفعاله ، وكانت المباحات
من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته ، والمنافق ـ لفساد قلبه ونيته ــ
يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء ، فإن فى الصحيح أن النبى صلى
الله عليه وسلم قال: ((ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها
سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب)).
وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات ، وترك المحرمات،
فقد شرع أبضا كل ما يعين على ذلك . فينبغي تيسير طريق الحمير
والطاعة ، والإعانة عليه ، والترغيب فيه بكل ممكن ؛ مثل أن يبذل
٣٦٩

لولده ، وأهله، أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح : من مال، أو
ثناء، أو غيره؛ ولهذا شرعت المسابقة بالخيل ، والإبل ، والمناضلة
بالسهام ، وأخذ الجعل عليها ؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة
ورباط الخيل للجهاد فى سبيل الله ، حتى كان النبى صلى الله عليه وسلم
يسابق بين الخيل ، هو وخلفاؤه الراشدون ، ويخرجون الأسباق من
بيت المال ، وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم، فقد روى: ((أن الرجل
كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام
أحب إليه مما طلعت عليه الشمس )).
وكذلك الشر والمعصية : ينبغي حسم مادته ، وسد ذريعته ، ودفع
ما يفضى إليه ، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة . مثال ذلك ، ما نهى
عنه النبى صلى الله عليه وسلم فقال: (( لا يخلون رجل بامرأة ، فإن
ثالثها الشيطان)). وقال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر
أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم)). فنهى على
الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، والسفر بها ؛ لأنه ذريعة إلى الشر .
وروى عن الشعبى : أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبى صلى الله
عليه وسلم ، كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة ، فأجلسه خلف ظهره . وقال:
((إنما كانت خطيئة داود النظر)). وعمر بن الخطاب رضي الله عنه
لما كان يعس بالمدينة فسمع امرأة تتغنى بأبيات تقول فيها :
٣٧٠

هل من سبيل إلى خمر فأشربها
هل من سبيل إلى نصر بن حجاج
فدعى به . فوجده شاباً حسناً ، فخلق رأسه فازداد جمالا ، فنفا.
إلى البصرة ، لئلا تفتتن به النساء . وروى عنه: أنه بلغه أن رجلا
يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته .
فإذا كان من الصبيان من تخاف فتنته على الرجال ، أو على
النساء ، منع وليه من إظهاره لغير حاجة ، أو تحسينه ؛ لا سيا
بتربيحه فى الحمامات ، وإحضاره مجالس اللهو والأغانى ؛ فإن هذا مما
ينبغي التعزير عليه .
وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح
ويفرق بينهما ؛ فإن الفقهاء متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم،
وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة فى الشهادة ، فإنه
لا يجوز قبول شهادته، ويجوز للرجل أن يجرحه بذلك وإن لم يره. فقد ثبت
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً. فقال:
((وجبت وجبت)). ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: ((وجبت
وجبت)). فسألوه عن ذلك فقال: ((هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت
وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار. أنتم
٣٧١

شهداء الله في الأرض)). مع أنه كان في زمانه امرأة تعلن (١) الفجور .
فقال: ((لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه)).
فالحدود لا تقام إلا بالبينة . وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته
ونحو ذلك ، فلا يحتاج إلى المعاينة ؛ بل الاستفاضة كافية فى ذلك، وما
هو دون الاستفاضة ، حتى أنه يستدل عليه بأقرانه ، كما قال ابن مسعود:
((اعتبروا الناس بأخداتهم (٢) )). فهذا لدفع شره ، مثل الاحتراز من
العدو . وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((احترسوا من
الناس بسوء الظن)). فهذا أمر عمر، مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم
بسوء الظن .
فصل
وأما الحدود والحقوق التى لآدمي معين فمنها النفوس، قال الله
تعالى: (قُلْ تَعَالَوَاْ أَنْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِ كُواْبِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْنَعْقِلُونَ * وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى
(١) نسخة تظن بالفجور (٢) نسخة بأحبابهم
٣٧٢

يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً وَ إِذَا قُلْتُمْ
فَأَعْدِلُواْ وَلَوْكَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِأَوْ فُوَ أْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَ كَّرُونَ
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ.
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ ) .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا )
إلى قوله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ مُ جَهَنَّمُ خَالِدًافِيهَا
وقال تعالى :
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ).
( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَاءِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسِ أَوْفَسَادٍ
فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا). وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أول
ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء )).
فالقتل ثلاثة أنواع :
أحدها: العمد المحض ، وهو أن يقصد من يعلمه معصوماً بما يقتل
غالباً ، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان وكوذين
القصار ؛ أو بغير ذلك كالتحريق والتغريق ، والإلقاء من مكان شاهق،
والختق ؛ وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح ، وغم الوجه حتى
يموت، وسقي السموم ونحو ذلك من الأفعال . فهذا إذا فعله وجب فيه
القود ، وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل ؛ فإن أحبوا قتلوا ،
٣٧٣

وإن أحبوا عفوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية. وليس لهم أن يقتلوا غير
قاتله، قال الله تعالى: (وَلَ نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ
مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ).
قيل في التفسير : لا يقتل غير قاتله .
وروى عن أبى شريح الخزاعى رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من أصيب بدم أو خبل - الخبل الجراح -
فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه : أن
يقتل، أو يعفو ، أو يأخذ الدية . فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له
جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)). رواه أهل السنن . قال الترمذى
حديث حسن صحيح ، فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو أعظم
جرماً ممن قتل ابتداء ، حتى قال بعض العلماء : إنه يجب قتله حدا ،
ولا يكون أمره لأولياء المقتول. قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ
فِ الْقَبْلِّ ◌َلُّْبِ لْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنْقَ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ
أَلِمٌ * وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).
قال العلماء : إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ ، حتى يؤثروا
أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل ، بل يقتلون
٣٧٤

كثيراً من أصحاب القائل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة ، فيكون القاتل
قد اعتدى فى الابتداء، وتعدى هؤلاء في الاستيفاء ، كما كان يفعله أهل
الجاهلية الخارجون عن الشريعة فى هذه الأوقات ، من الأعراب والحاضرة
وغيرهم . وقد يستعظمون قتل القائل لكونه عظيما أشرف من المقتول ،
فيفضى ذلك إلى أن أولياء المقتول بقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل،
وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء قوما ، فيفضى إلى
الفتن والعداوات العظيمة . وسبب ذلك خروجهم عن سنن العدل الذى
هو القصاص فى القتلى، فكتب الله علينا القصاص - وهو المساواة
والمعادلة فى القتلى - وأخبر أن فيه حياة ؛ فإنه يحقن دم غير القاتل
من أولياء الرجلين .
وأيضاً فإذا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل .
وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((المؤمنون تتكافأ دماؤم، وهم يد على من سواهم ، ويسعى
بذمتهم أدناهم . ألا لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده » رواه
أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن فقضى رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي تتساوى وتتعادل -
فلا يفضل عربى على عجمى ، ولا قرشى أو هاشمى على غيره من
٣٧٥

المسلمين . ولا حر أصلي على مولى عتيق ، ولا عالم أو أمير ، على
أمي أو مأمور .
وهذا متفق عليه بين المسلمين ؛ بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية
وحكام اليهود فإنه كان بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان
من اليهود : قريظة والنضير، وكانت النضير تفضل على قريظة فى الدماء،
فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وفي حد الزنا ،
فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم ، وقالوا إن حكم بينكم
بذلك كان لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة فأنزل الله
تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُوَاْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْ مِن قُلُوبُهُمْ) إلى قوله: ( فَإِن جَآءُ ولَكَ فَأَحْكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُم
( فَلَاَ
إلى قوله :
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ).
تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ * وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ).
فبين سبحانه وتعالى أنه سوى بين نفوسهم ، ولم يفضل منهم نفساً
على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
٣٧٦

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّاجَآءَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )
إلى قوله: (أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ).
فحكم الله سبحانه في دماء المسلمين أنها كلها سواء ، خلاف ما عليه
أهل الجاهلية .
وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس فى البوادي والحواضر
إنما هو البغي ، وترك العدل ؛ فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها بعضا
من الأخرى : دما ، أو مالا، أو تعلو عليهم بالباطل ولا تنصفها ،
ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق ؛ فالواجب فى كتاب الله الحكم
بين الناس فى الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان
عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية ، وإذا أصلح مصلح بينهما فليصلح
بالعدل ، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاً
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ مُهُمَا عَلَى الْأَخْرَىْ فَقَدِلُواْ الَِّى تَبْغِىِ حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِلَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْبِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْبَيِّنَ
أَخَوَيَّكُمْ ) .
وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول ؛ فإنه أفضل لهم ، كما
قال تعالى: ( وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَارَةٌ لَّهُ,). قال
أنس رضي الله عنه: ((ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
٣٧٧

أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو)). رواه أبو داود وغيره . وروى
مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً
بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)).
وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ: هو في المسلم الحر مع المسلم
الحر . فأما الذمي جمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم ، كما أن
المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار رسولا أو تاجراً ونحو ذلك ،
ليس بكفه له وفاقا . ومنهم من يقول : بل هو كفء له ، وكذلك
النزاع فى قتل الحر بالعبد .
والنوع الثانى: الخطأ الذي يشبه العمد . قال التى صلى الله عليه
وسلم: (( ألا إن فى قتل الخطأ شبه العمد ما كان فى السوط والعصا
مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها )). سماء شبه
العمد ؛ لأنه قصد العدوان عليه بالضرب ؛ لكنه لا يقتل غالباً . فقد
تعمد العدوان ، ولم يتعمد ما يقتل .
والثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه : مثل أن يرمي صيداً ، أو
هدفا : فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده . فهذا ليس فيه قود .
وإنما فيه الدية والكفارة . وهنا مسائل كثيرة معروفة فى كتب أهل
العلم ، وبينهم .
٣٧٨

فصل
والقصاص فى الجراح أيضا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط
المساواة ؛ فإذا قطع بده اليمنى من مفصل ، فله أن يقطع بدء كذلك.
وإذا قلع سنه ، فله أن يقلع سنه. وإذا شجه فى رأسه أو وجهه ،
فأوضح العظم ، فله أن يشجه كذلك . وإذا لم تمكن المساواة : مثل
أن يكسر له عظما باطناً ، أو يشجه دون الموضحة ، فلا يشرع
القصاص ؛ بل يجب الدية المحدودة ، أو الأرش . وأما القصاص في
الضرب بيده أو بعصاه أو سوطه ، مثل أن يلطمه ، أو يلكه ، أو
يضربه بعصا ، ونحو ذلك : فقد قالت طائفة من العلماء : إنه لا قصاص
فيه ؛ بل فيه التعزير ، لأنه لا تمكن المساواة فيه .
والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين : أن
القصاص مشروع فى ذلك ، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء ،
وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب.
قال أبو فراس: خطب عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فذ کر حديثا
قال فيه : ألا إنى والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ، ولا
٣٧٩

ليأخذوا أموالكم؛ ولكن أرسلهم إليكم ليعدوكم دينكم وسنة نبيكم
فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي ، فوالذي نفسي بيده إذا لأقصه
منه ، فوثب عمرو بن العاص ، فقال يا أمير المؤمنين : إن كان رجل من
المسلمين أمر على رعية فأدب رعيته، أننك لتقصه منه؟ قال : إي
والذي نفس محمد بيده إذا لأقصنه منه ، وقد رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقص من نفسه . ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوم ، ولا
تمنعوم حقوقهم فتكفروم. رواه الإمام أحمد وغيره.
ومعنى هذا ، إذا ضرب الوالي رعيته ضربا غير جائز . فأما
الضرب المشروع ، فلا قصاص فيه بالإجماع ، إذ هو واجب ، أو
مستحب ، أو جائز .
ـل
والقصاص فى الأعراض مشروع أيضا : وهو أن الرجل إذا لعن
رجلا أو دعا عليه ، فله أن يفعل به كذلك. وكذلك إذا شتمه : بشتمة
لا كذب فيها . والعفو أفضل. قال الله تعالى:
( وَجَزَّوَأْسَيِّئَةٍ سَِئَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ
وقال النبي صلى الله عليه
أُنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ )
٣٨٠