النص المفهرس

صفحات 281-300

ولانا اللّه؛ فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي ؟ فهلا جلس فى بيت
أبيه، أو بيت أمه . فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا
يأخذ منه شيئاً ، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ؛ إن كان
بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم رفع بديه حتى
رأينا عفرتى إبطيه؛ ثم قال: اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ! اللهم
هل بلغت ؟ ثلاثا)).
وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة ، والمؤاجرة والمضاربة ،
والمساقاة والمزارعة ، ونحو ذلك هو من نوع الهدية ؛ ولهذا شاطر عمر
ابن الخطاب ، رضي اللّه عنه، من عماله من كان له فضل ودين ، لا
يتهم بخيانة؛ وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من
محاباة وغيرها ، وكان الأمر يقتضى ذلك؛ لأنه كان إمام عدل ،
بقسم بالسوية .
فلما تغير الإمام والرعية ، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل
من الواجب ما يقدر عليه ، ويترك ما حرم عليه ، ولا يحرم عليه ما
أباح الله له .
وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها ؛ ليتمكن
بذلك من استيفاء المظالم منهم ، ويترك ما أوجبه اللّه من قضاء حوائجهم
٢٨١

فيكون من أخذ منهم عوضاً على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب
إليهم من هذا ؛ فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسر الناس
صفقة ، من باع آخرته بدنيا غيره؛ وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب
القدرة ، وقضاء حوائجهم التى لا تتم مصلحة الناس إلا بها : من تبليغ
ذي السلطان حاجاتهم ، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم ،
وصرفه عن مفاسدم ؛ بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة ، كما يفعل
ذووا الأغراض من الكتاب ونحوهم فى أغراضهم .
ففي حديث هند بن أبى حالة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى
الله عليه وسلم، أنه كان يقول: ((أبلغوني حاجة من لا يستطيع
إبلاغها ؛ فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها : ثبت
الله قدميه على الصراط يوم نزل الأقدام )) وقد روى الإمام أحمد ،
وأبو داود في سننه، عن أبي أمامة الباهلي ، رضى الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من شفع لأخيه شفاعة ، فأهدى
له عليها هدية فقبلها ، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا)) وروى
إبراهيم الحربى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: السحت
أن يطلب الحاجة للرجل ، فتقضى له ، فيهدى إليه هدية ، فيقبلها .
وروى أيضا عن مسروق : أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها ، فأهدى
له صاحبها وصيفا، فرده عليه ، وقال : سمعت ابن مسعود يقول : من
٢٨٢
.

رد عن مسلم مظلمة ، فرزا. عليها قليلا أو كثيراً ، فهو سحت ؛ فقلت :
يا أبا عبد الرحمن ! ماكنا نرى السحت إلا الرشوة فى الحكم ، قال :
ذاك كفر .
فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به
هو وذووه ، فلا ينبغي إعانة واحد منها ، إذ كل منهما ظالم ، كلص
سرق من لص ، وكالطائفتين المقتلتين على عصبية ورئاسة ؛ ولا يحل
للرجل أن يكون عونا على ظلم ؛ فإن التعاون نوعان :
الأول : تعاون على البر والتقوى : من الجهاد وإقامة الحدود ،
واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين ؛ فهذا مما أمر الله به ورسوله .
ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة فقد ترك فرضاً
على الأعيان ، أو على الكفاية ؛ متوهماً أنه متورع . وما أكثر ما يشتبه
الجين والفشل بالورع ؛ إذكل منها كف وإمساك .
والثانى : تعاون على الإثم والعدوان ، كالإعانة على دم معصوم ،
أو أخذ مال معصوم ، أو ضرب من لا يستحق الضرب ، ونحو ذلك ؛
فهذا الذي حرمه الله ورسوله .
نعم إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق ، وقد تعذر ردها إلى
أصحابها ، ككثير من الأموال السلطانية ؛ فالإعانة على صرف هذه
٢٨٣

الأموال فى مصالح المسلمين كسداد الثغور ، ونفقة المقاتلة ، ونحو ذلك :
من الإعانة على البر والتقوى ؛ إذ الواجب على السلطان فى هذه
الأموال - إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ، ولا على
ورثتهم - أن يصرفها - مع التوبة ، إن كان هو الظالم - إلى
مصالح المسلمين . هذا هو قول جمهور العلماء ، كمالك ، وأبى حنيفة ،
وأحمد ، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة ، وعلى ذلك دلت
الأدلة الشرعية ، كما هو منصوص فى موضع آخر
وإن كان غيره قد أخذها ، فعليه هو أن يفعل بها ذلك ، وكذلك
لو امتنع السلطان من ردها : كانت الإعانة على إنفاقها فى مصالح أصحابها
أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها ، وعلى المسلمين .
فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَاُسْتَطَعْتُمْ)
المفسر لقوله: ( أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، ) ؛ وعلى قول النبى صلى الله
عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أخرجاه
فى الصحيحين . وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها ؛ وتعطيل
المفاسد وتقليلها ، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت
أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما : هو المشروع .
والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه ، أما من
٢٨٤

أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه ، أو على أداء المظلمة : فهو وكيل
المظلوم ؛ لا وكيل الظالم ؛ بمنزلة الذي يقرضه ، أو الذي يتوكل في
حمل المال له إلى الظالم . مثال ذلك ولي اليتيم والوقف ، إذا
طلب ظالم منه مالا فاجتهد في دفع ذلك بمال أقل منه إليه ، أو إلى
غيره بعد الاجتهاد التام فى الدفع ؛ فهو محسن ، وما على المحسنين
من سبيل .
وكذلك وكيل المالك من المنادين والكتاب وغيرهم ، الذي يتوكل
لهم في العقد والقبض ، ودفع ما يطلب منهم؛ لا يتوكل للظالمين فى الأخذ.
وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو
مدينة ، فتوسط رجل منهم محسن فى الدفع عنهم بغاية الإمكان وقسطها
بينهم على قدر طاقتهم ، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ، ولا ارتشاء ،
بل توكل لهم فى الدفع عنهم ، والإعطاء : كان محسناً ؛ لكن الغالب ،
أن من يدخل فى ذلك يكون وكيل الظالمين محابيا مرتشيا مخفراً لمن
يريد، وآخذاً ممن يريد . وهذا من أكبر الظلمة ، الذين يحشرون
فى توابيت من نار ، ثم وأعوانهم وأشباههم ، ثم يقذفون فى النار .
٢٨٥

فصل
وأما المصارف : فالواجب أن يبدأ في القسمة بالأم فالأهم من
مصالح المسلمين العامة: كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة .
فمنهم المقاتلة : الذين هم أهل النصرة والجهاد ، وهم أحق الناس
بالفيء فإنه لا يحصل إلا بهم ؛ حتى اختلف الفقهاء فى مال الفيء : هل
هو مختص بهم، أو مشترك في جميع المصالح ؟ وأما سائر الأموال
السلطانية فلجميع المصالح وفاقا ، إلا ما خص به نوع ، كالصدقات والمغنم.
ومن المستحقين ذوو الولايات عليهم : كالولاة ، والقضاة ، والعلماء ،
والسعاة على المال : جمعا، وحفظا، وقسمة ، ونحو ذلك؛ حتى أتمة
الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك .
وكذا صرفه في الأثمان والأجور ، لما يعم نفعه : من سداد الثغور
بالكراع ، والسلاح ، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس :
كالجسور والقناطر ، وطرقات المياه كالأنهار .
ومن المستحقين : ذوو الحاجات ؛ فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون
٢٨٦

فى غير الصدقات ، من الفيء ونحوه على غيرهم ؟ على قولين فى مذهب
أحمد وغيره ، منهم من قال: يقدمون ، ومنهم من قال : المال استحق
بالإسلام ، فيشتركون فيه ، كما يشترك الورثة فى الميراث . والصحيح أنهم
يقدمون ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقدم ذوى الحاجات،
كما قدمهم في مال بني النضير ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
ليس أحد أحق بهذا المال من أحد ؛ إنما هو الرجل وسابقته ،
والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته . فجعلهم عمر رضي
الله عنه أربعة أقسام :
الأول : ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال .
الثانى : من يغنى عن المسلمين في جلب المنافع لهم ، كولاة الأمور
والعلماء الذين يحتلون لهم منافع الدين والدنيا.
الثالث : من يبلى بلاء حسناً فى دفع الضرر عنهم ، كالمجاهدين في
سبيل اللّه من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم .
الرابع : ذوو الحاجات .
وإذا حصل من هؤلاء متبرع ، فقد أغنى اللّه به ؛ وإلا أعطى ما
يكفيه ، أو قدر عمله . وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة
٢٨٧

الرجل ، وبحسب حاجته فى مال المصالح وفى الصدقات أيضا ، فما زاد على
ذلك لا يستحقه الرجل ، إلا كما يستحقه نظراؤه: مثل أن يكون شريكا
فى غنيمة ، أو ميراث .
ولا يجوز للإمام أن يعطى أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه : من قرابة
بينها، أو مودة ، ونحو ذلك؛ فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه،
كعطية المخنثين من الصبيان المردان: الأحرار والماليك ونحوهم . والبغايا والمغنين،
والمساخر، ونحو ذلك؛ أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم.
لكن يجوز - بل يجب - الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف
قلبه ، وإن كان هو لا يحل له أخذ ذلك ، كما أباح الله تعالى فى القرآن
العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات ، وكما كان النبى صلى الله عليه
وسلم. يعطى المؤلفة قلوبهم من الفيء ونحوه ، وم السادة المطاعون فى
عشائرهم ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى الأفرع بن حابس
سيد بني تميم ، وعيينة بن حصن سيد بني فزارة ، وزيد الخير الطائي
سيد بني نبهان ، وعلقمة بن علائة العامرى سيد بنى كلاب ، ومثل
سادات قريش من الطلقاء : كصفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ،
وأبى سفيان بن حرب ، وسهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ،
وعدد كثير .
ففى الصحيحين عن أبي سعيد الخدرى ، رضى الله عنه ، قال :
٢٨٨

بعث علي وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: الأقرع بن
حابس الخنظلى ، وعيينة بن حصن الفزاري، وعلقمة بن علامة العامرى،
سيد بنى كلاب ، وزيد الخير الطائي ، سيد بنى نبهان . قال : فغضبت
قريش والأنصار ، فقالوا : يعطى صناديد نجد ويدعنا : فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إنى إنما فعلت ذلك لتأليفهم)) فجاء رجل كث
اللحية ، مشرف الوجنتين ، غائر العينين، ناتئ الجبين ، محلوق الرأس،
فقال: اتق الله يا محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فمن
يتق الله إن عصيته؟ أيأمننى على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!)) قال: ثم أدبر
الرجل ، فاستأذن رجل من القوم فى قتله، ويرون أنه خالد بن الوليد ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من ضْضئ هذا قوماً
يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون
أهل الأوثان ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لئن
أدر كتهم لأقتلهم قتل عاد )) .
وعن رافع بن خديج، رضي الله عنه؛ قال: ((أعطى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية،
وعيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، كل إنسان منهم مائة من الإبل،
وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك ، فقال عباس بن مرداس :
٢٨٩

دبين عينة والأفرع
أتجعل نهى ونهب العيد
يفوقان مرداس فى المجمع
وما كان حصن ولا حابس
ومن يخفض اليوم لايرفع
وما کنت دون امرئ منها
قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة؛ رواه مسلم
و «العبيد ، اسم فرس له .
والمؤلفة قلوبهم نوعان : كافر ومسلم ؛ فالكافر : إما أن يرجى
بعطيته منفعة : كإسلامه ؛ أو دفع مضرته ، إذا لم يندفع إلا بذلك .
والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضاً ، كحسن إسلامه . أو إسلام
نظيره ، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا الخوف ، أو النكاية في العدو ،
أو كف ضرره عن المسلمين ، إذا لم ينكف إلا بذلك .
وهذا النوع من العطاء ، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك
الضعفاء ، كما يفعل الملوك؛ فالأعمال بالنيات ؛ فإذا كان القصد بذلك
مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبى صلى الله عليه وسلم
وخلفائه ، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد ، كان من جنس
عطاء فرعون ؛ وإنما ينكره ذوو الدين الفاسد كذى الخويصرة الذى
أنكره على النبي صلى اللّه عليه وسلم، حتى قال فيه ما قال ، وكذلك
حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي رضى الله عنه، ما قصد
٢٩٠

به المصلحة من التحكيم ، ومحو اسمه ، وما تركه من سبى نساء
المسلمين وصبيانهم .
وهؤلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ؛ لأن معهم ديناً
فاسداً لا يصلح به دنيا ولا آخرة ، وكثيراً ما يشتبه الورع الفاسد
بالجين والبخل ؛ فإن كلاهما فيه ترك ؛ فيشتبه ترك الفساد ؛ لخشية الله
تعالى بترك ما يؤمر به من الجهاد والنفقة : جبناً وبخلا ؛ وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع)).
قال الترمذى : حديث صحيح .
وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظناً، أو إظهاراً أنه ورع ؛ وإنما هو
كبر وإرادة للعلو؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال
بالنيات)) كلمة جامعة كاملة ، فإن النية للعمل ، كالروح للجسد؛ وإلا
فكل واحد من الساجد لله ، والساجد للشمس والقمر ، قد وضع
جبهته على الأرض ، فصورتها واحدة؛ ثم هذا أقرب الخلق إلى الله
تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله. وقد قال الله تعالى: (وَتَوَصَوْاْ
بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِالْمَرْحَمَةِ ) . وفي الأثر ، أفضل الإيمان: السماحة والصبر.
فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود ، الذى هو العطاء ؛ والنجدة ،
التى هي الشجاعة ؛ بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك .
ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه [الله] (١) الأمر، ونقله إلى غيره؛ كما قال
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٢٩١

(يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَاقِيلَ لَكُمْ آنِفِرُواْفِى سَبِيلِ اللَّهِ
الله تعالى :
أنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوْةِ
اُلُّنْيَا فِ اُلْآَخِرَةِ إِلََّ قَلِيلُ * إِلََّنَفِرُ وايُعَذِّبْكُمْ عَذَابَ أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)
ـط
وقال تعالى: (هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّن يَبْخَلُ
وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاَللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ
وقد قال الله تعالى :
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُواْأَمْثَلَكُمْ )
(لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ
وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَى)
فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء ، والقتال الذي هو الشجاعة ؛
وكذلك قال الله تعالى فى غير موضع: (وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ) .
وبين أن البخل من الكبار ، فى قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ بِمَآءَ اتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً لَّ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمِّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ يَوْمَ
وفى قوله :
(وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ
اُلْقِيَمَةِ )
الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَأَ يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الآية.
وكذلك الجين فى مثل قوله تعالى :
( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْبَآءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ
٢٩٢

جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) وفي قوله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ
وَمَاهُمْ مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ). وهو كثير فى الكتاب والسنة،
وهو مما اتفق عليه أهل الأرض ، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية :
((لا طعنة ولا جفنة)) ويقولون: ((لا فارس الخيل، ولاوجه العرب)).
ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق : فريق غلب عليهم حب العلو
فى الأرض والفساد ، فلم ينظروا فى عاقبة المعاد ، ورأوا أن السلطان
لا يقوم إلا بعطاء ، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير
حلها ؛ فصاروا نهابين وهابين . وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى
على الناس إلا من يأكل ويطعم ، فإنه إذا تولى العفيف الذي لا
يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه ؛ إن لم يضروه في نفسه
وماله . وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم ، وأهملوا الآجل من دنياه
وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة ، إن لم يحصل لهم
ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها .
وفريق عنده خوف من الله تعالى ، ودين يمنعهم عما يعتقدونه
قبيحاً من ظلم الخلق ، وفعل المحارم . فهذا حسن واجب ؛ ولكن قد
يعتقدون مع ذلك : أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام ،
فيمتعون عنها مطلقا؛ وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق خلق
ينضم إلى ما معهم من الدين ، فيقعون أحياناً في ترك واجب، يكون تركه
٢٩٣

أضر عليهم من بعض المحرمات ، أو يقعون فى النهي عن واجب ،
يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله . وقد يكونون متأولين . وربما
اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال ، فيقاتلون
المسلمين كما فعلت الخوارج ، وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين
الكامل ؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور
الدنيا . وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم .
وقد يكونون من الأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا ،
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ،
ولا يعطي غيره ، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار ؛ لا
بمال ولا ينفع ، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور
والعطاء المحرم .
الفريق الثالث: الأمة الوسط ، وم أهل دين محمد صلى الله عليه
وسلم، وخلفائه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة ، وهو
إنفاق المال والمنافع للناس - وإن كانوا رؤساء - بحسب الحاجة ،
إلى صلاح الأحوال ، ولإقامة الدين ، والدنيا التي يحتاج إليها الدين ،
وعفته فى نفسه ، فلا يأخذ مالا يستحقه . فيجمعون بين التقوى
والإحسان (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ)
ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا ، ولا يصلح الدين والدنيا إلا
٢٩٤

بهذه الطريقة .
وهذا هو الذي يطعم الناس ما يحتاجون إلى طعامه ، ولا يأكل
هو إلا الحلال الطيب ، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما
يحتاج إليه الأول ، فإن الذى يأخذ لنفسه ، تطمع فيه النفوس ،
ما لا تطمع فى العفيف ، ويصلح به الناس فى دينهم ما لا يصلحون
بالثاني ؛ فإن العفة مع القدرة تقوى حرمة الدين ، وفى الصحيحين
عن أبى سفيان بن حرب: أن هرقل ملك الروم سأله عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم: بماذا يأمركم ؟ قال : يأمرنا بالصلاة والصدق
والعفاف والصلة. وفى الأثر: «أن الله أوحى إلى إبراهيم الخليل عليه
السلام : يا إبراهيم: أتدري لم اتخذتك خليلا؟ لأنى رأيت العطاء
أحب إليك من الأخذ )) . وهذا الذي ذكرناه في الرزق ، والعطاء ،
الذى هو السخاء ، وبذل المنافع ، نظيره فى الصبر والغضب ، الذي
هو الشجاعة ودفع المضار .
فإن الناس ثلاثة أقسام : قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم . وقسم
لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم . والثالث ــ وهو الوسط - الذي
يغضب لربه لا لنفسه ، كما فى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها،
قالت: (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: خادماً له،
ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئاً قط، إلا أن يجاهد فى سبيل الله ، ولا
٢٩٥

نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط ، إلا أن تنتهك حرمات الله ، فإذا انتهكت
حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم الله)).
فأما من يغضب لنفسه لا لربه ، أو يأخذ لنفسه ولا يعطى غيره.
فهذا القسم الرابع ، شر الخلق ؛ لا يصلح بهم دين ولا دنيا .
كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة ، هم الذين قاموا بالواجبات
وتركوا المحرمات ، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه ، ولا يأخذون
إلا ما أبيح لهم ، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه ، ويعفون عن
حقوقهم ، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله
ودفعه ، وهي أكمل الأمور .
وكلما كان إليها أقرب ، كان أفضل . فليجتهد المسلم فى التقرب
إليها بجهده، ويستغفر اللّه بعد ذلك من قصوره أو تقصيره بعد أن
يعرف كمال ما بعث الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين،
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تُؤَدُّواْاُلْأَمَنَتِ
فهذا في قول الله سبحانه وتعالى :
إِلَ أَهْلِهَا) والله أعلم .
٢٩٦

فصل
وأما قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْبِالْعَدْلِ ) فإن
الحكم بين الناس ، يكون فى الحدود والحقوق ، وهما قسمان . فالقسم
الأول : الحدود والحقوق التى ليست لقوم معينين ؛ بل منفعتها لمطلق
المسلمين، أو نوع منهم. وكلهم محتاج إليها. وتسمى حدود الله،
وحقوق الله : مثل حد قطاع الطريق، والسراق، والزناة ونحوهم ، ومثل
الحكم فى الأموال السلطانية ، والوقوف والوصايا التى ليست لمعين. فهذه
من أهم أمور الولايات ؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لا بد للناس من إمارة: برة كانت أو فاجرة . فقيل : يا أمير المؤمنين
هذه البرة قد عرفناها . فما بال الفاجرة ؟ . فقال: يقام بها الحدود،
وتأمن بها السبل ، ويجاهد بها العدو ، ويقسم بها الفيء .
وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه ، وإقامته من غير دعوى
أحد به ، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به ، وإن كان
الفقهاء قد اختلفوا في قطع بد السارق : هل يفتقر إلى مطالبة المسروق
بماله ؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره ؛ لكنهم متفقون على أنه لا
٢٩٧

يحتاج إلى مطالبة المسروق بالحد ، وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال ؛
لئلا يكون للسارق فيه شبهة .
وهذا القسم يجب إقامته على الشريف ، والوضيع ، والضعيف ،
ولا يحل تعطيله ؛ لا بشفاعة ، ولا بهدية، ولا بغيرهما، ولا نحل الشفاعة
فيه . ومن عطله لذلك - وهو قادر على إقامته - فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا، وهو
ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلا. وروى أبو داود فى سننه عن عبد الله
ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره
ومن خاصم فى باطل وهو يعلم ، لم يزل في سخط الله حتى ينزع . ومن
قال فى مسلم دين ما ليس فيه ، حبس فى ردغة الخبال ، حتى يخرج
مما قال . قيل يا رسول الله: وما ردغة الخبال ؟ قال عصارة أهل النار))
فذكر النبى صلى الله عليه وسلم الحكماء والشهداء والخصماء، وهؤلاء
أركان الحكم .
وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (( أن قريشاً أهمهم
شأن المخزومية التى سرقت ، فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد فقال :
يا أسامة : أنشفع فى حد من حدود اللّه؟ إنما هلك بنو إسرائيل أنهم
٢٩٨

كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا
عليه الحد ، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت ،
لقطعت بدها )). ففى هذه القصة عبرة ؛ فإن ◌ُشرف بیت کان فی قریش
بطنان : بنو مخزوم ، وبنو عبد مناف . فلما وجب على هذه القطع
بسرقتها - التى هي جحود العارية ، على قول بعض العلماء، أو سرقة
أخرى غيرها على قول آخرين - وكانت من أكبر القبائل ،
وأشرف البيوت ، وشفع فيها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسامة ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنكر عليه دخوله
فيما حرمه الله ، وهو الشفاعة فى الحدود ، ثم ضرب المثل بسيدة نساء
العالمين - وقد برأها الله من ذلك - فقال: ((لو أن فاطمة بنت
محمد سرقت ، لقطعت يدها)).
وقد روى : أن هذه المرأة التى قطعت يدها تابت ، وكانت تدخل
بعد ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم، فيقضى حاجتها . فقد روى:
(( أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة ، وإن لم يتب سبقته بده
إلى النار )) . وروى مالك فى الموطأ : أن جماعة أمسكوا لما ليرفعوه
إلى عثمان رضي الله عنه ، فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا : إذا رفع
إلى عثمان فاشفع فيه عنده فقال: ((إذا بلغت الحدود السلطان فلعن
الله الشافع والمشفع)). يعنى الذى يقبل الشفاعة . وكان صفوان بن
٢٩٩

أمية نائماً على رداء له فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء
لص فسرقه، فأخذه فأتى به النبى صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقطع
بده فقال: يا رسول الله: أعلى ردائى تقطع بده؟ أنا أهبه له. فقال:
((فهلا قبل أن تأتينى به ؟!)) ثم قطع يده. رواه أهل السنن ، يعنى
صلى الله عليه وسلم أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتينى به لكان ،
فأما بعد أن رفع إلي فلا. فلا يجوز تعطيل الحد، لا بعفو ، ولا بشفاعة،
ولا بهبة ، ولا غير ذلك .
ولهذا اتفق العلماء - فيما أعلم - على أن قاطع الطريق واللص
ونحوها ، إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد
عنهم ؛ بل يجب إقامته وإن تابوا فإن كانوا صادقين فى التوبة كان الحد
كفارة لهم ، وكان تمكينهم من ذلك من تمام التوبة - بمنزلة رد الحقوق
إلى أهلها ، والتمكين من استيفاء القصاص فى حقوق الآدميين . وأصل
( مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن
هذا فى قوله تعالى :
يَسْفَعْ شَفَعَةً سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا)
فإن الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير معه شفعاً ، بعد أن كان
وتراً ، فإن أعانه على بر وتقوى ، كانت شفاعة حسنة ، وإن أعانه على
إثم وعدوان ، كانت شفاعة سيئة والبر ما أمرت به ، والإثم ما نهيت
عنه . وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدى كيد الخائنين.
٣٠٠