النص المفهرس

صفحات 241-260

أهل ماردين وغيرهم .
وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان؛ ليست
بمنزلة دار السلم التى تجري عليها أحكام الإسلام ؛ لكون جندها مسلمين؛
ولا بمنزلة دار الحرب التى أهلها كفار ؛ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم
فيها بما يستحقه ، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه .
وقال رحم الله تعالى:
7
3
من أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين ، وولي أمر المؤمنين ،
نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمته؛ بإقامة فرض الدين
وسنته. أيده الله تأييداً يصلح به له وللمسلمين أمر الدنيا
والآخرة ، ويقيم به جميع الأمور الباطنة والظاهرة ، حتى يدخل فى
قول الله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِ الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
وفی
وَأَمَرُ واْبِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْعَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ )
قوله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل
إلا ظله: إمام عادل )) إلى آخر الحديث . وفي قوله صلى الله عليه
٢٤١

وسلم: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ،
من غير أن ينقص من أجورهم شيء )). وقد استجاب الله الدعاء فى
السلطان ، فجعل فيه من الخير الذي شهدت به قلوب الأمة ما فضله
به على غيره .
والله المسؤول أن يعينه، فإنه أفقر خلق الله إلى معونة الله
وتأييده، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنََّهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى
آرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُ ونَنِلَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا ) الآية .
وصلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله
ونبيه ، وحمل الناس على ذلك ، فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين
فى أربعة أشياء: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر . فإذا أقام الصلاة فى مواقيتها جماعة - هو وحاشيته وأهل
طاعته - وأمر بذلك جميع الرعية ، وعاقب من تهاون فى ذلك
العقوبة التي شرعها الله، فقد تم هذا الأصل، ثم إنه مضطر إلى الله تعالى
فإذا ناجى ربه في السحر واستغاث به، وقال : يا حي ! يا قيوم ! لا إله
إلا أنت ، برحمتك أستغيث: أعطاه الله من التمكين مالا يعلمه إلا الله،
قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوَ أْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَتْبِيتًا *
٢٤٢

وَإِذَا لَّا تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ).
ثم كل نفع وخير يوصله إلى الخلق ، هو من جنس الزكاة . فمن
أعظم العبادات سد الفاقات ، وقضاء الحاجات ، ونصر المظلوم ، وإغاثة
الملهوف، والأمر بالمعروف، وهو: الأمر بما أمر الله به ورسوله،
من العدل والإحسان ، وأمر نواب البلاد وولاة الأمور باتباع حكم
الكتاب والسنة ، واجتنابهم حرمات الله، والنهي عن المنكر ، وهو:
النهي عما نهى الله عنه ورسوله .
وإذا تقدم السلطان - أيده الله - بذلك فى عامة بلاد الإسلام،
كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة له وللمسلمين مالا يعلمه إلا الله.
والله يوفقه لما يحبه ويرضاه.
٢٤٣

وقال شبغ الإسلام رضي الله عنه وأرضاه
مِائَةِ الرَّهِ الرَّحْمِ
بِسْـ
الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات والهدى ، وأنزل معهم الكتاب
والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ، ومنافع
للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز؛
وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسله بالهدى ودين
الحق ، ليظهره على الدين كله ؛ وأيده بالسلطان النصير ، الجامع معنى
العلم والقلم للهداية والحجة ؛ ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة أخلص من
الذهب الإبريز ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً ، شهادة یکون صاحبها في حرز حريز .
( أما بعد ) فهذه رسالة مختصرة (١) فيها جوامع من السياسة
(١) تسمى ((السياسة الشرعية)) كتبها في ليلة لما سأله الإمام أن يعلق له شيئا من أحكام
الرعايا، وما ينبغى للمتولى .
٢٤٤

الإلهية والآيات النبوية ، لا يستغنى عنها الراعي والرعية ، اقتضاها من
أوجب الله نصحه من ولاة الأمور ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم،
فيما ثبت عنه من غير وجه في صحيح مسلم وغيره: ((إن الله يرضى لكم
ثلاثا : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً
ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاء اللّه أمركم)».
وهذه الرسالة مبنية على آيتين فى كتاب الله ؛ وهي قوله تعالى :
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَتَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ
إِنَّ اللَّهَ فِعِمَا يَعِظُكُمِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِى
اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ
قال العلماء : نزلت الآية الأولى في
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
ولاة الأمور ؛ عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكموا بين
الناس أن يحكموا بالعدل ، ونزلت الثانية فى الرعية من الجيوش وغيرهم؛
عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك فى قسمهم وحكمهم ومغازيهم
وغير ذلك ؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله ، فإذا أمروا بمعصية الله فلا
طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ؛ فإن تنازعوا فى شيء ردوه إلى كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك،
أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله ؛ لأن ذلك من طاعة الله
٢٤٥

ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله. قال تعالى :
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أُلْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدُوَنِ ).
وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم
بالعدل : فهذان جماع السياسة العادلة ، والولاية الصالحة .
فصل
أما أداء الأمانات ففيه نوعان .
أحدهما الولايات : وهو كان سبب نزول الآية .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة
من بني شيبة ، طلبها منه العباس. ليجمع له بين سقاية الحاج ، وسدانة
البيت ، فأنزل الله هذه الآية ، فدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة .
فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين ،
أصلح من يجده لذلك العمل ، قال النى صلى الله عليه وسلم :
((من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلا وهو يجد من هو
أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله)). وفى رواية: «من ولى رجلا
على عصابة ، وهو يجد فى تلك العصابة من هو أرضى الله منه ، فقد
٢٤٦

خان الله ورسوله وخان المؤمنين )) رواه الحاكم فى صحيحه . وروى بعضهم
أنه من قول عمر : لابن عمر روي ذلك عنه . وقال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: ((من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلا
لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين)). وهذا
واجب عليه .
فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار ؛
من الأمراء الذين م نواب ذي السلطان، والقضاة ، ونحوم ، ومن أمراء
الأجناد ومقدمى العساكر الصغار والكبار ، وولاة الأموال : من
الوزراء ، والكتاب ، والشادين ، والسعاة على الخراج والصدقات ،
وغير ذلك من الأموال التى للمسلمين . وعلى كل واحد من هؤلاء ،
أن يستليب ويستعمل أصلح من يجده ؛ وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة
والمؤذنين ، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج ، والبرد ، والعيون
الذين م القصاد ، وخزان الأموال ، وحراس الحصون ، والحدادين
الذين م البوابون على الحصون والمدائن ، ونقباء العساكر الكبار
والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى الذين م ((الدهاقين)).
فيجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين ، من هؤلاء
وغيرهم ، أن يستعمل فيما تحت يده فى كل موضع أصلح من يقدر
عليه ، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية ، أو سبق فى الطلب ؛
٢٤٧

بل يكون ذلك سبباً للمنح ؛ فإن فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (( أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية ؛ فقال : إنا لا نولي
أمرنا هذا من طلبه)). وقال لعبد الرحمن بن سمرة: ((يا عبد الرحمن !
لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ؛ وإن
أعطيتها عن مسألة وكلت إليها )) أخرجاه في الصحيحين ، وقال صلى
الله عليه وسلم: (( من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ، ومن لم
يطلب القضاء ولم يستعن عليه ؛ أنزل الله عليه ملكا يسدده)). رواه
أهل السنن .
فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره ؛ لأجل قرابة بينهما ، أو
ولاء عتاقة أو صداقة، أو مرافقة فى بلد أو مذهب ؛ أو طريقة، أو
جنس : كالعربية ، والفارسية ، والتركية ، والرومية ؛ أو لرشوة بأخذها
منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن فى
قلبه على الأحق ، أو عداوة بينهما ؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ،
ودخل فيما نهى عنه فى قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
وَتَّخُونُواْأَمَنَتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ثم قال :
(وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ).
فإن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره فى بعض الولايات، أو
يعطيه مالا يستحقه؛ فيكون قد غان أمانته ؛ وكذلك قد يؤثره زيادة فى
٢٤٨

ماله أو حفظه ؛ بأخذ مالا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات ،
فيكون قدخان الله ورسوله ، وخان أمانته .
ثم إن المؤدى للأمانة مع مخالفة هواء، يثبته الله فيحفظه في أهله وماله
بعده، والمطيع لهواء يعاقبه اللّه بنقيض قصده فيذل أهله ، ويذهب
ماله . وفي ذلك الحكاية المشهورة ؛ أن بعض خلفاء بنى العباس ،
سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك ، فقال : أدركت عمر بن
عبد العزيز ؛ قيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال،
وتركتهم فقراء لا شيء لهم - وكان فى مرض موته - فقال: أدخلوم علي؛
فأدخلوم؛ وثم بضعة عشر ذكراً ، ليس فيهم بالغ ، فلما رآم ذرفت
عيناه ، ثم قال لهم: يا بني والله ما منعتكم حقا هو لكم، ولم أكن
بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم ؛ وإنما أنتم أحد رجلين : إما
صالح، فالله يتولى الصالحين؛ وإما غير صالح، فلا أخلف له ما
يستعين به على معصية الله، قوموا عني. قال : فلقد رأيت بعض بنيه ،
حمل على مائة فرس فى سبيل الله ؛ بعنى أعطاها لمن يغزو عليها .
قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين ، من أقصى المشرق بلاد
الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها ومن جزائر قبرص
وتغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها ، إلى أقصى اليمن . وإنما
أخذ كل واحد من أولاده ، من تركته شيئاً يسيراً ، يقال : أقل من
٢٤٩

عشرين درهما - قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته
بنوه ، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار ؛ ولقد رأيت بعضهم
يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه ــ وفى هذا الباب من الحكايات
والوقائع المشاهدة فى الزمان ، والمسموعة عما قبله؛ ما فيه عبرة لكل
ذي لب .
وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية
أمانة يجب أداؤها فى مواضع : مثل ما تقدم ، ومثل قوله لأبى ذر
رضي الله عنه فى الإمارة: ((إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خري
وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)) رواه مسلم .
وروى البخاري في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه : أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة .
قيل يا رسول الله : وما إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير
أهله فانتظر الساعة)) . وقد أجمع المسلمون على معنى هذا ؛ فإن
وصي اليتيم ، وناظر الوقف ، ووكيل الرجل فى ماله؛ عليه أن
يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله تعالى: (وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) . ولم يقل إلا بالتي هي حسنة .
وذلك لأن الوالى راع على الناس بمنزلة راعي الغنم ؛ كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ،
٢٥٠

فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية
في بيت زوجها . وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه، وهو
مسئول عن رعيته ؛ والعبد راع في مال سيده ، وهو مسئول عن
رعيته؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)). أخرجاء فى
الصحيحين ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( ما من راع يسترعيه الله
رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة
الجنة)) رواه مسلم .
ودخل أبو مسلم الخولانى على معاوية بن أبى سفيان ، فقال :
السلام عليك أيها الأجير ؛ فقالوا : قل السلام عليك أيها الأمير .
فقال السلام عليك أيها الأجير . فقالوا: قل : السلام عليك أيها الأمير .
فقال السلام عليك أيها الأجير . فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير .
فقال: السلام عليك أيها الأجير . فقال معاوية : دعوا أبا مسلم فإنه
أعلم بما يقول . فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها ؛
فإن أنت هنأت جرباها ، وداويت مرضاها ، وحبست أولاها على
أخراها: وفاك سيدها أجرك ، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو
مرضاها؛ ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها .
وهذا ظاهر فى الاعتبار ؛ فإن الخلق عباد الله ، والولاة نواب الله
على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم ؛ بمنزلة أحد الشريكين مع
٢٥١

الآخر ؛ ففيهم معنى الولاية والوكالة ؛ ثم الولي والوكيل متى استناب فى
أموره رجلا ، وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه ، وباع السلعة
بثمن ، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن ؛ فقد خان صاحبه ،
لاسيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قرابة ، فإن صاحبه ببغضه
ويذمه ، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبه أو صديقه .
فصل
إذا عرف هذا ، فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود ،
وقد لا يكون فى موجوده من هو أصلح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل
فالأمثل في كل منصب بحسبه ، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ،
وأخذه للولاية بحقها ، فقد أدى الأمانة ، وقام بالواجب في هذا ، وصار
في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند اللّه ؛ وإن اختل بعض
الأمور بسبب من غيره، إذا لم يمكن إلا ذلك ، فإن الله يقول :
ويقول: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
(فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
وقال فى الجهاد في سبيل الله: (فَقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلََّ نَفْسَكَ
وقال: (يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْعَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ
وَخَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ )
فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد
لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ )
اهتدى: وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
٢٥٢

منه ما استطعتم )) أخرجاه فى الصحيحين ؛ لكن إن كان منه عجز بلا
حاجة إليه ، أو خيانة عوقب على ذلك . وينبغي أن يعرف الأصلح فى
كل منصب ، فإن الولاية لها ركنان : القوة والأمانة . كما قال تعالى :
وقال صاحب مصر ليوسف
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ)
عليه السلام: ( إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ ) وقال تعالى فى صفة
جبريل: ( إِنَّهُ الَقَوْلُ رَسُولٍكَرٍِ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْغَيْ مَكِينٍ * تُطَاعِ ثَمَّأَمِينٍ ).
والقوة فى كل ولاية بحسبها ؛ فالقوة فى إمارة الحرب ترجع إلى
شجاعة القلب ، وإلى الخبرة بالحروب ، والمخادعة فيها ؛ فإن الحرب
خدعة ، وإلى القدرة على أنواع القتال : من رمي وطعن وضرب ،
وركوب، وكر، وفر، ونحو ذلك ؛ كما قال الله تعالى: (وَأَعِدُواْلَهُم مَّا
اُسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّاللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ). وقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((ارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلي من
أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)) وفي رواية: ((فهي
نعمة جحدها )) رواه مسلم .
والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه
الكتاب والسنة ، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام .
والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلا،
٢٥٣

وترك خشية الناس ؛ وهذه الخصال الثلاث التى أخذها الله على كل من
حكم على الناس، في قوله تعالى: (فَلَا تَخْشَوأُ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ وَلَا
تَشْتَرُواْبِتَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ).
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((القضاة ثلاثة:
قاضيان فى النار ، وقاض فى الجنة . فرجل على الحق وقضى بخلافه ،
فهو فى النار . ورجل قضى بين الناس على جهل ، فهو فى النار .
ورجل على الحق وقضى به ، فهو في الجنة )) رواه أهل السنن .
والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينها ، سواء كان
خليفة ، أو سلطاناً، أو نائباً، أو والياً ؛ أو كان منصوباً ليقضي بالشرع.
أو نائبا له، حتى من يحكم بين الصبيان فى الخطوط . إذا تخايروا .
هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر.
فصل
اجتماع القوة والأمانة فى الناس قليل ؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يقول : اللهم أشكو إليك جلد الفاجر ، وعجز الثقة .
فالواجب فى كل ولاية الأصلح بحسبها . فإذا تعين رجلان أحدهما
أعظم أمانة والآخر أعظم قوة ؛ قدم أنفعهما لتلك الولاية : وأقلها
٢٥٤

ضرراً فيها ؛ فيقدم فى إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن
كان فيه جور - على الرجل الضعيف العاجز ، وإن كان أميناً ؛ كما سئل
الإمام أحمد : عن الرجلين يكونان أميرين فى الغزو ، وأحدهما قوي
فاجر والآخر صالح ضعيف ، مع أيهما يغزى؟ فقال : أما الفاجر القوي،
فقوته للمسلمين ، وفجوره على نفسه ؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه
لنفسه وضعفه على المسلمين . فيغزى مع القوى الفاجر . وقد قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
وروي (( بأقوام الاخلاق لهم)). وإن لم يكن فاجراً، كان أولى إعارة
الحرب ممن هو أصلح منه فى الدين إذا لم يسد مسده .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد
على الحرب، منذ أسلم، وقال: ((إن خالداً سيف سله الله على المشركين)).
مع أنه أحياناً قد كان يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى
إنه - مرة - قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: ((اللهم إنى أبرأ
إليك مما فعل خالد )، لما أرسله إلى بنى جذيمة فقتلهم ، وأخذ أموالهم
بنوع شبهة ، ولم يكن يجوز ذلك ، وأنكره عليه بعض من معه من
الصحابة ، حتى ودام النبى صلى الله عليه وسلم ، وضمن أموالهم :
ومع هذا فما زال بقدمه في إمارة الحرب ؛ لأنه كان أصلح فى هذا
الباب من غيره ، وفعل ما فعل بنوع تأويل .
٢٥٥

وكان أبو ذر رضي الله عنه ، أصلح منه فى الأمانة والصدق ؛
ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر إنى أراك
ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسى : لا تأحرن على اثنين ، ولا
تولين مال يتيم)) رواه مسلم . نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه
رآه ضعيفا. مع أنه قد روى: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء
أصدق لهجة من أبى ذر)) .
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص فى غزوة
((ذات السلاسل - استعطافاً لاقاربه الذين بعثه إليهم - على من ثم
أفضل منه . وأمر أسامة بن زيد ؛ لأجل طلب ثأر أبيه . وكذلك كان
يستعمل الرجل لمصلحة راجحة ، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من
هو أفضل منه فى العلم والإيمان .
وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله
عنه ، ما زال يستعمل خالداً فى حرب أهل الردة ، وفى فتوح العراق
والشام ، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل ، وقد ذكر له عنه أنه
كان له فيها هوى ، فلم يعزله من أجلها ؛ بل عاتبه عليها ؛ لرجحان
المصلحة على المفسدة فى بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه ؛ لأن
المتولي الكبير ، إذا كان خلقه يميل إلى اللين ، فينبغي أن يكون خلق
نائبه يميل إلى الشدة ؛ وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة ، فينبغي أن
٢٥٦

يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ؛ ليعتدل الأمر .
ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة
خالد؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤثر عزل خالد، واستنابة
أبى عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ لأن خالداً كان شديداً، كعمر
ابن الخطاب ، وأبا عبيدة كان ليناً كأبى بكر ؛ وكان الأصلح لكل
منها أن يولي من ولاء ؛ ليكون أمره معتدلا ، ويكون بذلك من خلفاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو معتدل؛ حتى قال النبى صلى
الله عليه وسلم: ((أنا نبى الرحمة، أنا فى الملحمة)). وقال: ((أنا
الضحوك القتال)). وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ
وقال تعالى :
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَنُهُمْ رُكَعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا)
( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ).
ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر رضى الله عنها صارا كاملين فى
الولاية ، واعتدل منها ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة
النبي صلى الله عليه وسلم: من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال
فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (( اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر
وعمر )). وظهر من أبى بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة
وغيرهم: ما برز به على عمر وسائر الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين.
وإذا كانت الحاجة فى الولاية إلى الأمانة أشد ، قدم الأمين ؛ مثل
٢٥٧

حفظ الأموال ونحوها ؛ فأما استخراجها وحفظها ، فلا بد فيه من قوة
وأمانة ، فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته ، وكاتب أمين يحفظها
بخبرته وأمانته . وكذلك فى إمارة الحرب ، إذا أمر الأمير بمشاورة أهل
العلم والدين جمع بين المصلحتين ؛ وهكذا فى سائر الولايات إذا لم تتم
المصلحة برجل واحد جمع بين عدد ؛ فلا بد من ترجيح الأصلح ، أو
تعدد المولى ، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام .
ويقدم في ولاية القضاء : الأعلى الأورع الأكفأ ؛ فإن كان أحدهما
أعلم ، والآخر أورع ؛ قدم - فيما قد يظهر حكمه ، ويخاف فيه الهوى -
الأورع؛ وفيما يدق حكمه ، ويخاف فيه الاشتباه : الأعلم . ففي الحديث
عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إن الله يحب البصر النافذ
عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات)).
ويقدمان على الأكفأ ، إن كان القاضي مؤيداً تأييداً تاماً ، من
جهة والي الحرب ، أو العامة .
ويقدم الأكفأ . إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي ،
أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع ؛ فإن القاضي المطلق يحتاج
أن يكون عالما عادلا قادراً . بل وكذلك كل وال للمسلمين ، فأي صفة
من هذه الصفات نقصت ، ظهر الخلل بسببه ، والكفاءة: إما بقهر ورهبة؛
٢٥٨

وإما بإحسان ورغبة ؛ وفي الحقيقة فلا بد منها .
وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من بولى القضاء؛ إلا عالم
فاسق ، أو جاهل دين ؛ فأبها يقدم ؟ فقال : إن كانت الحاجة إلى
الدين أكثر لغلبة الفساد ، قدم الدين . وإن كانت الحاجة إلى العلم
أكثر الخفاء الحكومات قدم العالم . وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين ؛
فإن الأئمة متفقون على أنه لابد فى المتولي ، من أن يكون عدلا
أهلا للشهادة ؛ واختلفوا فى اشتراط العلم : هل يجب أن يكون
مجتهداً، أو يجوز أن يكون مقلداً، أو الواجب تولية الأمثل
فالأمثل ، كيفما تيسر ؟ على ثلاثة أقوال. وبسط الكلام على ذلك فى
غير هذا الموضع .
ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة ، إذا كان أصلح
الموجود فيجب مع ذلك السعى في إصلاح الأحوال ، حتى بكمل فى
الناس ما لا بدلهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها ؛ كما
يجب على المعسر السعى في وفاء دينه ، وإن كان فى الحال لا يطلب
منه إلا ما يقدر عليه ، وكما يجب الاستعداد للجهاد ، بإعداد القوة
ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب ، بخلاف الاستطاعة فى الحمج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها ،
لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها .
٢٥٩

فصل
وأم ما فى هذا الباب معرفة الأصلح ، وذلك إنما يتم بمعرفة
مقصود الولاية ، ومعرفة طريق المقصود ؛ فإذا عرفت المقاصد
والوسائل تم الأمر . فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا؛
دون الدين ؛ قدموا فى ولا يتهم من يعينهم على تلك المقاصد ،
وكان من يطلب رئاسة نفسه ، يؤثر تقديم من بقيم رئاسته ؛ وقد
كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم :
م أمراء الحرب ، الذين م نواب ذى السلطان على الأجناد؛ ولهذا
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبابكر فى الصلاة ، قدمه المسلمون
في إمارة الحرب وغيرها .
وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث أميراً على حرب،
كان هو الذى يؤمره للصلاة بأصحابه ، وكذلك إذا استعمل رجلا
نائباً على مدينة ، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة ، وعثمان بن
أبي العاص على الطائف ، وعليا ومعاذاً وأبا موسى على اليمن ،
وعمرو بن حزم على نجران : كان نائبه هو الذي يصلى بهم ، ويقيم
٢٦٠