النص المفهرس

صفحات 201-220

والرهبة ، والرغبة . والطغيان : مجاوزة الحد ؛ وهو الظلم والبغي .
فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارها لذلك : طاغوت ؛ ولهذا سمى
النبى صلى الله عليه وسلم الأصنام طواغيت في الحديث الصحيح لما قال:
(( ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت)). والمطاع فى معصية الله، والمطاع فى
اتباع غير الهدى ودين الحق - سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب
اللّه، أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله - هو طاغوت ؛ ولهذا سمى من
تحوكم إليه . من حاكم بغير كتاب الله طاغوت ، وسمى الله فرعون [ وعادا
. (
طغاة] وقال في صيحة ثمود: (فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِحِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ
فمن كان من هذه الأمة موالياً للكفار : من المشركين أو أهل
الكتاب ، ببعض أنواع الموالاة ، ونحوها : مثل إتيانه [أهل] الباطل،
واتباعهم فى شيء من مقالهم، وفعالهم الباطل : كان له من الفم
والعقاب والنفاق بحسب ذلك؛ وذلك مثل متابعتهم فى آرائهم وأعمالهم؛
كنحو أقوال الصابئة وأفعالهم ، من الفلاسفة ونحوهم ، المخالفة للكتاب
والسنة؛ ونحو أقوال اليهود، والنصارى، وأفعالهم المخالفة
للكتاب والسنة؛ ونحو أقوال المجوس والمشركين وأفعالهم المخالفة
للكتاب والسنة .
ومن تولى أمواتهم ، أو أحياءهم ، بالمحبة والتعظيم والموافقة ، فهو
منهم ؛ كالذين وافقوا أعداء إبراهيم الخليل : من الكلدانيين ، وغيرهم ،
٢٠١

من المشركين ، عباد الكواكب أهل السحر ؛ والذين وافقوا أعداء
موسى - من فرعون وقومه - بالسحر. أو ادعى أنه ليس ثم صانع غير
الصنعة ، ولا خالق غير المخلوق ، ولا فوق السموات إله ، كما يقوله
الاتحادية ، وغيرهم من الجهمية . والذين وافقوا الصابئة والفلاسفة فيما
كانوا يقولونه فى الخالق، ورسله: في أسمائه وصفاته، والمعاد ، وغير ذلك.
ولا ريب أن هذه الطوائف : وإن كان كفرها ظاهراً ، فإن كثيرا
من الداخلين في الإسلام . حتى من المشهورين بالعلم ، والعبادة ،
والإمارة، قد دخل في كثير من كفرهم، وعَظّمهم، وبرى تحكيم ما قرروه
من القواعد ونحو ذلك . وهؤلاء كثروا فى المستأخرين ، ولبسوا الحق
- الذي جاءت به الرسل - بالباطل الذي كان عليه أعداؤهم .
والله تعالى : يجب تمييز الخبيث من الطيب ، والحق من الباطل .
فيعرف أن هؤلاء الأصناف : منافقون ، أو فيهم نفاق ؛ وإن كانوا مع
المسلمين ؛ فإن كون الرجل مسلما في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقاً
في الباطن ؛ فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر ، والقرآن قد بين
صفاتهم وأحكامهم . وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وفى عزة الإسلام ، مع ظهور أعلام النبوة ، ونور
الرسالة : فهم مع بعدهم عنها أشد وجوداً ، لاسيما وسبب النفاق هو
سبب الكفر ؛ وهو المعارض لما جاءت به الرسل .
٢٠٢

وسئل رحمه الله
عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره ، أو كلاهما للّه تعالى؟ وماذا
يشترط على الذى يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط ؟ وهل يدخل
ترك السلام فى الهجران أم لا؟ وإذا بدأ المهجور الهاجر بالسلام هل يجب
الرد عليه أم لا ؟ وهل يستمر البغض والهجران لله عز وجل ، حتى
يتحقق زوال الصفة المذكورة التى أبغضه وهجره عليها ؟ أم يكون
لذلك مدة معلومة ؟ فإن كان لها مدة معلومة ، فما حدها ؟
أفتونا مأجورين .
فأجاب : الهجر الشرعى نوعان : (أحدهما) بمعنى الترك للمنكرات.
و (الثانى) بمعنى العقوبة عليها .
فالأول: هو المذكور فى قوله تعالى: (وَإِذَا رَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
وقوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِنَبِ
اُلْقَوْمِ الَّلِينَ ).
٢٠٣

أَنْ إِذَا سَمِعُنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأَ بِهَا فَلَ نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِةْ
إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ ) .
فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة ، مثل قوم بشربون
الخمر ، يجلس عندهم . وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب
دعوتهم ، وأمثال ذلك . بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم ، أو
حضر بغير اختياره . ولهذا يقال : حاضر المنكر كفاعله . وفى الحديث:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة بشرب عليها
الخمر )). وهذا الهجر من جنس محجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات .
كما قال صلى الله عليه وسلم: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار
الإسلام والإيمان . فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا
يمكنونه من فعل ما أمر الله به ، ومن هذا قوله تعالى :
( وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ ).
النوع الثانى : الهجر على وجه التأديب ، وهو هجر من يظهر
المنكرات ، يهجر حتى يتوب منها ، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم
والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا ، حتى أنزل الله توبتهم ، حين ظهر
منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير ،
٢٠٤

وإن كان منافقاً . فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير .
والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات ، وفعل المحرمات ،
ڪتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش ، والداعي
إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التى ظهر
أنها بدع .
وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة : إن الدعاة إلى
البدع لا تقبل شهادتهم ، ولا يصلى خلفهم ، ولا يؤخذ عنهم العلم ،
ولا يناكون . فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا ؛ ولهذا يفرقون بين الداعية
وغير الداعية ؛ لأن الداعية أظهر المنكرات ، فاستحق العقوبة ، بخلاف
الكاتم ، فإنه ليس شراً من المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه
وسلم يقبل علانيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله ، مع علمه بحال كثير منهم.
ولهذا جاء فى الحديث: (( أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ،
ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ، وذلك لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن
يعمهم الله بعقاب منه)).
فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها ؛ بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على
صاحبها خاصة .
٢٠٥

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين فى قوتهم وضعفهم وقلتهم
وكثرتهم ، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل
حاله . فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي مجره إلى ضعف
الشر وخفيته كان مشروعا . وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع
بذلك ، بل يزيد الشر ، والهاجر ضعيف ، بحيث يكون مفسدة ذلك
راجحة على مصلحته ، لم يشرع الهجر ؛ بل يكون التأليف لبعض الناس
أنفع من الحجر .
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ؛ ولهذا كان النبي صلى الله
عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين . كما أن الثلاثة الذين خلفوا
كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم ، لما كان أولئك كانوا سادة
مطاعين فى عشائرهم ، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم ، وهؤلاء
كانوا مؤمنين ، والمؤمنون سوام كثير ، فكان فى مجرهم عن الدين ،
وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال
تارة، والمهادنة تارة ، وأخذ الجزية تارة ، كل ذلك بحسب
الأحوال والمصالح .
وجواب الأئمة كأحمد وغيره فى هذا الباب مبنى على هذا الأصل.
ولهذا كان يفرق بين الأماكن التى كثرت فيها البدع ، كما كثر القدر
فى البصرة ، والتنجيم بخراسان ، والتشيع بالكوفة ، وبين ما ليس
٢٠٦

كذلك ، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم ، وإذا عرف مقصود
الشريعة سلك فى حصوله أوصل الطرق إليه .
وإذا عرف هذا ، فالهجرة الشرعية . هي من الأعمال التى أمر
الله بها ورسوله . فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله ، وأن تكون موافقة
لأمره، فتكون خالصة لله صوابا. فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجراً
غير مأمور به : كان خارجا عن هذا . وما أكثر ما تفعل النفوس ما
تهواه ، ظانة أنها تفعله طاعة الله .
والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث ، كما جاء فى
الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا وبصد هذا ، وغيرهما الذي
يبدأ بالسلام)) فلم يرخص فى هذا الحجر أكثر من ثلاث ، كما لم يرخص
في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث . وفي الصحيحين عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((تفتح أبواب الجنة كل اتين وخميس ، فيغفر
لكل عبد لايشرك بالله شيئاً ؛ إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء،
فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا )) فهذا الهجر لحق الإنسان حرام ،
وإنما رخص في بعضه، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته فى المضجع
إذا نشزت . وكما رخص فى حجر الثلاث .
فينبغى أن يفرق بين الهجر لحق الله ، وبين الهجر لحق نفسه .
٢٠٧

فـ (الأول) مأمور به، و(الثانى) منهى عنه؛ لأن المؤمنين إخوة ،
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لا تقاطعوا،
ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخواناً،
المسلم أخو المسلم )) وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي فى
السنن: ((ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قالوا: بلى يا رسول الله ! قال :
إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ، لا أقول تحلق
الشعر، ولكن تحلق الدين)). وقال فى الحديث الصحيح: ((مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)).
وهذا لأن الحجر من « باب العقوبات الشرعية» فهو من جنس
الجهاد في سبيل الله . وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ،
ويكون الدين كله لله. والمؤمن عليه أن يعادي فى الله، ويوالي فى
اللّه، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه ؛ فإن الظلم
لا يقطع الموالاة الإيمانية ، قال تعالى :
(وَإِنَِّفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَّهُمَا عَلَى الْأُخْرَى
فَقَشِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوا إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) فجعلهم إخوة مع وجود القتال
٢٠٨

والبغي والأمر بالإصلاح بينهم .
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين ، فما أكثر ما يلتبس
أحدهما بالآخر ، وليعلم أن المؤمن يجب موالاته وإن ظلمك واعتدى
عليك ، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك ؛ فإن الله
سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ، فيكون
الحب لأوليائه والبغض لأعدائه ، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه ،
والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه .
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر ، وفجور وطاعة ، ومعصية
وسنة وبدعة : استحق من الموالاة والثواب بقدر مافيه من الخير ،
واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ، فيجتمع فى
الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة ، فيجتمع له من هذا
وهذا ، كاللص الفقير تقطع بده لسرقته ، ويعطى من بيت المال ما
يكفيه حاجته .
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة ، وخالفهم
الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه ، فلم يجعلوا الناس لا مستحقا للثواب
فقط، ولا مستحقا للعقاب فقط . وأهل السنة يقولون : إن الله يعذب
بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن
٢٠٩

له فى الشفاعة بفضل رحمته ، كما استفاضت بذلك السنة عن النبى صلى
الله عليه وسلم . والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل اللهم على محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
وقال رحمه اللّه:
فصل
فى مسائل إسحق بن منصور - وذكره الخلال في ((كتاب السنة))
فى باب مجانبة من قال : القرآن مخلوق - عن إسحق أنه قال لأبي
عبد الله: من قال: القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية. قلت : فيظهر
العداوة لهم أم يداريهم؟ قال : أهل خراسان لا يقوون بهم. وهذا الجواب
منه مع قوله في القدرية : لو تركنا الرواية عن القدرية لتر كناها عن
أكثر أهل البصرة ، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة : من الدفع بالتى
هي أحسن ، ومخاطبتهم بالحجج ، يفسر ما فى كلامه وأفعاله من محجرم ،
والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم ، حتى محجر فى زمن غير ما أعيان من
الأكابر ، وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم .
فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير ، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة
٢١٠

التى هي ترك السيئات . فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((المهاجر
من هجر السيئات)) وقال: ((من مهجر ما نهى الله عنه)) فهذا هجرة
التقوى . وفى هجرة التعزير والجهاد : هجرة الثلاثة الذين خلفوا ، وأمر
المسلمين بهجرم حتى تيب عليهم .
فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى ، إذا كانت هجراً للسيئات .
كما قال تعالى :
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنِيَنَّكَ
الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم
مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) فبين سبحانه أن المتقين خلاف
الظالمين ، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض فى آيات الله ثم المتقون.
وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة
الحدود وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما .
وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة؛ فلهذا اختلف حكم الشرع في
نوعي الهجرتين : بين القادر والعاجز ، وبين قلة نوع الظالم المبتدع
وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك فى سائر أنواع الظلم ،
من الكفر والفسوق والعصيان. فإن كل ما حرمه الله فهو ظلم؛ إما في
حق الله فقط، وإما فى حق عباده، وإما فيهما . وما أمر به من هجر
الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير ، إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة
٢١١

دينية راجحة على فعله ، وإلا فإذا كان فى السيئة حسنة راجحة لم تكن
سيئة ، وإذا كان فى العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة ؛
بل تكون سيئة ؛ وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة
فالهجران قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة التى هي ظلم وذنب
وإثم وفساد ، وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهي عن المنكر
وعقوبة الظالمين لينزجروا ويرندعوا، وليقوى الإيمان والعمل الصالح عند
أهله . فإن عقوبة الظالم تمنح النفوس عن ظلمه ، وتحضها على فعل ضد
ظلمه: من الإيمان والسنة ونحو ذلك . فإذا لم يكن فى مجرانه انزجار
أحد ولا انتهاء أحد ؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن
هجرة مأمورا بها ، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك : أنهم لم
يكونوا يقوون بالجهمية . فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر
بفعل هذه الحسنة . وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف،
ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي . وكذلك لماكثر القدر فى
أهل البصرة ، فلو ترك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن
والآثار المحفوظة فيهم. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير
ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب : كان
تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس .
ولهذا كان الكلام فى هذه المسائل فيه تفصيل .
٢١٢

وكثير من أجوبة الإمام أحمد ، وغيره من الآثمة ، خرج على سؤال
سائل قد على المسئول حاله ، أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله ، فيكون
بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،
إنما يثبت حكمها فى نظيرها .
فإن أقواما جعلوا ذلك عاماً ، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم
يؤمروا به ، فلا يجب ولا يستحب ، وربما تركوا به واجبات أو
مستحبات وفعلوا به محرمات . وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم
يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية؛ بل تركوها ترك المعرض ؛
لا ترك المنتهى الكاره ، أو وقعوا فيها ، وقد يتركونها ترك المنتهى
الكاره ، ولا ينهون عنها غيرهم ، ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق
العقوبة عليها ، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به
إيجابا أو استحبابا ، فهم بين فعل المنكر أو ترك النهي عنه، وذلك فعل
ما نهوا عنه وترك ما أمروا به . فهذا هذا. ودين اللّه وسط بين الغالي
فيه ، والجافى عنه . والله سبحانه أعلم .
٢١٣

وسئل شيخ الإسلام
عن مسلم بدرت منه معصية فى حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته .
فقالت طائفة منهم : يستغفر الله ، ويصفح عنه ، ويتجاوز عن كل ما
كان منه . وقالت طائفة أخرى : لا تجوز أخوته ، ولا مصاحبته .
فأي الطائفتين أحق بالحق ؟؟
فأجاب : لا ريب أن من تاب إلى الله توبة نصوحاً تاب الله عليه،
كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُوْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُمَا
نَفْعَلُونَ ) وقال تعالى: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُواْ مِن
رَّحْمَةِ الَّهِ إِنَّاللَّهَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) أي لمن تاب .
وإذا كان كذلك ، وتاب الرجل ، فإن عمل عملا صالحاً سنة من
الزمان ، ولم ينقض التوبة ، فإنه يقبل منه ذلك ، ويجالس ويكلم .
وأما إذا تاب ولم تمض عليه سنة ، فللعلماء فيه قولان مشهوران . منهم
من يقول : فى الحال يجالس ، وتقبل شهادته . ومنهم من يقول : لابد
من مضي سنة ، كما فعل عمر بن الخطاب بصيغ بن عسل . وهذه من
٢١٤

مسائل الاجتهاد . فمن رأى أن تقبل توبة هذا التائب ، ويجالس فى
الحال قبل اختباره : فقد أخذ بقول سائغ . ومن رأى أنه يؤخر
مدة حتى يعمل صالحاً ، ويظهر صدق توبته ، فقد أخذ بقول سائغ .
وكلا القولين ليس من المنكرات .
وقال الشيخ:
نهى اللّه عن إشاعة الفاحشة بقوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )
وكذلك أمر بستر الفواحش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( من ابتلى بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ؛ فإنه من
يبدلنا صفحته نقم عليه الكتاب)). وقال: ((كل أمتى معافى إلا المجاهرين؛
والمجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح بتحدث
به )) فما دام الذنب مستوراً فمصيبته على صاحبه خاصة ، فإذا أظهر ولم
ينكر ، كان ضرره عاما ، فكيف إذا كان فى ظهوره تحريك غيره
إليه ، ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيره أشكال الشعر الغزلي الرقيق ؛
لئلا تتحرك النفوس إلى الفواحش ، فلهذا أمر من ابتلي بالعشق أن
يعف ويكتم ، فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: ( إِنَّهُمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) والله أعلم.
٢١٥

وقال رحمه اللّه:
وأما تارك الصلاة ونحوه ، من المظهرين لبدعة أو جور ، فحكم
المسلم يتنوع كما تنوع الحكم فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم
في حق مكة وفى المدينة . فليس حكم القادر على تعزيرهم بالهجرة حكم
العاجز، ولا هجرة من لا يحتاج إلى مجالستهم كهجرة المحتاج. والأصل
أن هجرة الفجار نوعان : هجرة ترك، وهجرة تعزير . أما الأولى فقد
دل عليها قوله تعالى: ( وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا) وقوله: ( وَقَدْنَزَّلَ
عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِيُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُبِهَا فَلَ نَفْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَقَّ
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِةٍ ).
ومن هذا الباب محجرة المسلم من دار الحرب .
فالمقصود بهذا أن يهجر المسلم السيئات ، ويهجر قرناء السوء
الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة. وأما ((حجر التعزير))
فمثل مجر النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا،
وحجر عمر والمسلمين لصيغ ، فهذا من نوع العقوبات . فإذا كان يحصل
٢١٦

بهذا الحجر حصول معروف، أو اندفاع منكر، فهي مشروعة .
وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست
مشروعة . والله أعلم .
وسل
عن شارب الخمر هل يسلم عليه ؟ وهل إذا سلم رد عليه؟ وهل تشيع
جنازته ؟ وهل يكفر إذا شك في تحريمها ؟ .
فأجاب الحمد لله. من فعل شيئا من المنكرات ، كالفواحش، والخمر،
والعدوان ، وغير ذلك ، فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده،
فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))
فإن كان الرجل متسترا بذلك ، وليس معلنا له أنكر عليه سرا وستر
عليه، كما قال النى صلى الله عليه وسلم: ((من ستر عبداً ستره الله
في الدنيا والآخرة )) إلا أن يتعدى ضرره ، والمتعدى لا بد من كف
عدوانه ، وإذا نهاء المرء سراً فلم ينته فعل ما ينكف به من محجر وغيره ،
إذا كان ذلك أنفع فى الدين .
وأما إذا أظهر الرجل المنكرات ، وجب الإنكار عليه علانية ، ولم
٢١٧

يبق له غيبة ، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من حجر
وغيره ، فلا يسلم عليه ، ولا يرد عليه السلام ، إذا كان الفاعل لذلك
متمكنا من ذلك من غير مفسدة راجحة .
وينبغى لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتا، كما مهجروه حيا ، إذا
كان فى ذلك كف لأمثاله من المجرمين ، فيتركون تشييع جنازته ،
كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على غير واحد من أهل
الجرائم ، وكما قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك مات البارحة . فقال:
لو مات لم أصل عليه: يغنى لأنه أعان على قتل نفسه ، فيكون كقاتل
نفسه . وقد ترك النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه .
وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب
حتى تاب الله عليهم، فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير .
وأما من أنكر تحريم شيء من المحرمات المتواترة ، كالخمر والميتة
والفواحش ، أوشك فى تحريمه، فإنه يستتاب ويعرف التحريم ، فإن تاب
وإلا قتل ، وكان مرتدا عن دين الإسلام، ولم يصل عليه ، ولم يدفن
بين المسلمين .
٢١٨

وسئل
عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لأ غيبة الفاسق)) وما حد الفسق؟
ورجل شاجر رجلين : أحدهما شارب خمر ، أو جليس فى الشرب ، أو
آ كل حرام ، أو حاضر الرقص ، أو السماع للدف ، أو الشبابة : فهل
على من لم يسلم عليه إثم ؟.
فأجاب : أما الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛
ولكنه مأثور عن الحسن البصري ، أنه قال : أترغبون عن ذكر الفاجر؟
اذكروه بما فيه يحذره الناس . وفى حديث آخر : من ألقى جلباب
الحياء فلا غيبة له . وهذان النوعان يجوز فيها الغيبة بلا نزاع بين العلماء.
أحدهما : أن يكون الرجل مظهراً للفجور ، مثل الظلم والفواحش
والبدع المخالفة للسنة ، فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده،
فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، رواه
مسلم. وفي المسند والسنن عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال : أيها
٢١٩

الناس، إنكم تقرأون القرآن وتقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها
( يَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ) وإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا
المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)). فمن أظهر المنكر
وجب الإنكار عليه ، وأن يهجر ويذم على ذلك . فهذا معنى قولهم :
من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له . بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا ،
فإن هذا يستر عليه ؛ لكن ينصح سرا ، ويهجره من عرف حاله حتى
يتوب ، ويذكر أمره على وجه النصيحة .
النوع الثانى: أن يستشار الرجل فى منا كمته ومعاملته أو استشهاده،
ويعلم أنه لا يصلح لذلك؛ فينصحه مستشاره بيان حاله ، كما ثبت في
الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قالت له فاطمة بنت قيس: قد
خطنى أبو جهم ومعاوية، فقال لها: ((أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء،
وأما معاوية فصعلوك لا مال له )) فبين النى صلى الله عليه وسلم حال
الخاطبين للمرأة . فهذا حجة لقول الحسن : أترغبون عن ذكر الفاجر !
اذكروه بما فيه يحذره الناس، فإن النصح في الدين أعظم من النصح
فى الدنيا ، فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم نصح المرأة فى دنياها،
فالنصيحة في الدين أعظم .
وإذا كان الرجل يترك الصلوات ، ويرتكب المنكرات ، وقد عاشر.
٢٢٠