النص المفهرس
صفحات 141-160
ثم قال تعالى : (فَإِذَانُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ * وَُِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُ كَّنَادَكَّةً وَحِدَةً ) ؛ إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة والنار . وكذلك فى سورة (تَ وَالْقَلَمِ) ؛ ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به ، ثم قال: (كَذَلِكَ الْعَذَابٌّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةَ أَكْبُلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) . وكذلك في ((سورة التغابن)) قال: (أَلَمْ يَأْتِّكُمْنَبُواْلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُو ◌ْوَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْيَسْتِ فَقَالُواْأَبَشَرٌ ج يَدُ وَتَنَافَكَفَرُواْ وَتَوَلَّوَأُوَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ)، ثم قال: (زَعَ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ أَنْ لَنْ يُبْعَثُقُلْ بَلَى وَرَبِ لَتُعَثُنَّ ) . وكذلك في سورة (( ق)) ذكر حال المخالفين للرسل ؛ وذكر الوعد والوعيد فى الآخرة . وكذلك فى (( سورة القمر )) ذكر هذا وهذا . وكذلك فى (( آل حم)) مثل حم غافر ؛ والسجدة ؛ والزخرف؛ والدخان ، وغير ذلك. إلى غير ذلك مما لا يحصى . فإن التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل ؛ كما في صحيح ١٤١ البخاري عن يوسف بن ماهك قال : إنى عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال : أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك ! وما يضرك ؟ قال : يا أم المؤمنين ! أربنى مصحفك . قالت: لم ؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وما (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرٌ ) وإنى لجارية ألعب : نزلت ((سورة البقرة)) و((النساء)) إلا وأنا عنده. قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور . وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهى ، فيكون ذلك من ذنوبهم ، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم ؛ فيحصل التفرق والاختلاف والشر ، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا؛ إذ الإنسان ظلوم جهول ، والظلم والجهل أنواع ، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع ، وظلم كل من الثانى والثالث وجهلها من نوع آخر وآخر . ١٤٢ ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سبيها ذلك ، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ؛ ومن تبعهم من العامة من الفتن : هذا أصلها؛ يدخل فى ذلك أسباب الضلال والغي: التى هي الأهواء الدينية والشهوانية ؛ وهي البدع فى الدين والفجور فى الدنيا ، وذلك أن أسباب الضلال والفي البدع في الدين ، والفجور في الدنيا ، وهي مشتركة: تعم بنى آدم ؛ لما فيهم من الظلم والجمل؛ فيذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره ؛ كالزنا بلواط وغيره؛ أو شرب خمر ؛ أو ظلم فى المال بخيانة أو سرقة أو غصب ؛ أو نحو ذلك. ومعلوم أن هذه المعاصى وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة أيضا ، ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها ؛ لكن تريد أن يحصل لها ما حصل له ، وهذا هو الغبطة التى هي أدنى نوعي الحسد. فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه ؛ أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل ؛ ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات ؛ فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها ؟ فالمعتدل منهم فى ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي، وأما الآخر فظلوم حسود . وهذان يقعان فى الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق اللّه، فما كان ١٤٣ جنسه مباءا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال : إذا وقع فيها الاختصاص حصل الظلم ؛ والبخل والحسد . وأصلها الشح ، كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم : أمرم بالبخل فيخلوا ؛ وأمرهم بالظلم فظلموا؛ وأمريم بالقطيعة فقطعوا )). ولهذا قال الله تعالى فى وصف الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان (وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ ) ؛ من قبل المهاجرين : أي: لا يجدون الحسد مما أوتي إخوانهم من المهاجرين؛ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )، ثم قال: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). ورؤي عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ويقول : رب قي شح نفسي ! رب قي شح نفسي ! فقيل له في ذلك فقال : إذا وقيت شح نفسى فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة ، أو كما قال . فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنح ما هو عليه ؛ والظلم بأخذ مال الغير . ويوجب قطيعة الرحم ؛ ويوجب الحسد؛ وهو : كراهة ما اختص به الغير ، والحسد فيه بخل وظلم ؛ فإنه بخل بما أعطيه غيره ؛ وظلمه بطلب زوال ذلك عنه . فإذا كان هذا فى جنس الشهوات المباحة ؛ فكيف بالمحرمة : ١٤٤ كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك ؟ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه بصير فيها نوعان : أحدهما : بغضها لما فى ذلك من الاختصاص والظلم ؛ كما يقع فى الأمور المباحة الجنس . والثاني : بغضها لما فى ذلك من حق الله . ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام : أحدها : ما فيها ظلم للناس ؛ كالظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق ؛ والحسد ونحو ذلك . والثاني : ما فيه ظلم للنفس فقط ؛ كشرب الخمر والزنا؛ إذا لم يتعد ضررها . والثالث : ما يجتمع فيه الأمران ؛ مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزنى بها ويشرب بها الخمر ؛ ومثل أن يزنى بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرم ؛ كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَاحَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ). ١٤٥ وأمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك فى أنواع الإثم : أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق وإن لم تشترك فى إثم ؛ ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم))؛ فالباغي يصرع فى الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوما فى الآخرة ، وذلك أن العدل نظام كل شيء ؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها فى الآخرة من خلاق ، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له ؛ والتعدي عليه في حقه . وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث ؛ فهي قد تظلم من لا يظلمها ؛ وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها ؛ فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير ، وقد تصبر ؛ ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير منه مالم يكن فيها قبل ذلك ، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين ؛ بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين ؛ وإن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب ؛ والجهاد على ذلك من الدين . ١٤٦ والناس هنا ثلاثة أقسام : قوم لا يقومون إلا فى أهواء نفوسهم ؛ فلا يرضون إلا بما يعطونه؛ ولا يغضبون إلا لما يحرمونه؛ فإذا أعطى أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه ، وصار الأمر الذي كان عنده منكراً - ينهى عنه ويعاقب عليه؛ ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده ، وصار فاعلا له وشريكا فيه ؛ ومعاوناً عليه ؛ ومعاديا لمن نهى عنه وينكر عليه. وهذا غالب في بني آدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك مالا يحصيه . وسببه : أن الإنسان ظلوم جهول ؛ فلذلك لا يعدل ، بل ربما كان ظالما في الحالين ، يرى قوما ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم ؛ فيرضى أولئك المنكرين ببعض الشيء فينقلبون أعواناً له. وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه . وكذلك ترام ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي، حتى يدخلوا أحدم معهم في ذلك ؛ أو يرضوه ببعض ذلك ؛ فتراه قد صار عونا لهم . وهؤلاء قد يعودون بإنكارم إلى أقبح من الحال التى كانوا عليها ، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره . وقوم يقومون ديانة صحيحة ، يكونون فى ذلك مخلصين لله ، مصلحين فيما عملوه ، ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا. وهؤلاء م الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهم من خير أمة أخرجت للناس : ١٤٧ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا ؛ وثم غالب المؤمنين ، فمن فيه دين وله شهوة يجتمع فى قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية ، وربما غلب هذا نارة وهذا تارة . وهذه القسمة الثلاثية كما قيل : الأنفس ثلاث : أمارة ؛ ومطمئنة؛ ولوامة . فالأولون م أهل الأنفس الأمارة التى تأمره بالسوء . والأوسطون م أهل النفوس المطمئنة التى قيل فيها: (يََُّّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ * أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِ فِ عِبَدِى * وَأَدْخُلِ جَنَِّى ). والآخرون م أهل النفوس اللوامة التى تفعل الذنب ثم تلوم عليه ؛ وتتلون: تارة كذا. وتارة كذا. وتخلط عملا صالحا وآخر سيئاً . ولهذا لما كان الناس فى زمن أبى بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء بها كما قال صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر )) : أقرب عهداً بالرسالة وأعظم إيماناً وصلاحا ؛ وأتّتهم أقوم بالواجب وأثبت فى الطمأنينة : لم تقع فتنة ؛ إذ كانوا فى حكم القسم الوسط . ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة علي كثر القسم الثالث : فصار فيهم شهوة وشبهة مع الإيمان والدين ؛ وصار ذلك فى بعض الولاة ١٤٨ وبعض الرعايا ، ثم كثر ذلك بعد ؛ فنشأت الفتنة التى سبيها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة فى الطرفين ؛ واختلاطها بنوع من الهوى والمعصية فى الطرفين ؛ وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وأنه مع الحق والعدل ، ومع هذا التأويل نوع من الهوى ؛ ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس ؛ وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى . فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله ؛ ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه ؛ ويثبته على الهدى والتقوى ؛ ولا يتبع الهوى ، كما قال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَغِيْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَانَّعَ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْتَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ). وهذا أيضاً حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت فى المقالات والعبادات. وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين ؛ فإنهم يحتاجون إلى شيئين : إلى دفع الفتنة التى ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها ؛ فإن معهم نفوساً وشياطين كما مع غيرم، فمع وجود ذلك من نظرائهم بقوى المقتضى عندهم ؛ كما هو الواقع؛ فيقوى الداعي الذي فى نفس الإنسان وشيطانه ؛ وما يحصل من الداعي بفعل الغيروالنظير . فكم ممن لم يرد خيراً ولا شراً حتى رأى غيره - لا سيما إن كان نظيره - ١٤٩ يفعله ففعله ! فإن الناس كأسراب القطا؛ مجبولون على تشبه بعضهم ببعض . ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر : له مثل من تبعه من الأجر والوزر، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ؛ ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ؛ من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا )) ؛ وذلك لاشتراكهم فى الحقيقة؛ وأن حكم الشيء حكم نظيره . وشبه الشيء منجذب إليه . فإذا كان هذان داعيين قوبين : فكيف إذا انضم إليها داعيان آخران؟ وذلك أن كثيراً من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ماهم فيه ؛ ويبغضون من لا يوافقهم ، وهذا ظاهر فى الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ؛ ومعاداتهم لمخالفيهم . وكذلك فى أمور الدنيا والشهوات كثيراً ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم : إما للمعاونة على ذلك ؛ كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوم . وإما بالموافقة ؛ كما في المجتمعين على شرب الخمر؛ فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم ، وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير : إما حسداً له على ذلك ؛ لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم . وإما لئلا يكون له عليهم حجة . وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه ؛ أو بمن يرفع ذلك إليهم ؛ ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ١٥٠ ونحو ذلك من الأسباب ، قال اللّه تعالى: (وَدَّكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْيَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)، وقال تعالى فى المنافقين: (وَدُوْلَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : ودت كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءَ ) . الزانية لو زنى النساء كلهن . والمشاركة قد يختارونها فى نفس الفجور ، كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد ، وقد يختارونها في النوع ؛ كالزانى الذي يود أن غيره يزني ؛ والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا ؛ لكن فى غير العين التى زنى بها أو سرقها . وأما الداعي الثانى فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر ؛ فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه؛ أولا ينتهي إلى حد الإكراه ، ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو بأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به ؛ وجعلوا ذلك حجة عليه فى أمور أخرى . وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه . وهذه حال غالب الظالمين القادرين . وهذا الموجود فى المنكر نظيره فى المعروف وأبلغ منه ، كما قال ١٥١ تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَِّ )؛ فإن داعي الخير أقوى؛ فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم ؛ والصدق والعدل؛ وأداء الأمانة ، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر ؛ لا سيما إذا كان نظيره ؛ لاسيما مع المنافسة ، وهذا محمود حسن ؛ فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ؛ ويبغضه إذا لم يفعل : صار له داع ثالث ؛ فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع . ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات ؛ كما يقابل الطبيب المرض بضده . فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه ، وذلك بشيئين : بفعل الحسنات ؛ وترك السيئات ، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات . وهذه أربعة أنواع . ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه ؛ قال تعالى: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّالْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلََّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وروي وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْبِالصَّبْرِ ). عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو فكر الناس كلهم في سورة (والعصر ) لكفتهم. وهو كما قال ؛ فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان فى نفسه مؤمناً صالحاً ؛ ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر . وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو ١٥٢ الدرجة وعظيم الأجر ؛ كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الناس أشد بلاء ؟ قال «الأنبياء ؛ ثم الصالحون ؛ ثم الأمثل فالأمثل ؛ يبتلى الرجل على حسب دينه ؛ فإن كان في دينه صلابة زيد فى بلائه ، وإن كان فى دينه رقة خفف عنه . ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى بمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة )) وحينئذ فيحتاج من الصبر مالا يحتاج إليه غيره ؛ وذلك هو سبب الإمامة فى الدين ؛ كما قال تعالى : ھے ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُوْبَِايَنْتِنَا يُوقِنُونَ). فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيء المحظور؛ ويدخل فى ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال ؛ والصبر على ما يصيبه من المكاره ؛ والصبر عن البطر عند النعم ؛ وغير ذلك من أنواع الصبر . ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذى به، وهو اليقين؛ كما فى الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يا أيها الناس! سلوا الله اليقين والعافية ؛ فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية ، فسلوهما الله )) . وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته على ذلك ؛ أو نهى ١٥٣ غيره عن شيء ؛ فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحساناً يحصل به مقصوده ؛ من حصول المحبوب واندفاع المكروه ؛ فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو ؛ لا يمكن غير ذلك ؛ ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب ؛ حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا فى الصدقات . وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خُذِالْعَفْوَوَمُرُ بِالْعُرْفِ (وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ ) . وقال تعالى: بِلْمَرْهَمَةِ) ، فلا بد أن بصبر وأن يرحم ، وهذا هو الشجاعة والكرم . ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة نارة؛ وهي الإحسان إلى الخلق ، وبينها وبين الصبر تارة . ولا بد من الثلاثة : الصلاة ؛ والزكاة ؛ والصبر. لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك؛ فى صلاح نفوسهم وإصلاح غيرم ؛ لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة ؛ فالحاجة إلى ذلك تكون أشد ؛ فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنيام إلا به . ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم ، حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء فى شعرم. وكذلك يتذامون بالبخل والجبن . والقضايا التى يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقا ؛ كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل ؛ ونم الكذب والظلم. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعراب ؛ حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه ؛ فالتفت إليهم ١٥٤ وقال: (( والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاء نعما لقسمته عليكم؛ ثم لا تجدونى بخيلا ولا جبانا ولاكذوبا)). لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات ؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ، ومدح الشجاعة والسماحة فى سبيله دون ما ليس فى سبيله ؛ فقال النى صلى الله عليه وسلم: ((شرما فى المرء شح هالع وجبن خالع)). وقال: ((من سيدكم يابني سلمة ؟ فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل فقال : وأي داء أدوا من البخل؟)) وفى رواية: ((إن السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء بن معرور )). وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما : إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني ! فقال تقول : وإما أن تبخل عنى ! وأي داء أدوا من البخل ؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض . وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال : قال عمر : قسم النبى صلى الله عليه وسلم قسما فقلت: يا رسول الله! والله لغير هؤلاء أحق به منهم فقال: ((إنهم خيرونى بين أن يسألونى بالفحش وبين أن يبخلونى ، ولست بباخل )) يقول: إنهم يسألوني مسألة لا تصلح ، فإن أعطيتهم وإلا قالوا : هو بخيل ، فقد غيروني بين أمرين مكرهين لا يتركونى من أحدهما : الفاحشة والتبخيل . والتبخيل أشد ؛ فأدفع ١٥٥ الأشد بإعطائهم . والبخل جنس تحته أنواع : كبائر ؛ وغير كبائر ، قال تعالى: ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَ اتَنهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًّاً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخْلُواْبِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وقال: (وَأَعْبُدُواْاللَّهَ وَلَا نُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا ) إلى قوله: (إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا وقال : يَأْتُونَ الضَّلَوةَ إِلَّاوَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ). (فَلَمَّآءَ اتَمُهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّوْوَّهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ وقال : ( وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، ). إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ). وقال: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). وقال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَأَيُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) الآية. وما فى القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل ، وكذلك ذمه للجبن كثير ، مثل قوله : (وَمَنْ يُولِهِمْ يَوْمَیٍِ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَدِّقًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْصِيرُ ). وقوله عن المنافقين: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ ١٥٦ لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْيَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْمَغَرَاتٍ وقوله: (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَوْ مُدَّ خَلَا لَّوَلَّوْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) . ◌ُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىّ وقوله : ( أَلَمْتَرَإِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُواْأَيَدِيَّكُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) . وَأَقِيمُواْالصَّلَوةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَافِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْأَشَدَ خَشْيَّةً وَقَالُوا رَبَّنَالِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْ لَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِبٍ قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَاُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنْ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ). وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وم النا كلين عنه والتار كين له : كله ذم للجبن . ولما كان صلاح بنى آدم لا يتم فى دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم : بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك؛ فقال: (يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَاقِيلَ لَكُرُ أَنِفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَافِ الْآَخِرَةِ إِلََّ قَلِيلُ * إِلََّفِرُواْ يُعَذِّبْدِكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ). وقال تعالى: (هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَن يَبْخَلٌّ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللّهُالْغَنِىُّ وَأَنْتُهُ اٌلْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُواْأَمْثَلَكُمْ ). ١٥٧ وبالشجاعة والكرم فى سبيل الله فضل [الله](١) السابقين، فقال : (لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال فى سبيله ؛ ومدحه في غير آية من كتابه ؛ وذلك هو الشجاعة والسماحة فى طاعته سبحانه ، فقال : ے (كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ)، وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاعْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا ◌َّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ). ( وَأَطِيعُوْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَ أْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ). والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب؛ وإنما هي قوة القلب وثباته. فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال ؛ وعلى قوة القلب وخبرته به . والمحمود منها ما كان بعلم ومعرفة ؛ دون التهور الذي لا يفكر صاحبه، ولا يميز بين المحمود والمذموم؛ ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . حتى يفعل ما يصلح . فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد . وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر: فإنه لا بد منه . والصبر صبران : صبر عند الغضب ؛ وصبر عند المصيبة . كما قال الحسن : ما يجرع عبد (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٥٨ جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب ؛ وجرعة صبر عند المصيبة ؛ وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم . وهذا هو الشجاع الشديد الذى يصبر على المؤلم . والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب ، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ؛ ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ؛ ولهذا جمع النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : الرقوب الذي لا يولد له ، قال : ليس ذلك بالرقوب ! ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ، ثم قال : ما تعدون الصرعة فيكم ؟ قلنا : الذي لا تصرعه الرجال فقال : ليس بذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب))، فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب ، قال الله تعالى فى المصيبة: (وَبَشِّرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وقال تعالى فى الغضب: (وَمَا يُلَقَّنهَا وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ) الآية . إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّذُوحَظٍ عَظِيمٍ ). وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة [وصبر المصيبة ] كما في قوله تعالى: (وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَارَحْمَةُ ثُمَّ نَزَعْنَهَا ١٥٩ مِنْهُ إِنَّهُ لَيَتُوسُ كَفُورٌ * وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَخْرُ كَبِيرٌ). وقال: (لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من بِمَآءَاتَنكُمْ ) . الصحابة المهاجرين حيث قال : لا يفرحون إذا نالت سيوفهمو قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا وكذلك قال حسان بن ثابت فى صفة الأنصار : لا فخر إن م أصابوا من عدوهمو وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع وقال بعض العرب فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم : يغلب فلا يبطر ؛ ويغلب فلا يضجر . ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم وأصواتهم وأيديهم: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال لما قيل له - وقد بكى لما رأى إبراهيم فى النزع -: أتبكي؟ أو لم تنه عن البكاء ؟ فقال: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان . وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية))، فجمع بين الصوتين . ١٦٠