النص المفهرس
صفحات 101-120
الشريك الآخر ما شاء ، وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم ؛ فلو مكن من يحتاج إلى سلعته ألا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم . ولهذا قال الفقهاء : إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل ، فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي ؛ ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل . وتنازع أصحابه فى جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة، ولهم فيه وجهان . وقال أصحاب أبى حنيفة : لا ينبغى للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر فى ذلك فنها. عن الاحتكار ، فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه ، زجراً له أو دفعا للضرر عن الناس ، فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير : سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة . وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي . وهذا على قول أبى حنيفة ظاهر ، حيث لا يرى الحجر على الحر ، وكذا عندهما ، أي عند أبي ١٠١ يوسف ومحمد؛ إلا أن يكون الحجر على قوم معينين . ومن باع منهم بما قدره الإمام صح ؛ لأنه غير مكره عليه . وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاء ؟ قيل : هو [ على ] الاختلاف المعروف فى مال المديون. وقيل: يبيع ههنا بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام . والسعر لما غلا فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه: بل عامة من كانوا يديعون الطعام إنما هم بالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق ؛ لكن نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد : نهاء أن يكون له سمساراً وقال: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)). وهذا ثابت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري ؛ فنهاه عن التوكل له - مع أن جنس الوكالة مباح - لما فى ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم من تلقي الجلب ، وهذا أيضاً ثابت فى الصحيح من غير وجه ، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار ؛ ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار لهذا ١٠٢ البائع . وهل هذا الخيار فيه ثابث مطلقا أو إذا غبن ؟ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد. أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن ، والثانى يثبت له الخيار مطلقا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي . وقال طائفة : بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاء المتلقي فاشتراه ثم باعه . وفى الجملة فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذى جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشترى بالسلعة . وصاحب القياس الفاسد يقول : للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع ، كما يقول : وللبادي أن يوكل الحاضر . ولكن الشارع رأى المصلحة العامة ؛ فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غاراً له ؛ ولهذا الحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل. والمسترسل : الذي لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع ؛ فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر ، فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف . وهو ثمن المثل؛ وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع ؛ لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مما كسين له ، والبيع يعتبر فيه الرضا ، والرضا يتبع العلم ، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا ١٠٣ يرضى ، فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك ، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه . ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس ؛ فإن الأصل فى البيع الصحة ، وأن يكون الباطن كالظاهر. فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك ، فإذا تبين أن فى السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبنت بخلافها ، فقد يرضى وقد لا يرضى ، فإن رضي وإلا فسخ البيع . وفى الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعها ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعها)). وفي السنن أن رجلا كانت له شجرة فى أرض غيره ؛ وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل ، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: ((إنما أنت مضار)). فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها؛ فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري ، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام ؟ ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز. ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك ، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها ، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم ١٠٤ يحتاجون لم يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل ؛ كما يلزم الذي يشترى الحنطة ويطحنها ليتجر فيها ، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده ؛ بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى ، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم ، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفى الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير . وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل ؛ لاوكس ، ولا شطط . فصل فأما الغش والتدليس فى ((الديانات)) فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال : مثل إظهار المكا. والتصدية فى مساجد المسلمين . ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمّة المسلمين ، ومشايخهم . وولاة أمورم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير . ومثل التكذيب بأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم التى تلقاها أهل العلم بالقبول . ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومثل الغلو في الدين ١٠٥ بأن ينزل البشر منزلة الإله . ومثل تجوبز الخروج عن شريعة النبى صلى الله عليه وسلم. ومثل الإلحاد فى أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره . ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذية الطبيعية وغيرها ؛ التى يضاهى بها ما الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات؛ ليصد بها عن سبيل الله ؛ أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله . وهذا باب واسع يطول وصفه . ثمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك ، وعقوبته عليها - إذا لم يتب حتى قدر عليه - بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل ، أو جلد أو غير ذلك. وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولا أو فعلا ويمنع من الاجتماع فى مظان التهم ، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت. وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة ، كما منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان بتهم بالفاحشة . وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة ، ومعاملة المتهم بالمطل . ١٠٦ فصل ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) لايتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور ؛ وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات . فمنها عقوبات مقدرة؛ مثل جلد المفتري مانين، وقطع السارق . ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى ((التعزير)). وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها؛ ويحسب حال المذنب ؛ ويحسب حال الذنب فى قلته وكثرته. ((والتعزير)) أجناس. فمنه مايكون بالتوبيخ والزجر بالكلام. ومنه ما يكون بالحبس . ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن . ومنه ما يكون بالضرب. فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة : مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه ؛ أو على ترك رد المغصوب ؛ أو أداء الأمانة إلى أهلها : فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ، ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم . وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره : فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط ، وليس لأقله حد . ١٠٧ وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها : عشر جلدات . والثانى: دون أقل الحدود؛ إما تسعة وثلاثون سوطا ؛ وإما تسعة وسبعون سوطا . وهذا قول كثير من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وأحمد . والثالث : أنه لا يتقدر بذلك، وهو قول أصحاب مالك ، وطائفة من أصحاب الشافعى وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه ؛ لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر، مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب ، والتعزير على القذف بغير الزنا لأ يبلغ به الحد . وهذا القول أعدل الأقوال؛ عليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودراً عنه الحد بالشبهة ، وأمر أبوبكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة . وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة . ثم ضربه فى اليوم الثاني مائة ، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة . وضرب صبيغ بن عسل - لما رأى من بدعته - ضربا كثيراً لم يعده . ومن لم يندفع فساد فى الأرض إلا بالقتل قتل ، مثل المفرق ١٠٨ لجماعة المسلمين ، والداعي إلى البدع فى الدين ، قال تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَاءِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِ اُلْأَرْضِ وفى الصحيح عن النبي صلى الله فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) عليه وسلم أنه قال: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منها)) وقال: ((من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان)). وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتل رجل تعمد عليه الكذب. وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: ((من لم يقته منها فاقتلوه)). فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس ، وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعى إلى قتل الداعية إلى البدع ، وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك ؛ فإن المحتسب ليس له القتل والقطع. ومن أنواع التعزير : النفي والتغريب ؛ كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي فى شرب الخمر إلى خيبر ؛ وكما نفى صيغ بن عسل إلى البصرة ، وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء . فصيل و «التعزير بالعقوبات المالية)» مشروع أيضاً فى مواضع مخصوصة ١٠٩ فى مذهب مالك فى المشهور عنه ؛ ومذهب أحمد فى مواضع بلا نزاع عنه ؛ وفي مواضع فيها نزاع عنه . والشافعي فى قول ، وإن تنازعوا فى تفصيل ذلك ، كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فى مثل إباحته سلب الذي يصطاد فى حرم المدينة لمن وجده ؛ ومثل أمره بكسر دنان المر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين؛ وقال له: أغسلها؟ قال: ((لا بل أحرقها)). وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التى فيها لحوم الحمر . ثم لما استأذنوه فى الإراقة أذن ؛ فإنه لما رأى القدور نفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها؛ فقالوا: أفلا زيقها ونغسلها؟ فقال: ((افعلوا))؛ فدل ذلك على جواز الأمرين ؛ لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة . ومثل هدمه لمسجد الضرار ، ومثل محريق موسى للعجل المتخذ إلها ، ومثل تضعيفه صلى الله عليه وسلم الغرم على من سرق من غير حرز ، ومثل ماروى من إحراق متاع الغال ، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير . ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر ، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام؛ وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل ، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبى وقاص الذي بناه لما أراد ١١٠ أن يحتجب عن الناس ؛ فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه؛ فذهب فرقه عليه . وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ، ونظائرها متعددة . ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبها . ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان: فقد قال قولا بلا دليل . ولم يجيء عن النبى صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية ؛ بل أخذ الخلفاء الراشدين وأ كابر أصحابه بذلك بعد مونه دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ . وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه ، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث . ومذهب مالك وأحمد وغيرهما : أن العقوبات المالية كالبدنية : تنقسم إلى ما يوافق الشرع : وإلى ما يخالفه . وليست العقوبة المالية منسوخة عندها . والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ ؛ لا من كتاب ولا سنة . وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة ؛ إلا مجرد دعوى النسخ ؛ وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة ١١١ لبعض النصوص توهمه ترك العمل؛ إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماع ؛ والإجماع دليل على النسخ ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلا على أنه منسوخ ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له ؛ ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاء صحيحاً ؛ بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه ، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء . وأيضاً فإن واجبات الشريعة التى هي حق الله ثلاثة أقسام : عبادات كالصلاة والزكاة والصيام . وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة. وكفارات . وكل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى: بدنى. وإلى مالي . وإلى مركب منها. فالعبادات البدنية : كالصلاة والصيام . والمالية : كالزكاة . والمركبة : كالحج . والكفارات المالية : كالإطعام . والبدنية: كالصيام. والمركبة : كالهدي بذبح . والعقوبات البدنية : كالقتل والقطع . والمالية : كإنلاف أوعية الحمر . ١١٢ والمركبة : كبلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه ، وكقتل الكفار وأخذ أموالهم . وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق ؛ ونارة تكون دفعاً عن المستقبل كقتل القاتل : فكذلك المالية ؛ فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر ؛ وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف ؛ وإلى تغيير ؛ وإلى تمليك الغير . فالأول المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها ؛ مثل الأصنام المعبودة من دون الله ؛ لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها ؛ فإذا كانت حجراً أو خشباً ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها . وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء ، وهو مذهب مالك ؛ وأشهر الروايتين عن أحمد . ومثل ذلك أوعية الخمر ؛ يجوز تكسيرها وتخريقها ؛ والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه . وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم ، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي ؛ وقال: إنما أنت فويسق لارويشد . وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبى طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر ، رواه أبو عبيدة وغيره ؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية. وهذا أيضا على المشهور فى مذهب أحمد ومالك وغيرهما . ١١٣ ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ؛ حيث رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء المبيع فأراقه عليه ، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل؛ وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع )) وذلك بخلاف شوبه للشرب ؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء ؛ فأتلفه عمر . ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل فى جواز إتلاف المغشوشات فى الصناعات : مثل الثياب التى نسجت نسجاً رديئاً أنه يجوز تمزيقها وتحريقها؛ ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبا من حرير مزقه عليه ، فقال الزبير : أفزعت الصبى ! فقال: لا تكسوم الحرير . وكذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية ؛ فتقطع بد السارق ، وتقطع رجل المحارب ويده . وكذلك الذي قام به المنكر فى إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر ؛ وليس إتلاف ذلك واجباً على الإطلاق ؛ بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضاً ؛ إما لله وإما أن يتصدق به ، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل : أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء ، كالخبز والطعام الذي لم ١١٤ ينضج، وكالطعام المغشوش، وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر للمشتري أنه جيد ونحو ذلك : يتصدق به على الفقراء ؛ فإن ذلك من إتلافه . وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع : فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى ؛ فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه لأنه كان يغنى الناس بالعطاء ؛ فكان الفقراء عنده فى المدينة إما قليلا وإما معدومين . ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه . ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش فى الأرض أدبا لصاحبه ، وكره ذلك مالك فى رواية ابن القاسم ؛ ورأى أن يتصدق به . وهل يتصدق باليسير ؟ فيه قولان للعلماء. وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية ، وقال : لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفساً ؛ لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش ؛ وفى ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق . قيل لمالك : فالزعفران والمسك أتراه مثله ؟ قال : ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن . قال ابن القاسم : هذا فى الشيء الخفيف منه، فأما ١١٥ إذا كثر منه فلا أرى ذلك ؛ وعلى صاحبه العقوبة ؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام. يريد في الصدقة بكثير . . قال بعض الشيوخ : وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيراً أو كثيراً ؛ لأنه ساوى فى ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره؛ وخالفه ابن القاسم ؛ فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيراً ؛ وذلك إذا كان هو الذي غشه ، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو ؛ وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه : فلا خلاف فى أنه لا يتصدق بشيء من ذلك . وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان ، قال فى الملاحف الرديئة النسج : تحرق بالنار . وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق؛ وقال : نقطع خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا. وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين ؛ فأنكر عليه ابن القطان وقال : لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه . قال القاضي أبو الأصبع : وهذا اضطراب فى جوابه وتناقض فى قوله ؛ لأن جوابه فى الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين ، وابن عتاب أضبط فى أصله في ذلك وأتبع لقوله . وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد ١١٦ أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش ؛ وإما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره . قال عبد الملك بن حبيب : قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب : فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن ؟ قالا : يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق ، وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب. قال عبد الملك بن حبيب : ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به ، وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه ، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه ، هكذا العمل فيما غش من التجارات . قال : وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم . فصل وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس)) فإذا كانت الدرام أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت ، ومثل تغيير الصورة المجسمة وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة ؛ مثل ما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله ١١٧ عليه وسلم: (( أتانى جبريل فقال: إنى أتيتك الليلة ؛ فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان فى البيت تمثال رجل ، وكان فى البيت قرام ستر فيه تماثيل ، وكان فى البيت كلب ؛ فأمر برأس التمثال الذي في البيت بقطع فيصير كهيئة الشجرة ؛ وأمر بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن ، وأمر بالكلب يخرج . ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا الكلب جرو كان الحسن والحسين تحت نضيد لهم)) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين ، مثل إراقة خمر المسلم ؛ وتفكيك آلات الملاهي ؛ وتغيير الصور المصورة ؛ وإنما تنازعوا فى جواز إتلاف محلها تبعا للحال ، والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما . والصواب أن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ، ويدخل فى ذلك البتع والمزر والحشيشة القنبية وغير ذلك . وأما التغريم : فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين : أن عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين . وفيمن ١١٨ سرق من الماشية قبل أن تؤدى إلى المراح : أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين . وكذلك قضى عمر بن الخطاب فى الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها ، وبذلك كله قال طائفة من العلماء ؛ مثل أحمد وغيره. وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع ، فأضعف الغرم على سيدم ودراً عنهم القطع . وأضعف عثمان بن عفان فى المسلم إذا قتل الذمي عمداً أنه يضعف عليه الدية ؛ لأن دية الذمي نصف دبة المسلم ، وأخذ بذلك أحمد بن حنبل . فصل الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل فى قدر الله وفى شرعه ؛ فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض ؛ كما قال الله تعالى : إِن نُبُدُ واخَيْرًا أَوْتُخْفُوهُ أَوْتَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا ) ، وقال: ( وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من لا يرحم لا يرحم)). وقال: ((إن الله وتر يحب الوتر)). وقال: ((إن الله جميل يحب الجمال)). وقال: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)). وقال: ((إن الله نظيف ١١٩ يحب النظافة )) . ولهذا قطع يد السارق ، وشرع قطع يد المحارب ورجله ؛ وشرع القصاص فى الدماء والأموال والأبشار ، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان ، مثل ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى شاهد الزور أنه أمر بإركابه دابة مقلوباً وتسويد وجهه ؛ فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه ، ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه . وهذا قد ذكره فى تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم . ولهذا قال الله تعالى: (وَمَن كَانَ فِى هَذِهٍِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُ سَبِيلًا ) . وقال تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَمَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ * رَبّ لِمَ حَشَرْتَفِي أَعْمَى وَقَدْكُنتُ بَصِيرًا تُنسَى). وفى الحديث: ((يحشر الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطأم الناس بأرجلهم))، فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده، كما أن من تواضع لله رفعه الله ؛ فجعل العباد متواضعين له . والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين ، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ١٢٠