النص المفهرس

صفحات 81-100

والولايات كلها : الدينية - مثل إمرة المؤمنين ، وما دونها: من ملك ،
ووزارة ، وديوانية ، سواء كانت كتابة خطاب ، أو كتابة حساب
لمستخرج أو مصروف فى أرزاق المقاتلة أو غيرهم ، ومثل إمارة حرب ،
وقضاء ، وحسبة ، وفروع هذه الولايات - إنما شرعت للأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مدينته النبوية يتولى
جميع ما يتعلق بولاة الأمور ، ويولي فى الأماكن البعيدة عنه ، كما ولى
على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ، وعلى قرى
عرينة خالد بن سعيد بن العاص ، وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى إلى
اليمن . وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية
السعاة ، فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماح
الله فى القرآن ، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط ، لا
يأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء إذا وجد لها موضعاً
يضعها فيه.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم يستوفى الحساب على العمال؛
يحاسبهم على المستخرج والمصروف ؛ كما فى الصحيحين عن أبى حميد
الساعدي أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد يقال
له : ابن اللتبية على الصدقات ؛ فلما رجع حاسبه فقال : هذا لكم
٨١

وهذا أهدى إلي ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما بال الرجل
نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي ؟
أفلا قعد فى بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفسي
بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئاً إلا جاء
يوم القيامة يحمله على رقبته : إن كان بعيراً له رغاء ؛ وإن كانت
بقرة لها خوار ؛ وإن كانت شاة تيعر ! ثم رفع يديه إلى السماء
وقال : - اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت ؟)) - قالها مرتين
أو ثلاثاً .
والمقصود هنا : أن هذه الأعمال التى هي فرض على الكفاية متى
لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه ، لاسيما إن كان غيره
عاجزاً عنها ، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو
بنائهم صار هذا العمل واجباً يجبرم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه
بعوض المثل ، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ،
ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوم دون حقهم ، كما إذا احتاج الجند
المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن
يصنعها لهم ؛ فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح
أن يفلح للجند .
والمزارعة جائزة فى أصح قولي العلماء ، وهي عمل المسلمين على
٨٢

عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين ، وعليها عمل آل أبى بكر وآل
عمر وآل عثمان وآل علي وغيرهم من بيوت المهاجرين ، وهي قول
أكابر الصحابة كابن مسعود ، وهي مذهب فقهاء الحديث : كأحمد بن
حنبل ؛ وإسحق بن راهويه ؛ وداود بن علي ؛ والبخاري ؛ ومحمد بن
إسحق بن خزيمة ؛ وأبى بكر بن المنذر وغيرهم ، ومذهب الليث بن
سعد ؛ وابن أبى ليلى؛ وأبي يوسف ؛ ومحمد بن الحسن وغيرهم من
فقهاء المسلمين . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر
بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع حتى مات ، ولم تزل تلك المعاملة
حتى أجلام عمر عن خيبر ، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم:
وكان البذر منهم لا من النبى صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان الصحيح
من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل ؛ بل طائفة من
الصحابة قالوا : لا يكون البذر إلا من العامل .
والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة وكراء
الأرض قدجاء مفسراً بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة
معينة ، ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء ، وهو كما لو شرط
فى المضاربة لرب المال دراج معينة ، فإن هذا لا يجوز بالاتفاق ؛ لأن
المعاملة مبناها على العدل ، وهذه المعاملات من جنس المشاركات ؛
والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع
٨٣

كالثلث والنصف ، فإذا جعل لأحدهما شىء مقدر لم يكن ذلك عدلا ؛
بل كان ظلما .
وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات
بعوض مجهول ؛ فقالوا : القياس يقتضي تحريمها . ثم منهم من حرم
المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحباباً للحاجة ؛ لأن الدرام لا يمكن
إجارتها كما يقول أبو حنيفة . ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقاً كقول
مالك والقديم للشافعي . أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي ؛
لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض ، وأباحوا ما يحتاج إليه من
المزارعة تبعاً للمساقاة ؛ فأباحوا المزارعة تبعاً للمساقاة كقول الشافعي
إذا كانت الأرض أغلب . أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك . وأما
جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا : هذا من باب المشاركة لا من
باب الإجارة التى يقصد فيها العمل ؛ فإن مقصود كل منهما ما
يحصل من الثمر والزرع ؛ وهما متشارڪان : هذا ببدنه وهذا
بماله ، كالمضاربة .
ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء : أن هذه المشاركات إذا
فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل ، فيجب من الربح أو الماء
إما ثلثه وإما نصفه ؛ كما جرت العادة فى مثل ذلك ؛ ولا يجب أجرة
مقدرة ؛ فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه ، وإنما يجب فى الفاسد
٨٤

من العقود نظير ما يجب فى الصحيح ، والواجب في الصحيح ليس هو
أجرة مسماة ؛ بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب فى الفاسدة نظير
ذلك، والمزارعة آصل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول ؛ فإنهما
يشتركان في المغنم والمغرم : بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم
له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل ، والعلماء مختلفون
في جواز هذا؛ وجواز هذا . والصحيح جوازهما .
وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة ، وما علمت أحداً
من علماء المسلمين - لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيره - قال :
إن إجارة الإقطاع لا يجوز ، وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة
من زمن الصحابة إلى زمننا هذا ؛ لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا
القول ؛ قالوا : لأن المقطع لا يملك المنفعة : فيصير كالمستعير إذا أكرى
الأرض المعارة ، وهذا القياس خطأ لوجهين :
أحدهما : أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له ؛ وإنما تبرع له المعير
بها ، وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين ؛ وولي الأمر قاسم
بقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير ، والمقطع يستوفى المنفعة
بحكم الاستحقاق كما يستوفى الموقوف عليه منافع الوقف وأولى ، وإذا
جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة
بموته على أصح قولي العلماء : فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع
٨٥

وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى .
الثانى : أن المعير لو أذن فى الإجارة جازت الإجارة: مثل الإجارة فى
الإقطاع ، وولي الأمر يأذن للمقطعين فى الإجارة، وإنما أقطعهم لينتفعوا بها :
إما بالمزارعة وإما بالإجارة ، ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد
أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم ؛ فإن المساكن كالحوانيت والدور
ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة. وأما المزارع والبساتين
فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة فى الأمر العام ، والمرابعة نوع من
المزارعة ، ولا يخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل
له فيها ، وهذا لا يكاد بفعله إلا قليل من الناس ؛ لأنه قد يخسر
ماله ولا يحصل له شيء ؛ بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغم
والمغرم ؛ فهو أقرب إلى العدل ؛ فلهذا مختاره الفطر السليمة. وهذه
المسائل لبسطها موضع آخر .
والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج
إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه بقدر أجرة
المثل ؛ فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ، ولا يمكن
الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل ؛ وهذا
من التسعير الواجب . وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات
الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل ، لا
٨٦

يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع
الحاجة إليهم ، فهذا تسعير فى الأعمال .
وأما فى الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل
السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح
حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون ، والإمام لو
عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم؛ كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:
(((وإذا استنفرتم فانفروا)) أخرجاه فى الصحيحين . وفى الصحيح أيضاً
عنه أنه قال: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فى عسره ويسره؛
ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه)) . فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه
وماله : فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه فى الجهاد بعوض
المثل ؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي
العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ فإن الله أمر بالجهاد بالمال
والنفس في غير موضع من القرآن، وقد قال الله تعالى: (فَأَتَّقُوا اللَّهَ
مَا أُسْتَطَعْتُمْ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) أخرجاء في الصحيحين . فمن عجز من
الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال ، كما أن من عجز عن الجهاد بالمال
لم يسقط عنه الجهاد بالبدن . ومن أوجب على المعضوب أن يخرج
من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج على المستطيع بماله فقوله
٨٧

ظاهر التناقض .
ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزم
عن الطحن والخبزفى البيوت ؛ كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع
طحيناً ولا خبزاً، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه فى بيوتهم
فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير ، وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه
الناس من الجالبين ؛ ولهذا قال النى صلى الله عليه وسلم: ((الجالب
مرزوق، والمحتكر ملعون)) وقال: (( لا يحتكر إلاخاطئ)) رواه
مسلم في صحيحه. وما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه
نهى عن قفيز الطحان )، فحديث ضعيف ، بل باطل ! فإن المدينة لم
يكن فيها طحان ولا خباز؛ لعدم حاجتهم إلى ذلك . كما أن المسلمين
لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفاراً ؛ لأن المسلمين كانوا
مشتغلين بالجهاد.
ولهذا لما فتح النبى صلى الله عليه وسلم خيبر أعطاها لليهود يعملونها
فلاحة ؛ لعجز الصحابة عن فلاحتها؛ لأن ذلك يحتاج إلى سكناها ،
وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة ،
وكانوا نحو ألف وأربعمائة. وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء هم
الذين قسم النبى صلى الله عليه وسلم بينهم أرض خير ، فلو أقام
٨٨

طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التى لا يقوم بها
غيرهم ، فلما كان فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وفتحت البلاد
وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوم ، وكان النبى صلى الله عليه
وسلم قد قال: ((نقركم فيها ماشئنا - وفى رواية - ما أفركم الله))،
وأمر بإجلائهم منها عند موته صلى الله عليه وسلم فقال: ((أخرجوا
اليهود والنصارى من جزيرة العرب)).
ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبرى - إلى
أن الكفار لايقرون فى بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين
إليهم ، فإذا استغنوا منهم أجلوم كأهل خيبر . وفي هذه المسألة نزاع
ليس هذا موضعه .
والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين
فهذا على وجهين :
أحدهما : أن يحتاجوا إلى صناعتهم ؛ كالذين يطحنون ويخبزون
لأهل البيوت ، فهؤلاء يستحقون الأجرة ، وليس لهم عند الحاجة
إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع .
والثانى : أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع؛ فيحتاجوا إلى من يشتري
الخطة ويطحنها ؛ وإلى من يخبرها ويبيعها خبزاً ؛ لحاجة الناس إلى شراء
٨٩

الخبز من الأسواق ، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة
ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الخطة لكان
ذلك ضرراً عظيما ؛ فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند
الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين ، كما يجب على كل من اشترى
شيئاً يقصد أن يبيعه بربح ، سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل ، وسواء
اشترى طعاما أو ثياباً أو حيواناً ، وسواء كان مسافراً ينقل ذلك من
بلد إلى بلد ؛ أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق ؛ أو كان
مديراً يبيع دائماً ويشتري كأهل الحوانيت ، فهؤلاء كلهم يجب عليهم
زكاة التجار ، وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس
إلى ذلك ألزموا كما تقدم ؛ أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من
غير إلزام لواحد منهم بعينه ؛ فعلى التقديرين بسعر عليهم الدقيق والحنطة ؛
فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف
من غير إضرار بهم ولا بالناس .
وقد تنازع العلماء فى التسعير فى مسألتين :
إحداهما : إذا كان الناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيح بأغلى
من ذلك فإنه يمنع منه فى السوق فى مذهب مالك . وهل يمنع
النقصان ؟ على قولين لهم .
وأما الشافعي وأصحاب أحمد : كأبي حفص العكبري ؛ والقاضي
٩٠

أبى يعلي ؛ والشريف أبى جعفر ؛ وأبى الخطاب ؛ وابن عقيل وغيرهم:
فتنعوا من ذلك .
واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف ، عن سعيد
ابن المسيب : أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع
زييباً له بالسوق ؛ فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر وإما أن
ترفع من سوقنا .
وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال : حدثنا الداروردي، عن
داود بن صالح التمار ، عن القاسم بن محمد ، عن عمر : أنه مر بحاطب
بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيها زبيب ؛ فسأله عن سعرهما ؟
فسعر له مدين لكل درهم ، فقال له عمر : قد حدثت بعير مقبلة
من الطائف تحمل زييباً وهم يعتبرون سعرك ، فإما أن ترفع السعر
وإما أن تدخل زييبك البيت فتبيعه كيف شئت ! فلما رجع عمر حاسب
نفسه ؛ ثم أتى حاطباً في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة
منى ولا قضاء ، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد ، فحيث شئت
فبح ! وكيف شئت فبح ! قال الشافعي: وهذا الحديث مقتضاه ليس
بخلاف ما رواه مالك ، ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من
رواه؛ وهذا أتى بأول الحديث وآخره ؛ وبه أقول؛ لأن الناس
مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئاً منها بغير طيب
٩١

أنفسهم إلا فى المواضع التى تلزمهم ، وهذا ليس منها .
قلت : وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي : الذي يؤمر من
حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس ؛ فإذا انفرد
منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور ؛
لأن المراعى حال الجمهور ، وبه تقوم المبيعات . وروى ابن القاسم عن
مالك : لا يقام الناس الخمسة . قال : وعندي أنه يجب أن ينظر فى
ذلك إلى قدر الأسواق ؛ وهل يقام من زاد فى السوق - أي : فى
قدر المبيع - بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه ؟ قال أبو الحسن
ابن القصار المالكي : اختلف أصحابنا فى قول مالك : ولكن من حط
سعراً . فقال البغداديون : أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون
ثمانية . وقال قوم من المصريين : أراد من باع ثمانية والناس يبيعون
خمسة . قال : وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان ؛ لأن من باع ثمانية
والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم ؛ فربما أدى إلى
الشغب والخصومة ؛ ففي منع الجميع مصلحة . قال أبو الوليد : ولا خلاف
أن ذلك حكم أهل السوق .
وأما الجالب ففى كتاب محمد : لا يمنع الجالب أن يبيع فى السوق
دون الناس . وقال ابن حبيب : ما عدا القمح والشعير إلا بسعر
الناس وإلا رفعوا ، قال : وأما جالب القمح والشعير فيبيح كيف شاء:
٩٢

إلا أن لهم فى أنفسهم حكم أهل السوق ؛ إن أرخص بعضهم تركوا،
وإن كثر المرخص قيل لمن بقي : إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا .
قال ابن حبيب: وهذا فى المكيل والموزون : مأكولا أو غير مأكول؛
دون مالا يكال ولا يوزن ؛ لأن غيره لا يمكن تسعيره ؛ لعدم التماثل
فيه . قال أبو الوليد : يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا ، فإذا
اختلف لم يؤمر بائح الجيد أن يبيعه بسعر الدون .
قلت : والمسألة الثانية التى تنازع فيها العلماء في التسعير : أن
لا يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب ، فهذا
منع منه جمهور العلماء ، حتى مالك نفسه فى المشهور عنه . ونقل المنع
أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد ، وذكر أبو الوليد عن
سعيد بن المسيب وربيعة بن أبى عبد الرحمن . وعن يحيى بن سعيد
أنهم أرخصوا فيه ؛ ولم يذكر ألفاظهم .
وروى أشهب عن مالك ؛ وصاحب السوق يسعر على الجزارين :
لحم الضأن ثلث رطل ؛ ولحم الإبل نصف رطل ؛ وإلا خرجوا من
السوق . قال : إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ،
ولكن أخاف أن يقوموا من السوق .
واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء
١٣

السعر عليهم ، ولا فساد عليهم . قالوا : ولا يجبر الناس على البيع ،
إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر ؛ على حسب
ما يرى من المصلحة فيه البائع والمشتري ؛ ولا يمنع البائع ريحاً ولا
يسوغ له منه ما يضر بالناس .
وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي صلى الله عليه
وسلم ، وقد رواه أيضاً أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد
الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة أنه قال: جاء رجل إلى النبى صلى
الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله! سعر لنا، فقال: ((بل
ادعو الله))، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا ! فقال :
((بل الله يرفع ويخفض ؛ وإنى لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد
عندي مظلمة )) . قالوا : ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم
مما يباح شرعا : ظلم لهم ، والظلم حرام .
وأما صفة ذلك عند من جوزه : فقال ابن حبيب : ينبغي للإمام
أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ؛ ويحضر غيرهم استظهاراً
على صدقهم ؛ فيسألهم: كيف يشترون ؟ وكيف يبيعون ؟ فينازلهم إلى
ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ، ولا يجبرون على التسعير ؛ ولكن
عن رضا . قال : وعلى هذا أجازه من أجازه. قال أبو الوليد: ووجه
ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ، ويجعل للباعة
٩٤

فى ذلك من الربح ما يقوم بهم ؛ ولا يكون فيه إجحاف بالناس ، وإذا
سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد
الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس .
قلت : فهذا الذي تنازع فيه العلماء .
وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون
بالواجب ويعاقبون على تركه ، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن
المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه: فهنا يؤمر بما يجب عليه؛ ويعاقب
علی ترکه بلا ريب .
ومن منع التسعير مطلقاً محتجا بقول النى صلى الله عليه وسلم :
(( إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس
أحد منكم يطالبنى بمظلمة فى دم ولا مال )» فقد غلط ؛ فإن هذه قضية
معينة ليست لفظاً عاما ، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه
أو عمل يجب عليه ؛ أو طلب فى ذلك أكثر من عوض المثل .
ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس فى المزايدة فيه : فإذا كان
صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا
يسعر عليهم ، والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالباً
من الجلب ؛ وقد يباع فيها شيء يزرع فيها ؛ وإنما كان يزرع فيها
٩٥

الشعير ؛ فلم يكن البائعون ولا المشترون ناساً معينين ؛ ولم يكن هناك
أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله ؛ ليجبر على عمل أو على بيع،
بل المسلمون كلهم من جنس واحد ، كلهم يجاهد في سبيل الله، ولم
يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج فى الغزو ،
وكل منهم يغزو بنفسه وماله ؛ أو بما يعطاء من الصدقات أو الفيء ؛ أو
ما يجهزه به غيره ، وكان إكراء البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا
بثمن معين إكراها بغير حق ، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل
البيع فيإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز .
وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبى صلى الله عليه
وسلم قدر له الثمن الذي يبيح به ويسعر عليه ، كما فى الصحيحين عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أعتق شركا له فى عبد
وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا
شطط ؛ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ، فهذا لما وجب
عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد
قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط ؛
ويعطى قسطه من القسمة ؛ فإن حق الشريك فى نصف القيمة لا فى قيمة
النصف عند جماهير العلماء: كمالك وأبى حنيفة وأحمد؛ ولهذا قال هؤلاء : كل
مالا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم تمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ؛
٩٦

ويجبر الممتنع على البيع ، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا ؛ لأن حق
الشريك فى نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ، ولا يمكن
إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع . فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء
من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك ؛ وليس
للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة : فكيف بمن كانت حاجته أعظم
من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب ؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام
واللباس وغير ذلك .
وهذا الذي أمر به النبى صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع بقيمة
المثل هو حقيقة التسعير . وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف
المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراء به ؛ لا بزيادة ؛
للتخلص من ضرر المشاركة والمقامة ، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة
وإجماع العلماء ، وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة؛ لأجل
تحصيل مصلحة التكميل لواحد : فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم
يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء ؟ بل ليس له أن يطلب من الشريك
زيادة على الثمن الذي حصل له به ، وهذا في الحقيقة من نوع التولية ؛
فإن التولية : أن يعطي المشتري السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها
به ، وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل ؛ ومع هذا فلا يجبر المشتري
على أن يبيعه لأجنى غير الشريك إلا بما شاء ؛ إذ لا حاجة بذلك إلى
٩٧

شرائه كماجة الشريك .
فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى فى بيت إنسان إذا لم
يجدوا مكاناً يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم . وكذلك لو
احتاجوا إلى أن يعيرم ثياباً يستدفئون بها من البرد ؛ أو إلى آلات
يطبخون بها ؛ أو يبنون أو يسقون : يبذل هذا مجاناً . وإذا احتاجوا
إلى أن يعيريم دلوا يستقون به؛ أو قدراً يطبخون فيها : أو فأساً يحفرون
بها : فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة ؟ فيه قولان للعلماء فى مذهب
أحمد وغيره . والصحيح وجوب بذل ذلك مجاناً إذا كان صاحبها مستغنياً
عن تلك المنفعة وعوضها ؛ كما دل عليه الكتاب والسنة ، قال الله تعالى :
(فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِينَ * الَّذِيْنَ هُمْ عَنِ صَلَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ *
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) وفي السنن عن ابن مسعود قال : كنا نعد ( الماعون)
عارية الدلو والقدر والفأس .
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الخيل
قال: (( هي لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر . فأما الذي
هي له أجر فرجل ربطها تغنيا وتعففاً؛ ولم ينس حق الله في رقابها
ولا ظهورها)» وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب مخلها ، وثبت عنه
صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن عسب الفحل)) وفي الصحيحين عنه أنه
٩٨

قال: ((لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة فى جداره)) وإيجاب بذل
هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره .
ولو احتاج إلى إجراء ماء فى أرض غيره من غير ضرر بصاحب
الأرض : فهل يجبر ؟ على قولين للعلماء ، هما روايتان عن أحمد ،
والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للمهنع : والله لنجرينها
ولو على بطنك . ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين : أن زكاة
الحلي عاريته . وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره .
والمنافع التى يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال ؛ كما ذكره
فى الخيل والإبل وعاربة الحلي ، ومنها ما يجب لحاجة الناس .
وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم؛
وإفتاء الناس ؛ وأداء الشهادة؛ والحكم بينهم ؛ والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر؛ والجهاد ؛ وغير ذلك من متافع الأبدان ؛ فلا يمنع وجوب
بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ
إِذَا مَادُعُواْ ) وقال: ( وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ).
وللفقهاء فى أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال ؛ هي أربعة أوجه فى
مذهب أحمد وغيره :
(أحدها ): أنه لا يجوز مطلقا. و (الثانى) لا يجوز إلا عند الحاجة.
٩٩

و (الثالث) يجوز إلا أن يتعين عليه و(الرابع ) يجوز. فإن أخذ أجراً
عند العمل لم يأخذ عند الأداء. وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر .
والمقصود هنا : أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن
على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر : إما بثمن المثل ، وإما بالثمن
الذي اشتراه به : لم يحرم مطلقا تقدير الثمن . ثم إن ما قدر به
النبى صلى الله عليه وسلم فى شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل
تكميل الحرية ؛ وذلك حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق
فيه لله؛ ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا للّه تعالى، وحدوداً لله ؛
بخلاف حقوق الآدميين وحدوده ، وذلك مثل حقوق المساجد ومال
الفيء ؛ والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك.
ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر ؛ فإن الذي يقتل شخصا
لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء ؛ وليس لورثة المقتول العفو عنه ؛
بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص ؛ مثل خصومة بينهما ؛ فإن هذا
حق لأولياء المقتول ؛ إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين .
وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة :
ليس الحق فيها لواحد بعينه ؛ فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من
وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية ؛ لكن تكميل الحرية
وجب على الشريك المعتق ؛ فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب
١٠٠