النص المفهرس

صفحات 481-500

وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول ، ولا له إلمام بمعرفة
المنقول : من أن أهل البيت سبوا ، وأنهم حملوا على البخانى ، وأن
البخانى نبت لها من ذلك الوقت سنامان : فهذا من الكذب الواضح
الفاضح لمن يقوله . فإن البخاتى قد كانت من يوم خلقها الله قبل ذلك
ذات سنامين كما كان غيرها من أجناس الحيوان . والبخاتي لا تستر
امرأة. ولا سى أهل البيت أحد ، ولا سى منهم أحد . بل هذا كما
يقولون : إن الحجاج قتلهم .
وقد علم أهل النقل كلهم أن الحجاج لم يقتل أحداً من بنى هاشم.
كما عهد إليه خليفته عبد الملك ، وأنه لما تزوج بنت عبد الله بن جعفر
شق ذلك على بنى أمية وغيرهم من قريش ، ورأوه ليس بكفء لما .
ولم يزالوا به حتى فرقوا بينه وبينها . بل بنو مروان على الإطلاق لم
يقتلوا أحداً من بنى هاشم، لا آل علي ، ولا آل العباس ، إلا زيد بن
علي المصلوب بكناسة الكوفة وابنه يحيى .
الوجه الرابع: أنه لو قدر أنه حمل إلى يزيد ، فأي غرض كان لهم
في دفنه بعسقلان ، وكانت إذ ذاك ثغراً يقيم به المرابطون ؟ فإن كان
قصدهم تعفية خبره فمثل عسقلان تظهره لكثرة من ينتابها للرباط.
وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يقصد هذا من يقال : إنه عدو
له ، مستحل لدمه ، ساع فى قتله ؟
٤٨١

ثم من المعلوم : أن دفنه قريباً عند أمه وأخيه بالبقيع أفضل له .
الوجه الخامس : أن دفنه بالبقيع هو الذي تشهد له عادة القوم.
فإنهم كانوا فى الفتن ، إذا قتلوا الرجل - لم يكن منهم ــ سلموا
رأسه وبدنه إلى أهله ، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه ،
ثم سلمه إلى أمه .
وقد علم أن سعي الحجاج فى قتل ابن الزبير وأن ما كان بينه
وبينه من الحروب : أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه .
فإن ابن الزبير ادعى الخلافة بعد مقتل الحسين ، وبايعه أكثر الناس .
وحاربه يزيد حتى مات وجيشه محاربون له بعد وقعة الحرة .
ثم لما تولى عبد الملك غلبه على العراق مع الشام . ثم بعث إليه
الحجاج بن يوسف ، فحاصره الحصار المعروف ، حتى قتل ، ثم صلبه ،
ثم سلمه إلى أمه .
وقد دفن بدن الحسين مكان مصرعه بكربلاء ، ولم ينبش ، ولم
يمثل به . فلم يكونوا يمتنعون من تسليم رأسه إلى أهله ، كما سلموا
بدن ابن الزبير إلى أهله ، وإذا تسلم أهله رأسه ، فلم يكونوا ليدعوا
دفنه عندم بالمدينة المنورة عند عمه وأمه وأخيه ، وقريباً من جده صلى
الله عليه وسلم ويدفنونه بالشام، حيث لا أحد إذ ذاك ينصرهم على
٤٨٢

خصومهم ؟ بل كثير منهم كان يبغضه ويبغض أباه . هذا لا يفعله أحد .
والقبة التى على العباس بالبقيع يقال : إن فيها مع العباس الحسن
وعلي بن الحسين ، وأبو جعفر محمد بن علي ، وجعفر بن محمد . ويقال:
إن فاطمة تحت الحائط ، أو قريبا من ذلك . وأن رأس الحسين
هناك أيضاً .
الوجه السادس : أنه لم يعرف قط أن أحداً ، لا من أهل السنة ،
ولا من الشيعة ، كان ينتاب ناحية عسقلان لأجل رأس الحسين . ولا
يزورونه ولا يأتونه. كما أن الناس لم يكونوا ينتابون الأماكن التى تضاف
إلى الرأس في هذا الوقت ؛ كموضع بحلب.
فإذا كانت تلك البقاع لم يكن الناس يغتابونها ولا يقصدونها ، وإنما
كانوا ينتابون كربلاء . لأن البدن هناك : كان هذا دليلا على أن
الناس فيما مضى لم يكونوا يعرفون أن الرأس فى شيء من هذه البقاع ،
ولكن الذي عرفوه واعتقدوه : هو وجود البدن بكربلاء ، حتى كانوا
يكتابونه في زمن أحمد وغيره ، حتى إن في مسائله مسائل فيما يفعل عند
قبره ، ذكرها أبو بكر الخلال فى جامعه الكبير فى زيارة المشاهد .
ولم يذكر أحد من العلماء أنهم كانوا يرون موضع الرأس فى شيء
من هذه البقاع غير المدينة .
٤٨٣

فعلم أن ذلك لو كان حقا لكان المتقدمون به أعلى . ولو اعتقدوا
ذلك لعملوا ما جرت عادتهم بعمله ، ولأظهروا ذلك وتكلموا به، كما
تكلموا فى نظائره .
فلما لم يظهر عن المتقدمين - بقول ولا فعل - ما يدل على أن
الرأس فى هذه البقاع علم أن ذلك باطل . والله أعلم .
الوجه السابع : أن يقال : ما زال أهل العلم في كل وقت وزمان
يذكرون فى هذا المشهد القاهري المنسوب إلى الحسين : أنه كذب
ومين ، كما يذكرون ذلك في أمثاله من المشاهد المكذوبة : مثل
المشاهد المنسوبة بدمشق إلى أبي بن كعب ، وأويس القرنى ، أو هود،
أو نوح ، أو غيرهما، والمشهد المنسوب بحران إلى جابر بن عبد الله .
وبالجزيرة إلى عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ونحوهما. وبالعراق
إلى علي رضي الله عنه ونحوه ، وكذلك ما يضاف إلى الأنبياء غير قبر
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم الخليل عليه السلام .
فإنه لما كان كثير من المشاهد مكذوبا مختلقاً كان أهل العلم
في كل وقت يعلمون أن ذلك كذب مختلق ، والكتب والمصنفات
المعروفة عن أهل العلم بذلك مملوءة من مثل هذا . يعرف ذلك من
تتبعه وطلبه .
٤٨٤

وما زال الناس فى مصفاتهم ومخاطباتهم يعلمون أن هذا المشهد
القاهري من المكذوبات المختلقات . ويذكرون ذلك فى المصنفات ، حتى
من سكن هذا البلد من العلماء بذلك .
فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية فى كتابه ((العلم المشهور )» فى هذا
المشهد فصلا مع ما ذكره في مقتل الحسين من أخبار ثابتة وغير ثابتة ،
ومع هذا فقد ذكر أن المشهد كذب بالإجماع ، وبين أنه نقل من
عسقلان فى آخر الدولة العبيدية ، وأنه وضع لأغراض فاسدة . وأنه بعد
ذلك بقليل أزال الله تلك الدولة وعاقبها بنقيض قصدها .
وما زال ذلك مشهوراً بين أهل العلم حتى أهل عصرنا من ساكني
الديار المصرية : القاهرة وما حولها .
فقد حدثنى طائفة من الثقات : عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن
علي الغنوي المعروف بابن دقيق العيد ، وطائفة عن الشيخ أبى محمد عبد
المؤمن بن خلف الدمياطي ، وطائفة عن الشيخ أبى محمد بن القسطلانى،
وطائفة عن الشيخ أبى عبد الله محمد القرطبى صاحب التفسير وشرح
أسماء الله الحسنى . وطائفة عن الشيخ عبد العزيز الديرنى - كل من
هؤلاء حدثنى عنه من لا أتهمه ، وحدثنى عن بعضهم عدد كثير ، كل
يحدثني عمن حدثنى من هؤلاء : أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول:
٤٨٥

إنه كذب ، وإنه ليس فيه الحسين ولا غيره . والذين حدثونى عن ابن
القسطلانى ذكروا عنه أنه قال : إن فيه نصرانيا ، بل القرطبى
والقسطلانى ذكرا بطلان أمر هذا المشهد فى مصفاتها . وبينا فيها أنه
كذب . كما ذكره أبو الخطاب بن دحية .
وابن دحية هو الذي بنى له الكامل دار الحديث الكاملية . وعنه
أخذ أبو عمرو بن الصلاح ونحوه كثيراً مما أخذوه من ضبط الأسماء
واللغات . وليس الاعتماد فى هذا على واحد بعينه ، بل هو الإجماع من
هؤلاء . ومعلوم أنه لم يكن بهذه البلاد من يعتمد عليه فى مثل هذا
الباب أعلم ولا أدق من هؤلاء ونحوهم .
فإذا كان كل هؤلاء متفقين على أن هذا كذب ومين : علم أن
الله قد برأ منه الحسين .
وحدثنى من حدثنى من الثقات : أن من هؤلاء من كان يوصي
أصحابه بأ لا يظهروا ذلك عنه خوفا من شر العامة بهذه البلاد ، لما فيهم
من الظلم والفساد . إذ كانوا فى الأصل دعاة للقرامطة الباطنيين . الذين
استولوا عليها مائتى سنة . فزرعوا فيهم من أخلاق الزنادقة المنافقين ،
وأهل الجهل المبتدعين ، وأهل الكذب الظالمين : مالم يمكن أن ينقلع
إلا بعد حين . فإنه قد فتحها - بإزالة ملك العبيديين - أهل الإيمان
٤٨٦

والسنة فى الدولة النورية والصلاحية ، وسكنها من أهل الإسلام والسنة
من سكنها ، وظهرت بها كلمة الإيمان والسنة نوعا من الظهور ، لكن
كلن النفاق والبدعة فيها كثيراً مستوراً ، وفى كل وقت يظهر الله فيها
من الإيمان والسنة مالم يكن مذكوراً ، ويطغى فيها من النفاق والجهل
ما كان مشهوراً .
والله هو المسئول أن يظهر بسائر البلاد ما يحبه ويرضاه ، من
الهدى والسداد . ويعظم على عباده الخير بظهور الإسلام والسنة . ويحقق
ما وعد به فى القرآن من علو كلمته وظهور أهل الإيمان .
وكثير من الناس قد اعتقد وتخلق بعقائد وبأخلاق هى في الأصل
من أخلاق الكفار والمنافقين ، وإن لم يكن بذلك من العارفين ، كما
أن كثيراً منهم يشارك النصارى فى أعيادهم . ويعظم ما يعظمونه من
الأمكنة والأزمنة والأعمال . وهو قد لا يقصد بذلك تعظيم الكفر .
بل ولا يعرف أن ذلك من خصائصهم . فإذا عرف ذلك انتهى عنه
وتاب منه .
وكذلك كثير من الناس تخلق بشيء من أخلاق أهل النفاق ،
وهو لا يعرف أنها من أخلاق المنافقين ، وإذا عرف ذلك كان
إلى اللّه من التائبين . والله يتوب علينا وعليه وعلى جميع المذنبين
٤٨٧

من المؤمنين .
وهذا كله كلام فى بطلان دعوى وجود رأس الحسين رضى الله
عنه فى القاهرة أو عسقلان ، وكذبه .
ثم نقول : سواء كان صحيحاً أو كذبا. فإن بناء المساجد على
القبور ليس من دين المسلمين ، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن
النبى صلى الله عليه وسلم، واتفاق أئمة الدين ، بل لا يجوز اتخاذ
القبور مساجد ، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها ، أو بقصد الصلاة
عندها ، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك ، وأنه ليس لأحد
أن يقصد الصلاة عند قبر أحد ، لا نى ولا غير نى ، وكل من قال :
إن قصد الصلاة عند قبر أحد ، أو عند مسجد بنى على قبر ، أو
مشهد ، أو غير ذلك : أمر مشروع ، بحيث يستحب ذلك ، ويكون
أفضل من الصلاة فى المسجد الذي لا قبر فيه : فقد مرق من الدين .
وخالف إجماع المسلمين . والواجب أن يستتاب قائل هذا ومعتقده ،
فإن تاب وإلا قتل .
بل ليس لأحد أن يعلي فى المساجد التى بنيت على القبور ، ولو
لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء ، لما فى ذلك
من التشبه بالمشركين ، والذريعة إلى الشرك ، ووجوب التنبيه عليه
٤٨٨

وعلى غيره، كما قد نص على ذلك أئمة الإسلام من أهل المذاهب
الأربعة وغيرهم . منهم من صرح بالتحريم . ومنهم من أطلق الكراهة .
وليست هذه المسألة عندم مسألة الصلاة في المقبرة العامة . فإن
تلك منهم من يعلل النهي عنها بنجاسة التراب ، ومنهم من يعلله
بالتشبه بالمشركين .
وأما المساجد المبنية على القبور، فقد نهوا عنه، معللين بخوف الفتنة
بتعظيم المخلوق ، كما ذكر ذلك الشافعي وغيره من سائر أئمة المسلمين .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس،
وعند غروبها وعند وجودها فى كبد السماء، وقال « إنه حينئذ بسجد
لها الكفار )» فنهى عن ذلك لما فيه من المشابهة لهم ، وإن لم يقصد
المصلي السجود إلا للواحد المعبود .
فكيف بالصلاة فى المساجد التى بنيت لتعظيم القبور ؟
وهذه المسألة قد بسطناها في غير هذا الجواب .
وإنما كان المقصود : تحقيق مكان رأس الحسين رضى الله عنه ، وبيان
أن الأمكنة المشهورة عند الناس بمصر والشام : أنها مشهد الحسين ،
وأن فيها رأسه . كذب واختلاق. وإفك وبهتان. والله أعلم .
وكتبه أحمد بن تيمية .
٤٨٩

وسئل رحم الله أيضاً
عن الزيارة إلى قبر الحسين ، وإلى السيدة نفيسة ، والصلاة عند
الضريح . وإذا قال: إن السيدة نفيسة تخلص المحبوس ، وتجير الخائف،
وباب الحوائج إلى الله : هذا جائز أم لا ؟؟
فأجاب: أما الحسين فلم يحمل رأسه الى مصر باتفاق العلماء ، وكذلك
لم يحمل إلى الشام . ومن قال إن ميتا من الموتى نفيسة أو غيرها تجير
الخائف ، وتخلص المحبوس ، وهي باب الحوائج : فهو ضال مشرك .
فإن الله سبحانه هو الذي يجير ولا يجار عليه، وباب الحوائج إلى
الله هو دعاؤه بصدق وإخلاص ، كما قال تعالى :
(وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِإِذَا دَعَانِ) والله أعلم.
٤٩٠

وقال رحمه اللّه (١):
وأما (( بنت يزيد بن السكن )) فهذه توفيت بالشام فهذه قبرها
محتمل، وأما ((قبر بلال )) فممكن ؛ فإنه دفن بباب الصغير بدمشق ،
فيعلم أنه دفن هناك . وأما القطع بتعيين قبره ففيه نظر ؛ فإنه
يقال: إن تلك القبور حرقت . ومنها القبر المضاف إلى ((أويس
القرنى)) غربى دمشق ؛ فإن أويسا لم يجيء إلى الشام، وإنما ذهب
إلى العراق .
ومنها القبر المضاف إلى ((هود عليه السلام)) بجامع دمشق كذب
باتفاق أهل العلم : فإن هوداً لم يجيء إلى الشام ؛ بل بعث باليمن ،
وهاجر إلى مكة . فقيل: إنه مات باليمن . وقيل: إنه مات بمكة ،
وإنما ذلك تلقاء ((قبر معاوية بن أبى سفيان)) وأما الذي خارج باب
الصغير الذي يقال : إنه قبر معاوية فإنما هو معاوية بن يزيد بن معاوية
الذى تولى الخلافة مدة قصيرة ثم مات ولم يعهد إلى أحد . وكان
فيه دين وصلاح .
(١) بعد كلام له .
٤٩١

ومنها ((قبر خالد )) بحمص . يقال : إنه قبر خالد بن يزيد بن معاوية
أخو معاوية هذا ؛ ولكن لما اشتهر أنه خالد ، والمشهور عند العامة خالد
ابن الوليد : ظنوا أنه خالد بن الوليد وقد اختلف فى ذلك هل هو
قبره أو قبر خالد بن يزيد . وذكر أبو عمر بن عبد البر فى
((الاستيعاب)) أن خالد بن الوليد توفى بحمص. وقيل: بالمدينة
- سنة إحدى وعشرين أو اثنين وعشرين فى خلافة عمر بن الخطاب .
وأوصى إلى عمر ، والله أعلم .
ومنها (( قبر أبي مسلم الخولاني)» الذي بداريا اختلف فيه . ومنها
((قبر علي بن الحسين)) الذي بمصر فإنه كذب قطعاً. فإن علي بن
الحسين توفي بالمدينة بإجماع الناس، ودفن بالبقيع. ومنها ((مشهد الرأس))
الذي بالقاهرة فإن المصنفين فى قتل الحسين اتفقوا على أن الرأس ليس
بمصر، ويعلمون أن هذا كذب. وأصله أنه نقل من مشهد بعقلان ،
وذاك المشهد بني قبل هذا بنحو من ستين سنة فى أواخر المائة الخامسة،
وهذا بني فى أثناء المائة السادسة بعد مقتل الحسين بنحو من خمسمائة
عام ، والقاهرة بنيت بعد مقتل الحسين بنحو ثلاثمائة عام : قد بين
كذب هذا المشهد بن دحية فى (( العلم المشهور)) وأن الرأس دفن
بالمدينة، كما ذكره الزبير بن بكار . والذي مح من أمر حمل الرأس
ما ذكره البخاري فى صحيحه أنه حمل إلى عبيد الله بن زياد ، وجعل
٤٩٢

ينكت بالقضيب على ثناياه ، وقد شهد ذلك أنس بن مالك . وفى رواية :
أبو برزة الأسلمي ، وكلاهما كان بالعراق ، وقد ورد بإسناد منقطع أو
مجهول : أنه حمل إلى يزيد . وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه ، وأن
أبا برزة كان حاضراً وأنكر هذا . وهذا كذب ؛ فإن أبا برزة لم يكن
بالشام عند يزيد وإنما كان بالعراق .
وأما ((بدن الحسين)) فيكربلاء بالاتفاق . قال أبو العباس : وقد
حدثنى الثقات - طائفة عن ابن دقيق العيد. وطائفة عن أبى محمد
عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ، وطائفة عن أبى بكر محمد بن أحمد
ابن القسطلانى ، وطائفة عن أبى عبد الله القرطى صاحب التفسير :
كل هؤلاء حدثنى عنه من لا أتهمه ، وحدثني عن بعضهم عدد كثير
كل حدثنى عمن حدثه من هؤلاء - أنه كان ينكر أمر هذا
المشهد، ويقول : إنه كذب ، وإنه ليس فيه قبر الحسين ولا شيء
منه ، والذين حدثونى عن ابن القسطلانى ذكروا عنه أنه قال : إنما
فيه نصرانى .
ومنها (( قبر علي رضي الله عنه)) الذي بباطن النجف ؛ فإن المعروف
عند أهل العلم أن عليا دفن بقصر الإمارة بالكوفة ، كما دفن معاوية
بقصر الإمارة من الشام ، ودفن عمرو بقصر الإمارة خوفا عليهم من
الخوارج أن ينبشوا قبورهم ؛ ولكن قيل إن الذي بالنجف قبر المغيرة
٤٩٣

ابن شعبة ، ولم يكن أحد يذكر أنه قبر علي ، ولا يقصده أحد أكثر
من ثلاثمائة سنة .
ومنها ((قبر عبد الله بن عمر)» فى الجزيرة، والناس متفقون على
أن عبد الله بن عمر مات بمكة عام قتل ابن الزبير ، وأوصى أن يدفن
بالحل ؛ لكونه من المهاجرين ، فشق ذلك عليهم فدفنوه بأعلى مكة .
ومنها ((قبر جابر)) الذي بظاهر حران ، والناس متفقون على أن جابراً
توفى بالمدينة النبوية ، وهو آخر من مات من الصحابة بها . ومنها قبر
ينسب إلى (( أم كلثوم)) و((رقية)) بالشام، وقد اتفق الناس على
أنهما ماتتا في حياة النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة تحت عثمان ،
وهذا إنما هو سبب اشتراك الأسماء ؛ لعل شخصاً يسمى باسم من ذكر
توفى ودفن في موضع من المواضع المذكورة . فظن بعض الجمال أنه
أحد من الصحابة .
٤٩٤

وسئل رحمه اللّه
عن أناس ساكنين بالقاهرة ، ثم إنهم بأخذون أضحيتهم
فيذبحونها بالقرافة .
فأجاب : لا يشرع لأحد أن يذبح الأضحية ولا غيرها عند القبور ،
بل ولا يشرع شيء من العبادات الأصلية كالصلاة والصيام والصدقة عند
القبور ، فمن ظن أن التضحية عند القبور مستحبة ، وأنها أفضل : فهو
جاهل ضال مخالف لإجماع المسلمين ؛ بل قد نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن العقر عند القبر ، كما كان يفعل بعض أهل الجاهلية إذا
مات لهم كبير ذبحوا عند قبره، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن
تتخذ القبور مساجد فلعن الذين يفعلون ذلك تحذيراً لأمته أن تتشبه
المشركين الذين يعظمون القبور حتى عبدوم ، فكيف يتخذ القبر
منسكا بقصد النسك فيه ؟! فإن هذا أيضا من التشبه بالمشركين . وقد
قال الخليل - صلاة الله وسلامه عليه - (إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ وَمَحْيَاىَ
وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ).
فيجب الإخلاص والصلاة والنسك اللّه وإن لم يقصد العبد الذبح
٤٩٥

عند القبر ؛ لكن الشريعة سدت الذريعة ، كما نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ؛ لأنه
حينئذ يسجد لها الكفار ، وإن كان المصلى لله لم يقصد ذلك. وكذلك
اتخاذ القبور مساجد قد نهى عنه وإن كان المصلى لا يصلي إلا لله
وقال: ((ليس منا من تشبه بغيرنا)) وقال: (( من تشبه بقوم فهو
منهم)) والله أعلم.
وسل
عن رجل غدا إلى ((التكروري)) يتفرج ، فغرق . هل هو عاص
أم شهيد ؟؟
فأجاب : إن قصد الذهاب إلى هذا القبر للصلاة عنده، والدعاء
به، والتمسح بالقبر ، وتقبيله، ونحو ذلك مما نهى عنه، أو أن يعمل
بشيء نهى الله عنه من الفواحش، والخمر، والزمر، أو التفرج على
هؤلاء، ورؤية أهل المعاصي من غير إنكار : فهم عصاة لله في
هذا السفر، وأمرهم إلى الله تعالى، ويرجى لهم بالغرق رحمة الله.
والله أعلم.
٤٩٦

وسئل رحمه الله
هل فى هذه الأمة أقوام صالحون غيبهم الله عن الناس لا يراه إلا
من أرادوا ؟ ولو كانوا بين الناس فهم محجوبون بحالهم ؟ وهل فى جبل
لبنان أربعون رجلا غائبون عن أعين الناظرين ، كلما مات منهم واحد
أخذوا من الناس واحداً غيره، يغيب معهم كما يغيبون ؟ وكل أولئك
تطوى بهم الأرض ، ويحجون ، ويسافرون ما مسيرته شهراً أو سنة
فى ساعة ، ومنهم قوم بطيرون كالطيور ، ويتحدثون عن المغيبات
قبل أن تأتى ، ويأكلون العظام والطين ، ويجدونه طعاما وحلاوة
وغير ذلك ؟ .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما وجود أقوام يحتجبون عن
الناس دائماً فهذا باطل ، لم يكن لأحد من الأنبياء ولا الأولياء ولا
السحرة ؛ ولكن قد يحتجب الرجل بعض الأوقات عن بعض الناس :
إما كرامة لولي ، وإما على سبيل السحر . فإن هذه الأحوال منها ما
هو حال رحماني ، وهو كرامات أولياء الله المتبعين للكتاب والسنة ، وهم
المؤمنون المتقون . ومنه ما هو حال نفسانى أو شيطانى ، كما يحصل لبعض
٤٩٧

الكفار أن يكاشف أحياناً ، وكما يحصل لبعض الكهان أن تخبره
الشياطين بأشياء . وأحوال أهل البدع هي من هذا الباب .
ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به فى الهواء. ومنهم من
يرقص فى الهواء . ومنهم من يلبسه الشيطان فلا يحس بالضرب ولا
بالنار إذا ألقى فيها ؛ لكنها لا تكون عليه برداً أو سلاماً ، فإن ذلك
لا يكون إلا لأهل الأحوال الرحمانية وأهل الإشارات - التى هي
فسادات ، من اللاذن ، والزعفران ، وماء الورد ، وغير ذلك - م
من هؤلاء : جمهورم أرباب محال بهتانى ، وخواصهم لهم حال شيطانى ؛
وليس فيهم ولي لله ، بل هم من إخوان الشياطين من جنس التتر .
وليس فى جبل لبنان ولا غيره أربعون رجلا يقيمون هناك ، ولا
هناك من يغيب عن أبصار الناس دائما ، والحديث المروي فى أن الأبدال
أربعون رجلا حديث ضعيف . فإن أولياء الله المتقين يزيدون
وينقصون بحسب كثرة الإيمان والتقوى ، وبحسب قلة ذلك . كانوا
فى أول الإسلام أقل من أربعين ، فلما انتشر الإسلام كانوا أكثر
من ذلك .
وأما قطع المسافة البعيدة فهذا يكون لبعض الصالحين ويكون
لبعض إخوان الشياطين ؛ وليس هذا من أعظم الكرامات ؛ بل الذي
٤٩٨

يحج مع المسلمين أعظم ممن يحج في الهواء ؛ ولهذا اجتمع الشيخ
إبراهيم الجمبري ببعض من كان يحج فى الهواء فطلبوا منه أن يحج معهم
فقال : هذا الحيج لا يجزي عنكم حتى تحجوا كما يحج المسلمون . وكما
حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فوافقوه على ذلك،
وقالوا - بعد قضاء الحج - ما حججنا حجة أبرك من هذه الحجة :
ذقنا فيها طعم عبادة الله وطاعته . وهذا يكون بعض الأوقات ؛ ليس
هذا للإنسان كلما طلبه .
وكذلك المكاشفات نقع بعض الأحيان من أولياء الله وأحياناً من
إخوان الشياطين .
وهؤلاء الذين أحوالهم شيطانية قد يأكل أحدم المآكل الخبيثة
حتى يأكل العذرة وغيرها من الخبائث بالحال الشيطانى ، وهم مذمومون
على هذا . فإن أولياء الله م الذين يتبعون الرسول النبي الأمي . الذي
يأحرم بالمعروف وينهام عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم
الخبائث . فمن أكل الخبائث كانت أحواله شيطانية . فإن الأحوال
نتائج الأعمال . فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث الأحوال
الرحمانية : من المكاشفات ، والتأثيرات التى يحبها الله ورسوله. وأكل
الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التى يبغضها الله
ورسوله ، وخفراء التتر م من هؤلاء .
٤٩٩

وإذا اجتمعوا مع من له حال رحمانى بطلت أحوالهم ، وهربت
شياطينهم . وإنما يظهرون عند الكفار والجمال ، كما يظهر أهل الإشارات
عند التتر والأعراب والفلاحين وتحوم من الجهال الذين لا يعرفون
الكتاب والسنة. وأما إذا ظهر المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن
حال هؤلاء ببطل والله أعلم .
ما قول أئمة الدين
فى تعبد النبى صلى الله عليه وسلم ما هو ؟ وكيف كان قبل
مبعثه ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة مما لا يحتاج إليها فى شريعتنا.
فإنما علينا أن نطيع الرسول فيما أمرنا به ، ونقتدى به بعد إرساله إلينا .
وأما ما كان قبل ذلك مثل تحنثه بغار حراء ، وأمثال ذلك : فهذا
ليس سنة مسنونة للأمة ؛ فلهذا لم يكن أحد من الصحابة بعد الإسلام
يذهب إلى غار حراء ، ولا يتحرى مثل ذلك ؛ فإنه لا يشرع لنا بعد
الإسلام أن نقصد غيران الجبال ، ولا تتخلى فيها ؛ بل يسن لنا
العكوف بالمساجد سنة مسنونة لنا .
وأما قصد التخلي فى كهوف الجبال وغيرانها ، والسفر إلى الجبل
٥٠٠