النص المفهرس
صفحات 301-320
الوجه العشرون : أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أخطأ في مائة مسألة لم يكن ذلك عيبا، وكل من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يصيب ويخطئ . ومن منع عالماً من الإفتاء مطلقاً ، وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل : كان ذلك باطلا بالإجماع . فالحكم بالمنح والحبس حكم باطل بالإجماع . فكيف إذا كان المفتى قد أجاب بما هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول علماء أمته ؟؟. الحادي والعشرون : أن المفتى لو أفتى فى المسائل الشرعية ((مسائل الأحكام )) بما هو أحد قولي علماء المسلمين ، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة ، وذكر أن هذا القول هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة ؛ دون القول الآخر : في أي باب كان ذلك : من مسائل البيوع، والنكاح ، والطلاق، والحج، والزيارة ، وغير ذلك : لم يكن لأحد أن يلزمه بالقول الآخر بلا حجة من كتاب أو سنة ؛ ولا أن يحكم بلزومه ، ولا منعه من القول الآخر بالإجماع . فكيف إذا منعه منعاً عاما ، وحكم بحبسه ، فإن هذا من أبطل الأحكام بإجماع المسلمين . الثاني والعشرون : أن الحاكم لو ظن الإجماع فيما ليس فيه إجماع وألزم الناس بذلك القول لظنه أنه مجمع عليه ولم يستدل على ذلك بكتاب أو سنة وكان فيه نزاع لم يعلمه لكان مخطئا فى إلزام الناس ٣٠١ بذلك بالإجماع ؛ إلا أن يدل عليه كتاب أو سنة . الثالث والعشرون : أن الحاكم متى خالف نصا أو إجماعا نقض حكمه باتفاق الأئمة، وحكم هؤلاء خالف النص والإجماع من وجوه كثيرة فهو مستحق للنقض بالإجماع . الرابع والعشرون : أن هذا الحكم وأمثاله هو مثل ما تقدم من الحكم مرة بعد مرة فى بعض ما هو فى نظير هذه القضية . وكل واحد من تلك الأحكام باطل بالإجماع من وجوه كثيرة : فكذلك هذا . الخامس والعشرون : أن هذه الأحكام مع أنها باطلة بالإجماع فإنها مثيرة للفتن ، مفرقة بين قلوب الأمة ، متضمنة للعدوان على المسلمين، وعلى ولاة أمورهم ، مؤذية لهم ، جالبة للفتن بين المسلمين . والحكم بما أنزل الله فيه صلاح الدنيا والآخرة، والحكم بغير ما أنزل الله فيه فساد الدنيا والآخرة . فيجب نقضه بالإجماع . السادس والعشرون : أن ما يحصل به أذى للمسلمين إذا كان مما أمر الله به ورسوله كانوا مطيعين فى ذلك الله ورسوله ، وأجرم فيه على الله، كالجهاد . أما إذا كان الذي يؤذيهم مما لم يأمر به الله ولا رسوله وجب رده بالإجماع . ومثل هذه الأحكام المؤذية للمسلمين وولاة أمورم، ٣٠٢ وهي مخالفة للسنة والإجماع : فيجب ردها بالإجماع . السابع والعشرون: أنهم قالوا : إن هذا المفتى ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند العلماء والأئمة الكبار . وقولهم هو الباطل عند العلماء والأئمة الكبار . ومن ادعى أن قول العلماء والأئمة الكبار هو الباطل عند العلماء والأئمة الكبار كان قوله وحكمه به باطلا بالإجماع. فإن هذه الفتيا هى قول العلماء والأئمة الكبار : فيها قول مالك وغيره من الأئمة الكبار . والقول الآخر ليس للعلماء والأئمة الكبار قول إلا ما ذكر فيها، وما ذكروه لا يعرف عن أحد من العلماء والأمه الكبار . الثامن والعشرون : أنهم قالوا يمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين . والحكم به باطل بالإجماع ؛ فإن الأئمة الأربعة متفقون على أنه إنما ينقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة أو إجماعا أو معنى ذلك . فأما ما وافق قول بعض المجتهدين فى ((مسائل الاجتهاد)) فإنه لا ينقض لأجل مخالفته قول الأربعة ، وما يجوز أن يحكم به الحاكم يجوز أن يفتى به المفتى بالإجماع ؛ بل الفتيا أيسر ؛ فإن الحاكم يلزم ، والمفتى لا يلزم . فما سوغ الأمة الأربعة للحاكم أن يحكم به فهم يسوغون للمفتى أن يفتى به بطريق الأولى والأحرى ، ومن حكم بمنع الإفتاء بذلك فقد خالف الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين . فما قالوه هو المخالف للأربعة وسائر أئمة المسلمين ٣٠٣ فهو باطل بالإجماع . التاسع والعشرون : أن جميع المذاهب فيها أقوال قالها بعض أهلها ليست قولاً لصاحب المذهب ، وفيها جميعها ما هو مخالف لقول الأربعة ، وهم يحكون ذلك قولا في المذهب ، ولا يحكمون ببطلانه إلا بالحجة ؛ لا سيما إذا خرج على أصول صاحب المذهب وبين من نصوصهم ما يقتضي ذلك ، كما يفعله أتباعهم فى كثير من المسائل . والمجيب قد ذكر من كلام الأئمة الأربعة ومن قبلهم - ممن يعظمونهم من العلماء - وكلام من تقدمهم ما يعرف به أقوال علماء المسلمين. فإبطال القول لمجرد مخالفته للأربعة هو مخالف لأقوال الأربعة ، ولأتباع الأئمة الأربعة : فهو باطل بالإجماع . الوجه الموفى ثلاثين : أنما أنكروه فى مسائل الزيارة ومسائل الطلاق من فتاوى المفتى المدلول ليس فيها شيء يخرج عن المذاهب الأربعة ؛ بل إما أن يكون ما أفتى به قول جميع أهل المذاهب الأربعة - كالذي أفتى فى هذه المسألة ((مسألة الزيارة)) فإن الذي قاله هو قول جميع أهل المذاهب الأربعة ؛ بل وقول جميع علماء المسلمين قد ذكروا ما أجمعوا عليه وما تنازعو! فيه - وإما أن يكون ما أفتى به فيها قول بعض الأئمة الأربعة، أو بعض المنتسبين إليهم ((كمائل الطلاق)) فإن مسائل النزاع فيها قد تنازع فيها أهل المذاهب الأربعة ، والمفتى ٣٠٤ المذكور لم يفت فيها إلا بما قاله بعضهم ، وما يمكن الإفتاء فيها إلا بذلك . ومن أنكر مالا يعلمه وحكم بلا علم وخالف النص والإجماع كان حكمه باطلا بالإجماع. الحادي والثلاثون : أن قولهم: يحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره؛ ليتحفظ الناس من الاقتداء به . وإنما يستحق ذلك من أظهر البدعة فى دين المسلمين ، واستحبها ، ودعا إليها الناس ، وحكم بعقوبة من أمر بالسنة ودعا إليها ، والسفر إلى زيارة القبور هي البدعة التى لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين . وكذلك جعل زيارة القبور جنساً واحداً لا يفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية خطأ باتفاق المسلمين . وكذلك التسوية بين ((الزيارة النبوية الشرعية)) التى يسافر فيها المسلمون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين السفر إلى زيارة قبر غيره : كل ذلك مخالف لسنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، ولإجماع أمته. فمن أمر بذلك كان أحق بالمنح ، ويشهر خطأ؛ ليتحفظ الناس من الاقتداء به: أولى ممن أفتى بالسنة والإجماع ؛ مع أن الله سبحانه هو الفاعل لذلك، فهو الذي يظهر خطأ هؤلاء في مشارق الأرض ومغاربها فى هذا الزمان وما بعده من الأزمنة ، كما فعله فى سائر من ابتدع فى الدين ، وخالف شريعة سيد المرسلين . فإن المفتى ذكر فى الجواب ما اتفق المسلمون على استحبابه ٣٠٥ وما اتفقوا على النهى عنه . وما تنازعوا فيه ، ولم ينه عن الزيارة مطلقاً ؛ لا لفظاً ، ولا معنى . والإجماع الذي ذكروه هو موافق لما ذكره لا مخالف له . فالزيارة التى أجمع المسلمون عليها هو من أعظم القائلين باستحبابها ، لا يجعل المستحب مسمى الزيارة ويسوى بين دين الرحمن ودين الشيطان ، كما فعل هؤلاء ، وأنكروا على من فرق بين دين الرحمن ، ودين الشيطان . الثاني والثلاثون : أن قبول قول الحاكم وغيره بلا حجة مع مخالفته للسنة مخالف لإجماع المسلمين ، وإنما هو دين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو ، سبحانه عما يشركون ، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال : فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إيام)) . والمسلمون متفقون على أن ما تنازعوا فيه يجب رده إلى الله والرسول، وهؤلاء لم يردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول ؛ بل حكموا برده بقولهم ، وهذا باطل بإجماع المسلمين . وأيضا فحكموا بقول ثالث خلاف قولي علماء المسلمين فرجوا وحكمهم عن إجماع المسلمين ، وهذا باطل بإجماع المسلمين . ٣٠٦ الثالث والثلاثون : أن كلامهم تضمن الاعتراف بأن ما أفتى به المفتى هو قول بعض علماء المسلمين . وحينئذ فما تنازع فيه المسلمون يجب رده إلى الله والرسول ، ولا يحكم فيه إلا كتاب اللّه أو سنة نبيه، وهؤلاء حكموا فيما تنازع فيه المسلمون بغير كتاب الله ولا سنة رسوله . ومثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين . وهذا لو كان ما أفتى به قول بعضهم، فكيف وهو ذكر القولين اللذين اتفق المسلمون عليهما . والقول الذي أنكروه هو قول الأئمة الكبار وقولهم لم ينقله أحد من الأئمة الكبار ولا الصغار ؟؟! الرابع والثلاثون : أنه لو قدر أن المفتى أفتى بالخطأ فالعقوبة لا تجوز إلا بعد إقامة الحجة، فالواجب أن تبين دلالة الكتاب والسنة على خطئه ، ويجاب عما احتج به، فإنه لابد من ذكر الدليل ، والجواب ، عن المعارض ؛ وإلا فإذا كان مع هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجح ، وهؤلاء لم يفعلوا شيئاً من ذلك، فلو كان المفتى مخطئا لم يقيموا عليه ، فكيف إذا كان هو المصيب وهم المخطئون ؟! فحكم مثل هؤلاء الحكام باطل بالإجماع . الخامس والثلاثون : أن المفتى إذا تبينت له الأدلة الشرعية فإن تبين له الصواب وإلا كان له أسوة أمثاله من العلماء الذين يقولون قولا مرجوحا . ومعلوم أن هؤلاء يستحقون العقوبة والحبس والمنع ٣٠٧ عن الفتيا مطلقاً بإجماع المسلمين ، وهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين. السادس والثلاثون : أن إلزام الناس بما لم يلزمهم به الله ورسوله ومنعهم أن يتبعوا ما جاء به الكتاب والسنة حرام بإجماع المسلمين ، والحكم به باطل بإجماع المسلمين وهؤلاء لم يستدلوا على ما قالوه بكتاب الله ولا سنة رسوله، ولا أجابوا عن حجة من احتج بالكتاب والسنة، ومثل هذا الإلزام والحكم به باطل بالإجماع. السابع والثلاثون : أن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفاً لإجماعهم. والمسلمون تنازعوا فى السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين : هل هو حرام ، أو جائز غير مستحب. فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع ، وليس من علماء المسلمين من قال يستحب السفر لزيارة القبور ، ولا يستحب إلى المساجد، بل السفر إلى المساجد قد نقل عن بعضهم أنه قال مستحب يجب بالنذر ، وأما السفر إلى القبور لم يقل أحد منهم إنه مستحب ولا أنه يجب بالنذر، وكلهم متفقون على أن الذهاب إلى المساجد أفضل من الذهاب إلى القبور؛ فإن زيارة الأنبياء والصالحين حيث كانت مشروعة فلا تشرع فى اليوم والليلة خمس مرات ، والمسجد مشروع إتيانه فى اليوم والليلة خمس مرات ، فإتيانه أولى من إتيانها بالإجماع. ٣٠٨ الثامن والثلاثون : أن إتيان مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقصد ذلك والسفر لذلك أولى من إتيان قبره لو كانت الحجرة مفتوحة والسفر إليه بإجماع المسلمين . فإن الصحابة كانوا يأتون مسجده في اليوم والليلة خمس مرات، والحجرة إلى جانب المسجد لم يدخلها أحد منهم ، لأنهم قد علموا أنه نهام أن يتخذوا القبور مساجد ، وأن يتخذوا قبره عيداً، أو وثناً. وأنه قال لهم: ((صلوا علي حيثما كنتم )). وكذلك قد علموا أن صلاتهم وسلامهم عليه فى المسجد أولى من عند قبره . وكل من يسافر للزيارة فسفره إنما يكون إلى المسجد ، سواء قصد ذلك أو لم يقصده والسفر إلى المسجد مستحب بالنص والإجماع . والمجيب قد ذكر فى الجواب الزيارة المجمع عليها ، والمتنازع فيها وهؤلاء أعرضوا عن الأمر بما أمر الله به ورسوله وعلماء أمته ، وعن استحباب ما أحبه الله ورسوله وجميع علماء أمته ، وفهموا من كلام العلماء ما لم يقصدوه ؛ فإن القاضى عياض الذي حكى ألفاظه قد صرح بما صرح به إمامه وجمهور أصحابه : أنه لا يجوز السفر إلى غير المساجد الثلاثة وهو لم يذكر استحباب قصد القبر ؛ دون المسجد ؛ بل ذكر ما نقله عن العلماء في فضل زيارة الرسول ما بين به مراده، وذكر عن مالك أنه كره أن يقف بعد السلام، وهذا كراهته لزيارة أكثر العامة . وهؤلاء ٣٠٩ جعلوا مسمى الزيارة مستحباً ، وأنكروا على من فصل بين الزيارة الشرعية والبدعية . وذكر أن أهل المدينة يكره لهم الوقوف عند القبر ، وإن قصدوا مجرد السلام ؛ إلا عند السفر. وذكر أيضاً أنه يستحب قصد المسجد . وأن هذا لم يزل المسلمون يفعلونه فقال (( فصل فى حكم زيارة قبره»: وزيارة قبره سنة بين المسلمين جمع عليها ، وفضيلة مرغب فيها . قال : وكره مالك أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ((وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة ، والقصد إلى الصلاة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: التبرك برؤية روضته، ومنبره ، وقبره ، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، والعمود الذي كان يستند عليه وينزل جبرائيل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله . فقد بين أن الإجماع الذى حكوه يتضمن قصد الصلاة في مسجده وأن القبر من جملة آثاره . وهؤلاء زعموا أنه حكى الإجماع على السفر إلى مجرد القبر ؛ وهو لم يذكر ذلك، ولا ما يدل عليه ، بل ذكر خلاف ذلك من وجوه. وهؤلاء أخطأوا عليه فيما نقله، ولم يعرفوا ما فى ذلك من السنة والإجماع ، وهذا الحكم باطل بالإجماع . ٣١٠ الوجه التاسع والثلاثون : أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى فى عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون : لم يجز منعه من الفتيا مطلقاً؛ بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه . فما زال فى كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك . فابن عباس رضي الله عنها كان يقول في ((المتعة والصرف)) بخلاف السنة الصحيحة ، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك، ولم يمنعوه من الفتيا مطلقاً بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفة لقوله ، فعلي رضي الله عنه روى له عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه حرم المتعة ، وأبو سعيد الخدرى رضي الله عنه وغيره رووا له محريمه لربا الفضل ، ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقاً ومثل هذا كثير. فالمنح العام حكم بغير ما أنزل الله، وهو باطل باتفاق المسلمين. لو كان مانازعوه فيه مخالفاً للسنة ، فكيف إذا كانت معه ؛ بل ومعه إجماع علماء المسلمين فيما أنكروه من مسائل الزيارة ، وهذا مما يبين أن هذا الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين. الوجه الموفى أربعين: أن هذه المسائل يعرفها علماء المسلمين من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا الوقت؛ فإن جميع المسلمين ٣١١ يحتاجون إليها، فيمتنع أن يعرف بعض الناس فيها الحق دون السلف والأئمة . والمجيب قد صنف فيها مجلدات : بين فيها أقوال الصحابة وأفعالهم ، وأقوال علماء المسلمين : ما أجمعوا عليه ، وما تنازعوا فيه، وبين الأحاديث النبوية صحيحها وضعيفها، وكلام العلماء فيها ، وبين خطأ من نازعه ممن صنف فى ذلك ، وبسط القول في ذلك . وهؤلاء لو كانوا قد قالوا ببعض أقاويل العلماء ، فلم يأتوا عليه بحجة ؛ فكيف وقد قالوا ما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع علماء المسلمين : في مثل هذا الأمر العظيم الذي قد بينه الرسول لأمته وعرف ذلك علماء أمته قرناً بعد قرن إلى هذا الزمان ، ومعلوم أن مثل هذا الحكم باطل بإجماع المسلمين . الوجه الحادي والأربعون : أنهم لو قالوا ببعض أقوال العلماء فظنوا أنه لا تنازع فيه كانوا عدداً، مثل من يظن : أن السنة للزائر أن يقف عند القبر ويستقبله ويسلم عليه، وقد يظن ذلك إجماعا ، وهو غالط ؛ فإن من العلماء من لم يستحب استقبال القبلة ومنهم من لم يستحب الوقوف عند القبر ، كما قد بين النقل عنهم فى مواضعه . وأما هؤلاء فيحكموا بقول لم يقله أحد من علماء المسلمين ، وذلك باطل بالإجماع . الثانى والأربعون : أن ما قالوه لو قاله مفت لوجب الإنكار عليه ٣١٢ ومنعه وحبسه إن لم ينته عن الإفتاء به ؛ لأنه مخالف للسنة والإجماع ، فكيف إذا قاله حاكم يلزم الناس به؟! وهو أولى بالمنح والعقوبة على ذلك كأهل البدع : من الخوارج ، والرافضة ، وغيرهم والذين يبتدعون بدعة يلزمون بها الناس ، ويعادون من خالفهم فيها ، ويستحلون عقوبته . والبدع المتضمنة للشرك، واتخاذ القبور أو ثاناً، والحج إليها، ودعاء غير الله، وعبادته: من بدع الخوارج، والروافض. والله أعلم. والحمد لله وحده . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم . ٣١٣ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه: بِسْمِاللهِالرَّ الرَّحِيمِ وحسبنا الله ونعم الوكيل (١) الحمد الله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . أما بعد ، يقول أحمد بن تيمية : إننى لما علمت مقصود ولي الأمر السلطان - أيده الله وسدده فيما رسم به - كتبت إذ ذاك كلاما مختصرا، لأن الحاضر استعجل بالجواب . وهذا فيه شرح الحال أيضا مختصراً ، وإن رسم ولي الأمر أيده الله وسدده، أحضرت له كتباً كثيرة من كتب المسلمين - قديما وحديثا - مما فيه كلام النبي صلى الله عليه (١) ((الجواب الباهر فى زوار المقابر)» ٣١٤ وسلم والصحابة والتابعين ، وكلام أئمة المسلمين الأربعة ، وغير الأربعة وأتباع الأربعة ، مما يوافق ما كتبته فى الفتيا؛ فإن الفتيا مختصرة ، لا تحتمل البسط . ولا يقدر أحد أن يذكر خلاف ذلك ؛ لا من النى صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ، ولا عن التابعين ، ولا عن أئمة المسلمين : لا الأربعة ، ولا غيرم . وإنما خالف ذلك من يتكلم بلا علم، وليس معه بما يقوله نقل ، لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين ، ولا يمكنه أن يحضر كتابا من الكتب المعتمدة عن أئمة المسلمين بما يقوله ؛ ولا يعرف كيف كان الصحابة والتابعون يفعلون في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره . وأنا خطى موجود بما أفتيت به ، وعندى مثل هذا كثير كتبته بخطى ، ويعرض على جميع من ينسب إلى العلم شرقا وغربا ، فمن قال إن عنده علماً يناقض ذلك فليكتب خطه بجواب مبسوط ، يعرف فيه من قال هذا القول قبله ، وما حجتهم في ذلك ؟ وبعد ذلك فولي الأمر السلطان أيده الله إذا رأى ما كتبته وما كتبه غيرى فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس : يعرفه أقل غلمان السلطان ، الذى ما رؤى فى هذه الأزمان سلطان مثله ، زاده الله علماً وتسديدا وتأييداً . فالحق يعرفه كل أحد ، فإن الحق الذى بعث الله به الرسل لا يشتبه بغيره على ٣١٥ العارف كما لا يشتبه الذهب الخالص بالمغشوش على الناقد . والله تعالى أوضح الحجة ، وأبان المحجة ، بمحمد خاتم المرسلين . وأفضل النبيين . وخير خلق الله أجمعين. فالعلماء ورثة الأنبياء عليهم بيان ما جاء به الرسول ورد ما يخالفه . فيجب أن يعرف ((أولاً)) ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الأحاديث المكذوبة كثيرة ، وبعض المنتسبين إلى العلم قد صنف فى هذه المسألة وما يشبهها مصنفا ذكر فيه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة ألوانا يغتر بها الجاهلون. وهو لم يتعمد الكذب ؛ بل هو محب للرسول صلى الله عليه وسلم معظم له ، لكن لا خبرة له بالتمييز بين الصدق والكذب ، فإذا وجد بعض المصنفين في فضائل البقاع وغيرها قد نسب حديثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة اعتقده صحيحا وبنى عليه ، ويكون ذلك الحديث ضعيفا ، بل كذبا عند أهل المعرفة بسنته صلى الله عليه وسلم . ثم إذا ميز العالم بين ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده، ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث، ويضم كل شكل إلى شكله ، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله ، ويفرق بين ما فرق اللّه بينه ورسوله . فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون ، ويجب تلقيه وقبوله ، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم ٣١٦ رضي الله عنهم أجمعين. وولي الأمر سلطان المسلمين أيده الله وسدده هو أحق الناس بنصر دين الإسلام ، وما جاء به الرسول عليه السلام ، وزجر من يخالف ذلك ويتكلم فى الدين بلا علم ، ويأمر بما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يسعى في إطفاء دينه إما جهلا وإما هوى. وقد نزه الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن هذين الوصفين فقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَاهَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَايَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىّ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ) وقال تعالى عن الذين يخالفونه : (إِن يَتَّعُونَ إِلََّ الَنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُّ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِن ◌َّتِهِمُ اَلْهُدَىّ) ويخالفون شريعته وما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين الذين يعرفون سنته ومقاصده ، ويتحرون متابعته صلى الله عليه وسلم، بحسب جهدم ، رضي الله عنهم أجمعين. فولي الأمر السلطان أعزه الله إذا تبين له الأمر فهو صاحب السيف الذي هو أولى الناس بوجوب الجهاد فى سبيل الله باليد ، لتكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الدين كله لله ، ويبين تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتظهر حقيقة التوحيد، ورسالة الرسول الذي جعله الله أفضل الرسل وخاتمهم ، ويظهر الهدى ودين الحق الذي بعث به ، والنور الذي أوحى إليه ، ويصان ذلك ٣١٧ عن ما يخلطه به أهل الجهل والكذب الذين يكذبون على الله ورسوله، ويجهلون دينه ، ويحدثون فى دينه من البدع ما يضاهي بدع المشركين ، وينتقصون شريعته وسنته وما بعث به من التوحيد ، ففي تنقيص دينه وسلته وشريعته من التنقص له والطعن عليه ما يستحق فاعله عقوبة مثله . فولاة أمور المسلمين أحق بنصر الله ورسوله ، والجهاد فى سبيله، وإعلاء دين الله، وإظهار شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى هي أفضل الشرائح التى بعث الله بها خاتم المرسلين وأفضل النبيين ، وما تضمنته من توحيد الله وعبادته لا شريك له ، وأن يعبد بما أمر وشرع ، لا يعبد بالأهواء والبدع . وما من الله به على ولاة الأمر ، وما أنعم الله به عليهم فى الدنيا ، وما يرجونه من نعمة الله فى الآخرة إنما هو باتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم، ونصر ما جاء به من الحق . وقد طلب ولي الأمر أيده الله وسدده المقصود بما كتبته . والمقصود طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً . ولا تكون العبادة إلا بشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما أوجبه اللّه تعالى، كالصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، وحج البيت ؛ أو ندب إليه كقيام الليل ، ٣١٨ والسفر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى للصلاة فيها والقراءة والذكر والاعتكاف وغير ذلك ، مع ما فى ذلك من الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد والخروج منه وفى الصلاة ، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعل فى المساجد ، وفي زيارة القبور ، وغير ذلك . فإن الدين هو طاعته فيما أمر ، والاقتداء به فيما سنه لأمته . فلا نتجاوز سنته فيما فعله فى عبادته : مثل الذهاب إلى مسجد قباء ، والصلاة فيه ، وزيارة شهداء أحد ، وقبور أهل البقيع . فأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا هو مستحب فهذا ليس من العبادات والطاعات التى يتقرب بها إلى الله عز وجل : كعبادات أهل البدع من المشركين وأهل الكتاب ومن ضاهام ؛ فإن لهم عبادات ما أنزل الله بها كتابا، ولا بعث بها رسولا ؛ مثل عبادات المخلوقين ، كعبادات الكواكب، أو الملائكة، أو الأنبياء ، أو عبادة التماثيل التى صورت على صورم ، كما تفعله النصارى في كنائسهم ، يقولون إنهم يستشفعون بهم . وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى خطبته: (( خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) . أي ما كان بدعة فى الشرع، وقد يكون مشروعا لكنه إذا فعل بعده سمي بدعة كقول عمر رضي ٣١٩ الله عنه فى قيام رمضان لما جمعهم على قارئ واحد فقال: نعمت البدعة هذه، والتى ينامون عنها أفضل . وقيام رمضان قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن الله قد فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه)). وكانوا على عهده صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعا متفرقين، يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل ومعه جماعة جماعة . وقد صلى بهم النبى صلى الله عليه وسلم جماعة مرة بعد مرة. وقال: ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)) . لكن لم يداوم على الجماعة كالصلوات الخمس ، خشية أن يفرض عليهم ، فلما مات أمنوا زيادة الفرض فجمعهم عمر على أبي بن كعب . والنبى صلى الله عليه وسلم يجب علينا أن نحبه حتى يكون أحب إلينا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلنا وأموالنا ، ونعظمه ونوقره ونطيعه باطنا وظاهراً ، ونوالي من يواليه ، ونعادي من يعاديه. ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته صلى الله عليه وسلم. ولا يكون ولياً لله بل ولا مؤمناً ولا سعيداً ناجياً من العذاب إلا من آمن به واتبعه باطنا وظاهراً . ولا وسيلة يتوسل إلى الله عز وجل بها إلا الإيمان به وطاعته . وهو أفضل الأولين والآخرين ، وخاتم النبيين ، والمخصوص يوم القيامة بالشفاعة العظمى التى ميزه الله بها على سائر النبيين ، صاحب المقام المحمود ، واللواء المعقود ، لواء الحمد ، آدم فمن ٣٢٠