النص المفهرس

صفحات 281-300

شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) استثناء منقطع فى أصح القولين.
فانقسم الناس فيهم (( ثلاثة أقسام )) : قوم أنكروا توسطهم بتبليغ
الرسالة فكذبوا بالكتب والرسل : مثل قوم نوح ، وهود ، وصالح
ولوط ، وشعيب ، وقوم فرعون ، وغيرهم ممن يخبر الله أنهم كذبوا
المرسلين ؛ فإنهم كذبوا جنس الرسل ؛ لم يؤمنوا ببعضهم دون بعض .
ومن هؤلاء منكروا النبوات من البراهمة ، وفلاسفة الهند المشركين ،
وغيرهم من المشركين ، وكل من كذب الرسل لا يكون إلا مشركا ،
وكذلك من كذب ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ حَقًّا ) .
فكل من كذب محمدا ، أو المسيح، أو داود ، أو سليمان ، أو
غيرهم من الأنبياء الذين بعثوا بعد موسى : فهو كافر ، قال تعالى :
( وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِ ) وقال تعالى:
( وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَنْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِّ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا
لَا نَهْوَىَّ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْ تُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ )
وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا
وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ، وَهُوَ اَلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمّ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن
٢٨١

قَبْلُ إِن كُنُتُم مُؤْمِنِينَ )
والفلاسفة والملاحدة وغيرهم منهم من يجعل النبوات من جنس
المنامات، ويجعل مقصودها التخييل فقط. قال تعالى: (بَلْ قَالُواْ أَضْغَاتُ
فهؤلاء مكذبون بالنبوات. ومنهم
أَحْلَمٍ بَلِ افْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ)
من يجعلهم مخصوصين بعلم ينالونه بقوة قدسية بلا تعلم ؛ ولا يثبت ملائكة
تنزل بالوحي . ولا كلاما لله يتكلم به ، بل يقولون إنه لا يعلم الجزئيات،
فلا يعلم لا موسى ، ولا محمداً ، ولا غيرهما من الرسل ويقولون :
خاصية النبى - هذه القوة العلمية القدسية - قوة يؤثر بها فى العالم ،
وعنها تكون الخوارق ، وقوة تخيلية ، وهو أن تمثل له الحقائق فى
صور خيالية في نفسه ، فيرى فى نفسه أشكالا نورانية ، ويسمع فى
نفسه كلاما . فهذا هو النبى عندم. وهذه الثلاث توجد لكثير من
آحاد العامة الذين غيرهم من النبيين أفضل منهم. وهؤلاء وإن كانوا
أقرب من الذين قبلهم فهم من المكذبين للرسل .
وكثير من أهل البدع يقر بما جاءوا به إلا في أشياء تخالف رأيه ،
فيقدم رأيه على ما جاءوا به ، ويعرض عما جاءوا به ، فيقول : إنه لا
يدري ما أرادوا به ، أو يحرف الكلم عن مواضعه . وهؤلاء موجودون
فى أهل الكتاب ، وفى أهل القبلة، ولهذا ذكر الله فى أول البقرة
المؤمنين ، والكافرين ؛ ثم ذكر المنافقين ، وبسط القول فيهم .
٢٨٢

وقسم ثان غلوا فى الأنبياء والصالحين وفي الملائكة أيضا : فجعلوهم
وسائط فى العبادة ، فعبدوم ليقربوم إلى الله زلفى، وصوروا تماثيلهم ،
وعكفوا على قبورم . وهذا كثير فى النصارى ومن ضاهام من خلال
أهل القبلة؛ ولهذا ذكر الله هذا الصنف في القرآن في ((آل عمران))
وفى ((براءة)) فى ضمن الكلام على النصارى، وقال تعالى: (مَاكَانَ
لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَاُلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَالِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْرَبَِّيَّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ
أَنْ تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرُّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نْتُ مُسْلِمُونَ )
وقال تعالى: ( اٌمَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابَامِّن دُونِ اُللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًاً لَّا إِلَهَ إِلَّا
هُوَّسُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وقال تعالى: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ
إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلََّنَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْبِأَنَّا مُسْلِمُونَ ).
وهذا الذي أمره الله أن يقوله لهم هو الذي كتب إلى هرقل ملك
الروم .
وهؤلاء قد يظنون أنهم إذا استشفعوا بهم شفعوا لهم ، وأن من
قصد معظما من الملائكة والأنبياء فاستشفع به شفع له عند الله ، كما
يشفع خواص الملوك عندج . وقد أبطل الله هذه الشفاعة فى غير
٢٨٣

موضع من القرآن ، وبين الفرق بينه وبين خلقه ؛ فإن المخلوق يشفع
عند المخلوق بغير إذنه ، ويقبل الشفاعة لرغبة أو رهبة أومحبة أو نحو
ذلك ، فيكون الشفيع شريكا للمشفوع إليه . وهذه الشفاعة منتفية فى
) وقال
حق الله، قال تعالى: ( مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُءٍإِلَّا بِإِذْنِ
. (
تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمِنْ أَرْتَضَى
وهؤلاء يحجون إلى قبورهم ، ويدعونهم ؛ وقد يسجدون لهم ،
وينذرون لهم، وغير ذلك من أنواع العبادات . وهؤلاء أيضا مشركون.
وأكثر المشركين يجمعون بين التكذيب ببعض ما جاءوا به وبين الشرك،
فيكون فيهم نوع من الشرك بالخالق ، وتكذيب رسله ، ومنهم من
يجمع بين الشرك والتعطيل . فيعطل الخالق أو بعض ما يستحقه من
أسمائه وصفاته .
فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون لهم
بإحسان إلى يوم القيامة ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء ، بل يثبتون
أنهم وسائط فى التبليغ عن الله، ويؤمنون بهم، ويحبونهم، ولا يحجون
إلى قبورهم، ولا يتخذون قبورهم مساجد. وذلك تحقيق ((شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)). فإظهار ذكره وما جاءوا به
هو من الإيمان بهم ، وإخفاء قبورهم لئلا يفتن بها الناس هو من تمام
التوحيد وعبادة الله وحده. والصحابة وأمة محمد قاموا بهذا .
٢٨٤

ولهذا تجد عند علماء المسلمين من أخبار أهل العلم والدين : من
الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم: من مشايخ العلم والدين ، والعدل
من ولاة الأمور : ما يوجب معرفة ذلك الشخص ، والثناء عليه ،
والدعاء له، وأن يكون له لسان صدق، وما ينتفع به : إما كلام له ينتفع
به، وإما عمل صالح يقتدى به فيه . فإن العلماء ورثة الأنبياء ،
والأنبياء - صلوات الله عليهم - بقصد الانتفاع بما قالوه وأخبروا
به وأحروا به والاقتداء بهم فيما فعلوه - صلوات الله عليهم أجمعين.
وأما أهل الضلال - كالنصارى وأهل البدع - فهم مع غلوم
وتعظيمهم لقبورم وتماثيلهم والاستشفاع بهم لا تجد عندهم من أخبارم
ما يعرف صدقه من كذبه ؛ بل قد التبس هذا بهذا ، ولا يكاد أحد
من علمائهم يميز فيما م عليه من الدين بين ما جاء عن المسيح وما جاء
عن غيره : إما من الأنبياء ، وإما من شيوخهم ، بل قد لبسوا
الحق بالباطل.
وكذلك أهل الضلال والبدع من أهل القبلة : بجدم يعظمون
شيخاً ، أو إماما ، أو غير ذلك ويشركون به ، ويدعونه من دون الله
ويستغيثون به ، وينذرون له ، ويحجون إلى قبره. وقد يسجدون له
وقد يعبدونه أعظم مما يعبدون الله، كما يفعل النصارى، وم مع ذلك
من أجهل الناس بأحواله: ينقلون عنه أخباراً مسيبة ليس لها إسناد،
٢٨٥

ولا يعرف صدقها من كذبها ؛ بل عامة ما يحفظونه ما فيه غلو
وشطح للإشراك به . فأهل الإسلام الذين يعرفون دين الإسلام ولا
يشوبونه بغيره يعرفون الله ويعبدونه وحده، ويعرفون أنبياءه فيقرون
بما جاءوا به، ويقتدون به ، ويعرفون أهل العلم والدين ، وينتفعون
بأقوالهم وأفعالهم . وأهل الضلال فى ظلمة لا يعرفون الله ولا أنيا ..
ولا أولياءه، ولا يميزون بين ما أمر الله به وما نهى عنه، وبين أوليا.
الرحمن وأولياء الشيطان .
ولا ريب أن فى أهل القبلة من يشبه اليهود والنصارى فى
بعض الأمور ، كما فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدري ، عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو
القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا :
يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن!)) وفي صحيح البخاري
عن أبى هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لتأخذن أمتى
مأخذ الأمم قبلها : شبرا بشبر، وذراعا بذراع ، قالوا : يا رسول الله !
فارس والروم ؟ قال: ثمن الناس إلا هؤلاء؟)).
ومشابهتهم فى الشرك بقبور الأنبياء والصالحين هو من مشابهتهم
التى حذر منها أمته قبل موته فى صحته ومرضه ، وفي صحيح مسلم عن
جندب بن عبد الله ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
٢٨٦

قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (( إنى أبرأ إلى الله أن يكون لي
منكم خليل ؛ فإن الله قد اتخذفى خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا ،
ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن
من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا
تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)). وأما لعنه لمن فعل
ذلك : ففي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا : لما نزل برسول
الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها
كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين عن
عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذي لم
يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))
قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ؛ غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا
وفى لفظ: غير أنه خَشى، أو خُشى. وفي الصحيح أيضاً عن أبى
هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود
والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) هذا لفظ مسلم ، وله
وللبخاري: ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)»
وفى الصحيحين عن عائشة : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرنا كنيسة رأينها
بأرض الحبشة فيها تصاوير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أولئك إذا مات فيهم
٢٨٧

الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور أولئك
شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) وفي المسند وصحيح أبى حاتم من ابن
مسعود عن النى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن من
شرار الناس من تدركهم الساعة وم أحياء ، والذين يتخذون
القبور مساجد )) .
وهذا باب واسع لبسطه موضع آخر . وقد بسط الكلام في هذا
الباب فى الرد على من هو أفضل من هذا ، وبين ما خالفوا فيه الكتاب
والسنة والإجماع فى هذا الباب وفى غيره . ولما كان أولئك أعلم وأفضل
كان الرد عليهم بحسبهم . والله أعلم .
صورة خطوط القضاة الأربعة
على ظهر فتيا الشيخ تقى الدين أبي العباس ابن تيمية فى ((السفر
لمجرد زيارة قبور الأنبياء )):
هذا المنقول باطنها جواباً عن السؤال أن زيارة الأنبياء بدعة ، أو
ما ذكره من نحو ذلك ، وأنه لا يترخص فى السفر إلى زيارة الأنبياء.
هذا كلام باطل، مردود عليه. وقد نقل جماعة من العلماء والأئمة الكبار
أن زيارة النبى صلى الله عليه وسلم فضيلة وسنة مجمع عليها ، وهذا
المفتى المذكور ينبغى أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند
٢٨٨

العلماء والأئمة الكبار ، ويمنع من الفتاوى الغريبة المردودة عند الأئمة
الأربعة ، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ، ويشهر أمره ، ليتحفظ الناس
من الاقتداء به .
كتبه العبد الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة.
وتحته : يقول أحمد بن عمر المقدسى الحنبلى . وتحته : كذلك يقول
محمد بن الجريرى الحنفى؛ لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً. وتحته :
كذلك يقول العبد الفقير إلى الله محمد بن أبى بكر المالكى ، إن ثبت
ذلك عليه ، ويبالغ في زجره بحسب ما تندفع به هذه المفسدة وغيرها
من المفاسد. فهذه صورة خطوطهم بمصر. والحمد لله رب العالمين وصلى
الله على محمد سيدنا وآله وصحبه وسلم تسليماً .
قال شيخ الإسلام أسكنه الله الجنة آمين
بسم الله الرحمن الرحيم . ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي
له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
٢٨٩

فصل
في الجواب عما كتب على نسخة جواب الفتيا ، وبيان بطلان ذلك،
وأن الحكم به باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة : قد بسطت في
غير هذا الموضع . وهي خمسون وجهاً : تبين بطلان ما كتب به ،
وبطلان الحكم به .
الأول: أنه نقل عن الجواب ماليس فيه ، ورتب الحكم على ذلك
النقل الباطل . ومثل هذا باطل بالإجماع ؛ فإنه نقل أن المجيب قال :
إن زيارة الأنبياء بدعة، أو أنه ذكر نحو ذلك ، والجيب لم يذكر
ذلك ، ولا نقل ذلك عن أحد من العلماء ؛ وإنما فى الجواب ذكر قول
العلماء فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين . هل يحرم
هذا السفر ، أو يجوز ، وأن الطائفتين اتفقوا على أنه غير مستحب .
والطائفتان لم يقولا ذلك فى الزيارة المطلقة ، بل جمهورهم يقولون : إن
زيارة القبور مستحبة ، وهذا هو الصحيح ، كما دلت عليه الأحاديث
الصحيحة ؛ ولكن لا يقولون : إنه يستحب السفر إليها ، كما اتفق
المسلمون على أنه يشرع إتيان المساجد غير المساجد الثلاثة ، وأن إنيانها
٢٩٠

قد يكون فرضا ، وقد يكون سنة : مثل إتيانها للجمعة ، والجماعة .
واتفقوا على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثه ليس بفرض ولا سنة ،
فهكذا زيارة القبور على الوجه الشرعي مستحبة . وهي سنة ، والسفر
إلى ذلك ليس بفرض ولا سنة عند الطائفتين .
والمجيب لم يذكر لنفسه فى الجواب قولا ؛ بل حكى أقوال علماء
المسلمين ، وأدلتهم ، وهؤلاء نقلوا عنه ما لم يقله، واستدلوا بما لا ينازع
فيه ، وأخطأوا فيما نقلوه وفهموه من كلام من نقل الإجماع ، وفيما
استدلوا به عليه، وذلك من وجوه كثيرة جدا ، ولكن مقصود هذا
الوجه : أن الذى كتب على الجواب نقل عنه أنه هو القائل ، وأنه قال :
إن زيارة الأنبياء بدعة، وهذا باطل عنه. والحكم المرتب على النقل
الباطل باطل بالإجماع .
الوجه الثاني : أن الطائفتين من علماء المسلمين اتفقوا على أن السفر
لمجرد زيارة القبور ليس بفرض ولا سنة ، وهؤلاء جعلوا السفر إلى
زيارة القبور سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبى
صلى الله عليه وسلم لم يسن لأمته السفر لذلك، ولا قال علماء شريعته
إن السفر إليها سنة . فقد حكموا بما يخالف السنة والإجماع ، وهذا
الحكم باطل بالإجماع. وذلك أن المجيب ذكر القولين - فيمن لم يسافر إلا
إلى القبور، ولم يقصد مع ذلك المسجد - قول من جوز ذلك ولم يستحبه
٢٩١

وقول من حرمه. وهم لم يقتصروا على رد أحد القولين ، فإن هذا
لا يناقض ما ذكره المجيب ، بل قالوا : وهذا المفتى المذكور ينبغي
أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند العلماء ، ومتى ما بطل
ما ذكره في الجواب بالقولين تعين جعل السفر سنة مستحبة .
وأيضا فإنهم احتجوا بنقل من نقل الإجماع على استحباب السفر
الذى ذكر فيه القولين .
الثالث : أنهم احتجوا بنقل من نقل من العلماء أن زيارة النى
صلى الله عليه وسلم فضيلة مرغب فيها وسنة تجمع عليها . وهؤلاء نقلوا
الإجماع على الزيارة ، لا على السفر لمجرد القبر . ولو نقلوا الإجماع على
السفر للزيارة فمعلوم أن المسلمين يقصدون المسجد والقبر ، لا يقصد
القبر دون المسجد إلا جاهل ، وإذا قصد الزائر المسجد والقبر جميعا
فالمجيب لم يذكر القولين فى هذه الصورة ، وإنما ذكرهما فيمن لم
يسافر إلا لمجرد زيارة القبور ، والجواب لم يكن فى خصوص قبر النبي
صلى الله عليه وسلم، بل كان فى جنس القبور . وجعلوا ذلك إجماعا
على السفر إلى سائر قبور الأنبياء فإن المجيب فرق بين الزيارة النبوية
الشرعية التى أجمع المسلمون على استحبابها ، وبين ما أجمعوا على أنه
لا يستحب ، وما تنازعوا فيه، وما نقلوه من الإجماع وإن كان عندهم
لا يدل على مثل ما ذكره المجيب لم يكن حجة عليه ، وم جعلوه حجة
٢٩٢

على بطلان الجواب ، وذلك إنما يكون إذا قيل باستحباب السفر مطلقا
فغلطوا على من نقل الإجماع فلم يفهموا مراده ، وحكموا بناء على هذا
الاعتقاد الباطل ، ومثل ذلك باطل بالإجماع .
الرابع : أنهم جعلوا هذا النقل مخالفاً للجواب ، وليس مخالفاً له ؛
بل المفتى قد ذكر فى الجواب استحباب العلماء لزيارة قبر النبى
صلى الله عليه وسلم، ولم يحك عن أحد أنه قال: زيارة قبر النبى
صلى الله عليه وسلم محرمة، والحكم المرتب على النقل الباطل
باطل بالإجماع .
الخامس : أن هؤلاء جعلوا جنس الزيارة مستحبا بالإجماع ، ولم
يفصلوا بين المشروع والمحرم ، والزيارة بعضها مشروع وبعضها محرم
بالإجماع، كما ذكر ذلك فى جواب الفتيا ، وهم أنكروا هذا التفصيل ،
وهذا مخالف للإجماع والحكم به باطل بالإجماع . فإن المجيب لم ينكر
السفر للزيارة الشرعية بالإجماع؛ بل بين فى الجواب ما أجمع عليه
المسلمون من السفر ، ومن الزيارة . وهذا مبسوط في مواضع كثيرة
من كلامه، مشهور عنه. وذكر ما تنازعوا فيه ، وما اتفقوا على النهي
عنه . فلو وافقوا على التفصيل لم ينكروا الجواب ، فلما جعلوا الجواب
باطلا عند العلماء تبين أنهم لم يفصلوا.
٢٩٣

السادس : أن الزيارة ثلاثة أنواع : نوع اتفق العلماء على استحبابه .
ونوع اتفقوا على النهى عنه . ونوع تنازعوا فيه . وفى الجواب ذكر
الأنواع الثلاثة . وهؤلاء لم يفصلوا بين ما أجمع عليه وبين ما تنازع
العلماء فيه ، ولا ذكروا أن ما تنازع فيه العلماء يرد إلى الله والرسول؛
بل جعلوه مردوداً بمجرد قولهم ، وهذا باطل بالإجماع . والحكم بذلك
باطل بالإجماع . والمجيب إنما ذكر اتفاق الطائفتين على أن السفر غير
مستحب إذا سافر لمجرد زيارة قبر بعض الأنبياء والصالحين، وهذا منتف
في الغالب في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن من هو عارف
بشريعة الإسلام لا بد أن يقصد المسجد مع القبر ؛ لا سيما مع علمه
بأنه صلى اللّه عليه وسلم قال: ((صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف
صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)). ولهذا احتج طائفة
من العلماء على استحباب زيارة قبره بهذا الحديث . وهذه الزيارة التى
يفعلها من يعلم الشريعة لم يذكر المجيب أنها لا تستحب بالإجماع . وكيف
يقول ذلك واستحبابها موجود في كلام العلماء ؟!
السابع : أن الإجماع على أن الزيارة سنة وفضيلة ليس هو إجماعا
على كل ما يسمى زيارة ، ولا على هذا اللفظ ؛ بل هو إجماع على ما
شرعه الله من حقوقه في مسجده . وهل يكره أن يسمى ذلك زيارة
لقبره على قولين . وكثير مما يسمى زيارة لقبره فيه نزاع أو هو منهي
٢٩٤

عنه بالإجماع، وهؤلاء جعلوا الإجماع متناولا لما تنازع العلماء فيه، واحتجوا
بالإجماع في موارد النزاع ، وهذا خطأ .
الثامن : أن ما تنازع فيه العلماء يجب رده إلى الله والرسول،
وهؤلاء لم يردوه إلى الله ولا إلى الرسول؛ بل قالوا إنه كلام باطل
مردود على قائله بلا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله وهذا
باطل بالإجماع .
التاسع : أن الذين حكوا الإجماع على استحباب السفر لمجرد زيارة
القبر بل الإجماع إنما هو على استحباب السفر إلى مسجده . وأما السفر
لمجرد القبر فهذا فيه النزاع المشهور . وما فيه نزاع يجب رده إلى الله
والرسول، وهؤلاء لم يردوا ما تنازع العلماء فيه إلى الله والرسول؛
بل ادعوا فيه الإجماع وغلطوا على من حكوا عنه الإجماع ، ومن
زجر عن قول لكونه مخالفاً للإجماع ولم يكن مخالفاً للإجماع كان هو
المخطئ بالإجماع .
العاشر: أن مالا إجماع فيه يجب رده إلى الله والرسول بالإجماع،
وإن احتج فيه بالكتاب والسنة كان هو المصيب ، والجواب فيه ذكر
النزاع والاحتجاج بالكتاب والسنة فى موارد النزاع ، وهؤلاء جعلوا
ذلك مردوداً، ولم يردوه إلى الله والرسول؛ بل ردوا على من احتج
٢٩٥

بالكتاب والسنة فى مسائل النزاع ، وحكموا بهذا الرد المخالف للإجماع.
والحكم بمثل ذلك باطل بالإجماع .
الحادي عشر : أن الذى ذكر فى الفتيا ما أجمع عليه كالزيارة
المستحبة ، وما أجمعوا على النهي عنه ، وما تنازعوا فيه ، وهذا أقصى ما
يكون عند المفتين . وهؤلاء جعلوا ذلك من الفتاوى الباطلة عند
العلماء ، وهذا التفصيل ليس باطلا عند أحد من علماء المسلمين، وثم
جعلوه باطلا ، وحكموا بذلك ، ومثل هذا الحكم باطل بالإجماع .
الثاني عشر : أن ما تنازع فيه العلماء ليس لأحد من القضاة أن
يفصل النزاع فيه بحكم ، وإذا لم يكن لأحد من القضاة أن يقول :
حكمت بأن هذا القول هو الصحيح ، وأن القول الآخر مردود على
قائله ؛ بل الحاكم فيما تنازع فيه علماء المسلمين أو أجمعوا عليه : قوله فى
ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالما ، وإن كان مقلداً كان بمنزلة العامة
المقلدين ، والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهداً علما مجتهداً ،
ولو كان الكلام فى العلم والدين بالولاية والمنصب لكان الخليفة والسلطان
أحق بالكلام فى العلم والدين ، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما
أشكل عليهم فى العلم والدين . فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدعى ذلك
لنفسه ، ولا يلزم الرعية حكمه فى ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله
وسنة رسوله : فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى
٢٩٦

طوره ، ولا يقيم نفسه في منصب لا يستحق القيام فيه أبو بكر وعمر
وعثمان وعلي - وم الخلفاء الراشدون - فضلا عمن هو دونهم ؛
فإنهم رضي الله عنهم إنما كانوا يلزمون الناس باتباع كتاب ربهم وسنة
نبيهم ، وكان عمر - رضى الله عنه - يقول: إنما بعثت عمالي
- أي نوابى - إليكم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم ، ويقسموا
بينكم فيئكم ؛ بل هذه يتكلم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت
عليه الأدلة الشرعية : الكتاب والسنة . فكل من كان أعلم بالكتاب
والسنة فهو أولى بالكلام فيها من غيره، وإن لم يكن حاكما، والحاكم
ليس له فيها كلام لكونه حاكما ؛ بل إن كان عنده علم تكلم فيها
كآماد العلماء . فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع .
وهذا من الحكم الباطل بالإجماع .
الثالث عشر: أن الأحكام الكلية التى يشترك فيها المسلمون
- سواء كانت مجمما عليها أو متنازعا فيها - ليس للقضاة الحكم
فيها ؛ بل الحاكم العالم كآحاد العلماء يذكر ما عنده من العلم ، وإنما
يحكم القاضي فى أمور معينة . وأما كون هذا العمل واجباً أو مستحباً
أو محرما فهذا من الأحكام الكلية التى ليس لأحد فيها حكم
إلا لله ورسوله . وعلماء المسلمين يستدلون على حكم الله ورسوله
بأدلة ذلك . وهؤلاء حكموا في الأحكام الكلية ، وحكمهم فى ذلك
٢٩٧

باطل بالإجماع.
الرابع عشر : أن الكلام في هذه المسائل الكلية إنما يجوز لمن
كان عالما بأقوال علماء المسلمين فيها ، وما أجمعوا عليه ، وما تنازعوا
فيه ، عالما بالكتاب والسنة ، ووجه الاستدلال بهما. وكلام هؤلاء
يتضمن أنهم لا يعرفون ما قاله علماء المسلمين فى هذه المسائل ،
ولا يميزون بين ما أجمع عليه العلماء وتنازعوا فيه ، ولا يعرفون سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه المسائل، ولا يفرقون بين
ما رغب فيه وما نهى عنه ولم يسنه ، ولا يعرفون الأحاديث الصحيحة
والضعيفة فى هذا الباب ، بل ولا يعرفون مذهبهم في هذه المسائل ،
ولا عندم نقل عن الأئمة الأربعة، ولا العلماء المشهورين من أتباعهم
فيما قالوه وحكموا به ؛ بل ثم فيه بمنزلة آحاد المتفقهة الطلبة الذين ينبغي
لهم طلب علم هذه المسائل ؛ بل لا يجوز لأحدم أن يفتى فيها ، ولا
يناظر ، ولا يصنف ؛ فضلا عن أن يحكم. ومعلوم أن من كان
كذلك وحكم فيما ليس له الحكم فيه كان حكمه محرما بالإجماع :
فكيف إذا حكم فيما ليس له فيه الحكم ، وحكم بخلاف الإجماع ؛
فإن الحاكم إذا حكم بغير اجتهاد ولا تقليد كان حكمه محرما بالإجماع .
الخامس عشر : أن القاضي يجب أن يكون مجتهداً عند بعض
٢٩٨

العلماء ، وعند بعضهم يجوز له التقليد للعلماء : وهؤلاء لو كانت هذه
المسائل مما لهم فيه الحكم فهم لم يقلدوا فيما قالوه أحداً من أئمة
المسلمين فضلا أن يكونوا فيه مجتهدين ؛ بل حكموا بغير اجتهاد ولا
تقليد ، وهذا الحكم الباطل بالإجماع ، ولو كان على يهودي عشرة
درام معينة . فكيف إذا حكموا على علماء المسلمين فى الأحكام الكلية
التى لا حكم لهم فيها بالإجماع .
السادس عشر: لو كان لهم فيها الحكم وقد حكموا بالكتاب
والسنة والإجماع لم يكن لهم الحكم حتى بسمعوا كلام المحكوم عليه
وحجته ، ويعذروا إليه ، وهل له جواب أم لا ؟ فإن العلماء تنازعوا فى
الحقوق كالأموال هل يحكم فيها على غائب ؟ على قولين . ومن جوز
الحكم عليه قال : هو باق على حجته تسمع إذا حضر . فأما العقوبات
والحدود فلا يحكم فيها على غائب ، وهؤلاء حكموا على غائب في ذلك،
ولم يمكنوه من سماع كلامه والإدلاء بحجته ، وهذا لو كان على يهودي
كان حكما باطلا بالإجماع. ولهذا كان جميع الناس أهل العلم والدين والعقل
ينكرون مثل هذا الحكم ، ويعلمون أنه حكم بغير حق .
السابع عشر: أنه لو كان الحاكم خصما لشخص في حق من
الحقوق لم يجز أن يحكم الحاكم على خصمه بإجماع المسلمين ، وكذلك
((المسائل العلمية)) إذا تنازع حاكم وغيره من العلماء فى تفسير آية أو
٢٩٩

حديث أو بعض مسائل العلم لم يكن للحاكم أن يحكم عليه بالإجماع .
فإنهما خصمان فيما تنازعا فيه. والحاكم لا يحكم على خصمه بالإجماع .
الثامن عشر : أن هذه المسائل منقولة في كتب أهل العلم من أصحاب
مالك والشافعي وأحمد وغيرم ، وهؤلاء حكموا فيها بخلاف مذاهب الأئمة
الأربعة ولم يعرفوا مذاهب أئمتهم، ولا مذاهب غيرم من الأئمة والعلماء ولا
ما دلت عليه السنة والآثار . ومعلوم أن مثل هذا الحكم باطل بالإجماع، ومن
ادعى منهم أن الذي حكم به هو قول العلماء فليكتب خطه بذلك ،
وليذكر ما ذكره العلماء فيها من إجماع ونزاع وأدلة ذلك ليتبين
أن الذي يقول بخلاف جواب المفتى قول باطل ؛ وإلا فقد علم أنهم
حكموا بغير الحق ، وهذا باطل بالإجماع .
التاسع عشر : أنه لو كان أحدم عارفا بمذهبه لم يكن له أن يلزم
علماء المسلمين بمذهبه ، ولا يقول : يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبى،
وأنه أي مذهب خالف مذهبى كان باطلا ؛ من غير استدلال على
مذهبه بالكتاب والسنة . ولو قال : من خالف مذهبى فقوله مردود ،
ويجب منع المفتى به وحبسه لكان مردوداً عليه ، وكان مستحقاً العقوبة
على ذلك بالإجماع ، فكيف إذا كان الذي حكم به ليس هو مذهب
أحد من الأئمة الأربعة ؟! بل الذي أفتى به المفتى هو موافق للإجماع ؛
دون من أنكر قوله وخالف الإجماع .
٣٠٠