النص المفهرس
صفحات 281-300
يجمع بين العمرة والحج فى سفرة واحدة أن يحج في أشهر الحج ء ويعتمر عقيب ذلك من مكة ، بل م متفقون على أن هذا ليس هو المستحب المسنون . فهذا أفضل ممن اقتصر على مجرد الحج في سفرته الثانية ، أو اعتمر فيها . فثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر مع الحمج عمرة تمتع ، هو قران كما تقدم . ولأن من يحصل له عمرة مفردة ، وعمرة مع حجة أفضل ممن لم يحصل له إلا عمرة وحجة ، وعمرة تمتع أفضل من عمرة بمكة عقيب الحج إلى الحج ، وإن جوزوه . فكان عبد اللّه بن عمر إذا بين لهم معنى كلام عمر ينازعونه في ذلك، فيقول لهم : فقدروا أن عمر نهى عن ذلك. أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أحق أن تتبعوه أم عمر؟! وكذلك كان عبد الله بن عباس إذا بين لهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه ، يعارضونه بما توهموه على أبى بكر وعمر ، فيقول لهم : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء . أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر. يبين لهم أنه ليس لأحد أن يعارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس ، مع أن أولئك المعارضين كانوا يخطئون على أبى بكر وعمر، وثم سواء كانوا علموا حال أبي بكر وعمر ، أم أخطأوا عليها، ليس لأحد أن يدفع المعلوم من سنة ٢٨١ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقول أحد من الخلق، بل كل أحد من الناس فإنه يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا متفق عليه بين علماء الأمة وأئمتها . وإنما تنازع فيه أهل الجهالة من الرافضة ، وغالية النساك الذين يعتقد أحدم فى بعض أهل البيت ، أو بعض المشايخ ، أنه معصوم ، أو كالمعصوم ، وكان ابن عباس يبالغ فى المتعة حتى يجعلها واجبة ، ويجعل الفسخ واجبا ، وهو قول أبى حنيفة وطائفة من أهل الظاهر والشيعة ، ويجعل من طاف وسعى فقد حل من إحرامه ، وصار متمتعا ، سواء قصد التمتع ، أو لم يقصده . وصار إلى إيجاب التمتع طائفة من الشيعة وغيرهم . وهذا مناقضة لمن نهى عنها ، وعاقب عليها ، من بنى أمية وغيرهم . وأما الذي عليه أئمة الفقه: فإنهم يجوزون هذا وهذا، ولكن النزاع بينهم في الفسخ ، وفى استحبابه ، فمن حج متمتعا من الميقات أجزأه حجه ، باتفاق العلماء ، وما سوى ذلك فيه نزاع ، سواء أفرد، ء أو قرن ، أو فسخ إذا قدم فى أشهر الحج ، إلا القارن الذي ساق الهدى ، فإن هذا يجزئه أيضاً حجه باتفاقهم . وأما من قدم بعمرة قبل أشهر الحج ، وأقام إلى أن يحج ، فهذا ء ٢٨٢ أيضاً ما أعلم فيه نزاعاً ، فالتمتع المستحب، والقران المستحب ، والإفراد المستحب هو الذي يجزئه باتفاقهم. وبسبب ما وقع من اشتراك الألفاظ في الرواية ، واختلاف الاجتهاد فى العمل ، وغير ذلك ، صار كثير من الفقهاء يغلطون فى معرفة ((صفة حجة الوداع)) فيظن طائفة من أصحاب أحمد وغيرم أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع ، بمعنى أنه حل من إحرام العمرة ثم أحرم بالحج وهذا غلط بلا ريب . وقد قال الإمام أحمد : لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً، والمتعة أحب إلي . أي لمن كان لم يسق الهدي؛ فإنه لا يختلف قوله: أن من جمع الحج والعمرة فى سفرة واحدة، وقدم في أشهر الحج، ولم يسق الهدى ، أن هذا التمتع أفضل له . بل هو المسنون ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك . وأما من ساق الهدي: فهل القران أفضل له ؟ أم التمتع؟ ذكروا عنه روايتين ، والذي صرح به فى رواية المروذي أن القران أفضل له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا حج بلا نزاع بين أهل العلم والحديث ، وهذا السائق للهدي تمتعه وقرانه لا يختلفان إلا فى تقدم الإحرام وتأخير .. فمتى أحرم بالحج مع العمرة ، أو قرن الإحرام بالعمرة ، أو بزيادة سعي عند من يقول به ، وقبل طوافه وسعيه ٢٨٣ عند من بقوله كان قارناً ، وهو متمتع تمتع قران بلا نزاع. وإن لم يحرم بالحج إلا بعد الطواف والسعي ، مع بقائه على إحرامه ، فهو متمتع ، وبقاؤه على إحرامه واجب عليه عند أبي حنيفة وأحمد ، إذا كان قد ساق الهدي ، وعند مالك والشافعي إنما يتحلل إن لم يسق الهدي ، فإنه يتحلل من عمرته باتفاقهم ، فإن أحرم بالحج قبل حلله من العمرة ففيه نزاع . ومن جوز هذا من أصحاب أحمد فإنهم يسمونه أيضاً ((قارناً)) فإنه لم يتحلل من إحرامه حتى أحرم بالحج، وهل على المتمتع بعد طواف الإفاضة سعي غير السعي الأول الذي كان عقيب طواف العمرة؟ فيه قولان في مذهب أحمد ، وغيره. وقد نص أحمد على أن المتمتع يجزئه سعي واحد كما يجزئ القارن فى غير موضع ، وعلى هذا فلا يختلفان إلا بالتقدم والتأخر ، وإذا كان الأمر كذلك فمعلوم أن تقدم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره ؛ لأنه أكمل، وهذا الذي ثبت صحيحاً صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال أنس: سمعته يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)) وكذلك في حديث عمر الذي فى الصحيح صحيح البخاري - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أتانى آت الليلة من ربى وهو بالعقيق ، فقال : ٢٨٤ صل فى هذا الوادى المبارك، وقل عمرة فى حجة)) ولم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لفظا يخالف هذين ألبتة ؛ بل لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم لفظا بإحرامه إلا هذا. وكذلك قالت عائشة فى الحديث المتفق عليه : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة)). وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)) فهذا أيضاً يبين أنه مع سوق الهدي لم يكن يجعلها عمرة ، وأنه إنما كان يجعلها عمرة إذا لم يسق الهدي ، وذلك لأن أصحابه الذين أمرهم بالإحلال ، وهم الذين لم بسوقوا الهدي ، كرهوا أن يحلوا فى أشهر الحج ؛ لأنهم لم يكونوا يعتادون الحل فى وسط الإحرام في أشهر الحج ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تطييب قلوبهم يوافقهم فى الفعل ، فذكر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر . أي: لو كنت الساعة مبتدئاً الإحرام لم ٥ أسق الهدي ، ولأحرمت بعمرة أحل منها . وهذا كله من النصوص الثابتة عنه بلا نزاع. وهو يبين أن المختار لمن قدم فى أشهر الحج أحد أمرين : إما أن يسوق الهدي، او يتمتع تمتع قارن ، او لا يسوق الهدي ويتمتع بعمرة ء ٢٨٥ ويحل منها . ثم الذي ينبغي أن يقال : إن الذي اختاره الله لنبيه هو أفضل الأمرين . وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أفعل ذلك)). فهو حكم معلق على شرط ، والمعلق على شرط عدم عند عدمه ، فما استقبل من أمره ما استدبر، وقد اختار الله تعالى له ما فعل ، واختار له أنه لم يستقبل ما استدبر . ولا يلزم إذا كان الشيء أفضل على تقدير أن يكون أفضل مطلقاً . وهذا كقوله: ((لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر)) فهو لا يدل على أن عمر أفضلهم لو لم يبعث الرسول ، ولا بدل على أنه أفضل مع بعث الرسول ؛ بل أبو بكر أفضل منه فى هذه الحال ، ولكن هذا بين أن الموافقة إذا كان فى تنويع الأعمال تفرق وتشتت هو أولى من تنويعها ، وتنويعها اختيار القادر المفضول للأفضل ، والعاجز عن المفضول كما اختار من قدر على سوق الهدي الأفضل. ومن لم يقدر على سوقه مع السلامة عن التفرق ، ومع تفرق يعقبه اتتلاف هو أفضل . وغلط أيضا فى ((صفة حجه)) طائفة من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما : فظنوا أنه إنما كان مفرداً : يعني أنه أحرم بحجة مفردة، ولم ٢٨٦ يعتمر معها أصلا ، وهذا خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة أيضاً ، وخلاف ما تواتر في سنته . ثم قد يغلط طوائف من متأخريهم فيظنون أنه اعتمر مع ذلك من مكة ، ولهذا لم ينقله أحد ممن له قول معتبر ، ولم يتنازعوا في أنه أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي بالتمتع بالعمرة إلى الحج ، وأمره فى حق أمته أولى بهم من فعله ، لاسيما وقد بين أن اختصاصه بعدم الإحلال إنما كان لسوق الهدي ، وهذا متواتر عنه . وفى الصحيحين أن حفصة قالت له : ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرنك ؟ فقال: ((إنى لبدت رأسي، وقلدت هدبي، فلا أحل حتى أنحر)) فهذا لا ينافى أنه أحرم بالعمرة والحج . كما روى أنس وعمر وغيرها ؛ لأن ذلك يسمى عمرة ؛ لأنه وحده عمل المعتمر؛ ولأنه أمرم بالحل وأن يجعلوها عمرة فشبهته بهم . وغلط أيضا فى ((صفة حجته)) من غلط من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم : فاعتقدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً ، بمعنى أنه طاف وسعى أولا للعمرة ، ثم طاف وسعى ثانيا للحج قبل التعريف ، وكل من نظر فى الأحاديث الثابتة المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم علم أنه لم يطف طوافين ، ولا سعى سعيين، ولا أمر بذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي ، وأمريم بالبقاء على إحرامهم ، فضلا عن ٢٨٧ الذين أمرهم بالإحلال . وما روي أنه يأمر به علي ونحوه : من فعل الطوافين ، والسعيين فقد ضعفه غير واحد من أهل العلم بالحديث ، وليس فى شيء من كتب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته طاف طوافين ، وسعى سعيين ، وإنما يوجد ذلك فى بعض كتب الرأي التى يروي أصحابها أحاديث كثيرة ، وتكون ضعيفة، وم لم يتعمدوا الكذب ، لكن سمعوا تلك الأحاديث ممن لا يضبط الحديث . وهكذا الاختيار. فإن الفقهاء وإن جوزوا الأنساك الثلاثة ، فقد يغلط كثير منهم فى الاختيار ، فأعدل الأقوال وهو أتبعها للسنة ، وأصحها في الأثر والنظر ما ذكرناه، أن من قدم فى أشهر الحج مريداً للعمرة والحج فى تلك السفرة : فالسنة له التمتع بالعمرة إلى الحج ، ثم إن ساق الهدي لم يحل من إحرامه ، ولكن إحرامه بالحج مع العمرة أولا قبل الطواف والسعي أفضل له من أن يؤخر الإحرام بالحج إلى ما بعد الطواف والسعي ، وإن لم يسق الهدي حل ، وهذا أفضل له من أن يجيء بعمرة عقب الحج . وأما من أفردها فى سفره، واعتمر قبل أشهر الحج ، وأقام إلى الحج ، فهذا أفضل من التمتع ، وهذا قول الخلفاء الراشدين وهو ٢٨٨ مذهب الإمام أحمد وغيره ، وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي وغيرم ، واختيار المتعة هو قول أصحاب الحديث ، وهو قول فقهاء مكة من الصحابة والتابعين ، وقول بنى هاشم . فاتفق على اختياره علماء سنته ، وأهل بلدته ؛ وأهل بيته . ومالك وإن كان يختار الإفراد ، فلا يختاره لمن يعتمر عقب الحج بل يعتمر في غير أشهر الحج كالمحرم . والشافعي فى أحد أقواله يختار التمتع ، وفي الآخر يختار إحراما مطلقاً ، وفي الآخر يختار الإفراد ، ولكن لا أحفظ قوله فيمن يعتمر عقب الحج ، فإنه وإن كان من أصحابه من يجعل هذا هو الأفضل ، فكثير من أصحاب أحمد يظن أن مذهبه أن المتعة أفضل من الامتمار في أشهر الحج . والغلط فى هذا الباب كثير على السنة ؛ وعلى الأمة ، وإلا فكيف يشك من له أدنى معرفة فى السنة أن أصحابه لم يعتمر أحد منهم عقيب الحج ، وكيف بشك مسلم أن ما فعلوه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل لهم ، ولمن كان حاله كمالهم . وقد تبين بما ذكرنا أنه وإن سوغ العمرة من مكة عقب الحج لمن أفرد . فهذا لم يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولا أمر به هو - ولا أحد من خلفائه، ولا أحد من صحابته ، ٢٨٩ والتابعين وأئمتهم - أمر اختيار، وهذا كله مما يضعف أمر الاعتمار من مكة غاية الضعف . فصل وأما المسألة الثالثة ، فنقول : فإذا كان قد تبين بما ذكرناه من السنة واتفاق سلف الأمة أنه لا يستحب ، بل تكره الموالاة بين العمرة لمن يحرم من الميقات ، فمن المعلوم أن الذي يوالي بين العمر من مكة فى شهر رمضان أو غيره أولى بالكراهة ، فإنه يتفق فى ذلك محذوران . أحدهما : كون الاعتمار من مكة ، وقد اتفقوا على كراهة اختيار ذلك ، بدل الطواف . والثانى : الموالاة بين العمر ، وهذا اتفقوا على عدم استحبابه ؛ بل ينبغي كراهته مطلقاً فيما أعلم لمن لم يعتض عنه بالطواف ، وهو الأقيس ، فكيف بمن قدر على أن يعتاض عنه بالطواف ؟ ! بخلاف كثرة الطواف ، فإنه مستحب مأمور به ، لا سيما للقادمين . فإن جمهور العلماء على أن طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد الحرام ، مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام . ٢٩٠ فصل وأما الاعتمار فى شهر رمضان : ففي الصحيحين والسنن عن عطاء سمعت ابن عباس يحدثنا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار - سماها ابن عباس فنسيت اسمها: (( ما منعك أن تحجى معنا ، فقالت لم يكن لنا إلا ناضحان، فحج أبو ولدها على ناضح، وترك لنا ناضحا تنضح عليه، قال : فإذا جاء شهر رمضان فاعتمرى ، فإن عمرة فى رمضان تعدل حجة )) وفى الصحيحين عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة)) وفى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان امرأة من الأنصار: ((عمرة فى رمضان تقضى حجة معي )) وروى البخاري هذا الحديث من طريق جابر تعليقا، وعن أم معقل عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((عمرة فى رمضان تعدل حجة )) رواه ابن ماجه ، والترمذي ، وقال حديث حسن وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل ، قالت لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وكان لنا جمل فجعله أبو معقل فى سبيل الله، وأصابنا مرض ، وهلك أبو معقل وخرج ٢٩١ النبى صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجته جثته، فقال: (( يا أم معقل ! ما منعك أن تحجى ، قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل ، وكان لنا جمل هو الذي نحتج عليه، فأوصى به أبو معقل فى سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبيل الله)) رواه أبو داود وروى أحمد فى المسند عن أم معقل الأسدية ، أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة ، فسألت زوجها البكر فأبى ، فأنت النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأمره أن يعطيها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج والعمرة في سبيل الله)). فهذه الأحاديث تبين أنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك العمرة التى كان المخاطبون يعرفونها ، وهي قدوم الرجل إلى مكة معتمرا ، فأما أن يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفونه ، ولا يفعلونه، ولا يأمرون به، فكيف يجوز أن يكون ذلك مراداً من الحديث ؟ ! مع أن هذه المرأة كانت بالمدينة النبوية ، وعمرتها لا تكون إلا عن الميقات ، ليست عمرتها مكية . وكيف يكون قد رغبهم فى عمرة مكية فى رمضان ؟ ! ثم إنهم لا يأتون مافيه هذا الأجر العظيم ، مع فرط رغبتهم فى الخير ، وحرصهم عليه ، وهلا أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك أهل مكة المقيمين بها ؛ ليعتمروا كل عام فى شهر رمضان ، وإنما أخبر بذلك من كان ٢٩٢ بالمدينة ، لما ذكر له مانعا منعه من السفر للحج ، فأخبره أن الحج في سبيل الله ، وأن عمرة في رمضان تعدل حجة ، وهذا ظاهر؛ لأن المعتمر فى رمضان إن عاد إلى بلده ، فقد أتى بسفر كامل للعمرة ذهابا وإيابا فى شهر رمضان المعظم ، فاجتمع له حرمة شهر رمضان ، وحرمة العمرة وصار ما فى ذلك من شرف الزمان والمكان ، يناسب أن يعدل بما في الحج فى شرف الزمان ، وهو أشهر الحج وشرف المكان . وإن كان المشبه ليس كالمشبه به من جميع الوجوه ، لا سيما في هذه القصة باتفاق المسلمين وإن أقام بمكة إلى أن حج فى ذلك العام فقد حصل له نسكا مكفرا أيضا ، بخلاف من تمتع فى أشهر الحج ، فإن هذا هو حاج محض وإن كان متمتعا ، ولهذا يكون داخلا فى الحج من حين يحرم بالعمرة. يبين هذا أن بعض طرقه في الصحيح أنه قال للمرأة: ((عمرة في رمضان تعدل حجة معى)) ومعلوم أن مراده أن عمرتك في رمضان تعدل حجة معي ، فإنها كانت قد أرادت الحج معه فتعذر ذلك عليها، فأخبرها بما يقوم مقام ذلك ، وهكذا من كان بمنزلتها من الصحابة ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال : أن عمرة الواحد منا من الميقات أو من مكة تعدل حجة معه ، فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الحج التام أفضل من عمرة رمضان، والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحيج معه فكيف بعمرة ؟! وغاية ما يحصله الحديث : أن تكون عمرة أحدنا في ٢٩٣ رمضان من الميقات بمنزلة حجة ، وقد يقال هذا لمن كان أراد الحج فعجز عنه ، فيصير بنية الحج مع عمرة رمضان كلاهما تعدل حجة ، لا أحدهما مجردا. وكذلك الإنسان إذا فعل ما يقدر عليه من العمل الكامل مع أنه لو قدر لفعله كله ، فإنه يكون بمنزلة العامل من الأجر . كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم)) وفى الصحيح عنه أنه قال: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا )) وكذلك قال فى الضلالة ، وشواهد هذا الأصل كثير . ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر ، والذنوب، كما ينفى الكير خبث الحديد ، والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)) رواه النسائي والترمذى وقال حديث حسن صحيح. فإن قوله: (( تابعوا بين الحج والعمرة)) لم يرد به العمرة من مكة، إذ لو أراد ذلك لكان الصحابة يقبلون أمره ، سواء كان أمر إيجاب ؛ أو استحباب ، ولا يظن بالصحابة ٢٩٤ والتابعين أنهم تركوا اتباع سنته ، وما رغبوا فيه كلهم حتى حدث بعدهم من فعل ذلك، وإذا كانوا لا يعتمرون من مكة على أن هذا ليس مقصود الحديث ؛ ولكن المراد به العمرة التى كانوا يعرفونها، ويفعلونها ، وهى عمرة القادم . يبين هذا أن النبى صلى الله عليه وسلم لم بأمر عائشة بالعمرة من أدنى الحل، مع أنها متابعة بين الحج والعمرة ، ولو كانت المكية مرادة حين طلبت ذلك منه، أمرها أن تكتفى بما فعلته، وقال: ((طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك، وعمرتك)) فلما راجعته وألحت عليه أذن لما فى ذلك ، فلو كان مثل هذا مما أمر به لم يكن بأمرها ابتداء بترك ذلك ، والاكتفاء بما دونه ، وهي تطلب ما قد رغب الناس فيه كلهم . ففي الصحيحين ، وسنن أبى داود ، والنسائى وغيرهما عن عائشة أنها قالت: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحمج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعاً، ثم قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: انقضي رأسك ، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعى العمرة ، ففعلت ، فلما قضينا الحج أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم ، فاعتمرت . فقال : هذه ٢٩٥ مكان عمرتك ، قالت : وطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً)). وفى الصحيحين والسنن أيضاً عن عائشة قالت: ((لبينا بالحج حتى إذا كنا بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكى ، فقال : وما يبكيك ؟ يا عائشة ! فقلت : حضت ، ليتنى لم أكن حججت ، فقال : سبحان الله إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ، فقال: انسكي المناسك كلها غير أن لا تطوفى بالبيت ، فلما دخلنا مكة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة ، إلا من كان معه الهدي ، وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر ، فلما كانت ليلة البطحاء ، وطهرت عائشة ، قالت : يا رسول الله : أيرجع صواحبى بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحمج ؟! فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبى بكر ، فأعمرها من التنعيم، فأنت بالعمرة)). وفي الصحيحين ، وسنن أبي داود ، والنسائى . عن جار قال : (أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفرداً فأقبلت عائشة مهلة بعمرة ، حتى إذا كانت بسرف عركت ، حتى إذا ٢٩٦ قدمنا طقنا بالكعبة، وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي ، قال : فقلنا حل ماذا ؟ قال : الحل كله. فواقعنا النساء ، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بينا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك ؟ قالت : شأنى أنى قد حضت ، وقد حل الناس ولم أحلل ، ولم أطف بالبيت ، والناس يذهبون إلى الحج الآن ! قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ، ففعلت ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم قال : قد حللت من حجتك وعمرنك جميعاً ، قالت : يا رسول الله! إنى أجد فى نفسي أنى لم أطف بالبيت حين حججت ، قال : فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم ، وذلك ليلة الحصبة))، وفي رواية مسلم: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه ، فأرسلها مع عبد الرحمن ، فأهلت من التنعيم بعمرة )). وروى مسلم فى صحيحه عن طاوس عن عائشة : أنها أهلت بعمرة ، فقدمت ولم تطف بالبيت حين حاضت ، فنسكت المناسك كلها ، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: ((يكفيك ٢٩٧ طوافك لحجك، وعمرتك ، فأبت ، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج )) وروى مسلم أيضاً عن مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجزئ عنك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك)). فهذه قصة عائشة . وللفقهاء في عمرتها التى فعلتها قولان مشهوران : أحدهما : وهو قول جمهور الفقهاء من أهل الحديث ، والحجاز : كمالك ، والشافعي، وأحمد، وغيرم، أنها لما حاضت وهي متمتعة بالعمرة إلى الحج ، فمنعها الحيض من طواف العمرة ، أمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج مع بقائها على الإحرام ، فصارت قارنة بين العمرة والحج، إذ القارن اسم لمن أحرم بهما ابتداء ، أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، قبل طوافها . قالوا: والأحاديث تدل على أن القارن ليس فى عمله زيادة على عمل المفرد، إلا الهدي فلهذا قال لها النبى صلى الله عليه وسلم لما أحلت: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً)). والقول الثانى : وهو قول أبي حنيفة ، ومن وافقه أنها لما حاضت أمرها أن ترفض العمرة ، فتنتقل عنها إلى الحج ، لا تفرق ٢٩٨ بينهما بل تبقى فى حج مفرد ، قالوا : فلما حلت حلت من الحج فقط وكان عليها عمرة تقضيها مكان عمرتها التى رفضتها . وعلى قول هؤلاء كانت العمرة التى فعلتها واجبة ، لأنها قضاء عما تركتها . وعلى قول الأكثرين لم تكن واجبة بل جائزة. وحكم كل امرأة قدمت متمتعة فحاضت قبل الطواف على هذين القولين الأولين: هل تؤمر أن تحرم بالحج فتصير قارنة ، أم ترفض العمرة فى الحج على القولين. وفيها قول ثالث : وهو رواية عن أحمد : أنها كانت قارنة ، وعمرة القارن لا يجزئ عن عمرة الإسلام ، فأمرها التى صلى الله عليه وسلم بعمرة الإسلام . وفيها قول رابع : ذكره بعض المالكية ، فامتنعت من طواف القدوم ؛ لأجل الحيض ، وأن هذه العمرة هي عمرة الإسلام. وهذا القول أضعف الأقوال من وجوه متعددة ، ويليه فى الضعف الذي قبله . ومن أصول هذا النزاع : أن القارن عند الآخرين عليه أن يطوف أولا ، ويسعى للعمرة ، ثم يطوف ويسعى للحج، ويختص عندم يمنعها من عمل القران ، كما كان يمنعها من عمل التمتع. والأولون ليس عندج على القارن إلا طواف واحد ، وسعي واحد ، كما على المفرد فإذا كانت حائضا سقط عنها طواف القدوم ، وأخرت السعي إلى أن تسعى ٢٩٩ بعد طواف الإفاضة وليس عليها غير ذلك . وأهل القول الثاني بلغهم ما ثبت فى الصحيح ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((ارفضي عمرتك)). واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتمر من التنعيم، فاعتقدوا أن ذلك صار واجباً للعمرة المرفوضة ، وأن رفض العمرة هو تركها بالدخول فى الحج المفرد . وأما أهل القول الأول : فبلغهم من العلم مالم يبلغ هؤلاء ، فإن قصة عائشة رويت من وجوه متعددة منها ، وعن غيرها جابر وغيره ، فانظر ما قالت وما قال لها النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال لها : ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعا)) وقال لها: ((سعيك وطوافك لحجك وعمرتك)) وفى رواية ((يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك )) فهذا نص فى أنها كانت فى حج وعمرة ؛ لا فى حج مفرد، وفي أن الطواف الواحد أجزا منها ، لم يحتج إلى طوافين . وأيضا قد ثبت فى السنن الصحيحة الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ساق الهدي من أصحابه كانوا قادمين ، ولم يطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة حين قدموا إلا مرة واحدة . ٣٠٠