النص المفهرس

صفحات 241-260

وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسقط
عن الحائض طواف الوداع ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف
وشرط فيه ، فليس كونها شرطاً فيه أعظم من كونها شرطاً فى
الصلاة . ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز ، فسقوط شروط
الطواف بالعجز أولى وأحرى .
هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علماً وعملاً
لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلاماً لغيري ، فإن الاجتهاد
عند الضرورة مما أمرنا الله به ، فإن يكن ما قلته صواباً فهو حكم الله
ورسوله ، والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطأ فمنى ومن الشيطان ،
والله ورسوله بريئان من الخطأ ، وإن كان المخطئ معفواً عنه. والله
سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله
وسلم تسليماً .
٢٤١

وسئل قدس الاروجـ
عن امرأة حاضت قبل طواف الإفاضة ، ولم تطهر حتى ارتحل
الحاج ، ولم يمكنها المقام بعدم حتى تطهر . فهل لها أن تطوف
والحالة هذه للضرورة أم لا ؟ وإذا جاز لها ذلك فهل يجب عليها دم
أم لا؟ وهل يستحب لها الاغتسال مع ذلك ؟ وإذا علمت المرأة من
عادتها أنها لا تطهر حتى يرتحل الحاج ؟ ولا يمكنها المقام بعدم.
فهل يجب عليها الحج مع هذا . أم لا ؟ وإن لم يجب . فهل يستحب
لها أن تقدم فتطوف أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب: الحمد لله. العلماء لهم فى الطهارة : هل هي شرط في
صحة الطواف ؟ قولان مشهوران :
أحدهما : أنها شرط ، وهو مذهب مالك ، والشافعى ، وأحمد
في إحدى الروايتين .
والثاني : ليست بشرط ، وهو مذهب أبى حنيفة ، وأحمد فى
الرواية الأخرى .
٢٤٢

فعند هؤلاء لو طاف جنباً أو محدثاً أو حاملاً للنجاسة أجزأه
الطواف ، وعليه دم ؛ لكن اختلف أصحاب أحمد : هل هذا مطلق فى
حق المعذور الذى نسي الجنابة ؟ وأبو حنيفة يجعل الدم بدنة ، إذا كانت
حائضاً أو جنباً : فهذه التى لم يمكنها أن تطوف إلا حائضاً أولى بالعذر
فإن الحج واجب عليها ، ولم يقل أحد من العلماء إن الحائض يسقط
عنها الحج ، وليس من أقوال الشريعة أن تسقط الفرائض للعجز عن
بعض ما يجب فيها ، كما لو عجز عن الطهارة فى الصلاة .
فلو أمكنها أن تقيم بمكة حتى تطهر وتطوف وجب ذلك بلا ريب
فأما إذا لم يمكن ذلك ، فإن أوجب عليها الرجوع مرة ثانية كان قد
أوجب عليها سفران للحج بلا ذنب لها ، وهذا بخلاف الشريعة .
ثم هي أيضاً لا يمكنها أن تذهب إلا مع الركب ، وحيضها في
الشهر كالعادة ، فهذه لا يمكنها أن تطوف طاهراً ألبتة .
وأصول الشريعة مبنية على أن ما عجز عنه العبد من شروط العبادات
يسقط عنه ، كما لو عجز المصلى عن ستر العورة ، واستقبال القبلة ، أو
تجنب النجاسة، وكما لو عجز الطائف أن يطوف بنفسه راكباً، وراجلاً
فإنه يحمل ويطاف به .
ومن قال : إنه يجزئها الطواف بلا طهارة ، إن كانت غير معذورة
٢٤٣

مع الدم ، كما يقوله من يقوله من أصحاب أبى حنيفة ، وأحمد . فقولهم
لذلك مع العذر أولى وأحرى وأما الاغتسال فإن فعلته فحسن، كما تغتسل
الحائض ، والنفساء للإحرام ، والله أعلم .
وسئل
عن المرأة إذا جاءها الحيض فى وقت الطواف ، ما الذي تصنع؟.
فأجاب: الحمد لله. الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنها
تجتهد أن لا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلف
عن الركب حتى تطهر وتطوف، فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض،
أجزأها فى أحد قولي العلماء ، ثم قال أبو حنيفة وغيره : يجزئها لو لم يكن لها
عذر لكن أوجب عليها بدنة . وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة
ناسياً دماً ، وهي شاة .
وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة ، فإن أخرجت دماً
فهو أحوط ، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئاً . فإن الله لا يكلف نفساً
إلا وسعها .
وقال تعالى: (فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُ) وقال النبي صلى الله
٢٤٤

عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، وهذه لا
تستطيع إلا هذا .
والصلاة أعظم من الطواف ، ولو عجز المصلي عن شرائطها : من
الطهارة ، أو ستر العورة ، أو استقبال القبلة ، صلى على حسب حاله،
فالطواف أولى بذلك . كما لو كانت مستحاضة ولا يمكنها أن تطوف
إلا مع النجاسة ، نجاسة الدم . فإنها تصلي وتطوف على هذه الحالة باتفاق
المسلمين ، إذا توضأت وتطهرت ، وفعلت ما تقدر عليه .
وينبغى للحائض إذا طافت أن تغتسل وتستثفر أى تستحفظ، كما
تفعله عند الإحرام . وقد أسقط النبى صلى الله عليه وسلم عن الحائض
طواف الوداع . وأسقط عن أهل السقاية والرعاة المبيت بمنى ؛ لأجل
الحاجة . ولم يوجب عليهم دماً ، فإنهم معذورون فى ذلك ، بخلاف غيره.
وكذلك من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو نحوه ، فإنه يستنيب من
يرمي عنه ، ولا شيء عليه، وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه
لغير ذلك ، والله أعلم .
٢٤٥

وسل
عن امرأة حجت ، وأحرمت لعمرة وحجة قارنة ، ودخلت إلى
مكة وطافت وسعت ، وتوجهت إلى منى ، ثم إلى عرفة ووقفت ، ثم
عادت إلى منى ، ونحر منها ما وجب عليها من دم ، ورمت الجمار يوماً
واحداً ، ودخلت إلى مكة وطافت ، وعندما حضرت الحرم حاضت ،
ورجعت إلى منى ، وكتمت وهي محققة أن حجها قد كمل ، وعادت إلى
بلدها وبعد سنتين اعترفت بما وقع لها، قيل لها: يلزمك العود ، ولم
يمكنها زوجها والحالة هذه .
فأجاب : إن كانت قد طافت طواف الإفاضة وهي حائض ،
والحالة هذه ناوية أجزأها الحج فى أحد قولى العلماء ، وهو مذهب
أبي حنيفة ، وأحمد في إحدى الروايتين ، وغاية ما يجب عليها عند
أبى حنيفة بدنة، وعند أحمد دم ، وهي شاة .
وأما إن كانت لم تطف تحللت التحلل الأول ، وجاز لها الطيب
وتغطية الوجه ، وغير ذلك ، لكن لا يطؤها زوجها حتى تطوف طواف
الإفاضة ، فإن لم يمكنها العود فغاية ما يمكن أن يرخص لها فيه أنها
٢٤٦

تكون كالمحصرة تحلل من إحرامها بهدي، ولكن الأحوط أن تبعث به إلى
مكة ليذبح ، مثل أن يذبح يوم النحر فإذا ذبح هناك حلت هنا ،
وجاز لزوجها أن يطأها والحالة هذه.
فإذا واعدت من يذبحه هناك فى يوم معين حلت إلى ذلك اليوم
ثم إذا أمكنها بعد ذلك أن تذهب إلى مكة فإنها تدخل مهلة بعمرة ،
وتطوف هذا الطواف الباقى عليها ، ثم إن شاءت حجت من هناك ،
وإن عجزت عن ذلك حتى تموت فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها . وإن
أمكن أن تبعث عنها بعد موتها من يفعل ذلك عنها فعل .
وإن كان وطؤها قبل هذا الطواف لم يفسد الحج بذلك ، لكن
يفسد ما بقي، وعليها طواف الإفاضة باتفاق الأئمة ، كما ذكر ، لكن
عند مالك وأحمد عليها أن تحرم بعمرة ، كما نقل عن ابن عباس ،
وعند أبى حنيفة والشافعي فى المشهور عنها يجزئها بلا إحرام جديد ،
هذا إذا كانت هناك .
فأما إن كانت رجعت إلى بلدها ، ووطئها زوجها ، فلا بد لها
إذا رجعت أن تحرم بعمرة من الميقات ، لأنه لا يدخل أحد مكة
إلا محرماً بحج أو عمرة، إما وجوباً، أو استحباباً، إلا من له حاجة
متكررة ونحو ذلك .
٢٤٧

وسئل أبو العباس
أيما أفضل لمن كان بمكة : الطواف بالبيت ؟ أو الخروج إلى الحل
ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار فى رمضان
أو فى غيره، أو الطواف بدل ذلك ؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير
المكى : هل هو مستحب ؟ وهل فى اعتمار النبى صلى الله عليه وسلم
من الجعرانة ، وفى عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة ، كما فى
أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم ؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم
(((عمرة فى رمضان تعدل حجة)) هل هي عمرة الأفقى ؟ أو تتناول
المكي الذي يخرج إلى الحل ليعتمر في رمضان ؟
فأجاب : أما من كان بمكة من مستوطن ، ومجاور ، وقادم ، وغيرم
فإن طوافه بالبيت أفضل له من العمرة ، وسواء خرج في ذلك إلى أدنى
الحل، وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد، التى تسمى ((مساجد
عائشة )) أو أقصى الحل من أي جوانب الحرم ، سواء كان من جهة
((الجعرانة))، أو ((الحديبية)). أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين
سلف الأمة ، وما أعلم فيه مخالفا من أئمة الإسلام فى العمرة المكية .
٢٤٨

وأما العمرة من الميقات : بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه . أو
يرجع إلى بلده ، ثم ينشئ السفر منه للعمرة ، فهذه ليست عمرة مكية
بل هذه عمرة تامة ، وليس الكلام هنا فيها .
وهذه فيها نزاع : هل المقام بمكة أفضل منها ؟ أم الرجوع إلى
بلده أو الميقات أفضل ؟ وسيأتى كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف
على الرجوع للعمرة من الميقات .
وإنما النزاع فى أنه هل يكره للمكى الخروج للاعتمار من الحل ، أم
لا؟ وهل يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقى فى العام أكثر
من عمرة أم لا ؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا ؟.
فأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة ، فهذا مما لا
يستريب فيه من كان عالما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنة
خلفائه وآثار الصحابة، وسلف الأمة وأئمتها ، وذلك أن الطواف بالبيت
أفضل من العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى فى كتابه ، وعلى لسان
نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم عبادة أهل مكة أعني من كان بمكة
مستوطناً أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التى امتازوا بها على
سائر أهل الأمصار ، وما زال أهل مكة على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وخلفائه وأصحابه رضي الله عنهم - يطوفون بالبيت في كل
٢٤٩

وقت ، ويكثرون ذلك .
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولاة البيت أن لا يمنعوا أحداً
من ذلك فى عموم الأوقات ، فروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((يابنى عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت
وصلى فيه أية ساعة شاء، من ليل أو نهار)) رواه مسلم فى صحيحه. وسائر
أهل السنن كأبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وغيرهم .
وقد قال تعالى لخليله إمام الخفاء الذي أمره بيناء البيت ، ودعا
الناس إلى حجه: (أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّيِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ)
وفى الآية الأخرى: (وَالْقَآيِمِينَ ) فذكر ثلاثة أنواع : الطواف
والعكوف ، والركوع مع السجود، وقدم الأخص فالأخص ، فإن
الطواف لا يشرع إلا بالبيت العتيق باتفاق المسلمين. ولهذا اتفقوا
على تضليل من يطوف بغير ذلك ، مثل من يطوف بالصخرة ، أو بحجرة
النبى صلى الله عليه وسلم، أو بالمساجد المبنية بعرفة، أو منى ، أو
غير ذلك ، أو بقبر بعض المشايخ ، أو بعض أهل البيت ، كما يفعله
كثير من جهال المسلمين فإن الطواف بغير البيت العتيق لا يجوز باتفاق
المسلمين ، بل من اعتقد ذلك دينا وقربة عرف أن ذلك ليس بدين باتفاق
المسلمين ، وأن ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، فإن أصر
على انخاذه دينا قتل .
٢٥٠

وأما («الاعتكاف)) فهو مشروع فى المساجد ، دون غيرها ،
وأما الركوع مع السجود فهو مشروع في عموم الأرض ، كما قال النبى
صلى الله عليه وسلم: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا ، فأيما
رجل من أمتى أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره )) وهذا كله متفق
عليه بين المسلمين . وإن كان بعض البقاع تمنع الصلاة فيها لوصف
عارض كنجاسة ، أو مقبرة، أوحش ، أو غير ذلك .
فالمقصود هنا : أنه سبحانه وتعالى قدم الأخص بالبقاع ، فالأخص ،
فقدم الطواف لأنه يختص بالمسجد الحرام ، ثم العكوف ، لأنه يكون
فيه ، وفي المساجد التى يصلي المسلمون فيها الصلاة المشروعة ، وهي
الصلوات الخمس جماعة، ثم الصلاة لأن مكانها أعم .
ومن خصائص الطواف أنه مشروع بنفسه منفردا ، أو في ضمن
العمرة ، وفي ضمن الحج ، وليس في أعمال المناسك ما يشرع
منفرداً عن حج وعمرة ، إلا الطواف ، فإن أعمال المناسك على
ثلاث درجات :
منها مالا يكون إلا فى حج : وهو الوقوف بعرفة ، وتوابعه من
المناسك التى بمز دلفة .
ومنها مالا يكون إلا فى حج أو عمرة : وهو الإحرام والإحلال،
٢٥١

والسعى بين الجيلين، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَاُلْمَرْوَةَ مِن سَّعَابِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَظَّوَّفَ بِهِمَا ) .
ومنها ما يكون في الحج وفى العمرة ويكون منفردا : وهو الطواف،
والطواف أيضا هو أكثر المناسك عملا فى الحج ، فإنه يشرع للقادم طواف
القدوم ، ويشرع للحاج طواف الوداع ، وذلك غير الطواف المفروض
طواف الإفاضة الذي يكون بعد التعريف .
ويستحب أيضا الطواف في أثناء المقام بمنى ، ويستحب في جميع
الحول عموما.
وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل ، فهذا لم يفعله أحد على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا عائشة فى حجة الوداع ،
مع أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمرها به ، بل أذن فيه بعد
مراجعتها إياه ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فأما أصحابه الذين
حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إلى آخرم ، فلم يخرج أحد
منهم لا قبل الحجة ، ولا بعدها ، لا إلى التنعيم ، ولا إلى الحديبية ،
ولا إلى الجعرانة ، ولا غير ذلك ؛ لأجل العمرة . وكذلك أهل مكة
المستوطنين لم يخرج أحد منهم إلى الحل لعمرة ، وهذا متفق عليه ، معلوم
جميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته .
٢٥٢

وكذلك أيضاً أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة
من شهر رمضان سنة ثمان ، وإلى أن توفي لم يعتمر أحد منهم من مكة
ولم يخرج أحد منهم إلى الحل، ويهل منه، ولم يعتمر النبي صلى الله
عليه وسلم وهو بمكة قط ، لا من الحديبية ، ولا من الجعرانة ، ولا
غيرهما ، بل قد اعتمر أربع عمر : ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته .
وجميع عمره كان يكون فيها قادماً إلى مكة، لا خارجا منها إلى الحل .
فأما عمرة الحديبية فإنه اعتمر من ذي الحليفة - ميقات أهل
المدينة - هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة ، ثم
إنهم لما صدم المشركون عن البيت ، وقاضام النبى صلى الله عليه
وسلم على العمرة من العام القابل . وصالحهم الصلح المشهور ، حل هو
وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام . فأنزل الله
تعالى فى ذلك ( سورة الفتح )، وأنزل قوله تعالى: (وَأَتِمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْ تُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) الآية
. وقد ذكر
الشافعي وغيره الإجماع على أن هذه الآية نزلت فى ذلك العام .
ثم إنه بعد ذلك فى العام القابل سنة سبع بعد أن فتح خيبر ،
وكان فتح خيبر عقيب انصرافه من الحديبية ، ثم اعتمر هو ومن معه
عمرة القضية، وتسمى ((عمرة القضاء )، وكانت عمرته هذه فى ذي القعدة
سنة سبع ، والتى قبلها عمرة الحديبية ، وكانت أيضا فى ذي القعدة ،
٢٥٣

وعمرة الجعرانة كانت فى ذي القعدة ، وكانت عمره كلها فى ذي القعدة
أوسط أشهر الحج ، وبين للمسلمين بذلك جواز الاعتمار فى أشهر الحج
ولما اعتمر هو ومن معه عمرة القضية أحرموا أيضا من ذي الحليفة ،
ودخلوا مكة ، وأقاموا بها ثلاثاً ، وتزوج فى ذلك العام ميمونة
بنت الحارث.
ثم إن أهل مكة نقضوا العهد سنة ثمان ، فغزام النبى صلى الله
عليه وسلم غزوة الفتح فى نحو عشرة آلاف في شهر رمضان ، ودخل
مكة حلالا على رأسه المغفر ، وطاف بالبيت ، وأقام بمكة سبع عشرة
ليلة ، ولم يعتمر فى دخوله هذا ، وبلغه أن هوازن قد جمعت له فغزام
غزوة حنين ، وحاصر الطائف بعد ذلك ولم يفتحها ، وقسم غنائم حنين
بالجعرانة ، وأنشأ حينئذ العمرة بالجعرانة ، فكان قادماً إلى مكة في تلك
العمرة، لم يخرج من مكة إلى الجعرانة . وحكم كل من أنشأ الحج،
أو العمرة من مكان دون المواقيت أن يحرم من ذلك المكان . كما فى
الصحيحين عن ابن عباس قال: ((وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل
ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ، ممن
كان يريد الحج والعمرة ، ومن كان دونهن فمهله من أهله . وكذلك
أهل مكة يهلون منها )) .
٢٥٤

فإحرام النبى صلى الله عليه وسلم من الجعرانة كان لأنه
أنشأ العمرة منها ، وبعد أن حصل فيها لأجل الغزو والغنائم ، فقد
تبين أن الحديبية لم يحرم منها النبي صلى الله عليه وسلم لا قادماً إلى
مكة ، ولا خارجا منها ، بل كان محله من إحرامه بالعمرة لما صده
المشركون . وأما الجعرانة فأحرم منها لعمرة أنشأها منها ، وهذا كله
متفق عليه ، ومعلوم بالتواتر ؛ لا يتنازع فيه اثنان ممن له أدنى خبرة
بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم ، وسنته .
فمن توم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة فاعتمر من
الحديبية ، أو الجعرانة ، فقد غلط غلطاً فاحشاً منكراً ، لا يقوله إلا من
كان من أبعد الناس عن معرفة سنة النبى صلى الله عليه وسلم وسيرته
وإن كان قد غلط فى الاحتجاج بذلك على العمرة من مكة طوائف من
أكابر أعيان العلماء ، فقد ظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
جميعهم لم يعتمر أحد منهم فى حياته من مكة ، بعد فتح مكة ، ومصيرها
دار إسلام ، إلا عائشة .
وكذلك أيضا لم يعتمر أحد منها قبل الفتح حين كانت دار كفر ،
وكان بها من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة،
وقبل مجرته ، فإنهم كانوا يطوفون بالبيت . ولم يخرج أحد منهم إلى
الحل ليعتمر منه ، إذ الطواف بالبيت ما زال مشروعا من أول مبعث
٢٥٥

التى صلى الله عليه وسلم ، بل ولم يزل من زمن إبراهيم ، بل ومن
قبل إبراهيم أيضاً ، فإذا كان المسلمون حين كانوا بمكة من حين بعث
النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفى إذا كانوا بمكة لم يكونوا يعتمرون
من مكة ، بل كانوا يطوفون ويحجون من العام إلى العام ، وكانوا
يطوفون فى كل وقت من غير اعتمار ، كان هذا مما يوجب العلم ،
الضروري ، أن المشروع لأهل مكة إنما هو الطواف ، وأن ذلك هو
الأفضل لهم من الخروج للعمرة إذ من الممتنع أن يتفق النبى صلى الله
عليه وسلم وجميع أصحابه على عهده على المداومة على المفضول ، وترك
الأفضل ، فلا يفعل أحد منهم الأفضل . ولا يرغبهم فيه النبى صلى الله
عليه وسلم ، فهذا لا يقوله أحد من أهل الإيمان .
ومما يوضح ذلك: أن المسلمين قد تنازعوا فى وجوب العمرة ،
لوجوب الحج ، على قولين مشهورين للعلماء ، وروي النزاع في ذلك عن
الصحابة أيضاً ، فروي وجوبها عن عمر وابن عباس ، وغيرهما . وروي
عدم الوجوب عن ابن مسعود . والأول هو المشهور عن الشافعي ،
وأحمد. والثاني: هو أحد قوليها ، وقول أبى حنيفة ، ومالك.
ومع هذا فالمنقول الصريح عمن أوجب العمرة من الصحابة
والتابعين لم يوجبها على أهل مكة . قال أحمد بن حنبل : كان ابن عباس
يرى العمرة واجبة ، ويقول : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم
طوافكم بالبيت ، وقال عطاء بن أبى رباح - أعلم التابعين بالمناسك ،
٢٥٦

وإمام الناس فيها - ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة
واجبتان ، لا بد منها لمن استطاع إليهما سبيلا، إلا أهل مكة ، فإن
عليهم حجة ، وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت ، وم
يفعلونه فأجزا عنهم . وقال طاوس ليس على أهل مكة عمرة رواه ابن
أبى شيبة .
وكلام هؤلاء السلف وغيرهم يقتضي أنهم كانوا لم يستحبوها لأهل
مكة، فضلا عن أن يوجبوها ، كما رواه أبو بكر بن أبى شيبة . فى كتابه
الكبير ((المصنف)) ثنا ابن إدريس ، عن ابن جريج عن عطاء قال :
ليس على أهل مكة عمرة . قال ابن عباس : أنتم يا أهل مكة لا عمرة
لكم، إنما عمرتكم الطواف بالبيت، فمن جعل بينه وبين الحرم بطن واد
فلا يدخل مكة إلا بإحرام ، قال : فقلت لعطاء : أيريد ابن عباس واد
من الحل ؟ قال : بطن واد من الحل . وقال: حدثنا سفيان بن عيينة ،
عن عمرو بن دينار ، عن ابن كيسان، سمعت ابن عباس يقول : لا يضركم
يا أهل مكة أن لا تعتمروا ، فإن أبيتم فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن
واد . وقال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن خلف بن
مسلم عن سالم : قال : لوكنت من أهل مكة ما اعتمرت ، وقال حدثنا
عبيد الله بن موسى عن عثمان عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة
إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به ، وأهل مكة يطوفون متى شاءوا،
٢٥٧

وهذا نص أحمد في غير موضع ، على أن أهل مكة لا عمرة عليهم ،
مع قوله بوجوبها على غيرهم .
ولهذا كان تحقيق مذهبه ، إذا أوجب العمرة أنها تجب إلا على
أهل مكة ، وإن كان من أصحابه من جعل هذا التفريق رواية ثالثة عنه ،
وإن القول بالإيجاب بعم مطلقاً . ومنهم من تأول كلامه على أنه لا عمرة
عليهم مع الحجة ؛ لأنه يتقدم منهم فعلها فى غير وقت الحج ، فهذا
خلاف نصوص أحمد الصريحة عنه بالتفريق .
ثم من هؤلاء من يقول : مثل ذلك من أصحاب الشافعي في وجوب
العمرة على أهل مكة ، قول ضعيف جدا مخالف للسنة الثابتة ، وإجماع
الصحابة ، فإنها لو كانت واجبة عليهم لأمريم النبى صلى الله عليه وسلم
بها، ولكانوا يفعلونها، وقد علم أنه لم يكن أهل مكة يعتمرون على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا ، بل ولا يمكن أحد أن
ينقل عن أحد أنه اعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا عائشة .
ولهذا كان المصنفون للسنن إذا أرادوا ذكر ما جاء من السنة
فى العمرة من مكة لم يكن معهم إلا قضية عائشة، ومن المعلوم أنما دون
هذا تتوفر الهمم والدواعى على نقله ، فلو كان أهل مكة كلهم بل
٢٥٨

أو بعضهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يخرجون إلى الحل
فيعتمرون فيه لنقل ذلك ، كما نقل خروجهم فى الحج إلى عرفات ، وقد
حج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وخرج معه أهل مكة
إلى عرفات ، ولم يعتمر بعد الحجة ، ولا قبلها أحد من أدنى الحل ، لا
أهل مكة ، ولا غيرهم، إلا عائشة ، ثم كان الأمر على ذلك زمن
الخلفاء الراشدين . حتى قال ابن عباس ، ثم عطاء وغيرهما ، لما بعد
عهد الناس بالنبوة : يا أهل مكة ليس عليكم عمرة ، إنما عمرتكم الطواف
بالبيت ، ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة يعتمرون على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ويؤمرون بذلك لم يكن مثل هذا
خافيا على ابن عباس . إمام أهل مكة . وأعلم الأمة فى زمنه
بالمناسك وغيرها .
وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة ، بل إمام الناس كلهم فى المناسك،
حتى كان يقال فى أئمة التابعين الأربعة أئمة أهل الأمصار : سعيد بن المسيب
إمام أهل المدينة ، وعطاء بن أبى رباح إمام أهل مكة، وابراهيم النخعي
إمام أهل الكوفة، والحسن البصري إمام أهل البصرة ، وأعلمهم بالحلال
والحرام سعيد بن المسيب ، وأعلمهم بالمناسك عطاء، وأعلمهم بالصلاة
إبراهيم ، وأجمعهم الحسن .
وأيضا فإن كل واحد من الحج والعمرة بتضمن القصد إلى بيت
٢٥٩

الله، المحيط به حرم الله تعالى، ولهذا لم يكن بد من أن يجمع فى
نسكه بين الحل والحرم ، حتى يكون قاصداً للحرم من الحل ، فيظهر
فيه معنى القصد إلى الله، والتوجه إلى بيته وحرمه، فمن كان بيته خارج
الحرم ، فهو قاصد من الحل إلى الحرم، إلى البيت .
وأما من كان بالحرم كأهل مكة فهم فى الحج ، لابد لهم من
الخروج إلى عرفات ، وعرفات هي من الحل، فإذا أفاضوا من عرفات
قصدوا حينئذ البيت من الحل .
ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلا بعد التعريف ، وهو
القصد من الحل إلى الكعبة ، الذي هو حقيقة الحج ، كما قال النبي صلى
اللّه عليه وسلم: ((الحج عرفة)) ولهذا كان الحج يدرك بإدراك التعريف
ويفوت بفوات وقته بطلوع فجر يوم النحر بعد يوم التعريف ، فحقيقة
الحج ممكنة فى حق أهل مكة ، كما هي ممكنة في حق غيرهم ، إذ ما قبل
التعريف من الأعمال كطواف القدوم ليس من الأمور اللازمة . فإن
النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة أنها قد حاضت ، وكانت متمتعة
أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض رأسها، وتمتشط، وتهل
بالحج ، وتدع العمرة .
فأكثر الفقهاء بقولون جعلها قارنة ، وأسقط عنها طواف القدوم
٢٦٠