النص المفهرس

صفحات 181-200

ذلك ، ولا يكره لها ذلك ، بل يجب عليها، والجنب يكره له ذلك حتى
يغتسل لأنه قادر على الطهارة بخلاف الحائض .
فهذا أصل عظيم في هذه المسائل ونوعها ، لا ينبغى أن ينظر إلى
غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن ؛
بل الموجبة للاستحباب ، أو الإيجاب .
وكل ما يحرم معه الصلاة يجب معه عند الحاجة إذا لم تمكن الصلاة
إلا كذلك ، فإن الصلاة مع تلك الأمور أخف من ترك الصلاة ، فلو
صلى بتيمم مع قدرته على استعمال الماء ، لكانت الصلاة محرمة ، ومع
عجزه عن استعمال الماء كانت الصلاة بالتيمم واجبة بالوقت ، وكذلك الصلاة
عريانا ، وإلى غير القبلة ، ومع حصول النجاسة ، وبدون القراءة ، وصلاة
الفرض قاعدا أو بدون إكمال الركوع والسجود ، وأمثال ذلك مما يحرم
مع القدرة ، ويجب مع العجز .
وكذلك أكل الميتة والهم ولحم الخنزير : يحرم أكلها عند الغنى
عنها ، ويجب أكلها عند الضرورة عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء.
قال مسروق : من اضطر فلم بأ كل حتى مات دخل النار . وذلك
لأنه أعان على قتل نفسه بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له فى
هذه الحال ، فصار بمنزلة من قتل نفسه ، بخلاف المجاهد بالنفس ، ومن
١٨١

تكلم بحق عند سلطان جائر ، فإن ذلك قتل مجاهدا ففى قتله مصلحة
لدين الله تعالى .
وتعليل منع طواف الحائض : بأنه لأجل حرمة المسجد ، رأيته
يعلل به بعض الحنفية ، فإن مذهب أبى حنيفة أن الطهارة واجبة له، لا
فرض فيه ، ولا شرط له ، ولكن هذا التعليل يناسب القول بأن طواف
المحدث غير محرم ، وهذا مذهب منصور بن المعتمر ، وحماد بن أبي سليمان
رواه أحمد عنهما. قال عبد الله فى مناسكه: حدثنى أبى ، حدثنا سهل
ابن يوسف ، أنبأنا شعبة عن حماد ومنصور قال : سألتهما من الرجل
يطوف بالبيت وهو غير متوضئ فلم يريا به بأساً. قال عبد الله: سألت أبي
عن ذلك فقال: أحب إلي أن يطوف بالبيت وهو متوضئ ؛ لأن الطواف صلاة
وأحمد عنه روايتان منصوصتان في الطهارة : هل هي شرط فى الطواف ؟ أم
لا ؟ وكذلك وجوب الطهارة في الطواف كلامه فيها يقتضي روايتين .
وكذلك قال بعض الحنفية : إن الطهارة ليست واجبة فى الطواف،
بل سنة ، مع قوله : إن فى تركها دما ، فمن قال : إن المحدث يجوز له
أن يطوف ، بخلاف الحائض والجنب - فإنه يمكنه تعليل المنح بحرمة
المسجد ، لا بخصوص الطواف لأن الطواف: يباح فيه الكلام ، والأكل
والشرب، فلا يكون كالصلاة ، ولأن الصلاة مفتاحها الطهور ، وتحريمها
التكبير ، وتحليلها التسليم ، والطواف ليس كذلك . ويقول : إنما منع
العراة من ذلك لأجل نظر الناس ، ولحرمة المسجد أيضا .
١٨٢

ومن قال هذا ، قال: المطاف أشرف المساجد ، ولا يكاد يخلو
من طائف. وقد قال الله تعالى: ( خُذُ واْزِينَتَّكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ)
فأمر بأخذها عند دخول المسجد، وهذا بخلاف الصلاة، فإن المصلي عليه
أن يستتر لنفس الصلاة ، والصلاة نفعل فى جميع البقاع ، فلو صلى
وحده فى بيت مظلم لكان عليه أن يفعل ما أمر به من الستر للصلاة ،
بخلاف الطواف فإنه يشترط فيه المسجد الحرام ، والاعتكاف يشترط
فيه جنس المساجد .
وعلى قول هؤلاء فلا يحرم طواف الجنب والحائض إذا اضطر إلى
ذلك ، كما لا يحرم عندهم الطواف على المحدث بحال ؛ لأنه لا يحرم عليها
دخول المسجد حينئذ ، وهما إذا كانا مضطرين إلى ذلك أولى بالجواز من
المحدث الذى يجوزون له الطواف مع الحدث من غير عذر ألا ترى أن
المحدث منع من الصلاة ومس المصحف مع قدرته على الطهارة ، وذلك
بائر للجنب مع التيمم ، وإذا عجز عن التيمم صلى بلا غسل ، ولا تيمم
فى أحد قولي العلماء ، وهو المشهور فى مذهب الشافعى ، وأحمد ،
كما ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا مع الجنابة قبل أن تنزل
آية التيمم .
والحائض نهيت عن الصوم فإنها ليست محتاجة إلى الصوم فى الحيض
فإنه يمكنها أن تصوم شهرا آخر غير رمضان ، فإذا كان المسافر والمريض
١٨٣

مع إمكان صومهما جعل لهما أن يصوما شهرا آخر ، فالحائض الممنوعة
من ذلك أولى أن تصوم شهراً آخر ، وإذا أمرت بقضاء الصوم لم نؤمر
إلا بشهر واحد ، فلم يجب عليها إلا ما يجب على غيرها ؛ ولهذا لو
استحاضت فإنها تصوم مع الاستحاضة ، فإن ذلك لا يمكن الاحتراز
عنه ، إذ قد تستحيض وقت القضاء .
وأما الصلاة فإنها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض
مما يمنع الصلاة، فلو قيل : إنها تصلي مع الحيض ، لأجل الحاجة ، لم
يكن الحيض مانعا من الصلاة بحال ، وكان يكون الصوم والطواف بالبيت
أعظم حرمة من الصلاة ، وليس الأمر كذلك ، بل كان من حرمة الصلاة
أنها لا تصلي وقت الحيض ، إذا كان لها في الصلاة أوقات الطهر غنية
عن الصلاة وقت الحيض، وإذا كانت إنما منعت من الطواف لأجل المسجد
فمعلوم أن إباحة ذلك للعذر أولى من إباحة مس المصحف للعذر ، ولو
كان لها مصحف ولم يمكنها حفظه إلا بمسه مثل أن يريد أن يأخذه
لص ، أو كافر ، أو ينهبه أحد، أو يتهبه منها، ولم يمكنها منعه إلا
بمسه ، لكان ذلك جائزاً لها مع أن المحدث لا يمس المصحف ، ويجوز له
الدخول فى المسجد .
فعلم أن حرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد ، وإذا أبيح لها
مس المصحف للحاجة ، فالمسجد الذى حرمته دون حرمة المصحف
١٨٤

أولى بالإباحة .
فصل
وأما إن كان المنح من الطواف لمعنى في نفس الطواف ، كما منع
من غيره ، أو كان لذلك وللمسجد: كل منهما علة مستقلة. فنقول: إذا
اضطرت إلى ذلك بحيث لم يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض لتعذر
المقام عليها إلى أن تطهر ، فهنا الأمر دائر بين أن تطوف مع الحيض .
وبين الضرر الذى ينافى الشريعة ، فإن إلزامها بالمقام إذا كان فيه خوف
على نفسها ومالها ، وفيه عجزها عن الرجوع إلى أهلها ، وإلزامها بالمقام
بمكة مع عجزها عن ذلك ، وتضررها به : لا تأتى به الشريعة ، فإن
مذهب عامة العلماء أن من أمكنه الحج ، ولم يمكنه الرجوع إلى أهله لم
يجب عليه الحج ، وفيه قول ضعيف أنه يجب إذا أمكنه المقام. أما مع
الضرر الذى يخاف منه على النفس ، أو مع العجز عن الكسب ، فلا
يوجب أحد عليه المقام ، فهذه لا يجب عليها حج يحتاج معه إلى
سکنی مكة .
وكثير من النساء إذا لم ترجع مع من حجت معه لم يمكنها بعد ذلك
الرجوع ، ولو قدر أنه يمكنها بعد ذلك الرجوع ، فلا يجب عليها أن
١٨٥

يبقى وطؤها محرما مع رجوعها إلى أهلها ، ولا تزال كذلك إلى أن تعود،
فهذا أيضا من أعظم الحرج الذى لا يوجب الله مثله ، إذ هو أعظم من
إيجاب حجتين ، والله تعالى لم يوجب إلا حجة واحدة .
ومن وجب عليه القضاء كالمفسد فإنما ذاك لتفريطه بإفساد الحج ،
ولهذا لم يجب القضاء على المحصر فى أظهر قولي العلماء لعدم
التفريط ، ومن أوجب القضاء على من فاته الحج ، فإنه يوجبه لأنه
مفرط عنده .
وإذا قيل في هذه المرأة : بل تتحلل كما يتحلل المحصر ، فهذا
لا يفيد سقوط الفرض عنها ، فتحتاج مع ذلك إلى حجة ثانية ، ثم
هي فى الثانية تخاف ما خافته فى الأولى، مع أن المحصر لا يحل إلا مع
العجز الحسي ، إما بعدو ، أو بمرض، أو فقر ، أو حبس. فأما من
جهة الشرع فلا يكون أحد محصراً ، وكل من قدر على الوصول إلى
البيت لم يكن محصراً فى الشرع ، فهذه هي التقديرات التى يمكن أن
تفعل : إما مقامها بمكة، وإما رجوعها محرمة، وإما تحللها. وكل ذلك مما
منعه الشرع فى حق مثلها .
وإن قيل: إن الحج يسقط عن مثل هذه، كما يسقط عمن لا تحج
إلا مع من يفجر بها، لكون الطواف مع الحيض يحرم كالفجور .
١٨٦

قيل : هذا مخالف لأصول الشرع ؛ لأن الشرع مبناه على قوله
تعالى: (فَنَّقُواْلَهَمَا اسْتَطَعْتُمْ ) وعلى قول النبى صلى اللّه عليه وسلم
(( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ومعلوم أن المرأة إذا لم
يمكنها فعل شيء من فرائض الصلاة ، أو الصيام أو غيرهما، إلا مع
الفجور ، لم يكن لها أن تفعل ذلك، فإن الله تعالى لم يأمر عباده بأمر
لا يمكن إلا مع الفجور ، فإن الزنا لا يباح بالضرورة ، كما يباح أكل
الميتة عند الضرورة ، ولكن إذا أ كرهت عليه بأن يفعل بها، ولا
تستطيع الامتناع منه ، فهذه لا فعل لها، وإن كان بالإكراه ففيه قولان
هما روايتان من أحمد :
(إحداهما) أنه لا يباح بالإكراه ، إلا الأقوال دون الأفعال .
( والثاني ) وهو قول الأكثرين. أن المكرهة على الزنا ، وشرب
الخمر، معفو عنها. لقوله تعالى: ( وَمَن يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّاللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ).
وأما الرجل الزانى : ففيه قولان فى مذهب أحمد ، وغيره بناء
على أن الإكراه هل يمنع الانتشار ، أم لا، فأبو حنيفة وأحمد فى
المنصوص عنه يقولان لا يكون الرجل مكرها على الزنا .
وأما إذا أمكن العبد أن يفعل بعض الواجبات دون بعض ، فإنه
١٨٧

يؤمر بما يقدر عليه ، وما عجز عنه يبقى ساقطاً ، كما يؤمر بالصلاة عريانا
ومع النجاسة ، وإلى غير القبلة ، إذا لم يطق إلا ذلك ، وكما يجوز
الطواف راكباً ومحمولا للعذر بالنص واتفاق العلماء ، وبدون ذلك ففيه
نزاع . وكما يجوز أداء الفرض للمريض قاعداً أو راكباً ، ولا يجوز
ذلك فى الفرض بدون العذر ، مع أن الصلاة إلى غير القبلة ، والصلاة
عرياناً، وبدون الاستنجاء، وفى الثوب النجس : حرام فى الفرض والنفل ،
ومع هذا فلأن يصلي الفرض مع هذه المحظورات خير من تركها ،
وكذلك صلاة الخوف مع العمل الكثير ، ومع استدبار القبلة، مع
مفارقة الإمام فى أثناء الصلاة ، ومع قضاء ما فاته قبل السلام ، وغير
ذلك مما لا يجوز فى غير العذر .
فإن قيل : الطواف مع الحيض كالصلاة مع الحيض ، والصوم
مع الحيض ، وذلك لا يباح بحال .
قيل : الصوم مع الخيض لا يحتاج إليه بحال ، فإن الواجب عليها
شهر ، وغير رمضان يقوم مقامه ، وإذا لم يكن لها أن تؤدى الفرض
مع الحيض ، فالنفل بطريق الأولى ؛ لأن لها مندوحة عن ذلك بالصيام
في وقت الطهر ، كما كان للمصلي المتطوع فى أوقات النهي مندوحة عن
ذلك بالتطوع فى أوقات أخر ، فلم تكن محتاجة إلى الصوم مع الحيض
بحال ، فلا تباح هذه المفسدة مع الاستغناء عنها . كما لا تباح صلاة
١٨٨

التطوع التى لا سبب لها فى أوقات النهي ، بخلاف ذوات الأسباب فإن
الراجح في الدليل من قولي العلماء : أنها تجوز لحاجته إليها ، فإنه إن
لم يفعلها تعذر فعلها وفانت مصلحتها؛ بخلاف التطوع المحض ، فإنه
لا يفوت . والصوم من هذا الباب ليس لها صوم إلا ويمكن فعله فى
أيام الطهر ، ولهذا جاز للمستحاضة الصوم والصلاة .
وأما الصلاة: فإنها لو أبيحت مع الحيض ، لم يكن الحيض مانعاً
من الصلاة بحال ، فإن الحيض مما يعتاد النساء ، كما قال الني صلى الله
عليه وسلم لعائشة: (( إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)) فلو أذن
لهن النبى صلى الله عليه وسلم أن يصلين بالحيض ، صارت الصلاة مع
الحيض كالصلاة مع الطهر .
ثم إن أبيح سائر العبادات لم يبق الحيض مانعاً ، مع أن الجنابة
والحدث الأصغر مانع ، وهذا تناقض عظيم ، وإن حرم ما دون الصلاة
وأبيحت الصلاة ، كان أيضا تناقضا ، ولم تكن محتاجة إلى الصلاة زمن
الحيض ، فإن لها فى الصلاة زمن الطهر - وهو أغلب أوقاتها -
ما يغنيها عن الصلاة أيام الحيض، ولكن رخص لها فيما تحتاج إليه من التلبية
والذكر والدعاء . وقد أمرت مع ذلك بالاغتسال ، كما أمر النبي صلى
اللّه عليه وسلم أسماء أن تغتسل عند الإحرام لما نفست بمحمد بن أبى
بكر . وأمر أيضاً بذلك النساء مطلقا ، وأمر عائشة حين حاضت بسرف
١٨٩

أن تغتسل، وتحرم بالحج ، فأمرها بالاغتسال مع الحيض للإهلال بالحج
ورخص للحائض مع ذلك أن تلبى ، وتقف بعرفة، وندعو وتذكر الله
ولا تغتسل ، ولا تتوضأ ، ولا يكره لها ذلك، كما يكره للجنب لو فعل
ذلك بدون طهارة ؛ لأنها محتاجة إلى ذلك، وغسلها ووضوؤها لا يؤثران
في الحدث المستمر ، بخلاف غسلها عند الإحرام ، فإنه غسل نظافة ،
كما يغتسل للجمعة .
ولهذا هل يتيمم لمثل هذه الأغسال إذا عدم الماء ؟ على قولين فى
مذهب أحمد ، وكذلك هل ييمم الميت إذا تعذر غسله؟ على قولين .
وليس هذا كغسل الجنابة ، والوضوء من الحدث . ومع هذا فلم تؤمر
بالغسل عند دخول مكة ، والوقوف بعرفة ، فلما نهيت عن الصلاة
مع الحيض دون الأذكار من غير كراهة ، علم الفرق بين ما محتاج
إليه ، وما لا تحتاج إليه .
فإن قيل : سائر الأذكار تباح للجنب والمحدث فلا حظر فى ذلك.
قيل : الجنب ممنوع من قراءة القرآن، ويكره له الأذان مع
الجنابة والخطبة ، وكذلك النوم بلا وضوء ، وكذلك فعل المناسك بلا
طهارة مع قدرته عليها ، والمحدث أيضاً تستحب له الطهارة لذكر الله
تعالى، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إنى كرهت أن أذكر
١٩٠

اللّه إلا على طهر)) والحائض لا يستحب لها شيء من ذلك، ولا
يكره الذكر بدونه عند أحد من العلماء ، للسنة المتواترة فى ذلك .
وإنما تنازعوا فى قراءة القرآن ، وليس في منعها من القرآن سنة
أصلا، فإن قوله: ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)»
حديث ضعيف . باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، رواه إسماعيل بن عياش
عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر . وأحاديثه عن أهل
الحجاز يغلط فيها كثيراً ، وليس لهذا أصل عن النبي صلى الله عليه
وسلم، ولا حدث به عن ابن عمر ، ولا عن نافع ، ولا عن موسى
ابن عقبة ، أصحابهم المعروفون بنقل السنن عنهم .
وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبى صلى
اللّه عليه وسلم لأمته ، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه
إلى الناس ، فلما لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك
نهيا، لم يجز أن تجعل حراماً، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم
بنه عنه مع كثرة الحيض فى زمنه علم أنه ليس بمحرم .
وهذا كما استدللنا على أن المنى لو كان نجساً لكان يأمر الصحابة
بإزالته من أبدانهم وثيابهم ؛ لأنه لابد أن يصيب أبدان الناس وثيابهم
١٩١

فى الاحتلام ، فلما لم ينقل أحد عنه أنه أمر بإزالة ذلك لا بغسل ، ولا
فرك ، مع كثرة إصابة ذلك الأبدان والثياب على عهده ، وإلى يوم
القيامة ، على أنه لم يأمر بذلك، ويمتنع أن تكون إزالته واجبة ولا
يأمر به ، مع عموم البلوى بذلك. كما أمر بالاستنجاء من الغائط والبول
والحائض بإزالة دم الحيض من ثوبها .
وكذلك الوضوء من لمس النساء ، ومن النجاسات الخارجة من
غير السبيلين : لم يأمر المسلمين بالوضوء من ذلك ، مع كثرة ابتلائهم
به ، ولو كان واجباً لكان يجب الأمر به ، وكان إذا أمر به فلا بد
أن ينقله المسلمون ؛ لأنه مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله . وأمره
بالوضوء من مس الذكر ، ومما مست النار : أمر استحباب ، فهذا
أولى أن لا يكون إلا مستحباً ، وإذا كانت سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم مضت بأنه يرخص للحائض فيما لا يرخص فيه للجنب، لأجل
حاجتها إلى ذلك، لعدم إمكان تطهرها ، وأنه إنما حرم عليها مالا يحتاج
إليه، فمنعت منه كما منعت من الصوم ؛ لأجل حدث الحيض ، وعدم
احتياجها إلى الصوم ، ومنعت من الصلاة بطريق الأولى : لاعتياضها عن
صلاة الحيض بالصلاة بالطهر ، فهي التى منعت من الطواف إذا أمكنها
أن تطوف مع الطهر ؛ لأن الطواف بشبه الصلاة من بعض الوجوه .
وليس كالصلاة من كل الوجوه .
١٩٢

والحديث الذي رواه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه
الكلام ، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير )) قد قيل : إنه من كلام
ابن عباس . وسواء كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أو
كلام ابن عباس ، ليس معناه أنه نوع من الصلاة كصلاة الجمعة ،
والاستسقاء ، والكسوف ، فإن الله قد فرق بين الصلاة والطواف
بقوله تعالى: ( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْمَكِّفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ).
وقد تكلم العلماء : أيما أفضل للقادم : الصلاة ؟ أو الطواف ؟ وأجمع
العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت، وصلى خلف
المقام ركعتين .
والآ ثار عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر
العلماء بالفرق بين مسمى الصلاة، ومسمى الطواف متواترة، فلا يجوز
أن يجعل نوعا من الصلاة، والنبى صلى الله عليه وسلم قال: ((الصلاة
مفتاحها الطهور ، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، والطواف
ليس تحريمه التكبير ، وتحليله التسليم ، وقد تنازع السلف ومن
بعدم فى وجوب الوضوء من الحدث له، والوضوء للصلاة معلوم بالاضطرار
من دين الإسلام ، ومن أنكره فهو كافر ، ولم ينقل شيء عن النبى
صلى الله عليه وسلم فى وجوب الوضوء له، ومنع الحائض لا يستلزم
١٩٣

منع المحدث . وتنازع العلماء فى الطهارة من الحيض : هل هي واجبة
فيه ؟ أو شرط فيه ؟ على قولين فيه ، ولم يتنازعوا فى الطهارة للصلاة
أنها شرط فيها، وأيضاً فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة
إلا بأم القرآن)) والقراءة فيه ليست واجبة باتفاق العلماء، بل في كراهتها
قولان للعلماء.
وأيضاً فإنه قد قال: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء، ومما
أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة)، فنهى عن الكلام فى الصلاة مطلقاً .
والطواف يجوز فيه من الكلام ما لا يجوز في غيره، وبهذا يظهر الفرق
بينه وبين صلاة الجنازة ، فإن لها تحريما وتحليلا ، ونهى فيها عن
الكلام ، وتصلى بإمام وصفوف ، وهذا كله متفق عليه ، والقراءة
فيها سنة عن النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا أصح قولى العلماء.
وأما ((سجود التلاوة)): فقد تنازع العلماء هل هو من الصلاة
التى تشترط لها الطهارة مع أنه سجود ، وهو أعظم أركان الصلاة
الفعلية ، ولا يتكلم في حال سجوده، بل يكبر إذا سجد ، وإذا
رفع، ويسلم أيضاً فى أحد قولي العلماء، هذا عند من بسلم أن السجود
المجرد كسجود التلاوة تجب له الطهارة ، ومن منع ذلك قال: إنه يجوز
بدون الوضوء ، وقال : إن السجود المجرد لا يدخل في مسمى الصلاة
وإنما مسمى الصلاة ماله تحريم وتحليل. وهذا السجود لم يرو عن
١٩٤

النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمر له بالطهارة ، بل ثبت في
الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قرأ ((سورة النجم)) سجد
معه المسلمون ، والمشركون ، والجن ، والإنس . وسجد سحرة
فرعون على غير طهارة، وثبت عن ابن عمر أنه سجد للتلاوة
على غير وضوء، ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أوجب فيه
الطهارة ، وكذلك لم يرو أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه سلم
فيه ، وأكثر السلف على أنه لا يسلم فيه ، وهو إحدى الروايتين
عن أحمد ، وذكر أنه لم يسمع فى التسليم أثرا . ومن قال
فيه تسليم ، فقد أثبته بالقياس الفاسد ، حيث جعله صلاة ، وهو
موضع المنع .
(( وصلاة الجنازة)) قد ذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط لها الطهارة
لكن هذا قول ضعيف ، فإن لها تحريما وتحليلا، فهي صلاة ، وليس
الطواف مثل شيء من ذلك ، ولا الحائض محتاجة إلى ذلك ، فإنها إذا لم
نصل فرض العين ففرض الكفاية والنقل أولى، ودعاؤها للميت
واستغفارها له يحصل المقصود بحسب الإمكان ، كما أن شهودها العيد،
وذكر الله تعالى مع المسلمين يحصل المقصود بحسب الإمكان .
والطواف وإن كان له مزية على سائر المناسك بنفسه ، ولكونه
في المسجد ، وبأن الطواف شرع منفرداً بنفسه ، وشرع فى العمرة ،
١٩٥

وشرع فى الحج. وأما الإحرام والسعى بين الصفا والمروة ، والحلق فلا
يشرع إلا فى حج أو عمرة ، وأما سائر المناسك من الوقوف بعرفة
ومزدلفة ورمي الجمار فلا يشرع إلا في الحج ، فهذا يدل على أن الله
عز وجل يسره للناس ، وجعل لهم التقرب به مع الإحلال والإحرام
فى النسكين ، وفى غيرهما ، فلم يوجب فيه ما أوجبه فى الصلاة ؛ ولا
حرم فيه ما حرمه فى الصلاة. فعلم أن أمر الصلاة أعظم : فلا يجعل
مثل الصلاة .
ومن قال من العلماء: إن طواف أهل الآفاق أفضل من الصلاة
بالمسجد ، فإنما ذلك لأن الصلاة تمكنهم فى سائر الأمصار ، بخلاف
الطواف ، فإنه لا يمكن إلا بمكة ، والعمل المفضول فى مكانه وزمانه
يقدم على الفاضل لا لأن جنسه أفضل ، كما يقدم الدعاء فى آخر الصلاة
على الذكر والقراءة ويقدم الذكر في الركوع والسجود على القراءة ،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( نهيت أن أقرأ القرآن
راكعا وساجداً)، وكما تقدم القراءة والذكر والدعاء فى أوقات
النهي، وكما تقدم إجابة المؤذن على الصلاة ، والقراءة ؛ لأن هذا يفوت
وذلك لا يفوت ، وكما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها ، قدم ما
يخاف فوانه، فالطواف قدم لأنه يفوت الآفاقى إذا خرج ، فقدم ذلك
لا لأن جنسه أفضل من جنس الصلاة بل ولا مثلها، فإن هذا لا
١٩٦

يقوله أحد ، والحج كله لا يقاس بالصلاة التى هي عمود الدين،
فكيف يقاس بها بعض أفعاله وإنما فرض الله الحج على كل مسلم مرة
فى العمر، ولم يوجب شيئاً من أعماله مرتين، بل إنما فرض طوافا
واحداً ، ووقوفا واحداً .
وكذلك السعي عن أحمد فى أنص الروايتين عنه لا يوجب على
المتمتح إلا سعياً واحداً، إما قبل التعريف ، وإما بعده بعد الطواف ،
ولهذا قال أكثر العلماء إن العمرة لا يجب ، كما هو مذهب مالك وأبى
حنيفة، وهو أحد القولين فى مذهب الشافعي وأحمد ، وهو الأظهر
في الدليل . فإن الله لم يوجب إلا حج البيت ، لم يوجب العمرة ،
ولكن أوجب إتمام الحج والعمرة على من يشرع فيها ، لأن العمرة هي
الحج الأصغر ، فيجب إتمامها كما يجب إتمام الحمج التطوع، والله لم يوجب
إلا مسمى الحج، لم يوجب حجين أكبر وأصغر ، والمسمى يحصل
بالحج الأكبر ، وهو المفهوم من اسم الحج عند الإطلاق ، فلا يجب
غير ذلك ، وليس فى أعمال العمرة قدر زائد على أعمال الحج ،
فلو وجبت لم يجب إلا عمل واحد مرتين ، وهذا خلاف ما أوجبه
الله فى الحج .
والمقصود هنا : أن الحج إذا لم يجب إلا مرة واحدة، فكيف
يقاس بما يجب فى اليوم والليلة خمس مرات .
١٩٧

وهذا مما يفرق بين طواف الحائض ، وصلاة الحائض، فإنها تحتاج
إلى الطواف الذي هو فرض عليها مرة فى العمر ، وقد تكلفت السفر
الطويل، وحملت الإبل أثقالها إلى بلد لم يكن الناس بالغيه إلا بشق
الأنفس. فأين ماجة هذه إلى الطواف من حاجتها إلى الصلاة التى
تستغنى عنها زمن الحيض بما تفعله زمن الطهر ؟! وقد تقدم أن الحائض
لم تمنع من القراءة لحاجتها إليها ، وحاجتها إلى هذا الطواف أعظم.
وإذا قال القائل : القرآن تقرؤه مع الحدث الأصغر ، والطواف
يجب له الطهارة . قيل له : هذا فيه نزاع معروف عن السلف، والخلف
فلا بد لك من حجة على وجوب الطهارة الصغرى فى الطواف .
والاحتجاج بقوله: ((الطواف بالبيت صلاة)) حجة ضعيفة ، فإن غايته
أن يشبه بالصلاة في بعض الأحكام ، وليس المشبه كالمشبه به من كل
وجه ، وإنما أراد أنه كالصلاة فى اجتناب المحظورات التى تحرم خارج
الصلاة ، فأما ما يبطل الصلاة ، وهو الكلام والأكل والشرب
والعمل الكثير فليس شيء من هذا مبطلا للطواف ، وإن كره فيه
إذا لم يكن به حاجة إليه ، فإنه يشغل عن مقصوده ، كما يكره مثل ذلك
عند القراءة والدعاء والذكر . وهذا كقول النبى صلى الله عليه وسلم:
((العبد فى صلاة ما دام ينتظر الصلاة)) وقوله: ((إذا خرج أحدكم
إلى المسجد فلا بشبك بين أصابعه ، فإنه فى صلاة )).
١٩٨

ولهذا قال ((إلا أن الله أباح لكم فيه الكلام)) ومعلوم أنه يباح
فيه الأكل والشرب ، وهذه محظورات الصلاة التى تبطلها : الأكل ،
والشرب ، والعمل الكثير ، ولا يبطل شيء من ذلك الطواف ، بل
غايته أنه يكره فيه لغير حاجة ، كما يكره العبث في الصلاة ، ولو قطع
الطواف لصلاة مكتوبة ، أو جنازة أقيمت بى على طوافه . والصلاة
لا تقطع لمثل ذلك ، فليست محظورات الصلاة محظورة فيه ، ولا واجبات
الصلاة واجبات فيه ، كالتحليل والتحريم، فكيف يقال : إنه مثل الصلاة
فيما يجب لها ويحرم فيها ؟! فمن أوجب له الطهارة الصغرى ، فلا بد
له من دليل شرعي ، وما أعلم ما يوجب ذلك .
ثم تدبرت وتبين لي أن طهارة الحدث لاتشترط في الطواف ، ولا يجب فيه
بلا ريب ، ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى ، فإن الأدلة الشرعية
إنما تدل على عدم وجوبها فيه ، وليس فى الشريعة ما يدل على وجوب
الطهارة الصغرى فيه ، وحينئذ فلا نسلم أن جنس الطواف أفضل من
جنس قراءة القرآن ، بل جنس القراءة أفضل منه ، فإنها أفضل ما فى
الصلاة من الأقوال ، والسجود أفضل ما فيها من الأفعال ، والطواف
ليس فيه ذكر مفروض .
وإذا قيل : الطواف قد فرض بعضه ، قيل له قد فرضت القراءة
فى كل صلاة ، فلا تصح صلاة إلا بقراءة ، فكيف يقاس الطواف
١٩٩

بالصلاة . وإذا كانت القراءة أفضل. وهى تجوز للحائض مع حاجتها
إليها في أظهر قولي العلماء ، فالطواف أولى أن يجوز مع الحاجة .
وإذا قيل: أنتم تسلمون أن الطواف فى الأصل محظور على الحائض
وإنما يباح للضرورة . قيل : من علل بالمسجد فلا يسلم أن نفس
فعله محظور لنفسه ، ومن سلم ذلك يقول : وكذلك من القرآن ما هو
محظور على الحائض ، وهو القراءة فى الصلاة ، وكذلك فى غير الصلاة
لغير حاجة يحرمها أكثر العلماء ، وإنما أبيحت للحاجة ، فإذا أبيحت
للحاجة فالطواف أولى .
ثم مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير
العلماء ، وكما دل عليه الكتاب والسنة ، وهو ثابت عن سلمان وسعد
وغيرهم من الصحابة ، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المساجد ، ومع
هذا إذا اضطر الجنب والمحدث والحائض إلى مسه مسه ، فإذا اضطر
إلى الطواف الذي لم يقم دليل شرعي على وجوب الطهارة فيه مطلقا
كان أولى بالجواز .
فإذا قيل : الطواف منه ما هو واجب . قيل : ومس المصحف قد
يجب فى بعض الأحوال ، إذا احتيج إليه لصيانته الواجبة ، والقراءة
الواجبة، أو الحمل الواجب، إذا لم يمكن أداء الواجب إلا بمسه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الحائض تقضي المناسك كلها إلا
٢٠٠