النص المفهرس
صفحات 141-160
إِثْمَ عَلَيْهِ) الآية . فإذا غربت الشمس وهو بمنى أقام حتى يرمي مع الناس فى اليوم الثالث ، ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك ، بل السنة أن يقيم إلى اليوم الثالث ، والسنة للإمام أن يصلي بالناس بمنى ، ويصلي خلفه أهل الموسم . ويستحب ألا بدع الصلاة فى مسجد منى. وهو مسجد الخيف مع الإمام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصراً بلا جمع بمنى ، ويقصر الناس كلهم خلفهم أهل مكة ، وغير أهل مكة . وإنما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) لما صلى بهم بمكة نفسها ، فإن لم يكن للناس إمام عام صلى الرجل بأصحابه ؛ والمسجد بنى بعد النبى صلى الله عليه وسلم. لم يكن على عهده. ثم إذا نفر من منى فإن بات بالمحصب - وهو الأبطح ، وهو مابين الجيلين إلى المقبرة - ثم نفر بعد ذلك حسن ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بات به ، وخرج . ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى ، لكنه ودع البيت ، وقال: (( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت ، فيطوف طواف الوداع ، حتى يكون ١٤١ آخر عهده بالبيت ، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه . وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره، فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها ، لكن إن قضى حاجته ، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع ، أو دخل إلى المنزل الذى هو فيه ليحمل المتاع على دابته ، ونحو ذلك ، مما هو من أسباب الرحيل ، فلا إعادة عليه ، وإن أقام بعد الوداع أعاده، وهذا الطواف واجب عند الجمهور ، لكن يسقط عن الحائض . وإن أحب أن يأتي الملتزم ، وهو ما بين الحجر الأسود والباب ، فيضع عليه صدره ووجه وذراعيه وكفيه ، ويدعو ، ويسأل الله تعالى حاجته ، فعل ذلك ، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع ، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره ، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة ، وإن شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس: ((اللهم إنى عبدك ، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ماسخرت لى من خلقك ، وسيرتني فى بلادك ، حتى بلغنى بنعمتك إلى بيتك ، وأعنتنى على أداء نسكي ، فإن كنت رضيت عنى فازدد عنى رضا ، وإلا فمن الآن فارض عنى ، قبل أن تنأى عن بيتك دارى ، فهذا أوان الصرافى إن أذنت لي ، غير مستبدل بك ، ولا بيتك ، ولا راغب عنك ، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبنى العافية فى بدنى، والصحة في ١٤٢ جسمى ، والعصمة فى دينى، وأحسن منقلى، وارزقنى طاعتك ما أبقيقى، واجمع لي بين خيرى الدنيا والآخرة ، إنك على كل شيء قدير )) ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنا . فإذا ولى لا يقف ، ولا يلتفت ، ولا يمشي القهقرى قال الثعلبى فى ((فقه اللغة )): القهقرى: مشية الراجع إلى خلف ، حتى قد قيل إنه إذا رأى البيت رجع فودع، وكذلك عند سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينصرف ، ولا يمشى القهقرى ، بل يخرج كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة . وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد ، لكن عليه وعلى المتمتع هدى: بدنة ، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم، فمن لم يجد الهدى صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر ، وسبعة إذا رجع ، وله أن يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة ، فى أظهر أقوال العلماء . وفيه ثلاث روايات عن أحمد : قيل إنه يصومها قبل الإحرام بالعمرة ، وقيل لا يصومها إلا بعد الإحرام بالحج ، وقيل يصومها من حين الإحرام بالعمرة . وهو الأرجح. وقد قيل إنه يصومها بعد التحلل من العمرة ، فإنه حينئذ شرع فى الحج، ولكن دخلت العمرة فى الحج ، كما دخل الوضوء في الغسل قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) وأصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كانوا متمتعين معه ، وإنما ١٤٣ أحرموا بالحج . ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ، ويتضلع منه ، ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية الشرعية ، ولا يستحب الاغتسال منها . وأما زيارة المساجد التى بنيت بمكة غير المسجد الحرام ؛ كالمسجد الذى تحت الصفا، وما فى سفح أبى قبيس ، ونحو ذلك من المساجد التى بنيت على آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه . كمسجد المولد وغيره ، فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة ، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة ، والمشاعر : عرفة، ومزدلفة ، والصفا ، والمروة ، وكذلك قصد الجبال والبقاع التى حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى، مثل جبل حراء ، والجبل الذي عند منى الذى يقال إنه كان فيه قبة الفداء ، ونحو ذلك ، فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة ، وكذلك ما يوجد فى الطرقات من المساجد المبنية على الآثار. والبقاع التى يقال إنها من الآثار ، لم يشرع النبى صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بخصوصه ، ولا زيارة شيء من ذلك . ودخول الكعبة ليس بفرض، ولا سنة مؤكدة، بل دخولها حسن والنبى صلى الله عليه وسلم لم يدخلها فى الحج ، ولا فى العمرة، ١٤٤ لا عمرة الجعرانة ، ولا عمرة القضية، وإنما دخلها عام فتح مكة ، ومن دخلها يستحب له أن يعلى فيها، ويكبر الله، ويدعوه، ويذكره ، فإذا دخل مع الباب تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع ، والباب خلفه ، فذلك هو المكان الذي صلى فيه النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا يدخلها إلا حافيا ، والحجر أكثره من البيت من حيث ينحنى حائطه ، فمن دخله فهو كمن دخل الكعبة، وليس على داخل الكعبة ما ليس على غيره من الحجاج ، بل يجوز له من المشي حافيا ، وغير ذلك ما يجوز لغيره . والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة ، فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ، ويأتي بعمرة مكية ، فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، ولا رغب فيه النبى صلى الله عليه وسلم لأمته ، بل كرهه السلف . فصل وإذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده: فإنه يأتى مسجد النبى صلى اللّه عليه وسلم ويصلى فيه، والصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، ولا تشد الرحال إلا إليه ، وإلى المسجد الحرام ، ١٤٥ والمسجد الأقصى ، هكذا ثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة ، وأبى سعيد ، وهو مروى من طرق أخر . ومسجده كان أصغر مما هو اليوم ، وكذلك المسجد الحرام ، لكن زاد فيها الخلفاء الراشدون . ومن بعدهم، وحكم الزيادة حكم المزيد فى جميع الأحكام . ثم يسلم على النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فإنه قد قال : (( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحى حتى أرد عليه السلام)) رواه أبو داود وغيره ، وكان عبدالله بن عمر يقول: إذا دخل المسجد : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبابكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف، وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه ، ويسلمون عليه مستقبلى الحجرة ، مستدبري القبلة ، عندا كثر العلماء ، كمالك ، والشافعى ، وأحمد . وأبو حنيفة قال يستقبل القبلة ، فمن أصحابه من قال يستدبر الحجرة، ومنهم من قال يجعلها عن يساره واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ، ولا يقبلها ، ولا يطوف بها ، ولا يصلى إليها ، وإذا قال فى سلامه : السلام عليك يا رسول الله ، يا نبى الله ، ياخيرة الله من خلقه ، يا أكرم الخلق على ربه ، يا إمام المتقين فهذا كله من صفاته ، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا صلى عليه مع السلام عليه ، فهذا مما أمر الله به ١٤٦ ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة ، فإن هذا كله منهى عنه باتفاق الأئمة . ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك. والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقت الدعاء ، كذب على مالك. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه ، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ، ويدعون فى مسجده ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم لا تجعل قبرى وتنا يعبد)) وقال: ((لا تجعلوا قبرى عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى)) وقال: (( أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي . فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي بليت. قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )) فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب وأنه يبلغ ذلك من البعيد. وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما فعلوا ، قالت عائشة : ولولا ذلك لأ برز قبره، ولكنه كره أن يتخذ مسجداً)) أخرجاه فى الصحيحين. فدفنته الصحابة فى موضعه الذي مات فيه ، من حجرة عائشة ، وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد ، من قبليه وشرقيه ، لكن لما كان فى زمن الوليد بن عبد الملك عمر هذا المسجد وغيره ، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز ، فأمر أن تشترى الحجر ، ويزاد ١٤٧ في المسجد ، فدخلت الحجرة فى المسجد من ذلك الزمان، وبنيت منحرفة عن القبلة مسنمة ؛ لئلا يصلي أحد إليها ، فإنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) رواه مسلم عن أبي مرتد الغنوي . والله أعلم. وزيارة القبور على وجهين : زيارة شرعية، وزيارة بدعية . فالشرعية المقصود بها السلام على الميت ، والدعاء له ، كما يقصد بالصلاة عل جنازته فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنة أن يسلم على الميت ، ويدعو له سواء كان نبياً ، أو غير نى ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ، والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم، والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدم، واغفر لنا ولهم ، وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع، ومن به من الصحابة أو غيرم ، أو زار شهداء أحد، وغيرهم . وليست الصلاة عند قبورهم أو قبور غيرهم مستحبة عندأحد من أئمة المسلمين . بل الصلاة فى المساجد التى ليس فيها قبر أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم أفضل من الصلاة فى المساجد التى فيها ذلك باتفاق أمة ١٤٨ المسلمين؛ بل الصلاة فى المساجد التى على القبور إما محرمة ، وإما مكروهة . والزيارة البديعية : أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره . أو يقصد الدعاء به ، فهذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها ؛ بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأتمتها ، وقدكره مالك وغيره أن يقول القائل : زرت قبر النبى صلى الله عليه وسلم ، وهذا اللفظ لم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم، بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: (( من زارني، وزار أبي إبراهيم فى عام واحد، ضمنت له على الله الجنة)). وقوله : (( من زارني بعد مماتي ، فكأنما زارني في حياتى ، ومن زارنى بعد مماني ، حلت عليه شفاعتى)) ونحو ذلك ، كلها أحاديث ضعيفة ، بل موضوعة ، ليست فى شيء من دواوين الإسلام ، التى يعتمد عليها ، ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين ، لا الأئمة الأربعة ، ولا غيرم ؛ ولكن روى بعضها البزار ، والدار قطني ، ونحوهما بأسانيد ضعيفة ، ولأن من عادة الدارقطنى وأمثاله ، يذكرون هذا فى السنن ليعرف ، وهو وغيره يلينون ضعف الضعيف من ذلك ، فإذا كانت هذه الأمور التى فيها شرك وبدعة نهي عنها عند قبره ، وهو أفضل الخلق ، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى . ١٤٩ ويستحب أن يأتى مسجد قباء ، ويصلي فيه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تطهر في بيته، وأحسن الطهور ، ثم أتى مسجد قباء ، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان له كأجر عمرة)). رواه أحمد والنسائي وابن ماجه . وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة فى مسجد قباء كعمرة )) قال الترمذي حسن . والسفر إلى المسجد الأقصى ، والصلاة فيه، والدعاء ، والذكر ، والقراءة ، والاعتكاف ، مستحب في أي وقت شاء ، سواء كان عام الحج ، أو بعده . ولا يفعل فيه وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يفعل فى سائر المساجد . وليس فيها شيء يتمسح به ، ولا يقبل ولا يطاف به ، هذا كله ليس إلا فى المسجد الحرام خاصة ، ولا تستحب زيارة الصخرة ، بل المستحب أن يصلي فى قبلي المسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين . ولا يسافر أحد ليقف بغير عرفات ، ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصى ، ولا للوقوف عند قبر أحد ، لا من الأنبياء . ولا المشايخ ، ولا غيرهم . باتفاق المسلمين ، بل أظهر قولي العلماء أنه لا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور . ولكن تزار القبور الزيارة الشرعية ، من كان قريباً ، ومن اجتاز ١٥٠ بها ، كما أن مسجد قباء يزار من المدينة، وليس لأحد أن يسافر إليه لنهيه صلى الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة . وذلك أن الدين مبني على أصلين: ألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا يعبد إلا بما شرع ، لا نعبده بالبدع . كما قال تعالى: (فَنَّكَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدًا). ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في دعائه : اللهم اجعل عملي كله صالحاً ، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل فيه لأحد شيئاً . وقال الفضيل بن عياض فى قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَبَلًا ) قال: أخلصه، وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا ، لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة، وقد قال الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ ) . والمقصود بجميع العبادات أن يكون الدين كله لله وحده . فالله هو المعبود ، والمسئول الذي يخاف ويرجى ، ويسأل ويعبد ، فله الدين خالصاً ، وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرهاً، والقرآن (تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* مملوء من هذا . كما قال تعالى : ١٥١ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ * أَلَاَ لِلَّهِالدِّينُ الْخَالِصُ) إلى قوله: ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًالَّهُ دِيِنِى) إلى قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ وقال تعالى : تَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُ أَتُهَا الْجَهِلُونَ ) . اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ ) (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الآيتين ، وقال تعالى : الضُّرِّعَنْكُمْ ) الآيتين . قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة ، والأنبياء ، كالمسيح، والغزير ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أُسُبْحَنَّهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) الآيات. ومثل هذا فى القرآن كثير ؛ بل هذا مقصود القرآن ، ولبه ، وهو مقصود دعوة الرسل كلهم ، وله خلق الخلق ، كما قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْحِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ). فيجب على المسلم أن يعلم أن الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات ، التى يعبد الله بها وحده لا شريك له ، وأن الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات من جنس الدعاء لهم ، والدعاء للخلق من جنس المعروف والإحسان ، الذي هو من جنس الزكاة . والعبادات التى أمر الله بها توحيد وسنة ، وغيرها فيها شرك ١٥٢ وبدعة ، كعبادات النصارى ، ومن أشبههم مثل قصد البقعة لغير العبادات التى أمر الله بها، فإنه ليس من الدين ، ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المتكررة السفر لزيارة قبور الأنبياء ، والصالحين ، وهذا فى أصح القولين غير مشروع ، حتى صرح بعض من قال ذلك أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة ؛ لأنه سفر معصية . وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق ، هي منسوبة إليه ، كالقبر، والمقام أو لأجل الاستعاذة به ، ونحو ذلك ، فهذا شرك وبدعة ، كما تفعله النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة، حيث يجعلون الحج والصلاة من جنس ما يفعلونه من الشرك والبدع ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما ذكر له بعض أزواجه كنيسة بأرض الحبشة ، وذكر له عن حسنها وما فيها من التصاوير، فقال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) . ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله، وسؤال لمن مات من الأنبياء ، أو الصالحين : مثل من يكتب رقعة ويعلقها عند قبر نبي ، أو صالح ، أو يسجد لقبر ، أو يدعوه ، أو يرغب إليه. وقالوا : إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قبل أن يموت بخمس ليال: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ١٥٣ القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك)). رواه مسلم. وقال: ((لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) وهذه الأحاديث في الصحاح وما يفعله بعض الناس من أكل التمر فى المسجد ، أو تعليق الشعر فى القناديل ؛ فبدعة مكروهة . ومن حمل شيئًا من ماء زمزم جاز ، فقد كان السلف يحملونه ، وأما التمر الصيحاني فلا فضيلة فيه ، بل غيره من التمر : البرنى والعجوة خير منه، والأحاديث إنما جاءت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى مثل ذلك، كما جاء فى الصحيح (( من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يصبه ذلك اليوم سم، ولا سحر)). ولم يجيء عنه فى الصيحانى شيء. وقول بعض الناس: إنه صاح بالنبى صلى الله عليه وسلم جهل منه بل إنما سمي بذلك ليبسه ، فإنه يقال : تصوح التمر ، إذا ييس . وهذا كقول بعض الجهال إن عين الزرقاء باءت معه من مكة ، ولم يكن بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عين جارية لا الزرقاء ولا عيون حمزة ولا غيرهما ، بل كل هذا مستخرج بعده . ورفع الصوت فى المساجد منهى عنه وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ١٥٤ - رضي الله عنه - رأى رجلين يرفعان أصواتها فى المسجد فقال : لو أعلم أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا، إن الأصوات لا ترفع فى مسجده ؛ فما يفعل بعض جهال العامة من رفع الصوت عقيب الصلاة من قولهم: السلام عليك يا رسول الله ! بأصوات عالية . من أقبح المنكرات . ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئا من ذلك عقيب السلام بأصوات عالية ، ولا منخفضة ، بل ما فى الصلاة من قول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، هو المشروع ، كما أن الصلاة عليه مشروعة فى كل زمان ومكان . وقد ثبت في الصحيح أنه قال: ((من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا)) وفى المسند (( أن رجلا قال: يا رسول الله : أجعل عليك ثلث صلاتي ، قال : إذا يكفيك الله ثلث أمرك ، فقال : أجعل عليك ثلثى صلاتي ، قال : إذا يكفيك اللّه ثلثى أمرك، قال : أجعل صلاتى كلها عليك ، قال : إذا يكفيك اللّه ما أهمك من أمر دنياك وأمر آخرنك)). وفى السنن عنه أنه قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني » وقد رأى عبد الله بن حسن شيخ الحسنيين فى زمنه رجلا ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، للدعاء عنده ، قال : يا هذا! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم ، فإن ١٥٥ صلاتكم تبلغني ، فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء . ولهذا كان السلف يكثرون الصلاة والسلام عليه ، فى كل مكان وزمان ، ولم يكونوا يجتمعون عند قبره، لا لقراءة ختمة، ولا إيقاد شمع، وإطعام وإسقاء ، ولا إنشاد قصائد ، ولا نحو ذلك ، بل هذا من البدع ، بل كانوا يفعلون فى مسجده ما هو المشروع في سائر المساجد من الصلاة، والقراءة، والذكر ، والدعاء، والاعتكاف، وتعليم القرآن والعلم، وتعلمه ، ونحو ذلك. وقد علموا أن النبى صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل عمل صالح تعمله أمته، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من اتبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً )) وهو الذي دعا أمته إلى كل خير ، فكل خير يعمله أحد من الأمة فله مثل أجره، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يهدى إليه نواب صلاة ، أو صدقة ، أو قراءة من أحد فإن له مثل أجر ما يعملونه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا . وكل من كان له أطوع وأتبع كان أولى الناس به فى الدنيا والآخرة ، قال تعالى : (قُلْ هَذِهِء سَبِيلِي أَدْ عُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى) وقال صلى الله عليه وسلم ((إن آل أبى فلان ليسوا لي ١٥٦ بأولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين )) وهو أولى بكل مؤمن من نفسه ، وهو الواسطة بين اللّه وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه ، ووعده، ووعيده ، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه . والله هو المعبود المسئول، المستعان به الذي يخاف ويرجى، (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ويتوكل عليه . قال تعالى : فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ) فجعل الطاعة لله والرسول، كما قال تعالى: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وجعل الخشية والتقوى اللّه وحده لا شريك له، فقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ حَسْبُنَا فأضاف اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) الإيتاء إلى الله والرسول، كما قال تعالى: (وَمَآءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباحه الرسول ، نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَهُواْ ) وإن كان الله آتاه ذلك من جهة القدرة، والملك، فإنه يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول فى الاعتدال من الركوع، وبعد السلام: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) أي من آتيته جداً وهو البخت والمال والملك، فإنه لا ينجيه منك إلا الإيمان والتقوى . وأما التوكل فعلى الله وحده ، والرغبة فإليه وحده ، كما قال ١٥٧ تعالى: (وَقَالُوأحَسْبُنَا اللَّهُ) ولم يقل ورسوله، وقالوا: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَعِبُونَ) ولم يقولوا هنا ورسوله ، كما قال فى الإيتاء، بل هذا وقال (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ) نظير قوله : تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) وفى صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال : حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوع فزادم إيمانا ، وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الله وحده حسبك، وحسب المؤمنين الذين اتبعوك . ومن قال : إن الله والمؤمنين حسبك فقد ضل ، بل قوله من جنس الكفرة ، فإن الله وحده هو حسب كل مؤمن به والحسب الكافى، كما قال تعالى: (أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ. ). والله تعالى حق لا يشركه فيه مخلوق : كالعبادات، والإخلاص والتوكل. والخوف. والرجاء. والحج. والصلاة. والزكاة. والصيام والصدقة . والرسول له حق : كالإيمان به، وطاعته ، واتباع سنته وموالاة من يواليه ، ومعاداة من يعاديه ، وتقديمه فى المحبة على الأهل والمال، والنفس، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ١٥٨ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) بل يجب تقديم الجهاد الذي أمر به على هذا كله ، كما قال تعالى : ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُهُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَ بَّصُوْ حَتّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْيِّوَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ) وقال تعالى: (وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ). وبسط مافي هذا المختصر وشرحه مذكور فى غير هذا الموضع. والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. ١٥٩ وقال قرس اللّه روح: فصل وأما الحج: فأخذوا فيه بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صفته وأحكامه . وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة فى الصحيحين، وغيرهما: أنه صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع أحرم هو والمسلمون من ذي الحليفة ، فقال: (( من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل ، ومن شاء أن بهل بعمرة وحجة فليفعل)) فلما قدموا وطافوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ، إلا من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. فراجعه بعضهم فى ذلك فغضب. وقال: ((انظروا ما أمرتكم به فافعلوه )) وكان هو صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي ، فلم يحل من إحرامه . ١٦٠