النص المفهرس
صفحات 121-140
اللهم إيماناً بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم . ويجعل البيت عن يساره ، فيطوف سبعا، ولا يخترق الحجر في طوافه ، لما كان أكثر الحجر من البيت ، والله أمر بالطواف به ، لا بالطواف فيه. ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين ، دون الشاميين . فإن النبى صلى الله عليه وسلم إنما استلمها خاصة، لأنها على قواعد إبراهيم ، والآخران هما فى داخل البيت . فالركن الأسود يستلم ، ويقبل ، والیمانی يستلم ولا يقبل ، والآخران لا يستلمان ، ولا يقبلان ، والاستلام هو مسحه باليد . وأما سائر جوانب البيت ، ومقام إبراهيم ، وسائر ما فى الأرض من المساجد ، وحيطانها ، ومقابر الأنبياء والصالحين ، كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلي فيه ، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ، وصخرة بيت المقدس ، فلا تستلم، ولا تقبل ، باتفاق الأئمة . وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة ، ومن اتخذه دينا يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، ولو وضع يده على الشاذروان الذى يربط فيه أستار الكعبة لم يضره ذلك ، فى أصح قولي العلماء ، وليس الشاذروان من البيت ، بل جعل عماداً للبيت . ويستحب له في الطواف الأول أن يرمل من الحجر إلى الحجر ، ١٢١ فى الأطراف الثلاثة ، والرمل مثل الهرولة ، وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطا ، فإن لم يمكن الرمل للزحمة كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه إلى البيت بدون الرمل . وأما إذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو أولى . ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم ، وما وراءها من السقائف المتصلة بحيطان المسجد . ولو صلى المصلي فى المسجد والناس يطوفون أمامه ، لم يكره، سواء ـي أمامه رجل ، أو امرأة ، وهذا من خصائص مكة . وكذلك يستحب أن يضطبع في هذا الطواف ، والاضطباع : هو أن يبدي ضعه الأيمن. فيضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ، وطرفيه على عاتقه الأيسر ، وإن ترك الرمل والاضطباع فلا شيء عليه . ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى، ويدعوه بما يشرع، وإن قرأ القرآن سراً فلا بأس ، وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية ، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ، ونحو ذلك فلا أصل له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يختم طوافه بين الركنين بقوله: (رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ ١٢٢ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) كما كان يختم سائر دعائه بذلك ، وليس فى ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة ، والطواف بالبيت كالصلاة ، إلا أن اللّه أباح فيه الكلام، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير . ولهذا يؤمر الطائف أن يكون متطهراً الطهارتين الصغرى والكبرى ويكون مستور العورة ، مجتنب النجاسة التى يجتنبها المصلي والطائف طاهرا ؛ لكن في وجوب الطهارة فى الطواف نزاع بين العلماء ، فإنه لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف ولا نهى المحدث أن يطوف ، ولكنه طاف طاهرا. لكنه ثبت عنه أنه نهى الحائض عن الطواف. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) فالصلاة التى أوجب لها الطهارة ما كان يفتح بالتكبير . ويختم بالتسليم ، كالصلاة التى فيها ركوع وسجود ، كصلاة الجنازة ، وسجد تى السهو ، وأما الطواف ، وسجود التلاوة فليسا من هذا . والاعتكاف يشترط له المسجد ، ولا يشترط له الطهارة بالاتفاق ، والمعتكفة الحائض تنهى عن اللبث فى المسجد مع الحيض ، وإن كانت تلبث فى المسجد وهي محدثة . قال أحمد بن حنبل فى ((مناسك الحج)) لابنه عبد الله: حدثنا ١٢٣ سهل بن يوسف ، أنبأنا شعبة ، عن حماد ، ومنصور قال : سألتها عن الرجل يطوف بالبيت وهو غير متوضئ ، فلم يريابه بأساً . قال عبد الله : سألت أبى عن ذلك ، فقال: أحب إلي ألا يطوف بالبيت وهو غير متوضئ ، لأن الطواف بالبيت صلاة . وقد اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الطهارة فيه ، ووجوبها، كما هو أحد القولين فى مذهب أبى حنيفة . لكن لا يختلف مذهب أبى حنيفة أنها ليست بشرط . ومن طاف في جورب ونحوه ؛ لئلا يطأ نجاسة من ذرق الحمام ، أو غطى يديه لئلا يمس امرأة ، ونحو ذلك ، فقد خالف السنة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ما زالوا يطوفون بالبيت وما زال الحمام بمكة : لكن الاحتياط حسن ، ما لم يخالف السنة المعلومة فإذا أفضى إلى ذلك كان خطأ . واعلم أن الفعل الذي يتضمن مخالفة السنة خطأ ، كمن يخلع نعليه في الصلاة المكتوبة . أو صلاة الجنازة خوفا من أن يكون فيها نجاسة ، فإن هذا خطأ مخالف للسنة . فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فى نعليه، وقال: ((إن اليهود لا يصلون فى نعالهم مخالفوم)) وقال: ((إذا أتى المسجد أحدكم فلينظر فى نعليه. فإن كان فيها أذى فليدلكها فى التراب ، فإن التراب لهما طهور)). وكما يجوز أن يصلي فى نعليه، فكذلك يجوز أن يطوف فى نعليه، ١٢٤ وإن لم يمكنه الطواف ماشياً فطاف راكباً ، أو محمولا أجزاء بالاتفاق، وكذلك ما يعجز عنه من واجبات الطواف ، مثل من كان به نجاسة لا يمكنه إزالتها كالمستحاضة ، ومن به سلس البول ، فإنه يطوف ولا شيء عليه باتفاق الأئمة . وكذلك لو لم يمكنه الطواف إلا عريانا فطاف بالليل ، كما لو لم يمكنه الصلاة إلا عريانا . وكذلك المرأة الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضاً. بحيث لا يمكنها التأخر بمكة ، ففي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف : إذا طافت الحائض أو الجنب أو المحدث أو حامل النجاسة مطلقاً ، أجزاء الطواف ، وعليه دم: إما شاة ، وإما بدنة مع الحيض والجنابة، وشاة مع الحدث الأصغر. ومنع الحائض من الطواف قد يعلل بأنه يشبه الصلاة ، وقد يعلل بأنها ممنوعة من المسجد ، كما تمنع منه بالاعتكاف، وكما قال عز وجل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وابنه: (أَنْ طَهِرَا بَيْنِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ الشُّجُودِ ) فأمره بتطهيره لهذه العبادات ، فمنعت الحائض من دخوله ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجب للطواف ما يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة ، وغير ذلك ، ولا يبطله ما يبطلها من الأكل والشرب والكلام ، وغير ذلك . ولهذا كان مقتضى تعليل من منع الحائض لحرمة المسجد ، أنه ١٢٥ لا يرى الطهارة شرطا ، بل مقتضى قوله أنه يجوز لها ذلك عند الحاجة كما يجوز لها دخول المسجد عند الحاجة ، وقد أمر الله تعالى بتطهير. للطائفين والماكفين والركع السجود . والعاكف فيه لا يشترط له الطهارة ولا تجب عليه الطهارة من الحدث الأصغر. باتفاق المسلمين، ولو اضطرت العاكفة الحائض إلى لبثها فيه للحاجة جاز ذلك. وأما الركع السجود فهم المصلون والطهارة شرط للصلاة باتفاق المسلمين ، والحائض لا تصلي . لا قضاء ولا أداء. يبقى الطائف: هل يلحق بالعاكف ، أو بالمصلي، أو يكون قسما ثالثا بينهما : هذا محل اجتهاد . وقوله: ((الطواف بالبيت صلاة)) لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن هو ثابت عن ابن عباس ، وقد روى مرفوعا ، ونقل بعض الفقهاء عن ابن عباس أنه قال: ((إذا طاف بالبيت وهو جنب عليه دم )) ولا ريب أن المراد بذلك أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه ، ليس المراد أنه نوع من الصلاة التى يشترط لها الطهارة . وهكذا قوله: ((إذا أتى أحدكم المسجد فلا يشبك بين أصابعه، فإنه في صلاة)) وقوله: ((إن العبد فى صلاة ما كانت الصلاة بحبسه ، وما دام ينتظر الصلاة ، وما كان يعمد إلى الصلاة )) ونحو ذلك . فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق ١٢٦ العلماء . ولو قدمت المرأة حائضاً لم تطف بالبيت ، لكن تقف بعرفة ، وتفعل سائر المناسك كلها مع الحيض ، إلا الطواف ، فإنها تنتظر حتى تطهر إن أمكنها ذلك ، ثم تطوف . وإن اضطرت إلى الطواف فطافت أجزأها ذلك ، على الصحيح من قولي العلماء . فإذا قضى الطواف صلى ركعتين للطواف ، وإن صلاهما عند مقام إبراهيم فهو أحسن ، ويستحب أن يقرأ فيها بسورتى الإخلاص : (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) ثم إذا صلاهما استحب له أن يستلم الحجر ، ثم يخرج إلى الطواف بين الصفا والمروة . ولو أخر ذلك إلى بعد طواف الإفاضة جاز . فإن الحج فيه ثلاثة أطوفة : طواف عند الدخول ، وهو يسمى: طواف القدوم ، والدخول ، والورود . والطواف الثاني : هو بعد التعريف ، ويقال له طواف الإفاضة ، والزيارة ، وهو طواف الفرض الذي لا بد منه ، كما قال تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُواْتَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْنُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوْبِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). والطواف الثالث: هو لمن أراد الخروج من مكة ، وهو طواف الوداع . وإذا سعى عقيب واحد منها أجزاء، فإذا خرج للسعي خرج من باب الصفا. وكان النبى صلى الله عليه وسلم يرقى على الصفاوالمروة، وهما في جانب ١٢٧ جبلي مكة ، فيكبر ويهلل ، ويدعو الله تعالى، واليوم قد بنى فوقهما دكتان ، فمن وصل إلى أسفل البناء أجزاء السعي ، وإن لم يصعد فوق البناء . فيطوف بالصفا والمروة سبعاً يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة ، ويستحب أن يسعى فى بطن الوادي: من العلم إلى العلم، وهما معلمان هناك . وإن لم يسع فى بطن الوادي ، بل مشى على هيئته جميع مابين الصفا والمروة ، أجزاء باتفاق العلماء ، ولا شيء عليه . ولا صلاة عقيب الطواف بالصفا والمروة ، وإنما الصلاة عقيب الطواف بالبيت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفاق السلف والأئمة . فإذا طاف بين الصفا والمروة حل من إحرامه ؛ كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه لما طافوا بها أن يحلوا ، إلا من كان معه هدي فلا يحل حتى ينحره ، والمفرد والقارن لا يحلان إلا يوم النحر ، ويستحب له أن يقصر من شعره ليدع الحلق للحج ، وكذلك أمرم النبى صلى الله عليه وسلم . وإذا أحل حل له ما حرم عليه بالإحرام . فصل فإذا كان يوم التروية : أحرم وأهل بالحج ، فيفعل كما فعل عند ١٢٨ الميقات ، وإن شاء أحرم من مكة ، وإن شاء من خارج مكة ، هذا هو الصواب . وأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أحرموا كما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم من البطحاء ، والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه ، وكذلك المكي يحرم من أهله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان منزله دون مكة فمهله من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة)) . والسنة أن يبيت الحاج بمنى : فيصلون بها الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء والفجر، ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الإيقاد فهو بدعة مكروهة باتفاق العلماء . وإنما الإيقاد بمز دلفة خاصة بعد الرجوع من عرفة ، وأما الإيقاد بمنى أو عرفة فبدعة أيضاً . ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب ، من يمين الطريق ، و ((نمرة)) كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين ، فيقيمون بها إلى الزوال ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي ، وهو موضع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي صلى فيه الظهر والعصر ، وخطب ، وهو فى حدود عرفة بيطن عرنة . وهناك مسجد بقال له : مسجد إبراهيم ، وإنما بى فى أول دولة ١٢٩ بنى العباس. فيصلي هناك الظهر والعصر قصراً . كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ويصلي خلفه جميع الحاج : أهل مكة وغيرهم قصرا وجمعا . يخطب بهم الإمام كما خطب النبى صلى الله عليه وسلم على بعيره ، ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ، ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة ، ويصلى بعرفة ومزدلفة ومنى قصراً، ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة . وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى ، كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى ، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبى بكر وعمر - رضي الله عنها - ولم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه أحداً من أهل مكة أن يتموا الصلاة ، ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر ، ومن حكى ذلك منهم فقد أخطأ ، ولكن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك فى غزوة الفتح، لما صلى بهم بمكة . وأما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ، ولكن كان نازلا خارج مكة ، وهناك كان يصلى بأصحابه ، ثم لما خرج إلى منى وعرفة خرج معه أهل مكة وغيره ، ولما رجع من عرفة رجعوا معه ، ولما صلى بمنى أيام منى صلوا معه ، ولم يقل لهم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، ولم يحد النبي ١٣٠ صلى الله عليه وسلم السفر لا بمسافة، ولا بزمان، ولم يكن بمنى أحد ساكناً فى زمنه، ولهذا قال: ((من مناخ من سبق)) ولكن قيل إنها سكنت فى خلافة عثمان ، وإنه بسبب ذلك أتم عثمان الصلاة ، لأنه كان يرى أن المسافر من يحمل الزاد والمزاد . ثم بعد ذلك يذهب إلى عرفات . فهذه السنة ؛ لكن فى هذه الأوقات لا يكاد بذهب أحد إلى نمرة . ولا إلى مصلى النبى صلى الله عليه وسلم ، بل يدخلون عرفات بطريق المأزمين ، ويدخلونها قبل الزوال ، ومنهم من يدخلها ليلا ، ويبيتون بها قبل التعريف ، وهذا الذي يفعله الناس كله يجزي معه الحج ، لكن فيه نقص عن السنة ، فيفعل ما يمكن من السنة مثل الجمع بين الصلاتين ، فيؤذن أذانا واحداً ويقيم لكل صلاة ، والإيقاد بعرفة بدعة مكروهة ، وكذلك الإيقاد بمنى بدعة ، باتفاق العلماء ، وإنما يكون الإيقاد بمزدلفة خاصة فى الرجوع . ويقفون بعرفات إلى غروب الشمس ، ولا يخرجون منها حتى تغرب الشمس ، وإذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين ، وإن شاءوا من جانبيها. والعلمان الأولان حد عرفة، فلا يجاوزوهما حتى تغرب الشمس ، والميلان بعد ذلك حد مزدلفة ، وما بينهما بطن عرنة . ويجتهد فى الذكر والدعاء هذه العشية ، فإنه ما رؤي إبليس فى ١٣١ يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة ، لما يرى من تنزيل الرحمة ، وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر فإنه رأى جبريل يزع الملائكة . ويصح وقوف الحائض ، وغير الحائض . ويجوز الوقوف ماشياً، وراكبا . وأما الأفضل فيختلف باختلاف الناس ، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه ، أو كان بشق عليه ترك الركوب وقف راكباً ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم وقف راكباً . وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكباً أفضل . ومنهم من يكون حجه ماشياً أفضل ، ولم يعين النبي صلى الله عليه وسلم لعرفة دعاء ، ولا ذكراً ، بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية ، وكذلك يكبر ويهلل ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس . والاغتسال لعرفة قد روى في حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وروى عن ابن عمر ، وغيره ، ولم ينقل عن النى صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال : غسل الإحرام ، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة . وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار ، وللطواف ، والمبيت بمزدلفة فلا أصل له ، لا عن النبى ١٣٢ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأمة: لا مالك ، ولا أبو حنيفة ، ولا أحمد ، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه . بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها ، فيغتسل لإزالتها . وعرفة كلها موقف ، ولا يقف ببطن عرنة ، وأما صعود الجميل الذي هناك فليس من السنة ، ويسمى جبل الرحمة ، ويقال له إلال على وزن هلال ، وكذلك القبة التى فوقه التى يقال : لها قبة آدم، لا يستحب دخولها ، ولا الصلاة فيها. والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التى عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها ، ولا الصلاة فيها . وأما الطواف بها أو بالصخرة ، أو بحجرة النبى صلى الله عليه وسلم ، وما كان غير البيت العتيق ، فهو من أعظم البدع المحرمة . فصل فإذا أفاض من عرفات ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين وهو طريق الناس اليوم ، وإنما قال الفقهاء: على طريق المأزمين ؛ لأنه إلى عرفة طريق أخرى تسمى طريق ضب ، ومنها دخل النبي صلى الله ١٣٣ عليه وسلم إلى عرفات ، وخرج على طريق المأزمين . وكان صلى الله عليه وسلم فى المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى ، فدخل من التنية العليا، وخرج من الثنية السفلى. ودخل المسجد من باب بنى شيبة ، وخرج بعد الوداع من باب حزورة اليوم . ودخل إلى عرفات من طريق ضب ، وخرج من طريق المأزمين وأتى إلى جمرة العقبة - يوم العيد - من الطريق الوسطى التى يخرج منها إلى خارج منى، ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ، ثم لما رجع إلى موضعه بمنى الذى بحر فيه هديه ، وحلق رأسه ، رجع من الطريق المتقدمة التى يسير منها جمهور الناس اليوم . فيؤخر المغرب إلى أن يصليها مع العشاء بمزدلفة ، ولا يزاحم الناس بل إن وجد خلوة أسرع ، فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن ، ثم إذا بركوها صلوا العشاء ، وإن أخر العشاء لم يضر ذلك، ويبيت بمزدلفة ، ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام ، وهي مابين مأزمي عرفة إلى بطن محسر . فإن بين كل مشعرين حداً ليس منها : فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة ، وبين مزدلفة ومنى بطن محسر . قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( عرفة كلها موقف ، وارفعوا عن بطن عرنة ، ومزدلفة كلها ١٣٤ موقف ، وارفعوا عن بطن محسر ، ومنى كلها منحر ، ونجاج مكة كلها طريق)). والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر ، فيصلي بها الفجر فى أول الوقت ، ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جداً قبل طلوع الشمس ، فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ومحوم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر ، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر ، فيصلوا بها الفجر ، ويقفوا بها ، ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل ، وهو جبل الميقدة ، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم . وقد بنى عليه بناء ، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام . فإذا كان قبل طلوع الشمس أفاض من مزدلفة إلى منى ، فإذا أتى محسراً أسرع قدر رمية بحجر ، فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات ، ويرفع يده فى الرمي ، وهي الجمرة التى هي آخر الجمرات من ناحية من ، وأقربهن من مكة ، وهي الجمرة الكبرى ، ولا يرمى يوم النحر غيرها . يرميها مستقبلا لها يجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، هذا هو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة ، وإن شاء قال مع ذلك : اللهم اجعله حجاً مبروراً ، وسعياً مشكورا ، وذنباً مغفورا ، ويرفع يديه ١٣٥ فى الرمي . ولا يزال يلبي فى ذهابه من مشعر إلى مشعر ، مثل ذهابه إلى عرفات ، وذهابه من عرفات إلى مزدلفة ، حتى يرمي جمرة العقبة ، فإذا شرع فى الرمي قطع التلبية ، فإنه حينئذ بشرع فى التحلل . ٠ والعلماء فى التلبية على ثلاثة أقوال : منهم من يقول يقطعها إذا وصل إلى عرفة ، ومنهم من يقول بل بلبي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة ، والقول الثالث أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى ، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة، وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم . فصل وأما التلبية فى وقوفه بعرفة، ومزدلفة ، فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا يلبون بعرفة ، فإذا رمى جمرة العقبة نحر هديه إن كان معه هدى ، ويستحب أن تنحر الإبل مستقبلة القبلة ، قائمة ، معقولة اليد اليسرى ، والبقر والغنم يضجعها على شقها الأبسر ، مستقبلا بها القبلة ، ويقول : بسم الله، والله أكبر ، اللهم منك ولك ، اللهم تقبل مني ، كما تقبلت من ١٣٦ إبراهيم خليلك . وكل ما ذبح بمنى ، وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنه هدي ، سواء كان من الإبل ، أو البقر أو الغنم ، ويسمى أيضا أضحية ، بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل ، فإنه أضحية ، وليس بهدى . وليس بمى ما هو أضحية وليس بهدى ، كما في سائر الأمصار . فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء ، وكذلك إن اشترا. من الحرم فذهب به إلى التنعيم ، وأما إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها ، ففيه نزاع : فذهب مالك أنه ليس بهدي ، وهو منقول عن ابن عمر ، ومذهب الثلاثة أنه هدى، وهو منقول عن عائشة . وله أن يأخذ الحصى من حيث شاء ، لكن لا يرمي بحصى قدرمي به ، ويستحب أن يكون فوق الحمص، ودون البندق ، وإن كسره جاز . والتقاط الحصى أفضل من تكسيره من الجيل . ثم يحلق رأسه ، أو يقصره، والحلق أفضل من التقصير، وإذا قصره جمع الشعر وقص منه بقدر الأملة ، أو أقل ، أو أكثر . والمرأة لا تقص أكثر من ذلك . وأما الرجل فله أن يقصر ما شاء . وإذا فعل ذلك فقد تحلل باتفاق المسلمين التحلل الأول ، فيلبس الثياب ، ويقلم أظفاره، وكذلك له على الصحيح أن يتطيب، ويتزوج ، وأن ١٣٧ يصطاد، ولا يبقى عليه من المحظورات الإالنساء. وبعد ذلك يدخل مكة فيطوف طواف الإفاضة ، إن أمكنه ذلك يوم النحر وإلا فعله بعد ذلك ، لكن ينبغي أن يكون فى أيام التشريق فإن تأخيره عن ذلك فيه نزاع، ثم يسعى بعد ذلك سعى الحج، وليس على المفرد إلا سعي واحد ، وكذلك القارن عند جمهور العلماء وكذلك المتمتع في أصح أقوالهم ، وهو أصح الروايتين عند أحمد ، وليس عليه إلا سعي واحد ، فإن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف . فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول أجزاء ذلك ، كما يجزئ المفرد ، والقارن ، وكذلك قال عبد الله بن أحمد بن حنبل . قيل لأبى : المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة ؟ قال : إن طاف طوافين يعني بالبيت ، وبين الصفا والمروة . فهو أجود ، وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس ، وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي . وقال أحمد حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعى ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول : المفرد والمتمتع يجزئه طواف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة . وقد اختلفوا فى الصحابة المتمتعين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع اتفاق الناس على أنهم طافوا أولا بالبيت ، وبين الصفا والمروة لما رجعوا من عرفة قيل : إنهم سعوا أيضا بعد طواف الإفاضة ، ١٣٨ وقيل : لم يسعوا ، وهذا هو الذي ثبت فى صحيح مسلم عن جابر ، قال : لم يطف النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحداً ، طوافه الأول . وقد روى في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين ، لكن هذه الزيادة قيل إنها من قول الزهري ، لا من قول عائشة ، وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب طوافان بالبيت ، وهذا ضعيف. والأظهر مافي حديث جابر. ويؤيده قوله: ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة )) فالمتمتع من حين أحرم بالعمرة دخل بالحج ، لكنه فصل بتحلل ليكون أيسر على الحاج ، وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة . ولا يستحب للمتمتع ولا لغيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف ، بل هذا الطواف هو السنة فى حقه ، كما فعل الصحابة مع النبى صلى الله عليه وسلم ، فإذا طاف طواف الإفاضة ، فقد حل له كل شيء النساء وغير النساء . وليس بمن صلاة عيد ، بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لأهل الأمصار ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل جمعة ولا عيداً فى السفر ، لا يمكة ولا عرفة ، بل كانت خطبته بعرفة خطبة نسك ، لا خطبة جمعة ، ولم يجهر بالقراءة فى الصلاة بعرفة . ١٣٩ فصل ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ، ويرمي الجمرات الثلاث ، كل يوم ٨ بعد الزوال ، يبتدئ بالجمرة الأولى التى هي أقرب إلى مسجد الخيف . ويستحب أن يمشى إليها فيرميها بسبع حصيات . ويستحب له أن يكبر مع كل حصاة ، وإن شاء قال : اللهم اجعله حجاً مبروراً ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفوراً . ويستحب له إذا رماها أن يتقدم قليلا إلى موضع لا يصيبه الحصى ، فيدعو الله تعالى، مستقبل القبلة ، رافعاً يديه بقدر سورة البقرة . ثم يذهب إلى الجمرة الثانية فيرميها كذلك ، فيتقدم عن يساره يدعو مثل ما فعل عند الأولى . ثم يرمي الثالثة ، وهي جمرة العقبة ، فيرميها بسبع حصيات أيضاً ولا يقف عندها . ثم يرمي فى اليوم الثانى من أيام منى مثل ما رمى فى الأول ، ثم إن شاء رمى فى اليوم الثالث ، وهو الأفضل . وإن شاء تعجل في اليوم الثانى بنفسه قبل غروب الشمس. كما قال تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ ١٤٠