النص المفهرس
صفحات 21-40
وسئل رحمه اللّه عن رجل خرج حاجا إلى بيت الله الحرام بالزاد والراحلة ، فأدركه الموت فى الطريق فهل يسقط عنه الفرض أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يسقط عنه بذلك ، ثم إن كان خرج إلى الحج حين وجب عليه من غير تفريط مات غير عاص ، وإن فرط بعد الوجوب مات عاصيا ، ويحج عنه من حيث بلغ ، وإن كان قد خلف مالا فالنفقة من ذلك واجبة، فى أظهر قولي العلماء . وتفصيل ذلك : أنه إذا استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحمج بالإجماع ، فإن حج عقب ذلك بحسب الإمكان ومات فى الطريق وجب أجره على الله، ومات وهو غير عاص ، وله أجر نيته وقصده . فإن كان فرط، ثم خرج بعد ذلك ومات قبل أداء الحج ، مات عاصياً آثماً ، وله أجر ما فعله، ولم يسقط عنه الفرض بذلك ، بل الحج باق فى ذمته ، ويحج عنه من حيث بلغ . والله أعلم . ٢١ باب الإجرام مثل شيخ الإسلام عما حكى أصحابنا - رحمهم الله - فى الإحرام . هل هو ركن؟ أم لا ؟ ثم إنهم ذكروا فى موضع آخر : أن الإحرام عبارة عن نية الحج ، فكيف يتصور الخلاف فى النية ، مع أنه لا يتصور وجود الحج الشرعى بدونها ، أبن لنا عن هذا مثابا معظم الأجر . فأجاب : الحمد لله رب العالمين ، الجواب من طريقين : إجمالي وتفصيلي . أما الإجمالي فنقول : أما النية للحج والعمرة فلا خلاف بين أصحابنا، وسائر المسلمين أن الحج لا يصح إلا بها ، إما من الحاج نفسه ، وإما من يحتج به ، كما يحتج ولي الصبى ، ولو عمل الرجل أعمال الحج من غير قصد لم يصح الحج ، كما لا تصح الصلاة والصوم بغير نية ، وسواء قيل: إن الحج ينعقد بمجرد النية ، أو لا ينعقد إلا بها وبشيء آخر من قول أو عمل : من قلبية، أو تقليد هدى، على الخلاف ٢٢ المشهور بين العلماء فى ذلك . وسواء قلنا : إن الإحرام ركن ، أم ليس بركن ، وهذا أمر لا يقبل الخلاف ، فإن العبادات المقصودة يمتنع أن تكون هي العبادات المأمور بها بدون النية . وأما انعقاد الإحرام بمجرد النية ، ففيه خلاف فى المذهب وغيره ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وفرق بين النية المشترطة للحج ، والنية التى ينعقد بها الإحرام ، فإن الرجل يمكنه أن ينوي الحج من حين يخرج من بيته ، كما هو الواقع، ويقف ويطوف مستصحباً لهذه النية ، ذكراً وحكماً ، وإن لم يقصد الإحرام ولا يخطر بقلبه . وأصل ذلك أن النية المعهودة فى العبادات تشتمل على أمرين : على قصد العبادة ، وقصد المعبود . وقعد المعبود هو الأصل الذي دل عليه قوله سبحانه: ( وَمَا أُمِرُ وَّا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )) . فإنه صلى الله عليه وسلم : ميز بين مقصود ، ومقصود ، وهذا ٢٣ المقصود فى الجملة لابد منه فى كل فعل اختياري . قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( أصدق الأسماء حارث وهام ، فإن كل بشر بل كل حيوان لا بد له من همة ، وهو الإرادة ، ومن حرث وهو العمل ، إذ من لوازم الحيوان أنه يتحرك بإرادته ، ثم ذلك الذي يقصده هو غايته، وإن كان قد يحدث له بعد ذلك القصد قصد آخر ، وإنما تطمئن النفوس بوصولها إلى مقصودها . وأما قصد العبادة فقصد العمل الخاص ، فإن من أراد الله والدار الآخرة بعمله: فقد يريده بصلاة، وقد يريده بحج. وكذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به ، فقد أطاعه فى هذا العمل . وقد يقصد طاعته فى هذا العمل ، فهذا القصد الثانى مثل قصد الصلاة دون الصوم ، ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر ، ثم الفرض دون النفل ، وهذه النية التى تذكر غالباً فى كتب الفقه المتأخرة ، وكل واحدة من النيتين فرض فى الجملة . أما الأولى : فيها يتميز من يعبد اللّه مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت ، أو يشرك بعبادة ربه ، ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا ، وهو الدين الخالص لله الذي تشترك فيه جميع الشرائع، الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه. كما قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَابِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ ٢٤ وَلَا تَتَفَرَّقُواْفِيهِ ) . ولهذا كان دين الأنبياء واحداً، وإن كانت شرائعهم متنوعة . قال تعالى: (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةُ يُعْبَدُونَ) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّآ أَنَا فَأَعْبُدُونِ ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ) وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ) وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ واْرَبَّكُمْ ). وأما النية الثانية : فيها تتميز أنواع العبادات ، وأجناس الشرائع، فيتميز المصلي من الحاج والصائم ، ويتميز من يصلي الظهر ويصوم قضاء رمضان ممن يصلي العصر ويصوم شيئاً من شوال ، ويتميز من يتصدق عن زكاة ماله ممن بتصدق من نذر عليه أو كفارة . وأصناف العبادات مما تتنوع فيه الشرائح ، إذ الدين لا قوام له إلا الشريعة ، إذ أعمال القلوب لا تتم إلا بأعمال الأبدان ، كما أن الروح لا قوام لها إلا بالبدن . أعنى ما دامت في الدنيا . وكما أن معانى الكلام لا تتم إلا بالألفاظ ، وبمجموع اللفظ والمعنى يصير الكلام كلاماً ، وإن كان المعنى لا يختلف باختلاف الأمم ، واللفظ ٢٥ يتنوع بتنوع الأمم، ثم قد يكون لغة بعض الأمم أبلغ فى إكمال المنى من بعض، وبعض ألفاظ اللغة أبلغ تماما للمعنى من بعض . فالدين العام يتعلق بقصد القلب ، ثم لابد من عمل بدني يتم به القصد ويكمل ، فتنوعت الأعمال البدنية كذلك ، وتنوعت لما اقتضته مشيئة الله ورحمته لعباده، ويحكمته فى أمره ، وإنما وجب كل واحد من النيتين ؛ لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التى بعث بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ، إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة غيرها . والأعمال المشروعة مؤلفة من أقوال وأعمال مخصوصة ، قد يعتبر لها أوقات وأمكنة مخصوصة ، وصفات ، كلما كان فرضاً علينا أن نعبد اللّه، وأن تكون العبادة على وصف معين، كان فرضاً علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين . والقصد الذي به نكون عابدين بنفس ء العمل الذي امر به . ثم اعلم أن النيات قد تحصل جملة، وقد تحصل تفصيلا، وقد تحصل بطريق التلازم ، وقد تتنوع النيات حتى يكون بعضها أفضل من بعض ، بحيث يسقط الفرض بأدناها ، لكن الفضل لمن أتى بالأعلى . وقد يكون الشيء مقصوداً بالقصد الثانى دون الأول ، ثم قد يحضر الإنسان القصد الثانى ، ويذهل عن القصد الأول ، فإن الإنسان فى ٢٦ قصده العبادة قد يريد وجه الله من حيث الجملة ، أو يريد طاعته ، أو عبادته ، أو التقرب إليه ، أو يريد ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا، أو يرجو ثوابا معيناً فى الآخرة ، أو في الدنيا، أو فيهما، أو يخاف عقابا إما مجملا، وإما مفصلا . وتفاصيل هذه النيات باب واسع . وهو بهذا الاعتبار قد لا يكون له غرض فى نوع من الأعمال البدنية دون نوع إلا باعتبار تقييس ذلك نية نوع العمل ، فإن من قصد الحج قد يكون قد استشعر الحج من حيث الجملة ، وهو أنه قصد مكان معين . فيقصد ما استشعره من غير على ، ولا قصد تفصيل أعماله من وقوف وطواف ، وترك محظورات ، وغير ذلك ؛ بل إنما نصير تفاصيل أعمال الحج مقصودة ، إذا استشعرها ، وقد يكون عالماً بجنس أعمال الحج ، وأنها وقوف ، وطواف ، ونحو ذلك ؛ لأنها قد وصفت له . وإن لم يعلم عين المكان ، وصورة الطواف ، فينوي ذلك . وقد يعلم ذلك كله فينوي ماقد علمه . وكذلك الكافر إذا أسلم ، وقلنا له : قد وجبت عليك الصلاة ، فإنه يلتزمها وينويها لاستشعاره لها جملة، ولم يعلم صفتها ؛ بل كل من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم إيماناً راسخاً ، فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبره ، وطاعته فيما أمره ، وإن لم يعلم ولم يقصد أنواع ٢٧ الأخبار والأعمال، ثم عند العلم بالتفصيل : إما أن يصدق ، ويطيع ، فيصير من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أو يخالف ذلك فيصير إما منافقا ، وإما عاصيا فاسقا ، أو غير ذلك . وهذا يبين لك أن الأقسام ثلاثة : رجل يقصد عبادة الله وطاعته ولم يقصد العمل المعين المأمور به: كرجل له أموال ينفق منها على السائل والمحروم ، مريداً بذلك وجه الله من غير أن يخطر بباله لا زكاة ، ولا كفارة ، ولا وضعها فى الأصناف الثمانية دون بعض . فهذا يثاب على ما يعمله لله سبحانه ، لكن بقى فى عهدة الأمر بالواجبات. ورجل قد يقصد العمل المعين، من غير أن يقصد طاعة الله وعبادته ، كمن يدفع زكاة ماله إلى السلطان ؛ لئلا يضرب عنقه، أو ينقص حرمته ، أو يأخذ ماله ، أو قام يصلي خوفا على دمه ، أو ماله أو عرضه. وهذه حال المنافقين عموماً، والمرائين فى بعض الأعمال ، خصوصاً. كما قال تعالى: (وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ) وقال: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ اُلْمَاعُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ). والقسم الثالث : أن يقصد فعل ما أمر به من ذلك العمل المعين ٢٨ لله سبحانه . واتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لابد منها فى الجملة ، فلا بد أن يقصد الصلاة أو الحج أو الصيام ، ولهم فى فروع ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه . واختلفوا فى النية الأولى: وهي نية الإضافة إلى الله تعالى: من أصحابنا من قال : لا تجب نية الإضافة إلى الله تعالى، ومنهم من فرق بين العبادات المقصودة ، كالصلاة ، والحج ، والصوم ، وغير المقصودة كالطهارة والتيمم ، وكذلك أصحاب الشافعي لم يعتبروا فية الإضافة إلى الله تعالى ، فى أصح الوجهين . وذلك لأن نفس نية فعل العبادة ، تتضمن الإضافة ، كما تتضمن عدد الركعات ، فإن الصلاة لا تشرع إلا لله تعالى، كما أن صلاة الظهر في الحضر لا تكون إلا أربع ركعات ، فلهذا لم تجب نية الإضافة . وأيضاً : النية الحكمية تقوم مقام النية المستحضرة ، وإن كانت النية المستحضرة أكمل وأفضل ، فإذا نوى العبد صلاة الظهر فى أول الأمر أجزاء استصحاب النية حكماً ، فكذلك العبد المؤمن الذي دخل الإيمان فى قلبه قد نوى نية عامة : أن عباداته هي له لا لغيره ، فإنه إن لم يكن كذلك كان منافقاً. فإذا نوى عبادة معينة من صلاة وصوم كان مستصحباً لحكم تلك ٢٩ النية الشاملة لجميع أنواع العبادات ، كما أنه فى الصلاة إذا نوى الركوع والسجود فى أثناء الصلاة ، كان مستصحباً لحكم فية الظهر أو العصر الشاملة لجميع أعمال الصلاة ، ثم إن أتى بما ينقض على تلك أفسدها فإنه يكون فاسخاً لها كما لو فسخ نية الصلاة فى أثنائها ، فإذا قام يصلي لئلا يضرب أو يؤخذ ماله، أو أدى الزكاة لئلا يضرب : كان قد فسخ تلك النية الإيمانية . فلهذا كان الصحيح عندنا وعند أكثر العلماء أن هذه العبادة فاسدة لا يسقط الفرض بهذه النية، وقلنا : إن عبادات المرائين الواجبة باطلة ، وأن السلطان إذا أخذ الزكاة من الممتنع من أدائها لم يجزه فى الباطن على أصح الوجهين ، لكن لما كان غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين ، يصيرون مسلمين إسلاما حكميا من غير أن يوجد منهم إيمان بالفعل ، ثم إذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي ، فيؤدي الفرائض ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة ، والمتابعة لأقاربه ، وأهل بلده ، ونحو ذلك: مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف ، ولم يستشعر وجوبها عليه لا جملة ولا تفصيلا . فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة ، وبين الزكاة المشروعة ، أو من يخرج من أهل مكة [ كل ] سنة إلى عرفات ؛ لأن العادة جارية بذلك ، من غير استشعار أن هذا عبادة لله. لا جملة ولا تفصيلا، أو يقاتل الكفار ٣٠ لأن قومه قاتلوهم ، فقاتل تبعاً لقومه ، ونحو ذلك . فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد ، بل نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض ، فلا يظن ظان أن قول من قال من الفقهاء : أن نية الإضافة ليست واجبة : أراد مثل هؤلاء ؛ وإنما اكتفى فيها بالنية الحكمية ، كما قدمناه. ففرق بين من لم يرد الله بعمله لا جملة ولا تفصيلا، وبين من أراد. جملة وذهل عن إرادته بالعمل المعين تفصيلا . فإن أحداً من الأمة لا يقول: إن الأول عابد لله، ولا مؤد لما أمر به أصلا ؛ وهذا ظاهر ، ومن أصحابنا من اشترط هذه النية عند العمل المعين ، فقال : النية الواجبة في الصلاة أن يعتقد أداء فعل ما افترض الله عليه، من فعل الصلاة بعينها ، وامتثال أمره الواجب من غير رياء ، ولا سمعة. ولفظ بعضهم: اتباع أمره ، وإخلاص العمل له . وعلى هذا يدل كلام أكثرم ، فإنهم يستدلون على النية الواجبة فى (وَمَا أُمِرُ وَ اْإِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ الطهارة والصلاة ونحوهما بقوله : لَهُ الْدِينَ ) قالوا: وإخلاص الدين هو النية. ومن اغتسل للتبرد أو التنظف لم يخلص الدين لله، ويستدلون بقوله: ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ اُلْآَخِرَةِ فَزِدْلَهُ فِى حَرْئِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِيهِ، مِنْهَا وَمَالَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِن قالوا: ومن اغتسل للتبرد والتنظف لم يرد حرث الآخرة نَصِيبٍ ) ٣١ فيجب ألا يخلص له . ومعلوم أن هاتين الآيتين تدلان على وجوب العمل الله والدار الآخرة ، أبلغ من دلالتها على وجوب نية العمل المعين ؛ لكن من نصر الوجه الأول قد يقول : نية النوع مستلزمة لنية الجنس، فإن من نوى العمل المعين فقد نوى العمل لله بحكم إيمانه كما تقدم . ومن نصر الثاني يقول : النية الواجبة لا تتقدم على العمل بعشرين سنة ، بل إنما تقدم عليه إما بالزمن اليسير ، وإما من أول وقت الوجوب ، على اختلاف الوجهين . وأيضاً : فالدليل الظاهر ، والقياس يوجب وجود النية المحضرة فى جميع العبادة ، وإنما عفى عن استصحابها في أثناء العبادة ، لما فى ذلك من المشقة ، ولا مشقة فى نية العبادة لله عند فعل كل عبادة. وأيضاً فغالب الناس إسلامهم حكمي ، وإنما يدخل فى قلوبهم فى أثناء الأمر، إن دخل. فإن لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها. فتخلو قلوبهم منها ، فيصيرون منافقين، إنما يعملون الأعمال عادة ومتابعة ، كما هو الواقع فى كثير من الناس . ٣٢ وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه وأرضاه - عن «التمتع والقران )) أيهما أفضل ؟. فأجاب: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له : ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . لا يختلف مذهب أحمد أنه إذا قدم في أشهر الحج ، ولم يسق الهدى فالتمتح الخاص أفضل له ، وهو أن يتمتع بعمرة فيحل منها إذا طاف بالبيت ، وبين الصفا والمروة. ثم يحرم بالحج. وأما إذا ساق الهدي : فنقل المروذي عنه : أن القران أفضل . فمن أصحابنا من جعل هذا رواية ثانية عن أحمد . وجعلوا فيها إذا ساق الهدي : هل الأفضل التمتح ؟ أو القران ؟ على روايتين . وهذه طريقة المتأخرين الذين قالوا : إن النى صلى الله عليه ٣٣ وسلم حج متمتعاً ، فإنه على هذا القول يكون النبى صلى الله عليه وسلم تمتع ، وساق الهدي ، وأمر أصحابه بالتمتع ، فلا يبقى لاختيار القران وجه . ولكن المنصوص عن أحمد الذي عليه أئمة أصحابه المتقدمون : أنه حج قارنا ، ولكن أمر أصحابه بالتمتع - من لم يسق الهدي - أن يحل من إحرامه، ويجعلها متعة. وقال: (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة)). وعلى هذا القول فهذا من باب المطلق والمقيد ، فإن أحمد لم ينص على أنه من ساق الهدي فالتمتع أفضل له . بل إنما اختار التمتع لأمر النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه به. ولقوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)). والنبى صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالتحلل من لم يسق الهدي ، وإنما اختار أن يجعلها عمرة، ولا يحمل من لم يختر أن يجعلها عمرة مع سوق الهدي . وأيضاً فإن أحمد لم يقل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حج متمتعاً التمتع الخاص - بل نص على أن النبى صلى الله عليه وسلم حج قارناً . وقال : لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً ، والتمتع أحب إلي؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه ٣٤ وسلم. فإنه قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ). فكلامه إنما كان في أيهما أفضل : أن يسوق ويقرن ، أو يتمتع ولا بسوق ؟. لأنه إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل . فهذا مما يختلف فيه الاجتهاد ، لأن قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )) هل كان لأن التحلل بعمرة أفضل من القران ، أم لا : موافقة لأصحابه لما أمرم بالتحلل فشق ذلك عليهم . فهذا مورد اجتهاد . ولم يختلف كلام أحمد أن من لم بسق الهدى وقدم في أشهر الحج فالتمتع أفضل له . وأيضاً : فإنه إذا ساق الهدي ، وقدم فى العشر لم يجز له التحلل عند أحمد ، وأبى حنيفة ، وغيرهما حتى ينحر الهدي يوم النحر ، سواء كان متمتعاً التمتع الخاص ، أو قارناً . وحينئذ فلا فرق بين المتمتع والقارن عند أحمد إلا فى شيئين : أحدهما : أن القارن يكون قد أحرم بالحج قبل الطواف ، سواء أحرم بالحج مع العمرة ، أو أحرم بالعمرة ، ثم أدخل عليها الحج . بأنه فى كليهما قارن باتفاق الأئمة . وأما المتمتح التمتع الخاص : فإنه يؤخر إحرامه بالحج إلى ما بعد ٣٥ قضاء العمرة . ومعلوم حينئذ أن تقديم الإحرام بالحج أفضل من تأخيره فيكون القران أفضل لمن ساق الهدي . الثانى : أن القارن عنده لا يطوف بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة ، كالمفرد . وأما المتمتع فقد اختار له أن يسعى سعيين ، ونص على أنه يجزيه سعي واحد كالمفرد ، والقارن . وحينئذ فيكون قد تميز بسعي زائد مستحب ، لكن هو أيضا يستحب للمتمتع أن يطوف أولا بعد عرفة طواف القدوم ، فيكون المتمتع قد طاف بعد عرفة مرتين ، وسعى سعياً ثانياً . وأما القارن فإنه يعمل ما يعمله المفرد ، لكن كل هذا فيه نزاع ، وفى مذهبه قول آخر : أن السعي الثانى واجب على المتمتع . وقول : إن القارن يطوف طوافين ، ويسعى سعيين ، كمذهب أبي حنيفة . وقول : إن المتمتح لا يستحب له طواف القدوم ، وهذا هو الصواب ، بل ولا يستحب له سعي ثان . فإن الصحابة الذين حجوا مع النبى صلى الله عليه وسلم لم يسعوا إلا مرة واحدة ، وبهذا يظهر فضل القارن إذا ساق الهدي ، على المتمتع الغير السائق . وأما إذا حصل فى عمل المتمتع زيادة سعي واجب ، أو مستحب، ٣٦ أو زيادة طواف مستحب ، فقد يقال : إنه أفضل من هذا الوجه ، لكن هو خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضاً : فلو سلم استحباب ذلك ، لم يسلم أن كلما زاد عملا كان أفضل، بل الأفضل قد يكون هو الأيسر ، كما أن التمتح أفضل من الإفراد ، وهو أيسر ، والفطر فى السفر أفضل ، وهو أيسر ، وكذلك القصر أفضل من التربيع ، وهو أبسر . وقد يفضل المتمتع بأن طوافه الأول يكون واجبا ، لأنه طواف عمرة ، والقارن يكون طوافه طواف قدوم، وهو لا يجب . والواجب أفضل وهذا ممنوع. فإن الفضل بحسب كثرة مصلحة الفعل ، والوجوب سبب حصول مفسدة فى الترك . ولم يختلف كلام أحمد أن من لم يسق الهدي ، وقدم في أشهر الحج، فالتمتع أفضل له ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذين حجوا معه جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي . ومذهب أحمد أبضاً أنه إذا أفرد الحج بسفرة . والعمرة بسفرة ، فهذا الإفراد أفضل له من التمتع . نص على ذلك فى غير موضع . وذكره أصحابه : كالقاضي أبى بعلى فى تعليقه، وغيره . وكذلك ٣٧ مذهب سائر العلماء حتى أصحاب أبى حنيفة ، فإنهم نصوا على أن العمرة الكوفية أفضل من القران ، مع أن القران عندم أفضل . لكن القران الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو القران الذي يقوله أبو حنيفة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف إلا طوافا واحداً، ولم يسع إلا سعياً واحداً . ومذهب أبى حنيفة أن القارن بطوف أولا . ويسعى للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج، وإذا فعل محظوراً كان عليه جزاءان للحج والعمرة وقد حكى هذا رواية عن أحمد ، وأن القارن يلزمه طوافان ، وسعيان كمذهب أبي حنيفة . لكن مذهبه المنصوص عنه في غير موضع المعروف كمذهب مالك ، والشافعي ، وغيرهما ، أنه ليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد . بل أبلغ من ذلك أن المتمتع هل يجزيه السعي الأول الذي مع طواف العمرة ، أو يحتاج إلى سعي ثان عقيب طواف الإفاضة ، أو غيره ، على قولين عن أحمد . والمشهور عند أصحابه هو الثانى، والأول قد نص عليه أيضاً . قال عبد الله بن أحمد قلت لأبى: المتمتع يسعى بين الصفا والمروة . قال: ٣٨ إن طاف طوافين فهو أجود ، وإن طاف طوافاً واحداً فلا بأس . قال : وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي ، واحتج بحديث جابر وكذلك نقل عنه ابن منصور . وإنما اختلف مذهبه في ذلك ، لاختلاف الأحاديث في ذلك . ففي صحيح مسلم عن جابر . قال: لم يطف النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحداً ، طوافه الأول . وهذا مع أنهم كانوا متمتعين . وروى أحمد قال : تنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقول : القارن والمتمتع والمفرد يجزيه طواف بالبيت ، وسعي بين الصفا والمروة . وفى الصحيحين عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فأهللنا بعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدي فليهل بالحج ، والعمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعاً - إلى أن قالت - فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ، وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة ٣٩ فإنما طافوا لطوافا واحداً بالبيت ». قلت : فقولها طوافا آخر، إنما أرادت به الطواف بالبيت ، وبين الصفا والمروة، كذكرها فى أول الحديث ، ولأن الذين جمعوا بين الحج والعمرة لابد لهم من طواف الإفاضة ، فعلم أنها إنما نفت طوافا معه الطواف بين الصفا والمروة ، لا الطواف المجرد بالبيت . والذي نفته عن القارن أثبته للمتمتح الذي أحرم بالعمرة، ولم يدخل عليها الحج. وأحمد في بعض رواياته فهم من هذا أنهم طافوا بالبيت فقط للقدوم ، فاستحب للمتمتع أولا إذا رجع من منى أن يطوف أولا للقدوم ثم يطوف طواف الفرض . ومن رد على أحمد حجته بأن المراد بالطواف طواف الفرض ، فقد غلط . لأن طواف الفرض مشترك بين المتمتع والمفرد والقارن . وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفته عن القارن . ولكن المراد بهذا الحديث الطواف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، إن لم تكن أرادت الطواف بالبيت ؛ لأنها هي لم تطف بالبيت إلا مرة واحدة؛ لأجل حيضها . وهذا قد عارضه حديث جابر ((الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أمرم بأن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ، لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا أول مرة)) وهذا ٤٠