النص المفهرس

صفحات 241-260

قبل أن تتخذ الكنف في بيوتهم .
وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام أو أعطان الإبل علموا أن النهي عن
الصلاة فى الحشوش أولى وأحرى ، مع أنه قد روى الحديث الذي فيه
((النهي عن الصلاة فى المقبرة والمجزرة والمزبلة والحشوش وقارعة الطريق
ومعاطن الإبل، وظهر بيت الله الحرام)».
وأصحاب الحديث متنازعون فيه. وأصحاب أحمد فيه على قولين :
منهم من يرى هذه من مواضع النهي ومنهم من يقول لم أجد فى هذا
الحديث ، ولم أجد في كلام أحمد فى ذلك إذنا ولا منعا، مع أنه قد
كره الصلاة في مواضع العذاب . نقله عنه ابنه عبد الله؛ للحديث المسند
فى ذلك عن علي الذى رواه أبو داود ، وإنما نص على الحشوش وأعطان
الإبل والحمام، وهذه الثلاثة هي التى ذكرها الخرقي وغيره، والحكم
فى ذلك عند من يقول به قد يثبته بالقياس على موارد النص ، وقد
يثبته بالحديث ، ومن فرق يحتاج إلى الطعن فى الحديث وبيان الفارق.
وأيضاً المنع قد يكون منع كرامة ، وقد يكون منع تحريم.
وإذا كانت الأحكام التى تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول
صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولا بد أن تنقل الأمة ذلك : فعلوم
٢٤١

أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور
والطيب. فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما
بين الإفطار بغيره ، فلما لم يبين ذلك على أنه من جنس الطيب والبخور
والدهن ، والبخور قد بتصاعد إلى الآنف ويدخل فى الدماغ وينعقد
أجساما، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به
الإنسان ، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة ، فلما لم ينه الصائم عن
ذلك دل على جواز تطبيبه وتبخيره وادهانه ، وكذلك اكتحاله .
وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدم
إما فى الجهاد وإما في غيره مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم
ذلك ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطراً .
( الوجه الثالث ) إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون
القياس صحيحا ، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع ، وإما بإلغاء الفارق ،
فإما أن يدل دليل على العلة فى الأصل فيعدى بها إلى الفرع ، وإما أن
يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة فى الشرع ، وهذا القياس
هنا منتف.
وذلك أنه ليس فى الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله
٢٤٢

ورسوله مفطراً هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن ، أو ما كان داخلا
من منفذ، أو واصلا إلى الجوف ، ونحو ذلك من المعانى التى يجعلها
أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند اللّه ورسوله ، ويقولون إن
الله ورسوله إنما جعلا الطعام والشراب مفطراً لهذا المعنى المشترك من
الطعام والشراب ، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة
والجائفة. وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير فى
الإحليل ونحو ذلك .
وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل كان
قول القائل : إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطراً لهذا قولا بلا علم،
وكان قوله: ((إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا ، قولا بأن
هذا حلال وهذا حرام بلا علم ، وذلك بتضمن القول على الله بما
لا يعلم ، وهذا لا يجوز.
ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو بمنزلة
من اعتقد مصحة مذهب لم يكن صحيحاً ، أو دلالة لفظ على معنى لم
يرده الرسول ، وهذا اجتهاد يثابون عليه ، ولا يلزم أن يكون قولا
بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها .
٢٤٣

(الوجه الرابع ) أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة
الحكم إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف
المعين ، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد
عند من يقول به ، فلا بد من السبر ، فإذا كان فى الأصل وصفان
مناسبان لم يجز أن يقول الحكم بهذا دون هذا .
ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع
والحيض ، والنبى صلى الله عليه وسلم قد نهى المتوضئ عن المبالغة
فى الاستنشاق إذا كان صائماً ، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم
كما تقدم ، وهو قياس ضعيف ، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه
ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه ، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب
بفمه ويغذي بدنه من ذلك الماء ، ويزول العطش ويطبخ الطعام في
معدته كما يحصل بشرب الماء ، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن
هذا من جنس الشرب فإنهما لا يفترقان إلا فى دخول الماء من الفم ،
وذلك غير معتبر ، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر ، فليس هو
مفطراً ولا جزءاً من المفطر لعدم تأثيره ، بل هو طريق إلى الفطر ،
وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة . فإن الكحل
لا يغذي ألبتة ولا يدخل أحد كملا إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه ،
٢٤٤

وكذلك الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما فى البدن كما لو شم شيئا من المسهلات
أو فزع فزعا أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة (١)
:
والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه
ما يصل إليها من غذائه، والله سبحانه قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الصوم جنة))
وقال: (( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه
بالجوع بالصوم)).
فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوى .
فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان
إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كل ، ولا ما يقطر فى الذكر .
ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة ، وهو متولد عما استنشق من الماء
لأن الماء مما يتولد منه الدم فكان المنح منه من تمام الصوم .
فإذا كانت هذه المعانى وغيرها موجودة فى الأصل الثابت بالنص
والإجماع فدعوام أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف
(١) وقوله حق. ولكن يوجد في هذا الزمان حقن أخر وهو إيصال بعض المواد المغذية
إلى الأمعاء يقصد بها تغذية بعض المرضى فتفطر .
٢٤٥

معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين
أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا .
(الوجه الخامس) أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل
والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) ولا ريب أن الدم
يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب السعت مجاري الشياطين؛
ولهذا قال: ((فضيقوا مجاريه بالجوع)). وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعا.
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة
وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين)) فإن مجاري الشياطين الذي هو
الهم ضاقت ، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التى بها
تفتح أبواب الجنة ، وإلى ترك المنكرات التى بها تفتح أبواب النار ،
وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدم فلم يستطيعوا أن
يفعلوا فى شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل أنهم
قتلوا ولا ماتوا ، بل قال: ((صفدت)) والمصفد من الشياطين قد
يؤذي ، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان ، فهو بحسب
كمال الصوم ونقصه ، فمن كان صومه كاملا دفع الشيطان دفعاً لا يدفعه
دفع الصوم الناقص ، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل
٢٤٦

والشرب، والحكم ثابت على وفقه ، وكلام الشارع قد دل على
اعتبار هذا الوصف وتأثيره ، وهذا المنع منتف فى الحقة والكحل
وغير ذلك .
( فإن قيل ): بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دما .
قيل : هذا كما قد يقال فى البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ
فيستحيل دما، وكالدهن الذي بشربه الجسم. والممنوع منه إنما هو ما يصل
إلى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على البدن .
ونجعل هذا ( وجها سادساً ) فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك
على البخور والدهن ونحو ذلك لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس
مما يتغذى به البدن ويستحيل فى المعدة دما ، وهذا الوصف هو
الذي أوجب ألا تكون هذه الأمور مفطرة ، وهذا موجود
في محل النزاع . والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما
يشبهه من الصفات .
فإن قيل : هذا تطبخه المعدة ويستحيل دما ينمي عنه البدن لكنه
غذاء ناقص فهو كما لو أكل ما أو نحوه مما يضره، وهو بمنزلة من
٢٤٧

أكل أ كلا كثيراً أورثه تخمة ومرضاً، فكان منعه في الصوم عن
هذا أوكد ؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار وبقي الصوم أوكد ، وهذا
كمنعه من الزنا فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى .
فإن قيل : فالجماع مفطر ، وهذه العلة منتفية فيه ؟
( قيل ): تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع فلا يحتاج إثباتها إلى
القياس ؛ بل يجوز أن تكون العلل مختلفة ، فيكون تحريم الطعام
والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة ،
والفطر بالحيض لحكمة ، فإن الحيض لا يقال فيه إنه يحرم ، وهذا لأن
المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد
كالأكل والجماع ، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض، كذلك
تنقسم عللها .
فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى
الاستقاءة والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى - فإنه
من نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب ، ومن جهة أنه إحدى
الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب ، قد قال النبى صلى الله عليه
وسلم فى الحديث الصحيح عن اللّه تعالى: ((قال: الصوم لي وأنا أجزي
٢٤٨

به ، بدع شهوته وطعامه من أجلى ، فترك الإنسان ما يشتهيه الله هو
عبادة مقصودة بئاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس
والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن ، والجماع من أعظم نعيم البدن ،
وسرور النفس وانبساطها، هو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من
الأكل ، فإذا كان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم . والغذاء
يبسط الدم الذي هو مجاريه ، فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى
الشهوات ، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات ، فهذا المعنى في الجماع أبلغ
فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات ، ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم؛
بل الجماع هو غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب ،
ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار فوجب عليه العتق أو ما يقوم
مقامه بالسنة والإجماع ، لأن هذا أغلظ ، وداعيه أقوى والمفسدة به
أشد . فهذا أعظم الحكمتين فى تحريم الجماع.
وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة أخرى فصار
فيها كالأكل والحيض وهو فى ذلك أبلغ منها فكان إفساده الصوم
أعظم من إفساد الأكل والحيض.
فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس ، فنقول :
إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء . والإسراف فى العبادات من الجور
٢٤٩

الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد فى العبادات ؛ ولهذا أمر بتعجيل
الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال وقال: «أفضل الصيام وأعدل الصيام
صيام داود عليه السلام ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى ))
فالعدل فى العبادات من أكبر مقاصد الشارع ؛ ولهذا قال تعالى :
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْطَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ ) الآية.
فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل، وقال تعالى: (فَبُظُلْوِمِنَ
الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ
فلما كانوا ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات
اُلْرِّبَوْأْ وَقَدْ نُهُواْعَنْهُ )
؛ بخلاف الأمة الوسط العدل فإنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم
الخبائث .
وإذا كان كذلك فالصائم قد نهى عن أخذ ما يقوبه ويغذيه من
الطعام والشراب ، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التى بها
يتغذى ، وإلا فإذا مكن من هذا ضره وكان متعديا فى عبادته لا عادلا .
والخارجات نوعان : نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على
وجه لا يضره فهذا لا يمنع منه كالأخبثين ، فإن خروجها لا يضره ولا
يمكنه الاحتراز منه أيضا ، ولو استدعى خروجها فإن خروجهما لا يضره
بل ينفعه. وكذلك إذا ذرعه القىء لا يمكنه الاحتراز منه، وكذلك الاحتلام
٢٥٠

فى المنام لا يمكنه الاحتراز منه، وأما إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به
من الطعام والشراب المستحيل فى المعدة ، وكذلك الاستمناء مع ما فيه
من الشهوة فهو يخرج المني الذى هو مستحيل فى المعدة عن الدم ، فهو
يخرج الدم الذى يتغذى به ، ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه
يضر الإنسان ويخرج أحمر .
والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم ، والحائض يمكنها أن
تصوم في غير أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها ، فكان صومها
فى تلك الحال صوما معتدلا لا يخرج فيه الدم الذى يقوي البدن الذى
هو مادته ، وصومها فى الحيض يوجب أن يخرج فيه دمها ، الذى هو
مادتها ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال .
فأمرت أن تصوم فى غير أوقات الحيض .
بخلاف المستحاضة ؛ فإن الاستحاضة نعم أوقات الزمان ، وليس لها
وقت تؤمر فيه بالصوم ، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه : كذرع
القيء ، وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس
له وقت محدد يمكن الاحتراز منه . فلم يجعل هذا منافيا للصوم
كدم الحيض.
٢٥١

وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك، فإن العلماء
متنازعون فى الحجامة هل تفطر الصائم أم لا ؟ والأحاديث الواردة عن
النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: ((أفطر الحاجم والمحجوم ، كثيرة
قد بينها الأئمة الحفاظ.
وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من
لا يحتجم إلا بالليل . وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا
حوانيت الحجامين . والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء
الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن
المنذر وغيرهم .
وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد
صلى اللّه عليه وسلم. والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت
في الصحيح ((أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم))
وأحمد وغيره طعنوا فى هذه الزيادة وهي قوله: ((وهو صائم )) وقالوا :
الثابت أنه احتجم وهو محرم ، قال أحمد : قال يحيى بن سعيد : قال
شعبة : لم يسمع الحكم حديث مقسم فى الحجامة للصائم ، يعنى حديث
شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ((أن النبى صلى الله
عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم)).
٢٥٢

قال مهنا : سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد ، عن ميمون
ابن مهران ، عن ابن عباس «أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وهو
صائم محرم )) فقال: ليس بصحيح ، وقد أنكره يحيى بن سعيد الأنصارى.
قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه ، وقال : كانت
كتب الأنصاري ذهبت فى أيام المنتصر فكان بعد يحدث من كتب
غلامه وكان هذا من تلك .
وقال مهنا : سألت أحمد عن حديث قبيصة ، عن سفيان ، عن
حماد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس إلخ فقال : هو خطأ من
قبل قبيصة . وسألت يحيى عن قبيصة فقال : رجل صدق ، والحديث
الذى يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله .
قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم)) فقال ليس فيه ((صائم)) إنما
هو (( محرم)) ذكره سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن
ابن عباس ((احتجم النبى صلى الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم))
وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس ، وعن عبد الرزاق عن معمر
عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله ، وهؤلاء
أصحاب ابن عباس لا يذكرون ((صائما)).
٢٥٣

قلت : وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه
الشيخان البخاري ومسلم ، ولهذا أعرض مسلم من الحديث الذي ذكر
حجامة الصائم ولم يثبت إلا حجامة المحرم . وتأولوا أحاديث الحجامة
بتأويلات ضعيفة ، كقولهم : كانا يغتابان، وقولهم أفطر لسبب آخر .
وأجود ما قيل ما ذكره الشافعى وغيره إن هذا منسوخ ، فإن هذا
القول كان في رمضان ، واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك ، لأن الإحرام
بعد رمضان . وهذا أيضا ضعيف ، بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة
ست عام الحديبية بعمرة فى ذي القعدة ، وأحرم من العام القابل بعمرة
القضية فى ذي القعدة ، وأحرم من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة
في ذي القعدة بعمرة ، وأحرم سنة عشر بحجة الوداع فى ذي القعدة ،
فاحتجامه صلى اللّه عليه وسلم وهو محرم صائم لم يبين في.
أي الإحرامات كان .
والذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة :
قوله ((أفطر الحاجم والمحجوم)) فإنه كان عام الفتح بلا ريب هكذا
في أجود الأحاديث . وروى أحمد بإسناده عن ثوبان أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم فى رمضان قال ((أفطر
الحاجم والمحجوم)).
٢٥٤

وقال أحمد : أنبأنا إسماعيل ، عن خالد الحذاء ، عن أبى قلابة ،
عن الأشعث، عن شداد بن أوس . أنه مر مع النبى صلى الله عليه
وسلم زمن الفتح على رجل محتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من
رمضان فقال (( أفطر الحاجم والمحجوم)) وقال الترمذي : سألت البخاري
فقال : ليس فى هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس وحديث
ثوبان ، فقلت : وما فيه من الاضطراب ؟ فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن
ء
يحيى بن سعيد روى عن أبى قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان ، عن
أبى الأشعث ، عن شداد الحديثين جميعاً .
قلت : وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا
الحديثين اللذين رواهما أبو قلابة - إلى أن قال - ومما يقوي أن
الناسخ هو الفطر بالحجامة أن ذلك رواه عنه خواص أصحابه الذين كانوا
يباشرونه حضراً وسفرا ، ويطلعون على باطن أمره مثل بلال وعائشة ،
ومثل أسامة وثوبان مولياه ، ورواه عنه الأنصار الذين م بطانته مثل
رافع بن خديج وشداد بن أوس ، وفى مسند أحمد عن رافع بن
خديج عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))
قال أحمد : أصح شيء فى هذا الباب حديث رافع ، وذكر أحاديث
((أفطر الحاجم والمحجوم )) إلى أن قال: ثم اختلفوا على أقوال:
٢٥٥

أحدها: يفطر المحجوم دون الحاجم، ذكره الخرقي؛ لكن المنصوص
عن أحمد وجمهور أصحابه الإفطار بالأمرين ، والنص دال على ذلك فلا
سبيل إلى تركه .
والثاني: أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم ، ولا يفطر
بالاقتصاد ونحوه ، لأنه لا يسمى احتجاما وهذا قول القاضى وأصحابه
فالتشريط في الآذان هل هو داخل فى مسمى الحجامة ؟ تنازع فيه
المتأخرون . فبعضهم يقول : التشريط كا لحجامة ، كما يقوله شيخنا أبو
محمد المقدسي ، وعليه يدل كلام العلماء قاطبة ، فليس منهم من خص
التشريط بذكر ، ولو كان عندهم لا يدخل فى الحجامة لذكروه ، كما
ذكروا الفصاد . فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة ، وقال شيخنا
أبو محمد : هذا هو الصواب . إلى أن قال :
والرابع : وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم
العادل وغيره انه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما ، وذلك لأن المعنى
الموجود فى الحجامة موجود فى الفصاد شرعا وطبعا ، وحيث حض النبى
صلى الله عليه وسلم على الحجامة وأمر بها فهو حض على ما فى معناها
من الفصاد وغيره ؛ لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة فيها دم البدن
٢٥٦

فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة . والأرض الباردة يغور الدم
فيها إلى العروق هربا من البرد ، فإن شبه الشيء منجذب إليه كما تسخن
ء
الاجواف فى الشتاء وتبرد في الصيف ، فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد
وقطع العروق، كما للبلاد الحارة الحجامة ، لا فرق بينهما في شرع ولا عقل .
وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس ، وأنه من
جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء . وإذا كان كذلك
فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القىء أفطر
سواء جذب القيء بإدخال يده ، أو بشم ما يقيته ، أو وضع بدء تحت
بطنه واستخرج القيء ، فتلك طرق لإخراج القيء ، وهذه طرق لإخراج
العم ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في ( باب الطهارة ). فتبين
بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه . وأن ما ورد من النصوص ومعانيها
فإن بعضه بصدق بعضاً ويوافقه (وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْئِلَفًا
كَثِيرً).
وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي فى القارورة بامتصاصه ، والهواء
يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل فى
حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم
٢٥٧

بالمظنة ، كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء
فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري.
والدم من أعظم المفطرات فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان
الشهوة، والخروج عن العدل ، والصائم أمر بحسم مادته، فالدم يزيد
الدم فهو من جنس المحظور . فيفطر الحاجم لهذا ، كما ينتقض وضوء
النائم ، وإن لم يستيقن خروج الربح منه ، لأنه يخرج ولا يدري ،
وكذلك الحاجم قد يدخل الدم فى حلقه وهو لا يدري .
وأما الشارط فليس بحاجم ، وهذا المعنى منتف فيه فلا يفطر
الشارط ، وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة بل يمتص غيرها أو
يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر .
والنبي صلى اللّه عليه وسلم كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد.
وإذا كان اللفظ عاما وإن كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم
سائر النوع ؛ للعادة الشرعية من أن ما ثبت فى حق الواحد من الأمة
ثبت في حق الجميع ، فهذا أبلغ ، فلا يثبت بلفظه ما يظهر لفظا ومعنى
أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم. والحمد لله
رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
٢٥٨

وسل
عن رجل باشر زوجته ، وهو يسمع المتسحر يتكلم ، فلا يدري :
أهو يتسحر ؟ أم يؤذن ؟ ثم غلب على ظنه أنه يتسحر ، فوطئها ،
وبعد بسير أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال :
أحدها : عليه القضاء ، والكفارة . هذا إحدى الروايتين
عن أحمد .
وقال مالك : عليه القضاء لا غير ، وهذه الرواية الأخرى عنه ،
وهذا مذهب الشافعي ، وأبى حنيفة وغيرهما .
والثالث : لاقضاء ، ولا كفارة عليه . وهذا قول النبى صلى الله
عليه وسلم، وهو أظهر الأقوال ؛ ولأن الله تعالى عفا عن الخطأ
٢٥٩

والنسيان، وأباح سبحانه وتعالى الأكل والشرب. والجماع حتى يتبين
الخيط الأبيض من الخيط الأسود . والشاك في طلوع الفجر يجوز له
الأكل والشرب والجماع بالاتفاق ، ولا قضاء عليه إذا استمر الشك .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل أراد أن يواقع زوجته فى شهر رمضان بالنهار ، فأفطر
بالأكل قبل أن يجامع ، ثم جامع ، فهل عليه كفارة أم لا ؟ وما على
الذي يفطر من غير عذر ؟
فأجاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران :
أحدهما : تجب ، وهو قول جمهورهم: كمالك ، وأحمد ، وأبى
حنيفة وغيرهم .
والثانى: لا يجب ، وهو مذهب الشافعي ، وهذان القولان مبناها:
على أن الكفارة سبيها الفطر من الصوم ، أو من الصوم الصحيح .
بجماع ، أو بجماع وغيره ، على اختلاف المذاهب . فإن أبا حنيفة
٢٦٠