النص المفهرس
صفحات 201-220
يستقيم الحكم به غالباً لمعارضة طالح لوقت وغيره من الموانع ، ويقولون : إن الأحكام مبناها على الحدس ، والوم . فنبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفى الأحكام من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك ، ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن من منفعته بما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، ولهذا قال من قال إن كلام هؤلاء بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع ، وبين ظنون كاذبة لاثقة بها ، وأن بعض الظن إثم. ولقد صدق ، فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه فى حساب الدقائق والثوانى كان غايته مالا يفيد . وإنما تعبوا عليه لأجل الأحكام . وهي ظنون كاذبة . أما الكلام فى الشرعيات فإن كان علما كان فيه منفعة الدنيا والآخرة، وإن كان ظنا مثل الحكم بشهادة الشاهدين ، أو العمل بالدليل الظنى الراجح فهو عمل بعلم . وهو ظن يثاب عليه في الدنيا والآخرة . فالحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق . آخر ما وجد . وصلى الله على محمد وآله وسلم . ٢٠١ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة ، ولم يثبت عند حاكم المدينة : فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي فى الظاهر التاسع. وإن كان فى الباطن العاشر ؟ فأجاب : نعم . يصومون التاسع فى الظاهر المعروف عند الجماعة ، وإن كان فى نفس الأمر يكون عاشراً ، ولو قدر ثبوت تلك الرؤية . فإن فى السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم نضحون)) أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وصححه. وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس)) رواه الترمذي ، وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم . فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأم الوقوف ٢٠٢ بالاتفاق ، وكان ذلك اليوم يوم عرفة فى حقهم. ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الإجزاء نزاع . والأظهر صحة الوقوف أيضاً ، وهو أحد القولين فى مذهب مالك ، ومذهب أحمد وغيره . قالت عائشة - رضى الله عنها - (( إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس)) وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر فقال تعالى: ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) والهلال اسم لما يستهل به : أي يعلن به ، ويجهر به فإذا طلع فى السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالا. وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة ، فان لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل ، وإنما يغلط كثير من الناس فى مثل هذه المسألة ؟ لظنهم أنه إذا طلع فى السماء كان تلك الليلة أول الشهر . سواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أولا. وليس كذلك؛ بل ظهوره للناس واستهلالهم به لابد منه؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحون )) : أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم ، والفطر ، والأضحى . فاذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم . وصوم اليوم الذي يشك فيه: هل هو تاسع ذي الحجة ؟ أو عاشر ذي الحجة ؟ جائر بلا نزاع بين العلماء ؛ ٢٠٣ لأن الأصل عدم العاشر . كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان ؛ هل طلع الهلال ؟ أم لم يطلع ؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم المشكوك فيه بانفاق الأمة . وإنما يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة الشك فى أول رمضان ؛ لأن الأصل بقاء شعبان . وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان : إحداهما: لو رأى هلال شوال وحده، أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم: هل يفطر ؟ أم لا ؟ والثانية : لو رأى هلال ذي الحجة، أو أخبره جماعة يعلم صدقهم، هل يكون في حقه يوم عرفة ، ويوم النحر هو التاسع ، والعاشر بحسب هذه الرؤية التى لم تشتهر عند الناس ؟ أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس ؟. فأما المسألة الأولى : فالمنفرد برؤية هلال شوال ، لا يفطر علانية، باتفاق العلماء . إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سراً على قولين للعلماء أصحهما لا يفطر سراً ، وهو مذهب مالك ، وأحمد في المشهور فى مذهبها . وفيهما قول أنه يفطر سراً كالمشهور فى مذهب أبي حنيفة ، ٢٠٤ والشافعي ، وقد روى أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأيا هلال شوال، فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر . فلما بلغ ذلك عمر قال: للذي أفطر أولا صاحبك لأوجعتك ضربا . والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس ، وهو يوم العيد ، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه ، فإنه نهى عن صوم يوم الفطر ، ويوم النحر. وقال: ((أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم، وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم)). فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون، وينسك فيه المسلمون . وهذا يظهر بالمسألة الثانية ، فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف قبل الناس فى اليوم الذي هو في الظاهر الثامن ، وإن كان بحسب رؤيته هو التاسع ، وهذا لأن في انفراد الرجل فى الوقوف ، والذبح ، من مخالفة الجماعة ما فى إظهاره للفطر . وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال، أو أخبره ثقتان أنهما رأيا الهلال ، وهو العاشر بحسب ذلك ، ولم يثبت ذلك عند العامة ، وهو العاشر بحسب الرؤية الخفية ، فهذا يخرج على ما تقدم . ٢٠٥ ١ فمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذى هو بحسب الرؤية الخفية من شوال ، ولم يأمره بالفطر سراً، سوغ له صوم هذا اليوم، واستحبه : لأن هذا هو يوم عرفة، كما أن ذلك من رمضان ، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار . ومن أمره بالفطر سراً لرؤيته ، نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل ، كهلال شوال الذي انفرد برؤيته . فإن قيل قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصراً ، الرده شهادة العدول ، إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم، وإما رد شهادتهم لعداوة بينه وبينهم ، أو غير ذلك من الأسباب ، التى ليست بشرعية ، أو لاعتماده على قول المنجم الذي زعم أنه لا يرى . قيل : ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به فى رؤية الهلال ، مجتهداً مصيباً كان أو مخطئاً ، أو مفرطا ، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر بحيث يتحرى الناس فيه . وقد ثبت فى الصحيح أن الني صلى الله عليه وسلم قال: فى الأئمة: ((يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم،. خطؤه وتفريطه عليه ، لا على المسلمين الذين لم يفرطوا، ولم يخطئوا . ٢٠٦ ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم ، كما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: (( إنّا أمة أمية لا نكتب، ولا تحسب، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته )) . والمعتمد على الحساب فى الهلال ، كما أنه ضال فى الشريعة ، مبتدع فى الدين ، فهو مخطئ في العقل ، وعلم الحساب . فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابى ، وإنما غاية الحساب منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلا ؛ لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة ، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله ، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال ، وانخفاضه ، وباختلاف صفاء الجو وكدره. وقد يراء بعض الناس لثمان درجات ، وآخر لا يراه لثقتى عشرة درجة ؛ ولهذا تنازع أهل الحساب فى قوس الرؤية تنازعا مضطربا، وأتمتهم: كبطليموس ، لم يتكلموا فى ذلك بحرف ، لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابى . وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم ، مثل كوشيار الديلمي ، وأمثاله . لما رأوا الشريعة علقت الأحكام بالهلال ، فرأوا الحساب طريقاً تنضبط فيه ٢٠٧ الرؤية ، وليست طريقة مستقيمة ، ولا معتدلة ، بل خطؤها كثير ، وقد جرب ، وم يختلفون كثيراً : هل يرى؟ أم لا يرى ؟ وسبب ذلك : أنهم ضبطوا بالحساب مالا يعلم بالحساب ، فأخطأوا طريق الصواب ، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح، كما تكلمت على حد اليوم أيضا ، وبينت أنه لا ينضبط بالحساب ؛ لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة ، فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر ، إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التى تعلم بالحساب. فأما إذا كان للأبخرة فى ذلك تأثير ، والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة أكثر مما يكون فى الصيف والأرض اليابسة . وكان ذلك لا ينضبط بالحساب ، فسدت طريقة القياس الحسابي . ولهذا توجد حصة الفجر فى زمان الشتاء أطول منها فى زمان الصيف . والآخذ بمجرد القياس الحسابى يشكل عليه ذلك ، لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار ، وهذا أيضا مبسوط في موضعه ، والله سبحانه أعلم . وصلى الله على محمد . ٢٠٨ وسئل رحمه الله عن المسافر فى رمضان، ومن بصوم ، ينكر عليه ، وينسب إلى الجهل . ويقال له الفطر أفضل ، وما هو مسافة القصر : وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر ؟ ؟ وهل يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر ؟ وما الفرق بين سفر الطاعة ، وسفر المعصية ؟ فأجاب: الحمد لله: الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين ، سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة ، أو نحو ذلك من الأسفار التى لا يكرهها الله ورسوله . وتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك. على قولين مشهورين كما تنازعوا فى قصر الصلاة . فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء ٢٠٩ باتفاق الأئمة ، ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة ، سواء كان قادراً على الصيام ، أو عاجزاً، وسواء شق عليه الصوم ، أو لم يشق ، بحيث لو كان مسافراً في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر . ومن قال : إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . وكذلك من أنكر على المفطر ، فإنه يستتاب من ذلك . ومن قال : إن المفطر عليه إثم ، فإنه يستتاب من ذلك ، فإن هذه الأحوال خلاف كتاب اللّه، وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلاف إجماع الأمة . وهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين ، والقصر أفضل له من التربيع ، عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد والشافعي، فى أصح قوليه . ولم تتنازع الأمة فى جواز الفطر للمسافر ؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر ، فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم فى ٢١٠ السفر كالمفطر فى الحضر ، وأنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي ، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف، وأبى هريرة، وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر . وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليس من البر الصوم فى السفر ، لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم، وأن يفطر ، كما في الصحيحين عن أنس قال: ((كنا نسافر مع النبى صلى الله عليه وسلم فى رمضان فمنا الصائم ، ومنا المفطر ، فلا يعيب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم)) وقد قال الله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وفى المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته)) وفى الصحيح أن رجلا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنى رجل أكثر الصوم ، أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس)). وفى حديث آخر ((خياركم الذين فى السفر يقصرون ويفطرون)). وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام ، وهو ستة عشر فرسخا ، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة: مسيرة ٢١١ ثلاثة أيام . وقال طائفة من السلف والخلف : بل بقصر ويفطر فى أقل من يومين . وهذا قول قوي ، فإنه قد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعرفة ، ومزدلفة ، ومنى ، يقصر الصلاة ، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته ، لم يأمر أحداً منهم بإتمام الصلاة. وإذا سافر فى أثناء يوم ، فهل يجوز له الفطر ؟ على قولين مشهورين للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . أظهرهما : أنه يجوز ذلك . كما ثبت فى السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه ، ويذكر أن ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نوى الصوم فى السفر ، ثم إنه دعا بماء فأفطر ، والناس ينظرون إليه . وأما اليوم الثانى : فيفطر فيه بلا ريب ، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة . وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم ، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء ؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك. ٢١٢ ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد بأوي إليه. كالتاجر الجلاب الذي يجاب الطعام ، وغيره من الساح ، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم . وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين ، ونحوم . وكذلك الملاح الذي له مكان فى البر يسكنه . فأما من كان معه فى السفينة امرأته، وجميع مصالحه ، ولا يزال مسافراً فهذا لا يقصر ، ولا يفطر . وأهل البادية : كأعراب العرب، والأكراد ، والترك ، وغيرهم الذين يشتون فى مكان ، وبصيفون في مكان ، إذا كانوا فى حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف ، ومن المصيف إلى المشتى : فإنهم بقصرون . وأما إذا نزلوا بمشتام، ومصيفهم، لم يفطروا، ولم يقصروا . وان كانوا يتتبعون المراعى، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عمن يكون مسافراً فى رمضان ، ولم يصبه جوع ، ولا عطش، ولا تعب : فما الأفضل له ، الصيام ؟ أم الإفطار ؟ ٢١٣ فأجاب : أما المسافر فيفطر باتفاق المسلمين ، وإن لم يكن عليه مشقة ، والفطر له أفضل. وإن صام جاز عند أكثر العلماء . ومنهم من يقول لا يجزئه . وسل عن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفي ذكر لجماعته أن عنده كتابا فيه أن الصيام فى شهر رمضان إذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة ، أو بعدها أو وقت السحور ، وإلا فماله فى صيامه أجر : فهل هذا صحيح ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله. على كل مسلم يعتقد أن الصوم واجب عليه، وهو يريد أن يصوم شهر رمضان النية ، فإذا كان يعلم أن غداً من رمضان فلا بد أن ينوي الصوم ، فإن النية محلها القلب ، وكل من علم ما يريد فلا بد أن ينويه . والتكلم بالنية ليس واجباً بإجماع المسلمين ، فعامة المسلمين إنما يصومون بالنية ، وصومهم صحيح بلا نزاع بين العلماء والله أعلم. ٢١٤ وسئل شيخ الإسلام ما يقول سيدنا فى صائم رمضان ، هل يفتقر كل يوم إلى نية ؟ أم لا؟ فأجاب : كل من على أن غداً من رمضان ، وهو يريد صومه ، فقد نوى صومه ، سواء تلفظ بالنية ، أو لم يتلفظ . وهذا فعل عامة المسلمين ، كلهم ينوي الصيام . وسل عن غروب الشمس : هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها ؟ فأجاب : إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية فى الأفق . ٢١٥ وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق ، كما قال النى صلى الله عليه وسلم : (( إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ». وسل عما إذا أكل بعد أذان الصبح فى رمضان ، ماذا يكون ؟ فأجاب: الحمد لله . أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما كان بلال يؤذن قبل طلوع الفجر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها قبل طلوع الفجر ، فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير . وإن شك : هل طلع الفجر ؟ أو لم يطلع ؟ فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين الطلوع ، ولو علم بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر ، ففي وجوب القضاء نزاع . والأظهر أنه لا قضاء عليه ، وهو الثابت عن عمر ، وقال به طائفة ٢١٦ من السلف والخلف ، والقضاء هو المشهور فى مذهب الفقهاء الأربعة ، والله أعلم. وسئل عن رجل كلما أراد أن يصوم أغمي عليه ، ويزيد ويخبط ، فيبقى أياما لا يفيق ، حتى يتهم أنه جنون . ولم يتحقق ذلك منه ؟ فأجاب: الحمد لله . إن كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض ، فإنه بفطر ويقضى ، فإن كان هذا يصيبه فى أي وقت مام . كان عاجزاً عن الصيام ، فيطعم عن كل يوم مسكيناً ، والله أعلم . ومثل رحمه اللّه عن امرأة حامل رأت شيئاً شبه الحيض ، والهم مواظبها ، وذكر القوابل أن المرأة تفطر لأجل منفعة الجنين ، ولم يكن بالمرأة ألم : فهل ٢١٧ يجوز لها الفطر ؟ أم لا ؟ فأجاب : إن كانت الحامل تخاف على جنيها ، فإنها تفطر ، وتقضى عن كل يوم يوماً ، وتطعم عن كل يوم مسكيناً ، رطلا من خبز بأدمه ، والله أعلم . ٢١٨ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله بِسْمِاللهِالرَِّ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما . ـمل فيما يفطر الصائم وما لا يخطره وهذا نوعان: منه ما يفطر بالنص والإجماع، وهو الأكل والشرب (فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ والجماع ، قال تعالى : ٢١٩ وَكُلُواْ وَأَشْرَ بُوْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّأَبِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ ) فأذن في المباشرة ، فعقل من ذلك أن المراد الصيام من المباشرة والأكل والشرب، ولما قال أولا: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) كان معقولا عندهم أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، ولفظ ((الصيام)) كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه ، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (( أن يوم عاشوراء كان يوما تصومه قريش في الجاهلية )) . وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان أمر بصوم يوم عاشوراء وأرسل مناديا ينادي بصومه ، فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفا عندم . وكذلك ثبت بالسنة واتفاق المسلمين أن دم الحيض ينافي الصوم ، فلا تصوم الحائض ، لكن تقضي الصيام . وثبت بالسنة أيضاً من حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له (( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ، فدل على أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم وهو قول جماهير العلماء . ٢٢٠