النص المفهرس
صفحات 161-180
وعلى ما قد ثبت عن ابن عمر فيكون قد سمع من النبى صلى الله عليه وسلم كلا الخبرين، أو أن يكون الذي سمع منه: (( أن الشهر يكون تسعة وعشرين)) ((ويكون ثلاثين)) كما جاء مصرحا به ، وسمع منه: ((أن الشهر إنما هو تسع وعشرون)) روى هذا بالمعنى الذي تضمنه الأول وهو بعيد من ابن عمر ، فإنه كان لا يروي بالمعنى . روى عن النبى صلى الله عليه وسلم المعانى الثلاثة أن قوله: ((الشهر تسع وعشرون)) لشهر معين. وروى عنه أنه قال: ((قد يكون)) وروى عنه أنه قال: ((إنما الشهر)) وقد استفاضت الروايات عن النبى صلى الله عليه وسلم بما يوافق التفسير الأول فى حديث ابن عمر . مثل ما رواه البخارى من حديث ابن جريج ، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ((آلى من نسائه شهرا)) فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح ، فقيل له إنك حلفت أن لا تدخل شهرا. فقال: ((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما)) فيه ما يدل على أن الشهر يكمل بحسبه مطلقا . إلا أن يكون الإيلاء كان فى أول الشهر ، وهو خلاف الظاهر . فمتى كان الإيلاء. فى أثنائه فهو نص فى مسألة النزاع . وروى البخارى أيضا من حديث سليمان بن بلال ١٦١ عن حميد عن أنس قال : آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة تسعا وعشرين ليلة ثم نزل. فقالوا : يارسول الله آليت شهرا فقال: ((إن الشهر يكون تسعا وعشرين)). وأما الشهر المعين فروى النسائي من حديث شعبة عن سلمة عن أبى الحكم عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أنانى جبريل فقال: ((تم الشهر لتسع وعشرين)) هكذا رواه بهز عنه . ورواه من طريق غندر . ورواه من طريق غندر عنه، ولفظه: ((الشهر تسع وعشرون)) فهذه الرواية تبين أن إيلاء النبى صلى الله عليه وسلم كان فيما بين الهلالين ، فلما مضى تسع وعشرون أخبره جبرائيل أن الشهر تم لتسع وعشرين ، لأن الشهر الذى آلى فيه كان تسعا وعشرين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أن عليه إكمال العدة ثلاثين . فأخبره جبرائيل بأنه تم شهر إيلائه لتسع وعشرين. ولو كان الإيلاء فى أول الهلال لم يحتج إلى أن يخبره جبرائيل بذلك ؛ لأنه إذا رؤي لتمام تسع وعشرين يعلم أنه قد تم ، فإن هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه حتى يخبره به جبرائيل . وأيضا فلو كان الإيلاء بين الهلالين لكان الصحابة يعلمون أن ذلك ١٦٢ شهر ، فإن هذا أمر لم يكن يشكون فيه م ولا أحد أن الشهر ما بين الهلالين ، والاعتبار بالعدد؛ ولكن لما وقع الإيلاء في أثناء الشهر توهموا أنه يجب تكميل العدة ثلاثين ، فأخبره جبريل بأنه قد تم شهر إيلائه لتسع وعشرين، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((إن الشهر تسع وعشرون)) أي شهر الإبلاء ((وأن الشهر يكون تسعة وعشرين)). وأيضا فقول عائشة رضى الله عنها: أعدهن. ولو كان فى أول الهلال لم تحتج إلى أن تعدهن ، كما لم يعد رمضان إذا صاموا بالرؤية ؛ بل روى عنه ما ظاهره الحصر سعد بن أبى وقاص بالإسناد المتقدم إلى أحمد : حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد ، عن محمد بن سعد بن أبى وقاص ، عن أبيه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: ((الشهر هكذا وهكذا )) ثم يقبض أصبعه فى الثالثة . وقال أحمد حدثنا معاوية ابن عمر ، حدثنا زائدة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهر هكذا وهكذا عشر عشر وتسع مرة )) رواه النسائي من حديث محمد بن بشر كما ذكرناه . ورواه هو وأحمد أيضا من حديث ابن المبارك، عن إسماعيل مسندا ، كما تقدم ١٦٣ ٠ وقد رواه يحيى بن سعيد ووكيع ومحمد بن عبيد عن إسماعيل عن محمد مرسلا. وقال يحيى بن سعيد فى روايته قلت لإسماعيل: عن أبيه؟ قال: لا . وقد صحح أحمد المسند . وقال في حديث إسماعيل بن أبي خالد حديث سعد ((الشهر هكذا وهكذا)) قال يحيى القطان : أردنا أن يقول عن أبيه فأبى . قال أحمد : هذا عن إسماعيل كان يسنده أحيانا وأحيانا لا يسنده . ورواه زائدة عن أبيه قيل له : إن وكيعا قد رواه، ويحيى يقول: ما يقول؟ قال: زائدة قد رواه . وقال أيضا: قد رواه عبد الله عن أبيه ، وابن بشر وزائدة وغيرهم . وهذا الذى قاله بيان أن هذه الزيادة من هؤلاء الثقاة ، فهى مقبولة . وأن الذين حدثوا عنه كان نارة بذكرها ونارة يتركها . وقد روي ما يفسره : فروى أبو بكر الخلال وصاحبه من حديث وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد عن محمد ابن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، والشهر هكذا وهكذا وهكذا)) وأشار وكيع بالعشر الأصابع مرتين وخلس واحدة الإبهام فى الثالثة . فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور . أحدها أن قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا يحسب)، هو خبر ١٦٤ تضمن نهيا . فإنه أخبر أن الأمة التى اتبعته هي الأمة الوسط ، أمية لا تكتب ولا تحسب. فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة فى هذا الحكم . بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين م هذه الأمة، فيكون قد فعل ما ليس من دينها ، والخروج منها محرم منهي عنه ، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيا عنها . وهذا كقوله : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) أي هذه صفة المسلم ، فمن خرج منها خرج عن الإسلام ، ومن خرج عن بعضها خرج عن الإسلام في ذلك البعض، وكذلك قوله: ((المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم )) . فإن قيل : فهلا قيل إن لفظه خبر ومعناه الطلب ؟ . كقوله : (وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ) ونحو ذلك. فيكون المعنى أن من كان من هذه الأمة فلا ينبغي له أن يكتب ولا يحسب . نهاه عن ذلك؛ لئلا يكون خبرا قد خالف مخبره . فإن منهم من كتب أو حسب . قيل : هذا معنى صحيح في نفسه ، لكن ليس هو ظاهر اللفظ . فإن ظاهرة خبر ، والصرف عن الظاهر إنما يكون لدليل يحوج إلى ذلك، ولا حاجة إلى ذلك كما بينا . . ١٦٥ وأيضا فقوله: (( إنا أمة أمية )) ليس هو طلبا ، فإنهم أميون قبل الشريعة، كما قال الله تعالى: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ) فإذا كانت (وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِيِّئِنَ ، أَسْلَمْتُمْ ) وقال : هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها . نعم ، قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها ، فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقا . فإن قيل : فلم لا يجوز أن يكون هذا إخبارا محضا أنهم لا يفعلون ذلك ، وليس عليهم أن يفعلوه ؛ إذ لهم طريق آخر غيره ، ولا يكون فيه دليل على أن الكتاب والحساب منهي عنه ؛ بل على أنه ليس بواجب، فإن الأميه صفة نقص ، ليست صفة كمال ، فصاحبها بأن يكون معذورا أولى من أن يكون ممدوحا . قيل : لا يجوز هذا ، لأن الأمة التى بعثه الله إليها ، فيهم من يقرأ ويكتب كثيرا ، كما كان فى أصحابه ، وفيهم من يحسب وقد بعث صلى الله عليه وسلم بالفرائض التى فيها من الحساب ما فيها ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم عامله على الصدقة ابن اللتبية حاسبه . وكان له كتاب عدة - كأبى بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية - يكتبون الوحي ، ويكتبون العهود ، ويكتبون كتبه إلى الناس ، إلى من بعثه الله ١٦٦ إليه من ملوك الأرض ، ورؤوس الطوائف: وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك. وقد قال الله تعالى فى كتابه: (لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَاُلْحِسَابَ) فى آيتين من كتابه ، فأخبر أنه فعل ذلك ليعلم الحساب . وإنما « الأمي، هو فى الأصل منسوب إلى الأمة، التى هي جنس الأميين ، وهو من لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص : من قراءة أو كتابة كما يقال : عامي لمن كان من العامة ، غير متميز عنهم بما يختص به غيرهم من علوم : وقد قيل : إنه نسبة إلى الأم : أي هو الباقى على ماعودته أمه من المعرفة والعلم، ونحو ذلك . ثم التميز الذي يخرج به عن الأمية العامة إلى الاختصاص: نارة يكون فضلا وكما لا فى نفسه. كالمتميز عنهم بقراءة القرآن ، وفهم معانيه . وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل، والكال : كالتميز عنهم بالكتابة وقراءة المكتوب ، فيمدح فى حق من استعمله في الكمال ، ويذم فى حق من عطله أو استعمله فى الشر . ومن استغنى عنه بما هو أنفع له كان أكمل وأفضل . وكان تركه فى حقه مع حصول المقصود به أكمل وأفضل . فإذا تبين أن التميز عن الأميين نوعان ، فالأمة التي بعث فيها ١٦٧ النى صلى الله عليه وسلم أولام العرب ، وبواسطتهم حصلت الدعوة لسائر الأمم ؛ لأنه إنما بعث بلسانهم . فكانوا أمين عامة ، ليست فيهم مزية على ولا كتاب ، ولا غيره . مع كون فطرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم ، بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع ؛ لكن ليس لها من يقوم عليها ، فلم يكن لهم كتاب يقرأونه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب، ولا علوم قياسية مستنبطة، كما للصابئة ونحوهم . وكان الخط فيهم قليلا جداً، وكان لهم من العلم ما ينال بالفطرة التى لا يخرج بها الإنسان عن الأموة العامة . كالعلم بالصانع سبحانه ، وتعظيم مكارم الأخلاق ، وعلم الأنواء والأنساب والشعر . فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه. كما قال فيهم: ( هُوَالَّذِى بَعَثَ فِى وقال تعالى : اُلْأُمِّئِنَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ وَالْأُمِّيَِّنَ ، أَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدٍ أَهْتَدَ وَأْوَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيَّكَ اَلْبَغُ) فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب . فالكتابى غير الأمي . فلما بعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به - وقد جعله تفصيلا لكل شيء ، وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة - صاروا أهل كتاب وعلم. بل صاروا أعلم الخلق ، ١٦٨ وأفضلهم فى العلوم النافعة ، وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة ، وهي عدم العلم والكتاب المنزل ، إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب . كما قال فيهم: (هُوَلَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِِّنَ رَسُولً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَّكْيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ) فكانوا أميين من كل وجه . فلما علمهم الكتاب والحكمة قال فيهم: ( ثُمََّوْرَتْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِ نَا فَمِنْهُمْظَالِمٌلِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) ( وَهَذَاَ كِنَبُ أَنْزَ لْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وقال تعالى أَنْ تَقُولُواْإِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ * واستجيب أَوْتَقُولُواْلَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا اُلْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ ) ( رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ فيهم دعوة الخليل حيث قال : ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَنِبِزُ الْحَكِيمُ ) وقال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ ). فصارت هذه الأمية : منها ما هو محرم. ومنها ما هو مكروه ، ومنها ما هو نقص ، وترك الأفضل. فمن لم يقرأ الفاتحة، أو لم يقرأ شيئاً من القرآن تسميه الفقهاء فى ( باب الصلاة ) أميا . ويقابلونه بالقارئ ، ١٦٩ فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأمى . ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي . ونحو ذلك من المسائل وغرضهم بالأمي هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب أو لا يكتب، يحسب أولا يحسب . فهذه الأمية منها ما هو ترك واجب يعاقب الرجل عليه . إذا قدر على التعلم فتركه . ومنها ما هو مذموم كالذي وصفه الله عز وجل عن أهل الكتاب حيث قال: (وَمِنْهُمْ أُمّتُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) فهذه صفة من لا يفقه كلام اللّه ويعمل به ، وإنما يقتصر على مجرد تلاوته . كما قال الحسن البصري : نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا. فالأمي هنا قد يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه . بل يتكلم فى العلم بظاهر من القول ظنا . فهذا أيضا أمي مذموم ، كما ذمه الله؛ لنقص علمه الواجب سواء ، كان فرض عين ، أم كفاية . ومنها ما هو الأفضل الأكمل كالذي لا يقرأ من القرآن إلا بعضه ، ولا يفهم منه إلا ما يتعلق به ، ولا يفهم من الشريعة إلا مقدار الواجب ١٧٠ عليه ، فهذا أيضاً يقال له أمي ، وغيره ممن أوتي القرآن علما وعملا أفضل منه، وأكمل . فهذه الأمور المميزة للشخص عن الأمور التى هي فضائل وكمال : فقدها إما فقد واجب عينا ، أو واجب على الكفاية ، أو مستحب . وهذه يوصف الله بها، وأنبياؤه مطلقاً، فإن الله عليم حكيم، جمع العلم ، والكلام النافع طلباً وخبراً وإرادة . وكذلك أنیاؤه ونبينا سيد العلماء، والحكماء. وأما الأمور المميزة التى هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها ، فهذه مثل الكتاب الذي هو الخط ، والحساب فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته فى نفسه لا تتم بدونها ، وفقدها نقص، إذا حصلها واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط فيقرأ به القرآن ؛ وكتب العلم النافعة ، أو يكتب للناس ما ينتفعون به : كان هذا فضلا في حقه وكمالا . وإن استعان به على تحصيل ما يضره ، أو يضر الناس ، كالذي يقرأ بها كتب الضلالة، ويكتب بها ما يضر الناس كالذي يزور خطوط الأمراء والقضاة والشهود : كان هذا ضرراً فى حقه ، وسيئة ومنقصة ، ولهذا نهى عمر أن تعلم النساء الخط . ١٧١ وإن أمكن أن يستغنى عنها بالكلية ، بحيث ينال كمال العلوم من غيرها . وينال كمال التعليم بدونها: كان هذا أفضل له وأكمل . وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه: ( الَّذِينَ يَشَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّ الْأُمِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَ عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ ) فإن أميته لم تكن من جهة فقد العلم والقراءة عن ظهر قلب، فإنه إمام الأئمة فى هذا. وإنما كان من جهة أنه لا يكتب ولا يقرأ مكتوبا . كما قال الله فيه: ( وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِنْ كِنَبِ وَلَا تَخُطُهُ بِيَمِينِكَ). وقد اختلف الناس هل كتب يوم الحديبية بخطه معجزة له ؟ أم لم يكتب؟ وكان انتفاء الكتابة عنه مع حصول أكمل مقاصدها بالمنع من طريقها من أعظم فضائله، وأكبر معجزاته . فإن الله علمه العلم بلا واسطة كتاب معجزة له ، ولما كان قد دخل فى الكتب من التحريف والتبديل ، وعلم هو صلى الله عليه وسلم أمته الكتاب والحكمة من غير حاجة منه إلى أن يكتب بيده، وأما سائر أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم فالغالب على كبارم الكتابة لاحتياجهم إليها ، إذ لم يؤت أحد منهم من الوحي ما أوتيه ، صارت أمينه المختصة به كمالا فى حقه من جهة الغنى بما هو أفضل منها وأكمل ، ونقصا فى حق غيره من جهة فقده الفضائل التى لا تتم إلا بالكتابة . ١٧٢ إذا تبين هذا : فكتاب أيام الشهر ، وحسابه من هذا الباب ، كما قدمناه، فإن من كتب مسير الشمس والقمر بحروف ((أنجد)) ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها ، ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار ، ومتى يتقابلان ليلة الإبدار . ونحو ذلك فليس فى هذا الكتاب والحساب من الفائدة ، إلا ضبط المواقيت التى يحتاج الناس إليها فى تحديد الحوادث والأعمال ، ونحو ذلك ، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم ، فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب ، كما يفعلونه بالجداول ، أو بحروف الجمل ، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر : ويعدلون ذلك ، ويقومونه بالسير الأوسط ، حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار ، وغير ذلك ، فبين النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب ، ولا يحسب هذا الحساب ، فعاد كلامه إلى نفى الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه . وقد قدمنا فيما تقدم أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عاماً ، فإذا كان فى سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو ، أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: ((الشهر ثلاثون)) و((الشهر تسعة وعشرون)» بين أن المراد به أنا لا نحتاج فى أمر الهلال إلى كتاب ولا ١٧٣ حساب ، إذ هو تارة كذلك ، وتارة كذلك . والفارق بينهما هو الرؤية فقط ، ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب ، كما سنبينه . فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما بقربوا ذلك ، فيصيون تارة ، ويخطئون أخرى . وظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال، من وجوه : من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب ، بما هو أبين منه وأظهر، وهو الهلال . ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلها غلط . ومن جهة أن فيها تعباً كثيراً بلا فائدة ، فإن ذلك شغل عن المصالح ، إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه ، وإذا كان نفى الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه ، وللمفسدة التى فيه كان الكتاب والحساب فى ذلك نقصا وعيبا ، بل سيئة وذنباً ، فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ، ودخل فى أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب . وأيضا فإنه جعل هذا وصفاً للأمة . كما جعلها وسطاً فى قوله تعالى: ( جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين . ١٧٤ وأيضا فالشيء إذا كان صفة للأمة لأنه أصلح من غيره ؛ ولأن غيره فيه مفسدة : كان ذلك مما يجب مراعاته ، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره ، لوجهين : لما فيه من المفسدة، ولأن صفة الكمال التى للأمة يجب حفظها عليها . فإن كان الواحد لا يجب عليه فى نفسه تحصيل المستحبات ، فإن كل ماشرع للأمة جميعا صار من دينها ، وحفظ مجموع الدين واجب على الأمة ، فرض عين أو فرض كفاية . ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب، وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب، وإن لم يجب ذلك على آحادها؛ ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة مالا يجب على الأفراد . وتحصيله لنفسه: مثل الذي يؤم الناس فى صلاته ، فإنه ليس له أن يفعل دائماً ما يجوز للمنفرد فعله ، بل يجب عليه أن لا يطول الصلاة تطويلا يضر من خلفه ، ولا ينقصها عن سننها الراتبة : مثل قراءة السورتين الأوليين ، وإكمال الركوع والسجود، ونحو ذلك ، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بعزل إمام كان يصلي لبصاقه فى قبلة المسجد، وقال: (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء)) - الحديث وقال: ((إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا فى سفال )). ولهذا قال الفقهاء : إن الإمام المقيم بالناس حجهم عليه أن يأتي ١٧٥ - ٠. بكال الحج من تأخير التفر إلى الثالث من منى ، ولا يتعجل فى النفر الأول، ونحو ذلك من سنن الحج التى لو تركها الواحد لم يأثم ، وليس للإمام تركها لأجل مصلحة عموم الحجيج من تحصيل كمال الحج وتمامه، ولهذا لما اجتمع على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عيدان فشهد العيد ثم رخص فى الجمعة، قال: ((إنا مجمعون)) فقال أحمد فى المشهور عنه وغيره: إن على الإمام أن يقيم لهم الجمعة ليحصل الكمال لمن شهدهما وإن جاز للآحاد الانصراف . ونظائره كثيرة مما يوجب أن يحفظ للأمة - فى أمرها العام فى الأزمنة والأمكنة والأعمال - كمال دينها الذى قال الله فيه: ( اُلْيَوْمَ أَ كْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا) فما أفضى إلى نقص كمال دينها ، ولو بترك مستحب يفضي إلى تركه مطلقاً كان تحصيله واجبا على الكفاية، إما على الأئمة وإما على غيرم . فالكمال والفضل الذى يحصل برؤية الهلال دون الحساب يزول بمراعاة الحساب لو لم يكن فيه مفسدة . الوجه الثاني ما دلت عليه الأحاديث مافي قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)) كما ثبت ذلك عنه من حديث ابن عمر ، فنهى عن الصوم قبل رؤيته وعن الفطر قبل ١٧٦ رؤيته . ولا يخلو النهي: إما أن يكون عاما فى الصوم فرضا ونفلا ونذراً وقضاء. أو يكون المراد فلا تصوموا رمضان حتى تروه. وعلى التقديرين فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية ، والرؤية الإحساس والإبصار به . فمتى لم يره المسلمون . كيف يجوز ان يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى وإذا رؤي كيف يجوز أن يقال: أخبر مخبر أنه لا يرى، وقد علم أن قوله : ((فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه)» ليس المراد به أنه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه ، بل لا بصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره . وفي الجملة فهو من باب عموم النفي لا نفي العموم : أي لا يصومه أحد حتى يرى، أو حتى يعلم أنه قد رؤي، ، أو ثبت أنه قد رؤي ؛ ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم فى صوم يوم الشك من رمضان ، فصامه بعضهم مطلقاً فى الصحو والغيم احتياطا ، وبعضهم كره صومه مطلقاً فى الصحو والغيم ، كرامة الزيادة في الشهر . وفرق بعضهم بين الصحو والغيم لظهور العدم فى الصحو دون الغيم . كان الذين صاموه احتياطاً إنما صاموه لإمكان أن يكون قد رآء غيرم . فينقصونه فيما بعد . وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يكن أحد من الأمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على أنه يطلع ولم ير مع ذلك ، كما ١٧٧ أن الجمهور الذين كرهوا صومه لم يلتفتوا إلى هذا الجواب، إذ الحكم ممدود إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها . واختلف هؤلاء هل يجوز أو يكره أو يحرم أو يستحب أن يصام بغير نية رمضان . إذا لم يوافق عادة ؟ على أربعة أقوال . هذا يجوز. أو يستحبه حملا للنهي عن صوم رمضان ، ويكرهه ويحظره لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التقدم، والخوف الزيادة ، ولمعان أخر . ثم إذا صامه بغير نية رمضان ، أو بنيته المكروهة ، فهل يجزئه إذا تبين ، أو لا يجزئه . بل عليه القضاء ؟ على قولين للأمة . وإذا لم يتبين أنه رؤى إلا من النهار فهل يجزئه إنشاء النية من النهار ؟ على قولين للأمة : ولو تبين أنه رؤي فى مكان آخر : فهل يجب القضاء ، أو لا يجب مطلقاً ؟ أم إذا كان دون مسافة القصر ؟ أم إذا كانت الرؤية فى الإقليم ؟ أم إذا كان العمل واحداً ؟ وهل تثبت الرؤية بقول الواحد ؟ أم الإثنين مطلقاً ؟ أم لا بد في الصحو من عدد كثير ؟ هذا مما تنازع فيه المسلمون ، فهذه المسائل التى تنازع فيها المسلمون التى تتعلق بيوم الثلاثين ، وتفرع بسببها مسائل آخر لعموم البلوى بهذا ١٧٨ الأمر ، ولما فهموه من كلام الله ورسوله ورأوه من أصول شريعته ، ولما بلغهم عن الصدر الأول ، وهي من جنس المسائل التى تنازع فيها أهل الاجتهاد ، بخلاف من خرج في ذلك إلى الأخذ بالحساب ، أو الكتاب ، كالجداول ، وحساب التقويم ، والتعديل المأخوذ من سيرهما . وغير ذلك الذى صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيه عن أمته والنهي عنه . ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل فى الإسلام ماليس منه ، فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع ، وهؤلاء الذين ابتدعوا فيه ما يشبه بدع أهل الكتاب والصابئة أنواع: قوم منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم . يقولون بالعدد دون الرؤية . ومبدأ خروج هذه البدعة من الكوفة . فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفر الصادق دفعه إليهم ولم يأت به إلا عبد الله بن معاوية، ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرم أن هذا كذب مختلق على جعفر ، اختلقه عليه عبد الله هذا . وقد ثبت بالنقل المرضى عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون. وهو قول أكثر عقلاء الشيعة . ١٧٩ ومنهم من يعتمد على أن رابع رجب أول رمضان ، أو على أن خامس رمضان الماضي أول رمضان الحاضر . ومنهم من يروي عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثا لا يعرف في شيء من كتب الإسلام، ولا رواه عالم قط أنه قال: (( يوم صومكم يوم تحركم ». وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تاماً ، ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين . ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار ، فيوجبون استسراره ليلتين ، ويقولون : أول يوم يرى فى أوله فهو من الشهر الماضي . واليوم يكون اليوم الذي لا يرى في طرفيه . ثم اليوم الذي يرى فى آخره هو أول الشهر الثانى ، ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال، مع العلم بأن الهلال يستسر ليلة تارة ، وليلتين أخرى ، وقد يستسر ثلاث ليال . فأما الذين يعتمدون على حساب الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضي ، أو برجب ، أو يضعون جدولا يعتمدون عليه ، فهم مع مخالفتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا نكتب ولا نحسب)): إنما عمدتهم ١٨٠