النص المفهرس

صفحات 141-160

لهم . وغيروا به ميقات الحج والأشهر الحرم ، حتى كانوا يحجون نارة
في المحرم، وتارة في صفر. حتى يعود الحج إلى ذى الحجة، حتى بعث الله المقيم لملة
إبراهيم فوافى حجه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وقد استدار
الزمان كما كان ، ووقعت حجته فى ذي الحجة ، فقال فى خطبته المشهورة
فى الصحيحين وغيرهما: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
السموات والأرض : السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، ثلاثة
متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى
وشعبان )) وكان قبل ذلك الحج لا يقع فى ذي الحجة ، حتى حجة أبى
بكر سنة تسع كان فى ذي القعدة . وهذا من أسباب تأخير النبى صلى
الله عليه وسلم الحج. وأنزل الله تعالى: (إِذَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ
أَثْنَاعَشَرَ شَهْرَا فِى كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُّ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمْ ).
فأخبر الله أن هذا هو الدين القيم ؛ ليبين أن ما سواه من أمر
النسيء وغيره من عادات الأمم ليس قيما ؛ لما يدخله من
الانحراف والاضطراب .
ونظير الشهر والسنة اليوم والأسبوع . فإن اليوم طبيعي من طلوع
١٤١

الشمس إلى غروبها . وأما الأسبوع فهو عددي من أجل الأيام الستة :
التى خلق الله فيها السموات والأرض ، ثم استوى على العرش . فوقع
التعديل بين الشمس والقمر: باليوم. والأسبوع بسير الشمس . والشهر ،
والسنة : بسير القمر ، وبها يتم الحساب . وبهذا قد يتوجه قوله :
( لتعلموا ) إلى (جعل ) فيكون جعل الشمس والقمر لهذا كله .
فأما قوله تعالى: (وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ حُسْبَانًا)
وقوله: (الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) فقد قيل: هو من الحساب.
وقيل : بحسبان كسبان الرحا . وهو دوران الفلك . فإن هذا مما
لا خلاف فيه ، بل قد دل الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة
على مثل ما عليه أهل المعرفة من أهل الحساب من أن الأفلاك
مستديرة لا مسطحة .
١٤٢

فصل
لما ظهر بما ذكرناه عود المواقيت إلى الأهلة . وجب أن تكون
المواقيت كلها معلقة بها . فلا خلاف بين المسلمين أنه إذا كان مبدأ
الحكم في الهلال حسبت الشهور كلها هلالية : مثل أن يصوم للكفارة
فى هلال المحرم ؛ أو يتوفى زوج المرأة فى هلال المحرم ، أو يولي من
امرأته فى هلال المحرم، أو يبيعه فى هلال المحرم إلى شهرين ،
أو ثلاثة . فإن جميع الشهور محسب بالأهلة . وإن كان بعضها أو
جميعها ناقصاً .
فأما إن وقع مبدأ الحكم فى أثناء الشهر . فقد قيل : تحسب
الشهور كلها بالعدد بحيث لو باعه إلى سنة فى أثناء المحرم عد ثلاثمائة
وستين يوماً ، وإن كان إلى ستة أشهر عد مائة وثمانين يوما ، فإذا
كان المبتدأ منتصف المحرم كان المنتهى العشرين من المحرم . وقيل :
بل يكمل الشهر بالعدد، والباقى بالأهلة. وهذان القولان روايتان عن أحمد
وغيره. وبعض الفقهاء يفرق في بعض الأحكام .
١٤٣

ثم لهذا القول تفسيران أحدهما : أنه يجعل الشهر الأول ثلاثين
يوما ، وباقى الشهور هلالية. فإذا كان الإيلاء فى منتصف المحرم حسب
باقيه. فإن كان الشهر ناقصاً أخذ منه أربعة عشر يوما، وكمله بستة
عشر يوما من جمادى الأولى . وهذا يقوله طائفة من أصحابنا وغيرهم .
والتفسير الثانى هو الصواب الذي عليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً
أن الشهر الأول إن كان كاملا كمل ثلاثين يوما ، وإن كان ناقصا
جعل تسعة وعشرين يوماً . فمتى كان الإيلاء في منتصف المحرم
كملت الأشهر الأربعة في منتصف جمادى الأولى. وهكذا سائر الحساب.
وعلى هذا القول فالجميع بالهلال ، ولا حاجة إلى أن نقول بالعدد ، بل
تنظر اليوم الذي هو المبدأ من الشهر الأول . فتكون النهاية مثله من
الشهر الآخر . فإن كان فى أول ليلة من الشهر الأول كانت النهاية
فى مثل تلك الساعة بعد كمال الشهور ، وهو أول ليلة بعد انسلاخ
الشهور ؛ وإن كان فى اليوم العاشر من المحرم كانت النهاية فى اليوم
العاشر من المحرم أو غيره على قدر الشهور المحسوبة ، وهذا هو الحق
الذي لا محيد عنه . ودل عليه قوله: (قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ)
فجعلها مواقيت لجميع الناس ، مع علمه سبحانه أن الذي يقع فى أثناء
الشهور أضعاف أضعاف ما يقع فى أوائلها ، فلو لم يكن ميقاتا إلا لما
١٤٤

يقع فى أولها لما كانت ميقاتا إلا لأقل من ثلث عشر أمور الناس .
ولأن الشهر إذا كان ما بين الهلالين : فما بين الهلالين مثل ما بين
نصف هذا ونصف هذا سواء ، والتسوية معلومة بالاضطرار . والفرق
تحكم محضر.
وأيضا فمن الذي جعل الشهر العددي ثلاثين ، والنبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا)) وخذس إبهامه فى الثالثة .
ونحن نعلم أن نصف شهور السنة يكون ثلاثين ، ونصفها تسعة وعشرين
وأيضاً فعامة المسلمين فى عباداتهم ومعاملاتهم إذا أجل الحق إلى سنة ،
فإن كان مبدؤه هلال المحرم ، كان منتهاء هلال المحرم ، سلخ ذي الحجة
عندهم . وإن كان مبدؤه عاشر المحرم كان منتهاه عاشر المحرم أيضا .
لا يعرف المسلمون غير ذلك ؛ ولا يبنون إلا عليه ، ومن أخذ ليزيد يوما
لنقصان الشهر الأول كان قد غير عليهم ما فطروا عليه من المعروف ،
وأنام بمنكر لا يعرفونه .
فعلم أن هذا غلط ممن توهمه من الفقهاء ، ونبهنا عليه ليحذر
الوقوع فيه ، وليعلم به حقيقة قوله : (قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ ) وأن
هذا العموم محفوظ عظيم القدر ، لا يستثنى منه شىء .
١٤٥

وكذلك قوله: (هُوَاُلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ
لِتَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ )
وكذلك قوله :
( وَجَعَلْنَا
اَلَيْلَ وَالنَّهَارَءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَاءَايَ اُلَّيَّلِ وَجَعَلْنَآءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ
وَلِتَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ ) يبين بذلك أن جميع عدد السنين
والحساب تابع لتقديره منازل .
فصل
ماذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لاريب
فيه . لكن الطريق إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية ؛ لا غيرها:
بالسمع والعقل .
أما السمع : فقد أخبرنا غير واحد منهم شيخنا الإمام أبو محمد
عبد الرحمن بن محمد المقدسي ، وأبو الغنائم المسلم بن عثمان القيسي (١)
وغيرهما ، قالوا : أنبأنا حنبل بن عبد الله المؤذن ، أنبأنا أبو القاسم
عبد الله بن محمد بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر
(١) أبو القاسم المسلم بن علان ــ ن
١٤٦

أحمد بن جعفر بن حمدان ، أنبأنا أبو عبد الرحمن عبدالله بن أحمد بن محمد
ابن حنبل ، أنبأنا أبي ، حدثنا محمد بن جعفر غندر ، حدثنا شعبة ، عن
الأسود بن قيس ، سمعت سعيد بن عمر بن سعيد يحدث أنه سمع ابن
عمر رضى الله عنها يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنا
أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا.)) وعقد
الإبهام في الثالثة. ((والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا)) يعنى تمام الثلاثين.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان وإسحاق يعني الأزرق
أنبأنا سفيان عن الأسود بن قيس ، عن سعيد بن معمر ، عن ابن عمر،
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إنا أمة أمية، لا نكتب ولا
بحسب . الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا )) يعنى ذكر تسعاً وعشرين
قال إسحق : وطبق بيديه ثلاث مرات ، وخنس إبهامه فى الثالثة ، أخرجه
البخاري عن آدم ، عن شعبة، ولفظه : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب
الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا)) بغنى مرة تسعة وعشرين،
ومرة ثلاثين .
وكذلك رواه أبو داود ، عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ولفظه :
(( إنا أمة أمية لا نكتب ولا تحسب الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا)»
وخنس سليمان أصبعه فى الثالثة ، يعنى تسعة وعشرين ، وثلاثين . رواه
١٤٧

النسائى من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان . كما ذكرناه .
ومن طريق غندر عن شعبة أيضا كما سقناه. وقال فى آخره تمام الثلاثين.
ولم يقل: يعنى. فروايته من جهة المسند كما سقناه أجل الطرق ، وأرفعها
قدراً ؛ إذ غندر أرفع من كل من رواه عن شعبة وأضبط لحديثه ،
والإمام أحمد أجل من رواه عن غندر عن شعبة ، وهذه الرواية المسندة
التي رواها البخاري وأبو داود والنسائى من حديث شعبة تفسر رواية
النووي وسائر الروايات عن ابن عمر مما فيه إجمال يوم بسببه على ابن عمر
مثل ما رويناه بالطريق المذكورة ، أن أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر
وبهز قالا : حدثنا شعبة عن جبلة يقول لنا ابن سحيم : قال بهز : أخبرني
جبلة بن سحيم ، سمعت ابن عمر قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم:
((الشهر هكذا)) وطبق بأصابعه مرتين وكسر فى الثالثة الإبهام. قال
محمد بن جعفر فى حديثه يعني قوله: ((تسعا وعشرين)). هكذا رواه
البخاري والنسائى من حديث شعبة ولفظه: ((الشهر هكذا، وهكذا))
وخنس الإبهام فى الثالثة . ومثل ما روى نافع عن ابن عمر كما روبناه
بالإسناد المتقدم إلى أحمد : حدثنا إسماعيل ، أنبأنا أيوب ، عن نافع ، عن
ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنما الشهر تسع وعشرون،
فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له))
قال نافع وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون ، يبعث من
١٤٨

ينظر ، فإن رؤي فذاك، فإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا
قتر أصبح مفطراً وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما .
ورویناء فی سنن أبي داود من حديث حماد بن زيد قال : أنبأنا
أبوب هكذا سواء. ولفظه: ((الشهر تسع وعشرون)) قال فى آخره:
فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له ، فإن رؤي
فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر ، أصبح مفطرا،
فإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما . قال فكان ابن عمر
يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب، وروى له باللفظ الأول عبد الرزاق
فى مصنفه عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الشهر تسع وعشرون)) وبه
عن ابن عمر أنه إذا كان سحاب أصبح صائما. وإن لم يكن سحاب أصبح مفطراً.
قال : وأنبأنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه مثله
وهكذا رواه عبيد الله بن عمر ، عن نافع كما رويناه بالإسناد
المتقدم إلى أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ،
حدثنى نافع ، عن ابن عمر : إذا كان ليلة تسع وعشرين . وكان فى
السماء سحاب أو قتر أصبح صائما . رواه النسائي عن عمر ، وابن على عن
يحي. ولفظه: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه،
١٤٩

فإن غم عليكم فاقدروا له )، وذكر أن عبيد الله بن عمرو روى عنه
محمد بن بشر عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضي الله عنه
قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الهلال)) فقال: إذا
رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه ، فأفطروا ، فإن غم عليكم فعدوا
ثلاثين)) وجعل هذا اختلافا على عبيد الله. ومثل هذا الاختلاف لا
يقدح إلا مع قرينة ، فإن الحفاظ كالزهري وعبيد الله ونحوهما يكون
الحديث عندهم من وجهين ، وثلاثة ، أو أكثر . فتارة يحدثون به من
وجه، وتارة يحدثون به من وجه آخر ، وهذا يوجد كثيرا فى الصحيحين
وغيرهما . ويظهر ذلك بأن من الرواة من يفرق بين شيخين، أو يذكر
الحديثين جميعا .
وقد روى البخاري من طريق نافع من حديث مالك بن أنس
عنه، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذكر شهر رمضان
فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم
عليكم فاقدروا له)) لم يذكر فى أوله قوله: ((الشهر تسع وعشرون))
ولا ذكر الزيادة على عادته فى أنه كان كثيراً ما يترك التحديث بما لا
يعمل به عنده. وأما قوله: ((الشهر تسع وعشرون، فرواها مالك
من طريق عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر . ورواها من طريقه البخاري
١٥٠

عن عبد الله بن مسلمة وهو القعنى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
(( الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه ، فإن غم عليكم
فأكملوا العدة ثلاثين ، هكذا وقع هذا اللفظ مختصراً فى البخاري .
وقد رواه عن القعنى عن مالك . وهو ناقص . فإن الذي فى الموطأ :
((يوما)) لأن القعنى لفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( الشهر تسع وعشرون يوما ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا
تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له)، فذكر قوله: (( ولا
نفطروا حتى تروه)) وذكره بلفظة ((فاقدروا له)) لا بلفظ «فأكملوا
العدة)) وهكذا فى سائر الموطآت مسبوق بذكر الجملتين. ولفظ ((القدر))
حتى قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلف عن نافع فى هذا الحديث
فى قوله: ((فاقدروا له )) قال : وكذلك روى سالم عن ابن عمر .
وقد روى حديث مالك وغيره عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال:
ورواه الدراوردى عن عبد الله بن دينار فقال فيه: ((فإن غم عليكم
فأحصوا العدة )) فهذه والله أعلم نقص ، ورواية بالمعنى ، وقع فى حديث
مالك الذى فى البخارى ، كما ذكر أبو بكر الإسماعيلي وغيره أن مثل
ذلك وقع فى هذا الباب فى لفظ حديث أبي هريرة .
ومثل هذا اللفظ المشعر بالحصر ما رويناه أيضا بالإسناد المتقدم إلى
١٥١

أحمد : حدثنا حسن بن موسى حدثنا شيبان عن يحيى أخبرني أبو سلمة:
قال : سمعت ابن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((الشهر تسع وعشرون)) ورواه النسائي من حديث معاوية
عن يحيى هكذا . وساقه أيضا من طريق علي عن يحيى عن أبى سلمة
أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهر
يكون تسعة وعشرين ، ويكون ثلاثين ، فإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن
غم عليكم فأكملوا العدة )) وجعل النسائى هذا اختلافا على يحيى عن أبى
سلمة . والصواب أن كليهما محفوظ عن يحيى عن أبي سلمة ، لا اختلاف
فى اللفظ .
وقال أحمد حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عقبة بن
حريث ، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((الشهر تسع وعشرون)) وطبق شعبة يديه ثلاث مرات ، وكسر
الإبهام في الثالثة، قال عقبة وأحسبه قال: ((الشهر ثلاثون)» وطبق
كفيه ثلاث مرات ، ورواء النسائى من حديث ابن المثنى عن غندر ؛
لكن لفظه: الشهر تسع وعشرون» لم يزد. فرواية أحمد أكمل وأحسن
سياقا تقدم ، فإن الرواية المفسرة تبين أن سائر روايات ابن عمر
التى فيها الشهر تسع وعشرون عنى بها أحد شيئين : إما أن الشهر
١٥٢

قد يكون تسعة وعشرين رداً على من بتهم أن الشهر المطلق هو
ثلاثون ، كما توم من توم من المتقدمين ، وتبعهم على ذلك بعض الفقهاء
في الشهر العددي ، فيجعلونه ثلاثين يوما بكل حال ، وعارضهم قوم
فقالوا : الشهر تسعة وعشرون ، واليوم الآخر زيادة . وهذا المعنى هو
الذي صرح به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( الشهر هكذا
وهكذا وهكذا ، والشهر هكذا وهكذا )، يعنى: مرة ثلاثين ،
ومرة تسعة وعشرين ، فمن جزم بكونه ثلاثين ، أو تسعة وعشرين ،
فقد أخطأ .
والمعنى الثانى أن يكون أراد أن عدد الشهر اللازم الدائم هو
تسعة وعشرون ، فأما الزائد فأمر جائز يكون فى بعض الشهور ، ولا
يكون فى بعضها .
والمقصود أن التسعة والعشرين يجب عددها واعتبارها بكل حال
في كل وقت ، فلا يشرع الصوم بحال حتى يمضى تسعة وعشرون من
شعبان ، ولا بد أن يصام فى رمضان تسعة وعشرون؛ لا يصام أقل منها
بحال، وهذا المعنى هو الذي يفسر به رواية أيوب عن نافع: ((إنما
الشهر تسع وعشرون. فلا تصوموا حتى تروه، ولا نفطروا حتى تروه))
أى إنما الشهر اللازم الدائم الواجب تسعة وعشرون . ولا يمكن أن يفسر
١٥٣

هذا اللفظ بالمعنى الأول ؛ لما فيه من الحصر .
وقد قيل إن ذلك قد يكون إشارة إلى شهر بعينه ، لا إلى جنس
الشهر: أي إنما ذلك الشهر تسعة وعشرون ، كأنه الشهر الذي آلى فيه
من أزواجه ، لكن هذا يدفعه قوله عقبه: ((فلا تصوموا حتى تروه ،
ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له ، فهذا يبين أنه
ذكر هذا لبيان الشرع العام المتعلق بجنس الشهر ، لا لشهر معين .
فإنه قد بين أنه ذكر هذا لأجل الصوم . فلو أراد شهراً
بعينه قد على أنه تسعة وعشرون لكان إذا علم أن ذلك الشهر تسع
وعشرون لم يفترق الحال بين الغم وعدمه، ولم يقل: ((فلا تصوموا
حتى تروه )، ولأنه لا يعلم ذلك إلا وقد رؤي هلال الصوم ، وحينئذ
فلا يقال: ((فإن غم عليكم)) .
ولذلك حمل الأئمة كالإمام أحمد قوله المطلق على أنه لجنس الشهر ،
لا لشهر معين . وبنوا عليه أحكام الشريعة . قال حنبل بن إسحاق :
حدثنى أبو عبد الله: حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن ،
قال أبو عبد الله : قلت ليحيى : الذين يقولون الملائى ، قال : نعم ،
عن الوليد بن عقبة قال : صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمانية
١٥٤

وعشرين ، فأمرنا علي أن تتمها يوما . أبو عبد الله رحمة الله عليه
يقول : العمل على هذا الشهر ؛ لأن هكذا وهكذا وهكذا تسعة
وعشرون فمن صام هذا الصوم قضى يوما، ولا كفارة عليه .
وبما ذكرناه يتبين الجواب عما روي عن عائشة فى هذا قالت :
يرحم الله أبا عبد الرحمن، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم
شهراً فنزل لتسع وعشرين. فقيل له، فقال: ((إن الشهر قد يكون
تسعاً وعشرين)) فعائشة رضي الله عنها ردت ما أفهموها عن ابن عمر،
أو ما فهمته هي من أن الشهر لا يكون إلا تسعا وعشرين . وابن عمر
لم يرد هذا، بل قد ذكرنا عنه الروايات الصحيحة . بأن الشهر يكون
مرة تسعة وعشرين ، ومرة ثلاثين. فثبت بذلك أن ابن عمر روى أن
الشهر يكون تارة كذلك ، وتارة كذلك .
وما رواه إما أن يكون موافقا لما رونه عائشة أيضا : من أن
الشهر قد يكون تسعا وعشرين ، وإما أن يكون معناه أن الشهر اللازم
الدائم الواجب هو تسعة وعشرون، ومن كلام العرب وغيرهم أنهم ينفون
الشيء في صيغ الحصر أو غيرها، نارة لانتفاء ذاته . ونارة لانتفاء
فائدته ومقصوده . ويحصرون الشيء فى غيره : تارة لابحصار جميع
الجنس منه. ونارة لانحصار المفيد أو الكامل فيه . ثم إنهم تارة
١٥٥

يعيدون النفي إلى المسمى . وتارة يعيدون النفي إلى الاسم . وإن كان
ثابتا في اللغة ؛ إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيا عنه ثابتا لغيره ،
كقوله: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ
فنفى عنهم مسمى الشيء ، مع أنه فى
إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ )
الأصل شامل لكل موجود من حق وباطل ؛ لما كان مالا يفيد ولا
منفعة فيه يؤول إلى الباطل الذي هو العدم ، فيصير بمنزلة المعدوم . بل
ما كان المقصود منه إذا لم يحصل مقصوده كان أولى بأن يكون معدوما
من المعدوم المستمر عدمه ؛ لأنه قد يكون فيه ضرر .
فمن قال الكذب فلم يقل شيئا . ومن لم يعمل بما ينفعه فلم يعمل
شيئاً . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان قال:
((ليسوا بشيء)) ففي الصحيحين: عن عائشة قالت: سئل رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن ناس من الكهان فقال: ((ليسوا بشيء))
ويقول أهل الحديث عن بعض المحدثين ليس بشيء ، أو عن بعض
الأحاديث ليس بشيء ، إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية ؛ لظهور
كذبه عمداً ، أو خطأ . ويقال أيضا لمن خرج عن موجب الإنسانية
في الأخلاق ونحوها : هذا ليس بآدمي ، ولا إنسان ، ما فيه إنسانية.
ولا مروءة. هذا حمار ، أو كلب، كما يقال ذلك لمن اتصف بما هو
١٥٦

(مَاهَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا
فوقه من حدود الإنسانية . كما قلن ليوسف :
إِلََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ).
وكذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين بهذا
الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، إنما المسكين
الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس
إلحافا)) وقال: ((ما تعدون المفلس فيكم؟ )) قالوا : الذي لا درم له ولا
دينار، فقال: ((ليس ذلك ، إنما المفلس الذي يجيء يوم القيامة))
الحديث. وقال: ((ما تعدون الرقوب؟ )) الحديث . فهذا نفي الحقيقة
الاسم من جهة المعنى الذي يجب اعتباره : باعتبار أن الرقوب والمفلس
إنما قيد بهذا الاسم لما عدم المال والولد ، والنفوس تجزع من
ذلك، فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن عدم ذلك حيث يضره
عدمه هو أحق بهذا الاسم ممن يعدمه حيث قد لا يضره ضرراً
له اعتبار .
ومثال هذا أن يقال لمن يتألم ألما يسيراً ليس هذا بألم، إنما الألم
كذا وكذا ، ولمن يرى أنه غني ليس هذا بغني إنما الغني
فلان . وكذلك يقال فى العالم والزاهد. كقولهم إنما العالم من يخشى
الله تعالى .
١٥٧

وكقول مالك بن دينار الناس يقولون : مالك زاهد، إنما الزاهد
عمر بن عبد العزيز الذي أنته الدنيا فتركها . ونحو ذلك مما تكون
القلوب تعظمه لذلك المسمى اعتقاداً واقتصاداً : إما طلبا لوجوده ، وإما
طلبا لعدمه ، معتقداً أن ذلك هو المستحق للاسم ، فيبين لها أن حقيقة
ذلك المعنى ثابتة لغيره دونه، على وجه ينبغي تعليق ذلك الاعتقاد والاقتصاد
بذلك الغير.
ومن هذا الباب قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمؤمن
من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ، والمجاهد من جاهد بنفسه في
ذات الله)) ومنه قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ ) إلى قوله (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) فهؤلاء المستحقون
لهذا الاسم على الحقيقة الواجبة لهم. ومنه قولهم لا علم إلا مانفع ، ولا
مدينة إلا بملك، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا ربا إلا فى
النسيئة))، أو ((إنما الربا فى النسيئة)). فإنما الربا العام الشامل للجنسين
والجنس الواحد المتفقة صفاته إنما يكون فى النسيئة . وأما ربا الفضل
فلا يكون إلا في الجنس الواحد ، ولا يفعله أحد ، إلا إذا اختلفت
الصفات . كالمضروب بالتبر ، والجيد بالرديء ، فأما إذا استوت الصفات
١٥٨

فليس أحد يبيع درهما بدرهمين . ولهذا شرع القرض هنا ؛ لأنه من
نوع التبرع . فلما كان غالب الربا وهو الذي نزل فيه القرآن أولا ،
وهو ما يفعله الناس ، وهو ربا النساء: قيل إنما الربا فى النسيئة .
وأيضاً ربا الفضل إنما حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة ، فالربا المقصود
بالقصد الأول هو ربا النسيئة ، فلا ربا إلا فيه ، وأظهر ما تبين فيه
الربا الجنس الواحد المتفق فيه الصفات ، فإنه إذا باع مائة حرم بمائة
وعشرين ظهر أن الزيادة قابلت الأجل الذي لا منفعة فيه ، وإنما دخل
فيه للحاجة ؛ ولهذا لا تضمن الآجال باليد ، ولا بالإتلاف. فلو تبقى العين
فى بده، أو المال في ذمته مدة لم يضمن الأجل ؛ بخلاف زيادة الصفة
فإنها مضمونة فى الإتلاف ، والغصب، وفى البيع إذا قابلت غير الجنس.
وهذا باب واسع .
فإن الكلام الخبري إما إثبات ، وإما نفى. فكما أنهم فى الإثبات
يثبتون للشىء اسم المسمى إذا حصل فيه مقصود الاسم ، وإن انتفت صورة
المسمى . فكذلك فى النفي . فإن أدوات النفي تدل على انتفاء الاسم
بانتفاء مسماه ، فكذلك تارة ؛ لأنه لم يوجد أصلا . ونارة لأنه لم توجد
الحقيقة المقصودة بالمسمى. ونارة لأنه لم تكمل تلك الحقيقة . ونارة لأن
ذلك المسمى مما لا ينبغي أن يكون مقصوداً ؛ بل المقصود غيره.
١٥٩

ونارة لأسباب أخر. وهذا كله إنما يظهر من سياق الكلام ، وما اقترن
به من القرائن اللفظية التى لا تخرجها عن كونها حقيقة عند الجمهور ،
ولكون المركب قد صار موضوعا لذلك المعنى، أو من القرائن الحالية التى
تجعلها مجازا عند الجمهور.
وأما إذا أطلق الكلام مجرداً عن القرينتين فمعناه السلب المطلق.
وهو كثير فى الكلام . فكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الشهر
تسع وعشرون)) وقوله: ((الشهر تسع وعشرون)) حيث قصد به
الحصر فى النوع ، لما كان الله تعالى قد علق بالشهر أحكاما ، كقوله :
( شَهْرُ رَمَضَانَ ) وقوله: (الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) وقوله: (شَهْرَيْنِ
مُتَتَاِعَيْنِ ) ونحو ذلك . وكان من الأفهام ما يسبق إلى أن مطلق الشهر
ثلاثون يوماً .
ولعل بعض من لم يعد أيام الشهر يتوم أن السنة ثلاثمائة وستون
يوماً . وأن كل شهر ثلاثون يوما ، فقال صلى الله عليه وسلم :
الشهر الثابت اللازم الذي لا بد منه تسع وعشرون ، وزيادة اليوم
قد تدخل فيه ، وقد تخرج منه، كما يقول الإسلام شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله . فهذا هو الذي لا بد منه، وما زاد على ذلك
فقد يجب على الإنسان، وقد يموت قبل الكلام فلا يكون الإسلام في
حقه إلا ما تكلم به .
١٦٠