النص المفهرس
صفحات 121-140
نواه ؟ والمنصوص عن أحمد : أن الثواب من حين النية . وكذلك اختلفوا فى التعيين. وفيه ثلاثة أقوال - فى مذهب أحمد وغيره : أحدها : أنه لا بد من نية رمضان . فلا يجزئ نية مطلقة ، ولا معينة لغير رمضان . وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، اختارها كثير من أصحابه . والثاني : أنه يجزئ بنية مطلقة ومعينة لغيره . كمذهب أبى حنيفة ورواية محكية عن أحمد . والثالث : أنه يجزئ بالنية المطلقة ، دون نية التطوع أو القضاء أو النذر . وهو رواية عن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه . ١٢١ فصل واختلفوا فى صوم يوم الغيم : وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم ، أو قتر ، ليلة الثلاثين من شعبان . فقال قوم : يجب صومه بنية من رمضان احتياطاً . وهذه الرواية عن أحمد . وهي التى اختارها أكثر متأخري أصحابه ، وحكوها عن أكثر متقدميهم، بناء على ما تأولوه من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص ، فيكون الأظهر طلوع الهلال . كما هو الغالب ، فيجب بغالب الظن . وقالت طائفة : لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه . كابن عقيل والحلوانى . وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ، استدلالا بما جاء من الأحاديث ، وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك . وهناك قول ثالث : وهو أنه يجوز صومه من رمضان ، ويجوز ١٢٢ فطره : والأفضل صومه من وقت الفجر . ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز فيه طلوعه جاز له الإمساك ، والأكل ، وإن أمسك وقت الفجر . فإنه لا معنى لا ستحباب الإمساك لكن (١) .. وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول ، وأنه كان يستحب صومه ويفعله ، لا أنه يوجبه، وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة فى مسائل ابنه عبد الله ، والفضل بن زياد القطان ، وغيرهم ، أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه . والمنقول عنهم : أنهم كانوا يصومون فى حال الغيم ، لا يوجبون الصوم ، وكان غالب الناس لا يصومون ، ولم ينكروا عليهم الترك . وإنما لم يستحب الصوم فى الصحو ، بل نهى عنه : لأن الأصل والظاهر عدم الهلال ، فصومه تقديم لرمضان بيوم . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. واختلفت الرواية عنه : هل بسمى يوم الغيم يوم شك؟ على روايتين . وكذلك اختلف أصحابه فى ذلك . (١) بياض بالأصل. ١٢٣ وأما يوم الصحو عنده : فيوم شك أو بقين من شعبان ، بنهى عن صومه بلا توقف . وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره ، فإن المشكوك في وجوبه - كما لو شك في وجوب زكاة، أو كفارة أو صلاة ، أو غير ذلك - لا يجب فعله ولا يستحب تركه ، بل يستحب فعله احتياطا . فلم محرم أصول الشريعة الاحتياط ، ولم توجب بمجرد الشك . وأيضاً : فإن أول الشهر كأول النهار . ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه الإمساك ، ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم ، ولأن الإغمام أول الشهر كالإعمام بالشك ، بل ينهى عن صوم يوم الشك ، لما يخاف من الزيادة فى الفرض . وعلى هذا القول : يجتمع غالب المأثور عن الصحابة فى هذا الباب . فإن الجماعات الذين صاموا منهم - كعمر وعلي ومعاوية وغيرم - لم يصرحوا بالوجوب، وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنماكرهه لمن يعتقد وجوبه : خشية إيجاب ما ليس بواجب . كماكره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه ، وكما أمر طائفة منهم من صام فى السفر أن يقضى ؛ لما ظنوه به من كراهة الفطر فى السفر، فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل ، لا إلى نفس الاحتياط بالصوم . فإن تحريم الصوم أو إيجابه ١٢٤ كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة . والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة . كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال . أما الإيجاب قبل الإكمال للصوم ففيها نظر . فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد . ولو قيل: بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان (١) عن التحريم والإيجاب، ويؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنهم كانوا يأكلون مع الشك فى طلوع الفجر . (١) بياض في الأصل . ١٢٥ وقال شيخ الإسلام قدس اللّهروجـ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب. وجعله تبيانا لكل شيء ، وذكرى لأولى الألباب . وأمرنا بالاعتصام به إذ هو حبله الذي هو أثبت الأسباب ، وهدانا به إلى سبل الهدى ومناهج الصواب ، وأخبر فيه أنه : (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَاُلْقَمَرَ فُورًا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَاُلْحِسَابَ). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له رب الأرباب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم ، والحكمة وفصل الخطاب. صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة باقية بعد إلى يوم المآب. أما بعد: فإن الله قد أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا ، وأمرنا أن نتبح صراطه المستقيم ، ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر ، التى هي جوامع الشرائح التى تضاهي الكلمات التى أنزلها الله على موسى فى ١٢٦ التوراة ، وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ ؛ ولهذا قال الربيع ابن خثيم: من سره أن يقرأ كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يفض خاتمه بعده، فليقرأ آخر سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) الآيات. وأمرنا أن لانكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات . وأخبر رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيءٍ. وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها ، ولا يتبع سبيل الذين لايعلمون . وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٍ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّاجَآءَلَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِمَآءَاتَنْكُمْ فَاسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِ إِلَى الَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَّبِّئُكُمْ بِمَاكُنْتُمْ فِيهِ تَخْذَلِفُونَ * وَأَنِ اَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَشَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرُهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ). فأمره أن لا يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق ، وإن كان ذلك شرعاً أو طريقاً لغيره من الأنبياء فإنه قد جعل لكل نى سنة وسبيلا، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه ، فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره ، فكيف بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة ، بل هو طريقة من لا کتاب له . ١٢٧ وأمره وإيانا فى غير موضع أن نتبع ما أنزل إلينا، دون ما خالفه فقال : (الّصَ * كِتَبُّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِّنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى أَتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُوا مِن دُونِهِ، أَوْلِيَةٌ قَلِيلًا مَّا لِلْمُؤْمِنِينَ تَذَكَّرُونَ) . وبين حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه، والذين استمسكوا به فقال : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِقُواْالْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُلَنَا ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اْمُصْلِحِينَ) وقال: (وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُواْإِنَّمَا أُنزِلَ اُلْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) الآيات. وقال: (يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِيع اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وقال: (وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا) وحبل الله كتابه، كما فسره النى صلى الله عليه وسلم وقال: (وَأَتَِّعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُّمَ اَللَّهُ) إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التى أجمع المسلمون على اتباعها . وهذا مما لم يختلف المسلمون فيه جملة. ولكن قد يقع التنازع فى تفصيله فتارة يكون بين العلماء المعتبرين فى «مسائل الاجتهاد )» وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون ١٢٨ أو سماعون للمنافقين . فقد أخبر الله سبحانه أن فينا قوما سماعين للمنافقين يقبلون منهم، كما قال: (لَوْخَرَ جُوْفِيَكُم مَّازَادُوكُمْ إِلَّ خَبَالًا وَلَأَ وَضَعُواْ خَِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اُلْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَمُمْ) وإنما عداه باللام. ، لأنه متضمن معنى القبول والطاعة، كما قال الله على لسان عبده: ((سمع الله لمن حمده)) أي استجاب لمن حمده وكذلك (سَمَّعُونَهُمْ) أى مطيعون لهم. فإذا كان في الصحابة قوم سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم؟ !. وكذلك أخبر عمن يظهر الانقياد لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْأُسَمَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَ ) إلى قوله (سَمَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ ) فإن الصواب أن هذه اللام لام التعدية كما فى قوله: (أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ ) أي قائلون للكذب ، مريدون له وسامعون مطيعون لقوم آخرين غيرك، فليسوا مفردين لطاعة اللّه ورسوله . ومن قال: إن اللام لام كي، أي يسمعون ليكذبوا، لأجل أولئك، فلم يصب. فإن السياق بدل على أن الأول هو المراد ، وكثيرا ما يضيع الحق بين الجهال الأميين ، وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة نفاق كما أخبر سبحانه عن أهل الكتاب ١٢٩ حيث قال : (أَفَتَظْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) إلى قوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِىَ) الآية. ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أخبر: أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه : وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه ، فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به ، أو أمر به. وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة ، بل ربما يظنون أن مام عليه من الأمانى التى هي مجرد التلاوة ، ومعرفة ظاهر من القول ، هو غاية الدين . ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين ، أو الكفار، مع علم أولئك بما لم يعلمه الأميون ، فإما أن تضل الطائفتان ، وبصير كلام هؤلاء فتنة على أولئك حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ، ويصيروا فى طرفى النقيض . وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم . وهذا من بعض أسباب تغيير الملل ، إلا أن (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا هذا الدين محفوظ . كما قال تعالى : لَهُ لَفِظُونَ) ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق ، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها ، وتغيير شرائعها مطلقاً ؛ لما ينطق ١٣٠ الله به القائمين بحجة الله وبيناته ، الذين يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنوره أهل العمى ، فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة ؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته. وكان مقتضى تقدم هذه ((المقدمة)) أني رأيت الناس فى شهر صومهم ، وفى غيره أيضاً : منهم من يصغى إلى مايقوله بعض جهال أهل الحساب : من أن الهلال يرى ، أو لا يرى . وبني على ذلك إما في باطنه ، وإما فى باطنه وظاهره . حتى بلغنى أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى ، أو لا يرى . فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه . وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله . فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب . فإن الآية تتناول حكام السوء، كما يدل عليه السياق حيث يقول: (سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ ) وحكام السوء يقبلون الكذب ممن لا يجوز قبول قوله من مخبر أو شاهد . ويأكلون السحت من الرشا وغيرها . وما أكثر ما يقترن هذان . وفيهم من لا يقبل قول المنجم ، لا فى الباطن ولا فى الظاهر ؛ لكن فى قلبه حسيكة من ذلك ، وشبهة قوية لثقته به : من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك ، لا سيما إن كان قد عرف شيئاً من حساب النيرين ١٣١ واجتماع القرصين، ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات ، وسبب الإهلال والإبدار والاستتار والكسوف والخسوف. فأجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية هذا المجرى . ثم هؤلاء الذين يخبرون من الحساب ، وصورة الأفلاك وحركاتها أمراً صحيحاً : قد يعارضهم بعض الجمال من الأميين المنتسبين إلى الإيمان ، أو إلى العلم أيضاً ، فيرام قد خالفوا الدين فى العمل بالحساب فى الرؤية ، أو فى اتباع أحكام النجوم فى تأثيراتها المحمودة والمذمومة ، فيراهم لما تعاطوا هذا - وهو من المحرمات فى الدين - صار يرد كل ما يقولونه من هذا الضرب. ولا يميز بين الحق الذي دل عليه السمح والعقل، والباطل المخالف للسمع والعقل ، مع أن هذا أحسن حالا فى الدين من القسم الأول . لأن هذا كذب بشىء من الحق ، متأولا جاهلا من غير تبديل بعض أصول الإسلام . والضرب الأول قد يدخلون فى تبديل الإسلام . فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل فى رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه . ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث ؛ إلا أن ١٣٢ بعض المتأخرين من المنفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل فى حق نفسه بالحساب ، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا . وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه . فأما اتباع ذلك فى الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم . وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه ، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية . وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام، وقد برأ الله منها جعفراً وغيره . ولا ريب أن أحداً لا يمكنه مع ظهور دين الإسلام أن يظهر الاستناد إلى ذلك . إلا أنه قد يكون له عمدة فى الباطن فى قبول الشهادة وردها ، وقد يكون عنده شبهة فى كون الشريعة لم تعلق الحكم به، وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة: دليلا وتعليلا، شرعا وعقلا . ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ قال الله تعالى : وَالْحَجّ) فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام فى جميع أمورم ، وخص الحج بالذكر تميزاً له ؛ ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول . فيكون علما على الحول ، كما أن الهلال ١٣٣ على على الشهر ، ولهذا يسمون الحول حجة ، فيقولون : له سبعون حجة ، وأقمنا خمس حجج . فجعل الله الأهلة مواقيت للناس فى الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء . أو سبباً من العبادة . والأحكام التى تثبت بشروط العبد . فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له ، وهذا يدخل فيه الصيام والحج، ومدة الإبلاء والعدة وصوم الكفارة . وهذه الخمسة فى القرآن . قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ) وقال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ) وقال تعالى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن ذِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) وقال تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) وكذلك قوله: (فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) . وكذلك صوم النذر وغيره. وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن ، ودين السلم، والزكاة ، والجزية ، والعقل، والخيار ، والأيمان ، وأجل الصداق ، ونجوم الكتابة ، والصلح عن القصاص ، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما . وقال تعالى: ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُونِ اَلْقَدِيمِ ) وقال تعالى: (هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ فقوله : عَدَدَ السّنِينَ وَاُلْحِسَابَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلَّ بِالْحَقِّ) ( لتعلموا ) متعلق والله أعلم بقوله: (وقدره ) لا يجعل . لأن كون هذا ١٣٤ ضياء . وهذا نوراً لا تأثير له فى معرفة عدد السنين والحساب ؛ وإنما يؤثر فى ذلك انتقالهما من برج إلى برج . ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر، ولا سنة، وإنما علق ذلك بالهلال . كما دلت عليه تلك الآية، ولأنه قد قال: (إِنَّعِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِاثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ فأخبر أن اللَّهِيَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُّ ) الشهور معدودة اثنا عشر ، والشهر هلالي بالاضطرار. فعلم أن كل واحد منها معروف بالهلال . وقد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضاً إنما علقت الأحكام بالأهلة ، وإنما بدل من بدل من أتباعهم ، كما يفعله اليهود فى اجتماع القرصين ، وفى جعل بعض أعيادها بحساب السنة الشمسية ، وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية ، وتجعل سائر أعيادها دائرة على السنة الشمسية بحسب الحوادث التى كانت للمسيح ، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين فى اصطلاحات لهم ، فإن منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط ، ولهم اصطلاحات فى عدد شهورها ؛ لأنها وإن كانت طبيعية، فشهرها عددي وضعي. ومنهم من يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين ، وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب . ١٣٥ وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار . ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار ، ولهذا سموه هلالا ؛ لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان: إما سمعاً وإما بصراً ، كما يقال : أهل بالعمرة ، وأهل بالذبيحة لغير اللّه إذا رفع صوته ، ويقال لوقع المطر الهلل . ويقال : استهل الجنين إذا خرج صارخا . ويقال : تهلل وجهه إذا استنار وأضاء . وقيل : إن أصله رفع الصوت . ثم لما كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته سموه هلالا ، ومنه قوله : كما يهل الراكب المعتمر بهل بالفرقد ركبانها وتهلل الوجه مأخوذ من استنارة الهلال . فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس . ولا يشرك الهلال فى ذلك شيء ، فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال : أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس ، مع تعب وتضييع زمان كثير ، واشتغال عما يغنى الناس ، وما لا بد له منه ، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف . ١٣٦ وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلانى ، أو الفلاني ، هذا أمر لا يدرك بالأبصار . وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه ، وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريباً . فإنه إذا انصرم الشتاء ، ودخل الفصل الذي تسميه العرب الصيف ، ويسميه الناس الربيع : كان وقت حصول الشمس في نقطة الاعتدال ، الذي هو أول الحمل . وكذلك مثله فى الخريف . فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف ، وما بينهما من الاعتدالين تقريباً . فأما حصولها فى برج بعد برج فلا يعرف إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره . مع قلة جدواه . فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلا الهلال . وقد انقسمت عادات الأمم في شهريم وسنتهم القسمة العقلية . وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة : إما أن يكونا عدديين ، أو طبيعيين . أو الشهر طبيعياً ، والسنة عددية، أو بالعكس . فالذين يعدونهما : مثل من يجعل الشهر ثلاثين يوما ، والسنة اثني عشر شهراً. والذين يجعلونها طبيعيين . مثل من يجعل الشهر قمريا، والسنة شمسية . ويلحق فى آخر الشهور الأيام المتفاوتة بين ١٣٧ السنتين . فإن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما . وبعض يوم خمس أو سدس . وإنما يقال فيها ثلاثمائة وستون يوماً جبراً للكسر في العادة - عادة العرب فى تكميل ما ينقص من التاريخ فى اليوم والشهر والحول . وأما الشمسية فثلاثمائة وخمسة وستون يوما ، وبعض يوم : ربع يوم . ولهذا كان التفاوت بينهما أحد عشر يوما إلا قليلا: تكون فى كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة: سنة. ولهذا قال تعالى (وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِْتَةٍسِنِينَ وَأَزْدَادُ وْتِسْعًا ) قيل: معناه ثلاثمائة سنة شمسية. ( وَأَزْدَادُ وأْتِسْعًا) بحساب السنة القمرية، ومراعاة هذين عادة كثير من الأمم : من أهل الكتابين بسبب تحريفهم ، وأظنه كان عادة المجوس أيضا . وأما من يجعل السنة طبيعية ، والشهر عدديا . فهذا حساب الروم والسريانيين والقبط ونحوم من الصابئين والمشركين. ممن بعد شهر كانون ونحوه عدداً، ويعتبر السنة الشمسية بسير الشمس . فأما القسم الرابع فبأن يكون الشهر طبيعيا ، والسنة عددية ، فهو سنة المسلمين ، ومن وافقهم . ثم الذين يجعلون السنة طبيعية لا يعتمدون ١٣٨ على أمر ظاهر كما تقدم ؛ بل لابد من الحساب والعدد . وكذلك الذين يجعلون الشهر طبيعيا. ويعتمدون على الاجتماع لا بد من العدد والحساب. ثم ما يحسبونه أمر خفي ينفرد به القليل من الناس ، مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ . فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور ؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار ، فلا يضل أحد عن دينه ، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه ، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه ، ولا يكون طريقا إلى التلبيس فى دين الله كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم . وأما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء ، فكان لا بد فيه من الحساب والعدد ، فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب بسير الشمس ، وتكون السنة مطابقة للشهور ؛ ولأن السنين إذا اجتمعت فلا بد من عددها فى عادة جميع الأمم ؛ إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها ، فكان عدد الشهور موافقاً لعدد البروج ، جعلت السنة اثنى عشر شهراً بعدد البروج التى تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية ، فإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية . (وَقَدَّرَهُعَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وبهذا كله يتبين معنى قوله : ١٣٩ وَالْحِسَابَ ) فإن عدد شهور السنة ، وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير القمر منازل . وكذلك معرفة الحساب ؛ فإن حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال، وكذلك قوله تعالى: (قُلْ هِىَ مَوَاقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ ). فظهر بما ذكرناه أنه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة ، وأنه ليس شيء يقوم مقام الهلال ألبتة لظهوره وظهور العدد المني عليه ، وتيسر ذلك وعمومه ، وغير ذلك من المصالح الخالية عن المفاسد . ومن عرف مادخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس، وغيرهم فى أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورم من الاضطراب والحرج ، وغير ذلك من المفاسد: ازداد شكره على نعمة الإسلام ، مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئاً من ذلك ، وإنما دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا فى ملتهم ، وشرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله . فلهذا ذكرنا ماذكرناه حفظا لهذا الدين عن إدخال المفسدين ، فإن هذا مما يخاف تغييره ، فإنه قد كانت العرب فى جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته ، فزادت به فى السنة شهراً جعلتها كبيسا ؛ لأغراض ١٤٠