النص المفهرس
صفحات 101-120
أحدها : أنه لا يجزئه ، إلا أن ينوي رمضان ، فإن صام بنية مطلقة ، أو معلقة ، أو بنية النفل أو النذر . لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعي، وأحمد فى إحدى الروايات . والثانى: يجزئه مطلقاً كمذهب أبي حنيفة . والثالث : أنه يجزئه بنية مطلقة ، لابنية تعيين ، غير رمضان ، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد ، وهي اختيار الخرقى ، وأبى البركات . وتحقيق هذه المسألة : أن النية تتبع العلم ، فإن علم أن غداً من رمضان فلا بد من التعيين فى هذه الصورة . فإن نوى نفلا أو صوماً مطلقاً لم يجزئه؛ لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه ، فإذا لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته . وأما إذا كان لا يعلم أن غداً من شهر رمضان ، فهنا لا يجب عليه التعيين ، ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين . فإذا قيل أنه يجوز صومه وصام فى هذه الصورة بنية مطلقة ، أو معلقة أجزاء . وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا ، ثم تبين أنه كان ١٠١ من شهر رمضان ، فالأشبه أنه يجزئه أيضاً ، كمن كان لرجل عنده وديعة ، ولم يعلم ذلك ، فأعطاه ذلك على طريق التبرع ، ثم تبين أنه حقه ، فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ثانيا، بل يقول ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي ، والله يعلم حقائق الأمور . والرواية التى تروى عن أحمد أن الناس فيه تبع للإمام فى نيته ، على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس ، كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)) . وقد تنازع الناس في ((الهلال )): هل هو اسم لما يطلع فى السماء وإن لم يره أحد؟ أو لا يسمى هلالا حتى يستهل به الناس ويعلموه ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره . وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم ، أو في يوم الغيم مطلقاً . هل هو يوم شك ؟ على ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره : أحدها : أنه ليس بشك ، بل الشك إذا أمكنت رؤيته ، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي ، وغيرهم . والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه . ١٠٢ والثالث : أنه من رمضان حكماً ، فلا يكون يوم شك ، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم . وقد تنازع الفقهاء فى المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر . هل يصوم ويفطر وحده ؟ أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس . أو يصوم وحده ويفطر مع الناس ؟ على ثلاثة أقوال ، معروفة في مذهب أحمد وغيره . وقال رحمه الله فصل مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها : فيها اضطراب ، فإنه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه . فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر . قلت : أحمد اعتمد فى الباب على حديث الأعرابى الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم الناس على هذه الرؤية ، مع أنها كانت فى غير البلد، وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ، ولم يستفصله ، وهذا الاستدلال لا ينافى ماذكره ابن عبد البر: لكن ماحد ذلك؟ ١٠٣ والذين قالوا : لا تكون رؤية لجميعها ، كأكثر أصحاب الشافعي . منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ، ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع : كالحجاز مع الشام، والعراق مح خراسان ، وكلاهما ضعيف ؛ فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. وأما الأقاليم فما حدد ذلك ؟ ثم هذان خطأ من وجهين : أحدهما : أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق، والتغريب ، فإنه متى رؤي فى المشرق وجب أن يرى فى المغرب ولا ينعكس ؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب ، عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان قد رؤي ازداد بالمغرب نورا وبعداً عن الشمس وشعاعها وقت غروبها ، فيكون أحق بالرؤية ، وليس كذلك إذا رؤي بالمغرب ، لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندم فازداد بعدا وضوءا ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها . ثم إنه لما رؤي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق ، فهذا أمر محسوس فى غروب الشمس والهلال ، وسائر الكواكب ، ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ، ولا ينعكس ، وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ، ولا ينعكس ، فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق . ١٠٤ وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق ؛ لأنه يطلع من المغرب ، وليس فى السماء ما يطلع من المغرب غيره ، وسبب ظهوره بعده عن الشمس ، فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها ، فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسك بأصل شرعي ، ولا حسي . وأيضا فإن هلال الحج : ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين ، وإن كان فوق مسافة القصر . الوجه الثانى: أنه إذا اعتبرنا حدا : كمسافة القصر ، أو الأقاليم ، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئا من ذلك ، وهذا ليس من دين المسلمين . فالصواب في هذا - والله أعلم - ما دل عليه قوله: ((صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون )) فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد ، وجب الصوم . وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب ، فعليهم إمساك مابقى ، سواء كان من إقليم أو إقليمين . ١٠٥ والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية فى وقت يفيد ، فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس ، فالمستقبل يجب صومه بكل حال ، لكن اليوم الماضى : هل يجب قضاؤه ؟ فإنه قد يبلغهم فى أثناء الشهر أنه رؤي بإقليم آخر ، ولم ير قريبا منهم ، الأشبه أنه إن رؤي بمكان قريب ، وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره فى اليوم الأول فهو كما لو رؤي فى بلدم ، ولم يبلغهم. وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضى الأول فلا قضاء عليهم ، لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه، ولا يمكن أن يصوموا إلا اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال ، وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه ، فلم يكن يوم صومهم ، وكذلك فى الفطر والنسك ، لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم فى أثناء الشهر أنه رؤي بناء على تلك الرؤية ؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا ؛ لأنه قد ثبت عندهم فى أثنائه ما يفطرون به ، ولا يقضون اليوم الأول ، فيكون صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع ، إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم ، فإنه يفطر معهم ، ولا يقضى اليوم الأول . وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا ، إن قالوا يفطر ١٠٦ وحده ، فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور ، وإن صام معهم فقد صام إحدى وثلاثين يوما . والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته فى الفطر لأن انفراد الرجل بالفطر هو المحذور فى الموضعين ، ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم . وأما هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته فى اليوم عملوا بذلك ، وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذى عيده الناس - ولكن نقل التاريخ. فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله ((صوموا لرؤيته)) فمن بلغه أنه رؤي ثبت فى حقه من غير تحديد بمسافة أصلا ، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر ، فى أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيها إلا بعد شهر فلا فائدة فيه ، بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر ، فإنها محل الاعتبار . فتدبر هذه المسائل الأربعة : وجوب الصوم ، والإمساك ، ووجوب القضاء ، ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية ، ورؤية البعيد ، والبلاغ فى وقت بعد انقضاء العبادة. ولهذا قالوا : إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا فى غير يوم عرفة ١٠٧ أجزأم اعتبارا بالبلوغ ، وإذا أخطأ. طائفة منهم لم يجزئهم لإ مكان البلوغ ، فالبلوغ هو المعتبر ، سواء كان علم به للبعد ، أو للقلة ، وهذا الذى ذكرته هو الذى ذكره أصحابنا إلا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه مازال فى عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين ، بعد بعض ، فإن هذا من الأمور المعتادة التى لا تبديل لها ، ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته فى سائر بلدان الإسلام ، كتوفرها على البحث عن رؤيته فى بلده ، ولكان القضاء يكثر فى أكثر الرمضانات ، ومثل هذا لو كان لنقل ، ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له ، وحديث ابن عباس بدل على هذا . وقد أجاب أصحابنا بأنه إنما لم يفطر ، لأنه لم يثبت عنده إلا بقول واحد ، فلا يفطر به ، ولا يقال أصحابنا كذلك أيضا لم ينقل أنهم كانوا إذا بلغهم الهلال فى أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه . قلنا لأن ذلك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه، لأن فيه ترك ١٠٨ صوم يوم ، فإن ثبت عندم ، وإلا فالاحتياط الصوم ؛ لأن ذاك الخبر قد يكون ضعيفا ، مع أن هذه المسألة فيها نظر . ولو قيل : إذا بلغهم الخبر فى أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم فى اليوم الأول لكان له وجه ، بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلا فى أثناء الشهر ففى وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأن قوله: ((صومكم يوم تصومون)) دليل على أن ذلك لم يكن يوم صومنا ، ولأن التكليف يتبع العلم ، ولا علم ولا دليل ظاهر ، فلا وجوب ، وطرد هذا أن الهلال إذا ثبت فى أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبى أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة . فقد قيل: يمسك، ويقضى. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل : يجب الإمساك دون القضاء . فإن الهلال مأخوذ من الظهور ، ورفع الصوت، فطلوعه فى السماء إن لم يظهر فى الأرض فلا حكم له لا باطنا ولا ظاهرا، واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال ، واستهللناه ، فلا هلال إلا ما استهل ، فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا ، فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به ، فيكون خبرهما هو الإهلال الذى هو رفع الصوت ١٠٩ بالإخبار به ، ولأن التكليف يتبع العلم، فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ، ولأنه لو وجب القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد ، أو رؤية النفر القليل فى أثناء الشهر لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو ، بل يوم الثلاثين مطلقاً ، لأنه يمكن أن يخبر القليل أو البعيد برؤيته فى أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطا ، وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه، إلا والاحتياط مشروع فى أدائه . فلما لم يشرع الاحتياط في أدائه ، قطعنا بأنه لا وجوب مع بعد الرائى، أو خفائه، حتى يكون الرائى قريبا ظاهرا، فتكون رؤيته إهلالا يظهر به الطلوع . وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم . ولكن يجاب عنه بأن طلوعه ، هذا مثال ظاهر أو مساو ، وإنما الحاجب مانع ، كما لو كانوا ليلة الثلاثين فى مغارة ، أو مطمورة ، وقد تعذر الترائي . ولأن الذين لم يوجبوا التبييت : أصل مأخذم إجزاء يوم الشك ، فإن بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير ، كيوم عاشوراء ، وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك ، وعدم شهرة وجوب القضاء فى السلف. وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الإمساك وجوب القضاء ، ١١٠ فإنه لا وجوب إلا من حين الإهلال والرؤية ؛ لا من حين الطلوع ، ولأن الإجماع الذى حكاه ابن عبد البر يدل على هذا ؛ لأن ماذكره إذا لم يبلغ الخبر إلا بعد مضى الشهر لم يبق فيه فائدة إلا وجوب القضاء، فعلم أن القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقا . فتلخص : أنه من بلغه رؤية الهلال فى الوقت الذى يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر ، أو النسك، وجب اعتبار ذلك بلا شك ، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك . ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم، فقوله : مخالف للعقل ، والشرع. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء، وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك فهذا لا تأثير له ، وعليه الإجماع الذى حكاه ابن عبد البر . وأما إذا بلغه فى أثناء المدة : فهل يؤثر فى وجوب القضاء ؟ وفي بناء الفطر عليه ، وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين ، ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ، ونحو ذلك. والقضاء يظهر لى أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر . فهذا متوسط فى المسألة : وما من قول سواه إلا وله لوازم شنيعة ١١١ لا سيما من قال بالتعدد ، فإنه يلزمه فى المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام، إذا رأى بعض الوفود ، أوكلهم الهلال ، وقدموا مكة ، ولم يكن قد رؤي قريباً من مكة ، ولما ذكرناه من فساده صار متنوعا ، والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعى ، كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه ، وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندم لم يضر هذا ، وإنما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف . وتحقيق ذلك العلم بالأهلة ، فقال: (هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ ) . وهذا يدل على أنه أراد المعلوم بيصر ، أو سمع ، ولهذا ذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين : إلا أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ليس بشك ، لانتفاء الشك فى الهلال ، وإن وقع شك في الطلوع . وذلك من وجهين : أحدهما: أن الهلال على وزن فعال . وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به كالإزار لما يؤتزر به . والرداء : لما يرتدى به، والركاب : لما يركب به ، والوعاء : لما يوعى فيه وبه، والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب به، والسداد لما يسد به، وهذا كثير مطرد في الأسماء. ١١٢ فالهلال اسم لما يهل به : أي يعات به ، والتصويت به لا يكون إلا مع إدراكه بيصر أو سمع ، ويدل عليه قول الشاعر : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر أي : يصوتون بالفرقد ، فجعلهم مهلين به . فلذلك سمى هلالا . ومنه قوله: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اَللَّهِ ) أي صوت به، وسواء كان التصويت به رفيعاً أو خفيضاً ، فإنه مما تكلم به ، وجهر به لغير الله . ونطق به . الوجه الثانى : أنه جعلها مواقيت للناس ، ولا تكون مواقيت لهم إلا إذا أدركوها ببصر أو سمع ، فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت ، فلا تكون أهلة ، وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس ، إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا ، وقد صنفت فى ذلك شيئاً . وهذه المسألة تنبنى عليه أيضاً ، فإنه ليس فى قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زمانا ومكانا محدوداً ، وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم ، فإذا كان الواجب تعليقه فى حق من رأى بالرؤية ، ففي حق من لم ير بالسماع ، ومن لا رؤية له ولا سماع ، فلا إهلال له ، والله هو المسؤول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين . ١١٣ وسئل قرس اللّروهم عن رجل رأى الهلال وحده ، وتحقق الرؤية : فهل له أن يفطر وحده ؟ أو بصوم وحده ؟ أو مع جمهور الناس ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا رأى هلال الصوم وحده ، أو هلال الفطر وحده ، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه ؟ أو يفطر برؤية نفسه ؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس ؟ على ثلاثة أقوال ، هي ثلاث روايات عن أحمد : أحدها : أن عليه أن يصوم ، وأن يفطر سرا ، وهو مذهب الشافعي . والثانى : يصوم ولا يفطر إلا مع الناس ، وهو المشهور من مذهب أحمد، ومالك ، وأبى حنيفة. والثالث : يصوم مع الناس ، ويفطر مع الناس ، وهذا أظهر ١١٤ الأقوال؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون)) رواه الترمذي ، وقال حسن غريب ورواه أبو داود، وابن ماجه، وذكر الفطر والأضحى فقط . ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ((الصوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) قال الترمذي : هذا حديث حسن ، غريب ، قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة ، وعظم الناس . ورواه أبو داود بإسناد آخر : فقال حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبى هريرة ، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال: (( وفطركم يوم تفطرون . وأضحاكم يوم تضحون . وكل عرفة موقف ، وكل منى منحر ، وكل نجاج مكة منحر ، وكل جمع موقف )) . ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر ، والهلال اسم لما استهل به ، فإن الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج ، وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس ، والشهر بين . وإن لم يكن هلالا ولا شهراً . وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى علق أحكاما شرعية ١١٥ بمسمى الهلال، والشهر: كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ ) . فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إلى قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ) أنه أوجب صوم شهر رمضان ، وهذا متفق عليه بين المسلمين ، لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال . هل هو اسم لما يظهر فى السماء ؟ وإن لم يعلم به الناس ؟ وبه يدخل الشهر ، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس ، والشهر لما اشتهر بينهم ؟ على قولين : فمن قال بالأول يقول : من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم ، ودخل شهر رمضان فى حقه ، وتلك الليلة هي فى نفس الأمر من رمضان ، وإن لم يعلم غيره . ويقول من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعاً قضى الصوم ، وهذا هو القياس فى شهر الفطر ، وفى شهر النحر ، لكن شهر النحر ما علمت أن أحداً قال من رآه يقف وحده ، دون سائر الحاج ، وأنه ينحر فى اليوم الثانى ، ويرمي جمرة العقبة ، ويتحلل دون سائر الحاج . وإنما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون الحقو. بالنحر ، وقالوا لا يفطر إلا مع المسلمين ؛ وآخرون قالوا بل الفطر كالصوم ، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوما، وتناقض ١١٦ هذه الأقوال بدل على أن الصحيح هو مثل ذلك فى ذي الحجة . وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهراً شهرته بين الناس . واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد ، تكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به ، كان حكمهم حكم سائر المسلمين ، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين ، فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين ، وهذا معنى قوله: (( صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحون)). ولهذا قال أحمد في روايته: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين فى الصحو والغيم . قال أحمد: يد الله على الجماعة . وعلى هذا تفترق أحكام الشهر : هل هو شهر فى حق أهل البلد كلهم؟ أو ليس شهراً فى حقهم كلهم ؟ يبين ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر ، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس ، حتى يتصور شهوده ، والغيبة عنه . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وصوموا من الوضح إلى الوضح » ونحو ذلك خطاب للجماعة ، لكن من كان فى مكان ليس فيه غيره، إذا رآء صامه ، فإنه ١١٧ ليس هناك غيره . وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رؤي في مكان آخر ، أو ثبت نصف النهار ، لم يجب عليه القضاء . وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. فإنه إنما صار شهراً في حقهم من حين ظهر ، واشتهر . ومن حينئذ وجب الإمساك كأهل عاشوراء . الذين أمروا بالصوم فى أثناء اليوم ، ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح ، وحديث القضاء ضعيف ، والله أعلم. ١١٨ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل وأما الأصل الثالث : فالصيام وقد اختلفوا فى تبييت نيته على ثلاثة أقوال : فقالت طائفة - منهم أبو حنيفة - إنه يجزئ كل صوم فرضاً كان أو نفلا بنية قبل الزوال ، كما دل عليه حديث عاشوراء ، وحديث النبى صلى الله عليه وسلم لما دخل على عائشة فلم يجد طعاماً ، فقال : (( إني إذا صائم )). وبإزائها طائفة أخرى - منهم مالك - قالت : لا يجزئ الصوم إلا مبيتاً من الليل ، فرضاً كان أو نفلا ، على ظاهر حديث حفصة ، ١١٩ وابن عمر: الذي يروى مرفوعا وموقوفا: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل )) . وأما القول الثالث : فالفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية ، كما دل عليه حديث حفصة وابن عمر ؛ لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم . والنية لا تنعطف على الماضي . وأما النفل فيجزئ بنية من النهار . كما دل عليه قوله: ((إنى إذا صائم)) كما أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان - كالقيام والاستقرار على الأرض - مالا يجب فى التطوع توسيعاً من الله على عباده في طرق التطوع . فإن أنواع التطوعات دائماً أوسع من أنواع المفروضات ، وصومهم يوم عاشوراء إن كان واجباً : فإنما وجب عليهم من النهار ، لأنهم لم يعلموا قبل ذلك . وما رواه بعض الخلافيين المتأخرين أن ذلك كان في رمضان : فباطل لا أصل له . وهذا أوسط الأقوال : وهو قول الشافعي وأحمد . واختلف قولهما : هل يجزئ التطوع بنية بعد الزوال ؟ والأظهر صحته ، كما نقل عن الصحابة . واختلف أصحابها فى الثواب : هل هو ثواب يوم كامل؟ أو من حين ١٢٠