النص المفهرس
صفحات 61-80
والقول بجواز المساقاة، والمزارعة : قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين ، وغيرهم . وهو مذهب الليث بن سعد ، وابن أبى ليلى ، وأبى يوسف، ومحمد ، وفقهاء الحديث : كأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وأبى بكر بن المنذر ، والخطابى وغيرهم . والصواب أن المزارعة أحل من الإجارة بثمن مسمى ؛ لأنها أقرب إلى العدل، وأبعد عن الخطر. فإن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من العقود : منه ما يدخل فى جنس الربا المحرم فى القرآن ، ومنه ما يدخل فى جنس الميسر الذي هو القمار . وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر ، فالأجرة والثمن إذا كانت غرراً مثل ما لم يوصف ولم ير ولم يعلم جنسه: كان ذلك غرراً وقماراً. ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض محصول الزرع له فإذا أعطى الأجرة المسماة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين . وأما المستأجر فلا يدري هل يحصل له الزرع أم لا ؟ بخلاف المزارعة فإنهما يشتركان فى المغنم ، وفى الحرمان . كما فى المضاربة ، فإن حصل شيء اشتركا فيه ، وإن لم يحصل شيء اشتركا فى الحرمان ، وكان ذهاب نفع مال هذا فى مقابلة ذهاب نفع بدن هذا . ٦١ ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء ، لا فى المضاربة ، ولا فى المساقاة ، ولا فى المزارعة ؛ لأن ذلك مخالف للعدل . اذ قد يحصل لأحدهما شيء ، والآخر لا يحصل له شيء. وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأحاديث التى روى فيها (( أنه نهى عن المخابرة)) أو ((عن كراء الأرض)) أو ((عن المزارعة)) كحديث رافع بن خديج وغيره . فإن ذلك قد جاء مفسراً بأنهم كانوا يعملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك . ولهذا قال الليث بن سعد: إن الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو على بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز . فأما المزارعة فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك ، أو العامل ، أو منها ، وسواء كان بلفظ الإجارة ، أو المزارعة ، أو غير ذلك . هذا أصح الأقوال فى هذه المسألة . وكذلك كل ما كان من هذا الجنس ، مثل أن يدفع دابته ، أو سفينته إلى من يكتسب عليها ، والربح بينها، أو من يدفع ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها ، والصوف ، واللبن ، والولد ، والعسل بينهما . فإذا عرف هذان القولان في المزارعة ، فمن قال من العلماء : إن ٦٢ المزارعة باطلة ، قال الزرع كله لرب الأرض ، إذا كان البذر منه ، أو للعامل إذا كان البذر منه . ومن قال : له الزرع ، كان عليه العشر ، وأما من قال : إن رب الأرض يستحق جزءاً مشاعا من الزرع ، فإن عليه عشره باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين إن رب الأرض بقاسم العامل ، ويكون العشر كله على العامل ، فمن قال هذا ، فقد خالف إجماع المسلمين . وسئل رحمه الله عن لبس الفضة للرجال من الكلاليب ، وخاتم ، وحياصة ، وحلية على السيف ، وسائ لبس الفضة : هل هي محرمة ؟ ولا يجوز الصلاة فيها ؟ فأجاب : الحمد لله . أما خاتم الفضة فيباح باتفاق الأئمة ، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتماً من فضة ، وأن أصحابه اتخذوا خواتيم . بخلاف خاتم الذهب : فإنها حرام باتفاق الأئمة الأربعة ، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك . ٦٣ والسيف: يباح محليته بيسير الفضة، فإن سيف النبى صلى الله عليه وسلم كان فيه فضة ، وكذلك بسير الذهب على الصحيح . وأما الحياصة: إذا كان فيها فضة بسيرة فإنها تباح على أصح القولين . وأما الكلاليب التى تمسك بها العامة، وتحتاج إليها ، إذا كانت بزنة الخواتيم كالمثقال ، ونحوه . فهي أولى بالإباحة من الخاتم . فإن الخاتم يتخذ للزينة ، وهذا للحاجة . وهذه متصلة باليسير ليست مفردة كالخاتم ، ويسير الفضة التابع لغيره إذا كان يحتاج إلى جنسه كشعيرة السكين ، وحلقة الإناء، تباح فى الآنية ، وإن كره مباشرته بالاستعمال . و(باب اللباس ) أوسع من باب (الآنية ) ، فإن آنية الذهب والفضة محرم على الرجال والنساء . وأما باب اللباس : فإن لباس الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق، ويباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك . ويباح بسير الفضة للزينة ، وكذلك يسير الذهب التابع لغيره ، كالطرز ونحوه فى أصح القولين ، في مذهب أحمد وغيره ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعا . فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلح بسير الفضة للزينة مفرداً ، أو مضافاً إلى غيره ، كلية السيف ، وغيره ، فكيف يحرم ٦٤ يسير الفضة للحاجة . وهذا كله لو كان عن النبى صلى الله عليه وسلم لفظ عام بتحريم لبس الفضة ، كما جاء عنه لفظ عام بتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال حيث قال: ((هذان حرام على ذكور أمتى، حل لإنانها)» وكما جاء عنه لفظ عام فى تحريم آنية الذهب والفضة. فلما كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عامة فى آنية الذهب والفضة ، وفى لباس الذهب والحرير . استثنى من ذلك ما خصته الأدلة، الشرعية ، كيسير الحرير ، ويسير الفضة فى الآنية , للحاجة ونحو ذلك . فأما لبس الفضة : إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم ، لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه ، فإذا جاءت السنة بإباحة خاتم الفضة ، كان هذا دليلا على إباحة ذلك ، وما هو فى معناه، وما هو أولى منه بالإباحة ، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر فى تحليله وتحريمه ، والله سبحانه وتعالى أعلم ٦٥ وسل عن جندي قال الصانع : اعمل لي حياصة من ذهب ، أو فضة ، ) : فهل يجوز ذلك ؟ ثم واكتب عليها (بِسِالهِلَّمْنِ الرَّحِيمِ لابد من إعادتها إلى النار لتمام عملها . وهل يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة ؟. فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما حياصة الذهب فمحرمة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((الذهب والحرير هذان حرام على ذكور أمتى، حل لإناتها)). وأما حياصة الفضة . ففيها نزاع بين العلماء : وقد أباحها الشافعى وأحمد ، فى إحدى الروايتين . وأما كتابة القرآن عليها : فيشبه كتابة القرآن على الدرع . والدينار . ولكن يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد الكتابة ، وهذا كله مكروه . فإنه يفضى إلى ابتذال القرآن ، وامتهانه ، ووقوعه فى ٦٦ المواضع التى ينزه القرآن عنها . فإن الحياصة، والدرهم ، والدينار ، ونحو ذلك . هو في معرض الابتذال ، والامتهان. وإن كان من العلماء من رخص فى حمل الدرام المكتوب عليها القرآن ، فذلك للحاجة ، ولم يرخص فى كتابة القرآن عليها ، والله أعلم. ٦٧ صدقة الفطر باب سئل رحمه الله: عن زكاة الفطر : هل تخرج تمراً أو زبيباً أو براً أو شعيراً أو دقيقاً ؟ وهل يعطى للأقارب ممن لا يجب نفقته ؟ أو يجوز إعطاء القيمة ؟. فأجاب : الحمد لله . أما إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف جاز الإخراج من قوتهم ، بلا ريب . وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها ؟ مثل أن يكونوا يقتاتون الأرز ، والدخن ، فهل عليهم أن يخرجوا حنطة ، أو شعيراً، أو يجزئهم الأرز، والدخن والذرة ؟ فيه نزاع مشهور . وهما روايتان عن أحمد : إحداها لا يخرج إلا المنصوص . ٦٨ والأخرى: يخرج ما يقتاته. وإن لم يكن من هذه الأصناف . وهو قول أكثر العلماء: كالشافعي، وغيره. وهو أصح الأقوال ؛ فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء ، كما قال تعالى: ( مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) . والنبى صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير ؛ لأن هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لايقتاتونه ، كما لم يأمر الله بذلك فى الكفارات . وصدقة الفطر من جنس الكفارات ، هذه معلقة بالبدن ، وهذه معلقة بالبدن ، بخلاف صدقة المال فإنها يجب بسبب المال من جنس ما أعطاء الله. وأما الدقيق : فيجوز إخراجه فى مذهب أبي حنيفة، وأحمد ، دون الشافعي . ويخرجه بالوزن ، فإن الدقيق يربع إذا طحن . والقريب الذي يستحقها إذا كانت حاجته مثل حاجة الأجنبى ، فهو أحق بها منه ، فإن صدقتك على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ، والله أعلم . ٦٩ وسئل رحمه اللّه عمن عليه زكاة الفطر ويعلم أنها صاع ويزيد عليه ، ويقول هو نافلة ، هل بكره ؟. فأجاب : الحمد لله. نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء ؛ كالشافعي، وأحمد، وغيرهما. وإنما تنقل كراهيته عن مالك. وأما النقص عن الواجب فلا يجوز باتفاق العلماء ، لكن هل الواجب صاع؟ أو نصف صاع ؟ أو أكثر؟ فيه قولان ، والله أعلم . ٧٠ وسئل شيخ الإسلام عن صدقة الفطر : هل يجب استيعاب الأصناف الثانية فى صرفها ؟ أم يجزئ صرفها إلى شخص واحد ؟ وما أقوال العلماء فى ذلك ؟ . فأجاب : الحمد لله . الكلام فى هذا الباب فى أصلين : أحدهما : فى زكاة المال كزكاة الماشية والنقد ، وعروض التجارة والمعشرات ، فهذه فيها قولان للعلماء . أحدهما: أنه يجب على كل مزك أن يستوعب بزكاته جميع الأصناف المقدور عليها ، وأن يعطي من كل صنف ثلاثة ، وهذا هو المعروف من مذهب الشافعي ، وهو رواية عن الإمام أحمد . الثاني : بل الواجب ألا يخرج بها عن الأصناف الثانية، ولا يعطي أحداً فوق كفايته ، ولا يحابى أحدا بحيث يعطي واحداً ويدع ٧١ من هو أحق منه ، أو مثله، مع إمكان العدل . وعند هؤلاء إذا دفع زكاة ماله جميعها لواحد من صنف . وهو يستحق ذلك ، مثل أن يكون غارما عليه ألف درهم لا يجد لها وفاء ، فيعطيه زكاته كلها ، وهي ألف درثم أجزأه. وهذا قول جمهور أهل العلم كأبي حنيفة، وأحمد ، فى المشهور عنه ، وهو المأثور عن الصحابة : كمذيفة بن اليمان ، وعبد الله ابن عباس ، ويذكر ذلك عن عمر نفسه . وقد ثبت فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لقبيصة بن مخارق الهلالي: ((أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها )) . وفى سنن أبى داود وغيرها أنه قال لسلمة بن صخر البياضي: (( اذهب إلى عامل بنى زريق، فليدفع صدقتهم إليك)). ففي هذين الحديثين أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد ، لكن الآمر هو الإمام ، وفى مثل هذا تنازع . وفى المسألة بحث من الطرفين لا تحتمله هذه الفتوى . فإن المقصود هو الأصل الثاني: وهو ((صدقة الفطر)) فإن هذه الصدقة هل تجرى مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان ، كالكفارات ؟ على قولين . فمن قال بالأول ، وكان من قوله وجوب الاستيعاب ، أوجب الاستيعاب فيها . ٧٢ وعلى هذين الأصلين ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي - رضي الله عنه - ومن كان من مذهبه أنه لا يجب الاستيعاب كقول جمهور العلماء ، فإنهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى واحد ، كما عليه المسلمون قديما وحديثاً . ومن قال بالثانى أن صدقة الفطر تجرى مجرى كفارة اليمين ، والظهار ، والقتل، والجماع فى رمضان ، ومجرى كفارة الحج ، فإن سببها هو البدن ليس هو المال ، كما فى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين . من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)). وفى حديث آخر أنه قال: ((أغنوم فى هذا اليوم عن المسألة » . ولهذا أوجبها اللّه طعاماً، كما أوجب الكفارة طعاماً، وعلى هذا القول فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة ، وم الآخذون لحاجة أنفسهم ، فلا يعطي منها في المؤلفة ، ولا الرقاب ، ولا غير ذلك . وهذا القول أقوى في الدليل . وأضعف الأقوال قول من يقول إنه يجب على كل مسلم أن يدفع ٧٣ صدقة فطره إلى اثنى عشر ، أو ثمانية عشر ، أو إلى أربعة وعشرين ، أو اثنين وثلاثين، أو ثمانية وعشرين، ونحو ذلك ، فإن هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الراشدين ، وصحابته أجمعين ، لم يعمل بهذا مسلم على عهدهم ، بل كان المسلم يدفع صدقة فطره وصدقة فطر عياله إلى المسلم الواحد . ولو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفساً ، يعطى كل واحد حفنة لأنكروا ذلك غاية الإنكار ، ، وعدوه من البدع المستنكرة، والأفعال المستقبحة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قدر المأمور به صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير . ومن البر إما نصف صاع ، وإما صاعا على قدر الكفاية التامة للواحد من المساكين ، وجعلها طعمة لهم يوم العيد يستغنون بها ، فإذا أخذ المسكين حفنة لم ينتفع بها، ولم تقع موقعاً . وكذلك من عليه دين ، وهو ابن سبيل إذا أخذ حفنة من حنطة لم [ ينتفع ] بها من مقصودها ما يعد مقصوداً للعقلاء، وإن جاز أن يكون ذلك مقصوداً فى بعض الأوقات ، كما لو فرض عدد مضطرون ٧٤ وإن قسم بينهم الصاع عاشوا ، وإن خص به بعضهم مات الباقون ، فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة ، لكن هذا يقتضي أن يكون التفريق هو المصلحة ، والشريعة منزهة عن هذه الأفعال المنكرة التى لا يرضاها العقلاء ، ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها . ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((طعمة للمساكين )) نص فى أن ذلك حق للمساكين . وقوله تعالى فى آية الظهار: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) فإذا لم يجز أن تصرف تلك للأصناف الثمانية ، فكذلك هذه ، ولهذا يعتبر فى المخرج من المال أن يكون من جنس النصاب ، والواجب ما يبقى ويستنمى ؛ ولهذا كان الواجب فيها الإناث دون الذكور ، إلا فى التبيع ، وابن لبون ؛ لأن المقصود الدر والنسل ، وإنما هو للإناث . وفى الضحايا والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثى ، وكانت الهدايا والضحايا إذا تصدق بها أو ببعضها فإنما هو للمساكين أهل الحاجة دون استيعاب المصارف الثمانية ، وصدقة الفطر وجبت طعاما للأكل لا للاستماء ، فعلم أنها من جنس الكفارات . وإذا قيل: إن قوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ ) نص فى استيعاب الصدقة . قيل : هذا خطأ لوجوه : ٧٥ أحدها : أن اللام فى هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التى تقدم ذكرها فى قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا وهذه إذاً صدقات الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق رَضُواْ ) المسلمين ، ولهذا قال في آية الفدية: (فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُسُكٍ ) لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة، واتفق الأثمة على أن فدية الأذى لا يجب صرفها فى جميع الأصناف الثمانية ، وكذلك صدقة التطوع لم تدخل فى الآية بإجماع المسلين ، وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل معروف صدقة)). لا يختص بها الأصناف الثانية باتفاق المسلمين . وهذا جواب من يمنع دخول هذه الصدقة فى الآية ، وهي تعم جميع الفقراء والمساكين ، والغارمين فى مشارق الأرض ومغاربها ، ولم يقل مسلم إنه يجب استيعاب جميع هؤلاء ، بل غاية ما قيل : إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف ، وهذا تخصيص اللفظ العام من كل صنف ، ثم فيه تعيين فقير دون فقير . وأيضاً لم يوجب أحد التسوية فى آحاد كل صنف ، فالقول عند ٧٦ الجمهور فى الأصناف عموماً وتسوية، كالقول فى آحاد كل صنف عموما وتسوية . الوجه الثانى أن قوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَتُ ) للحصر ، وإنما يثبت المذكور ويبقى ماعداه ، والمعنى ليست الصدقة لغير هؤلاء ، بل لهؤلاء فالمثبت من جنس المنفي ، ومعلوم أنه لم يقصد تبين الملك ، بل قصد تبين الحل ، أي لا تحل الصدقة لغير هؤلاء، فيكون المعنى بل تحل لهم، وذلك أنه ذكر فى معرض النم لمن سأله من الصدقات وهو لا يستحقها ، والمذموم بذم على طلب مالا يحل له ، لا على طلب ما يحل له ، وإن كان لا يملكه ، إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من الإمام قبل إعطائها ، ولو كان الذم عاما لم يكن فى الحصر ذم لهؤلاء دون غيرهم ، وسياق الآية يقتضي ذمهم ، والذم الذي اختصوا به سؤال مالا يحل ، فيكون ذلك الذي نفى ، ويكون المثبت هذا يحل، وليس من الإحلال للأصناف وآعادم وجود الاستيعاب والتسوية، كاللام فى قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا) وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًامِنْهُ ) وقوله عليه الصلاة والسلام: (( أنت ومالك لأبيك)) وأمثال ذلك مما جاءت به اللام للإباحة . فقول القائل إنه قسمها بينهم بواو التشريك ، ٧٧ ولام التمليك ، ممنوع لما ذكرناه . الوجه الثالث: أن الله لما قال فى الفرائض: (يُوصِيكُمَللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ◌ُلْأَنْثَيَيْنِ) وقال (وَلَكُمْ نِصْفُ مَاتَرَكَ أَزْوَجُكُمْ ) إلى قوله: ( وَلَهُنَ اُلْرُّبُعُ مِمَاتَرَكْتُمْ) وقال: (وَإِن كَانُوَاْ لما كانت اللام للتمليك إِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنََّيْنِ ) وجب استيعاب الأصناف المذكورين ، وإفراد كل صنف والتسوية بينهم ، فإذا كان لرجل أربع زوجات ، وأربعة بنين أو بنات، أو أخوات ، أو إخوة ، وجب العموم والتسوية في الإفراد ؛ لأن كلا مهم استحق بالنسب ، وهم مستوون فيه . وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك ، ولم يجب فيه ذلك . ولا يقال إفراد الصنف لا يمكن استيعابه ؛ لأنه يقال بل يجب أن يقال فى الإفراد ما قيل فى الأصناف . فإذا قيل: يجب استيعابها بحسب الإمكان ، ويسقط المعجوز عنه ، قيل : في الإفراد كذلك . وليس الأمر كذلك ، لكن يجب بحري العدل بحسب الإمكان ، كما ذكرنا. ، والله أعلم. ٧٨ باب إخراج الزكاة سئل شيخ الإسلام عن تاجر. هل يجوز أن يخرج من زكاته الواجبة عليه ، صنفاً يحتاج إليه ؟ وهل إذا مات إنسان وعليه دين له : فهل يجوز أن يعطى أحداً من أقارب الميت ، إن كان مستحقاً للزكاة ، ثم يستوفيه منه ؟ وهل إذا أخرج زكاته على أهل بلد آخر مسافة القصر ، هل يجزئه أم لا ؟. فأجاب : الحمد لله . إذا أعطاه درام أجزا بلا ريب . وأما إذا أعطاء القيمة ففيه نزاع : هل يجوز مطلقاً ؟ أو لا يجوز مطلقاً ؟ أو يجوز فى بعض الصور للحاجة ، أو المصلحة الراجحة ؟ على ثلاثة أقوال - فى مذهب أحمد وغيره . وهذا القول أعدل الأقوال . فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة ، فاشترى رب ٧٩ المال له بها كسوة، وأعطاء فقد أحسن إليه . وأما إذا قوم هو الثياب التى عنده وأعطاها ، فقد يقومها بأكثر من السعر ، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها ، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي ، وربما خسرت فيكون فى ذلك ضرر على الفقراء . والأصناف التى يتجر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعا درام بالقيمة ، فإن لم يكن عنده درام فأعطى ثمنها بالقيمة ، فالأظهر أنه يجوز ؛ لأنه واسى الفقراء ، فأعطام من جنس ماله . وأما الدين الذي على الميت : فيجوز أن يوفى من الزكاة فى أحد قولي العلماء . وهو إحدى الروايتين عن أحمد ؛ لأن اللّه تعالى قال : ( وَالْغَرِمِينَ ) ولم يقل وللغارمين . فالغارم لا يشترط تمليكه . وعلى هذا يجوز الوفاء عنه ، وأن يملك لوارثه ، ولغيره ، ولكن الذي عليه الدين لا يعطى ليستوفى دينه . ٨٠