النص المفهرس

صفحات 41-60

وقال شيخ الإسلام
فصل
الأصل الثاني: الزكاة
وهم أيضاً متبعون فيها لسنة النبي صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه ،
آخذين بأوسط الأقوال الثلاثة ، أو بأحسنها فى السائمة . فأخذوا فى
أوقاص الإبل بكتاب الصديق رضى الله عنه ومتابعته : المتضمن أن فى
الإبل الكثيرة فى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة. لأنه
آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخلاف الكتاب الذي
فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين . فإنه متقدم على هذا ، لأن
استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته بمدة . وأما كتاب
الصديق : فإنه صلى الله عليه وسلم كتبه ولم يخرجه إلى العمال ، حتى
أخرجه أبو بكر .
وتوسطوا فى المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق. فإن أهل
٤١

العراق، كأبى حنيفة يوجبون العشر فى كل ما أخرجت الأرض إلا
القصب ونحوه في القليل والكثير منه ، بناء على أن العشر حق الأرض
كالخراج . ولهذا لا يجمعون بين العشر والخراج . وأهل الحجاز
لا يوجبون العشر إلا في النصاب المقدر بخمسة أوسق . ووافقهم عليه
أبو يوسف ومحمد ، ولا يوجبون من الثمار إلا فى التمر والزبيب ،
وفي الزروع فى الأقوات . ولا يوجبون فى عسل ولا غيره. والشافعي
على مذهب أهل الحجاز .
وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث : فيوافق في النصاب قول
أهل الحجاز لصحة السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم بأنه ليس فيا
دون خمسة أوسق صدقة ، ولا يوجبون الزكاة فى الخضراوات ؛ لما فى
الترك من عمل النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه والأثر عنه ،
لكن يوجبها فى الحبوب والثمار التى تدخر ، وإن لم تكن تمراً أو زبيباً
كالفستق والبندق جعلا للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول فى الماشية
والجرين . فيفرق بين الخضراوات وبين المدخرات . وقد يلحق بالموسق
الموزونات : كالقطن على إحدى الروايتين . لما في ذلك من الآثار عن
الصحابة رضي الله عنهم.
ويوجبها في العسل لما فيه من الآثار التى جمعها هو ، وإن كان
غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة ، وتسوية بين جنس ما أزله الله من
٤٢

السماء وما أخرجه من الأرض .
ويجمعون بين العشر والخراج ؛ لأن العشر حق الزرع .
والخراج حق الأرض . وصاحبا أبى حنيفة قولهما هو قول أحمد أو
قريب منه .
وأما مقدار الصاع والمد : ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الصاع خمسة أرطال وثلث ؛ والمد ربعه . وهذا
قول أهل الحجاز في الأطعمة والمياه . وقصة مالك مع أبى يوسف فيه
مشهورة وهو قول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد أو أكثرم .
والثانى : أنه ثمانية أرطال ، والمد ربعه . وهو قول أهل العراق
فى الجميع .
والقول الثالث : أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث ، وصاع
الطهارة ثمانية أرطال . كما جاء بكل واحد منها الأثر . فصاع الزكوات
والكفارات وصدقة الفطر : هو ثلثا صاع الغسل والوضوء . وهذا قول
طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين الأخبار المأثورة في هذا
الباب لمن تأمل الأخبار الواردة فى ذلك .
٤٣

ومن أصولها : أن أبا حنيفة أوسع فى إيجابها من غيره ، فإنه
يوجب فى الخيل السائمة المشتملة على الآثار (١) ويوجبها فى جميع
أنواع الذهب والفضة من الخلي المباح وغيره . ويجعل الركاز المعدن
وغيره . فيوجب فيه الخمس ، لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر
والعشر إلا على مكلف، ويجوز الاحتيال لإسقاطها واختلف أصحابه :
هل هو مكروه أم لا ؟ فكرهه محمد ، ولم يكرهه أبو يوسف . وأما
مالك والشافعى : فانفقا على أنه لا يشترط لها التكليف لما في ذلك من
الآثار الكثيرة عن الصحابة .
ولم يوجبها في الحيل ، ولا فى الحلي المباح، ولا فى الخارج ، إلا
ما تقدم ذكره. وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها ، وأوجبها مع الحيلة.
وكره الشافعي الحيلة فى إسقاطها .
وأما أحمد : فهو فى الوجوب بين أبى حنيفة ومالك ، كما تقدم في
المعشرات ، وهو يوجبها فى مال المكلف وغير المكلف .
واختلف قوله فى الحلي المباح . وإن كان المنصور عند أصحابه : أنه
لا يجب . وقوله فى الاحتيال كقول مالك ! محرم الاحتيال لسقوطها .
(١) كذا بالأصل.
٤٤

ويوجبها مع الحيلة. كما دلت عليه سورة ((ن)) وغيرها من الدلائل .
والأئمة الأربعة وسائر الأمة - إلا من شذ - متفقون على
وجوبها فى عرض التجارة ، سواء كان التاجر مقيما أو مسافراً . وسواء
كان متربصاً - وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها
إلى وقت ارتفاع السعر - أو مديراً كالتجار الذين فى الحوانيت ،
سواء كانت التجارة بزا من جديد ، أو ليس ، أو طعاماً من قوت أو
فاكهة . أو أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيواناً
من رقيق أو خيل ، أو بغال ، أو حمير ، أو غنم معلوفة، أو غير
ذلك ، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة ، كما أن
الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة .
فصل
ولا بد فى الزكاة من الملك .
واختلفوا فى اليد . فلهم في زكاة ما ليس فى اليد كالدين
ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها تجب فى كل دين وكل عين ، وإن لم تكن تحت يد
٤٥

صاحبها كالمغصوب والضال . والدين المجحود ، وعلى معسر أو مماطل ،
وأنه يجب تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه ، كالدين على الموسر . وهذا
أحد قولي الشافعي وهو أقواها .
فصل
وللناس فى إخراج القيم فى الزكاة ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يجزئ بكل حال . كما قاله أبو حنيفة .
والثانى : لا يجزئ بحال . كما قاله الشافعي.
والثالث : أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة ، مثل من يجب عليه شاة
فى الإبل وليست عنده ، ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس .
وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحاً . فإنه منع من إخراج القيم .
وجوزه فى مواضع للحاجة ؛ لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه .
فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين . واختاروا المنح . لأنه المشهور
عنه، كقول الشافعي. وهذا القول أعدل الأقوال، كما ذكرنا مثله فى
الصلاة ، فإن الأدلة الموجبة للعين نصاً، وقياساً : كسار أدلة الوجوب .
ومعلوم أن مصلحة وجوب العين ، قد يعارضها أحياناً فى القيمة
من المصلحة الراجحة ، وفى العين من المشقة المنفية شرعا .
٤٦

وسئل رحم الله :
عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها
مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة ، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار ،
أو يدفع إليها الصداق بعد مدة من السنين ؛ فهل تجب زكاة السنين
الماضية ؟ أم إلى أن يحول الحول من حين قبضت الصداق ؟
فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها للعلماء أقوال :
قيل : يجب تزكية السنين الماضية ، سواء كان الزوج موسراً أو
معسراً، كأحد القولين فى مذهب الشافعي ، وأحمد ، وقد نصره
طائفة من أصحابها .
وقيل يجب مع يساره، وتمكنها من قبضها ، دون ما إذا لم يمكن
تمكينه من القبض ، كالقول الآخر في مذهبها .
وقيل : يجب لسنة واحدة . كقول مالك ، وقول في مذهب أحمد.
وقيل : لا تجب بحال ، كقول أبى حنيفة، وقول فى مذهب أحمد.
٤٧

وأضعف الأقوال : من يوجبها السنين الماضية ، حتى مع العجز عن
قبضه ، فإن هذا القول باطل ، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه مع أنه
لم يحصل له شيء ، فهذا ممتع في الشريعة ، ثم إذا طال الزمان كانت
الزكاة أكثر من المال . ثم إذا نقص النصاب، وقيل : إن الزكاة تجب
فى عين النصاب، لم يعلم الواجب إلا بحساب طويل ، يمتنع
إتيان الشريعة به .
وأقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئاً بحال حتى يحول
عليه الحول ، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض ، فهذا القول له
وجه ، وهذا وجه . وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك، وكلاهما
قيل به فى مذهب أحمد ، والله أعلم .
وسئل
عن رجل له جمال ، ويشتري لها أيام الرعى مرعى ، هل
فيها زكاة ؟.
فأجاب: إذا كانت راعية أكثر العام، مثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر
أو أربعة ، فإنه زكيها ، هذا أظهر قولي العلماء .
٤٨

وقال رحمه الله
إذا كانت الغنم أربعين صغاراً، أو كباراً، وجبت فيها الزكاة إذا
حال عليها الحول . وإن كانت أقل من أربعين ، فحال الحول وهى
أربعون ، ففي هذا نزاع، والأحوط أداء الزكاة . والله أعلى .
وسئل رحمه الله
عن رجل له غنم ، ولم تبلغ النصاب : هل تجب فيها زكاة فى
أثناء الحول ؟
فأجاب : هذه المسألة فيها قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد :
أحدهما : أن ابتداء الحول حين صارت أربعين ، كقول الشافعي .
والثاني : أن ابتداء الحول من حين ملك الأمهات ، كقول مالك.
والله أعلم .
٤٩

وسئل
عن قرية بها فلاحون ، وهي نصفان : أحد فلاحى النصف له
غنم تجب فيها الزكاة ، والنصف الآخر ليس لفلاحيه غم قدر ما تجب
فيه الزكاة ، فألزم الإمام أهل القرية بزكاة الغنم على الفلاحين : فهل
يجب على من له النصاب ؟ وإذا وجبت عليه : فهل يجوز للإمام أن
يأخذ ممن ليس له نصاب ؟.
فأجاب: إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب
عليه الزكاة اختصوا بأدائه ، وإن كان المطلوب فوق الواجب على سبيل
الظلم اشترك فيه الجميع ، بحسب أموالهم، والله أعلم .
٥٠

باب زكاة الخارج من الأرض
سئل رحمه اللّه
عما يجب من عشر الحبوب ومقداره : وهل هو على المالك ؟ أو
الفلاح ؟ أم عليها ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. النصاب خمسة أوسق: والوسق
ستون صاعاً بصاع النبى صلى الله عليه وسلم، وصاع النبى صلى الله عليه
وسلم قدره الأئمة لما بنيت بغداد بخمسة أرطال وثلث، بالرطل العراقي
إذ ذاك . فيكون ألفاً وستمائة رطل بالعراقي . وكان الرطل العراقي اذ
ذلك تسعين مثقالا . مائة وثمانية وعشرين درهماً ، وأربعة أسباع درهم.
ولکن زید فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين ، ثم زبد فيهحتى
صارمائة وأربعة وأربعين ، فظن بعض متأخري الفقهاء أن هذا أو هذا هو
الرطل الذي قدره به الأئمة ، غلطاً منهم .
وإذا كان كذلك فمقداره بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم
٥١

ثلاثمائة رطل ، واثنان وأربعون رطلا ، وستة أسباع رطل . وستة
أسباع الرطل : هو أربعمائة درهم ، وثمانية وعشرون، وأربعة أسباع
وهو ثلثا رطل ، وأربعة أسباع أوقية .
ومن ظن من الفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي : مائة وثلاثون
درهماً ، زاد في كل رطل بغدادي مثقالا ، وهو درم وثلاثة أسباع
درهم ، فيزيد ألفين وخمسة أسباع درهم ، فيصير النصاب على قوله :
ثلاثمائة وستة وأربعين رطلا ، وثلاثمائة درهم، وأربعة عشر وسبعي درم
وهو نصف رطل ، وسبعا أوقية .
والعشر على من يملك الزرع ، فإذا زارع الفلاح ففى صحة المزارعة
قولان للعلماء.
ثمن اعتقد جواز المزارعة أخذ نصيبه ، وأعطى الفلاح نصيبه ، وعلى
كل منها زكاة نصيبه ، ومن لم يصحح المزارعة جعل الزرع كله لصاحب
الحب ، فإذا كان هو الفلاح استحق الزرع كله ، ولم يكن للمالك إلا
أجرة الأرض ، والزكاة حينئذ على الفلاح .
ولم يقل أحد من المسلمين: إن المقاسمة جازة ، والعشر كله على
الفلاح ؛ بل من قال : العشر على الفلاح ، قال : ليس للمالك فى
الزرع شيء . ولا المقطع ، ولا غيرها . فمن ظن أن العشر على الفلاح
٥٢

مع جواز المقاسمة ، فقد خالف إجماع المسلمين .
والعمل في بلاد الشام عند المسلمين على جواز المزارعة ، كما مضت
بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين ،
وسواء كان البذر من المالك ، أو من العامل ، فإن النى صلى الله عليه
وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع ، على أن
يعمروها من أموالهم ، فكان البذر من عندهم ، وهذا هو الذي اتفق
عليه الصحابة ، وعليه عمل المسلمين فى عامة بلاد الإسلام فى زمن
نبيهم ، وإلى اليوم .
فمن كان يعامل بالمزارعة : كان عليه زكاة نصيبهم ، ومن كان يتقلد
قول من يبطل هذه المزارعة ، ويرى أنه لا يستحق من الزرع شيئاً ،
وأنه ليس له عند الفلاح إلا الأجرة ، وأنه إذا أخذ المقاسمة بغير اختيار
الفلاح كان ظالماً ، آ كلا للحرام، فعليه أن يعطى الزرع للفلاح ،
ويعرفه أنه لا يستحق عليه إلا أجرة المثل ، فإن طابت نفس الفلاح بعد
هذا بأن يقاسمه ، ويؤدي الزكاة ، كان الفلاح حينئذ متفضلا عليه
بطيب نفسه . ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت بذلك
نفس أكثرهم ، فهذا حقيقة هذه المسألة على قول الطائفتين ،
والله أعلم .
٥٣

وقال رحم الله
فصل
وأما (( العشر)): فهو عند جمهور العلماء : كمالك ، والشافعي ،
وأحمد ، وغيرم على من نبت الزرع على ملكه ، كما قال الله تعالى :
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ)
فالأول يتضمن زكاة التجارة ، والثانى يتضمن زكاة ما أخرج اللّه لنا
من الأرض .
فمن أخرج اللّه له الحب فعليه العشر، فإذا استأجر أرضاً ليزرعها
فالعشر على المستأجر عند هؤلاء العلماء كلهم . وكذلك عند أبى يوسف
ومحمد . وأبو حنيفة يقول: العشر على المؤجر .
وإذا زارع أرضاً على النصف ، فما حصل للمالك فعليه عشره ،
وما حصل للعامل فعليه عشره ، على كل واحد منهما عشر ما أخرجه
الله له .
٥٤

ومن أعير أرضاً ، أو أقطعها ، أو كانت موقوفة على عينه ، فازدرع
فيها زرعاً : فعليه عشره، وإن آجرها فالعشر على المستأجر ، وإن
زارعها فالعشر بينهما .
وأصل هؤلاء الأئمة : أن العشر حق الزرع ، ولهذا كان عندهم
يجتمع العشر والخراج؛ لأن العشر حق الزرع ، ومستحقه أهل الزكاة ،
والخراج حق الزرع ومستحقه أهل الفيء ، فهما حقان المستحقين ،
بسببين مختلفين ، فاجتمعا . كما لو قتل مسلماً خطأ فعليه الدية لأهله ،
والكفارة حق للّه. وكما لو قتل صيداً مملوكاً ، وهو محرم فعليه البدل
لمالكه ، وعليه الجزاء حقاً لله .
وأبو حنيفة يقول : العشر حق الأرض ، فلا يجتمع عليها حقان ،
ومما احتج به الجمهور : أن الخراج يجب فى الأرض التى يمكن أن تزرع
سواء زرعت أو لم تزرع، وأما العشر فلا يجب إلا فى الزرع .
والحديث المرفوع: ((لا يجتمع العشر والخراج» كذب باتفاق
أهل الحديث .
٥٥

وسئل
عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زييباً ولا يتركه صاحبه إلى
الجذاذ ، كيف يخرج عشره رطباً ؟ أو يابساً ؟ وإن أخرج يابساً أخرج
من غير ثمر بستانه ؟
فأجاب : أما العنب الذي لا يصير زييباً : فإذا أخرج عنه زيباً
بقدر عشره لو كان بصير زبيباً جاز، وهو أفضل وأجزأه ذلك بلا
ريب ، ولا يتعين على صاحب المال الإخراج من عين المال ، لا فى هذه
الصورة ولا غيرها ، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض تجارة ،
أو له حب أو تمر يجب فيه العشر ، أو ماشية تجب فيها الزكاة ،
وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال أجزأه ، فكيف
فى هذه الصورة . وإن أخرج العشر عنباً ففيه قولان فى مذهب أحمد:
أحدهما : وهو المنصوص عنه أنه لا يجزئه .
والثانى: يجزئه ، وهو قول القاضي أبى يعلى، وهذا قول أكثر
العلماء ، وهو أظهر .
٥٦

وأما العنب الذي يصير زبيباً لكنه قطعه قبل أن يصير زبيباً ،
فهنا يخرج زبيباً بلا ريب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث
سعاته فيخرصون النخل والكرم ، ويطالب أهله بمقدار الزكاة يابساً ،
وإن كان أهل الثمار يأكلون كثيراً منها رطباً ، ويأمر النبي صلى
الله عليه وسلم الخارصين أن يدعوا لأهل الأموال الثلث ، أو الربع .
لا يؤخذ منه عشر، ويقول: (( إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم
تدعوا الثلث فدعوا الربع)) وفى رواية ((فإن فى المال العربة ، والوطية
والسابلة )) يعني أن صاحب المال يتبرع بما يعربه من النخل لمن بأكله
وعليه ضيف بطؤون حديقته يطعمهم ، ويطعم السابلة وهم أبناء السبيل ،
وهذا الإسقاط مذهب الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث .
وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء ، وكذلك فى الأولى .
وأما الثانية فما علمت فيها نزاعا ، فإن حق أهل السهمين لا يسقط
باختيار قطعه رطباً . إذا كان بيبس . نعم لو باع عنبه أو رطبه بعد
بدو صلاحه ، فقد نص أحمد في هذه الصورة على أنه يجزئه إخراج
عشر الثمن، ولا يحتاج إلى إخراج عنب أو زبيب ، فإن في إخراج
القيمة نزاعا فى مذهبه ، ونصوصه الكثيرة تدل على أنه يجوز ذلك
للحاجة ، ولا يجوز بدون الحاجة، والمشهور عند كثير من أصحابه لا
يجوز مطلقاً ، وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقاً ، ونصوصه الصريحة
إنما هي بالفرق .
٥٧

ومثل هذا كثير فى مذهبه ، ومذهب الشافعي ، وغيرها من الأثمة
قد ينص على مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين ، ويخرج بعض أصحابه
جواب كل واحدة إلى الأخرى ، ويكون الصحيح إقرار نصوصه بالفرق
بين المسألتين . كما قد نص على أن الوصية للقاتل تجوز بعد الجرح ،
ونص على أن المدير إذا قتل سيده بطل التدبير ، فمن أصحابه من خرج
فى المسألتين روايتين . ومنهم من قال : بل إذا قتل بعد الوصية بطلت
الوصية، كما يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه ، وأما إذا أوصى له بعد
الجرح فهنا الوصية صحيحة ، فإنه رضى بها بعد جرحه . ونظائر
هذا كثيرة .
وسئل
عن مقطع له فلاح ، والزرع بينهما مناصفة : فهل عليه عشر ؟
فأجاب : ما نبت على ملك الإنسان فعليه عشره ، فالأرض المقطعة
إذا كانت المقاسمة نصفين ، فعلى الفلاح تعشير نصفه ، وعلى المقطع
تعشير نصفه ، هذا على القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين : قديماً
وحديثاً . وهو قول من قال إن المزارعة صحيحة ، سواء كان البذر من
المالك ، أو من العامل .
٥٨

وأما من قال : إن المزارعة باطلة ، فعنده لا يستحق المقطع إلا
أجرة المثل، والزرع كله لرب البذر العامل ، وحينئذ فالعشر كله على
العامل ، فإن أراد المقطع أن يأخذ نصف المغل مقاسمة ، ويجعل العشر
كله على صاحب النصف الآخر ، لم يكن له هذا باتفاق العلماء ،
والله أعلم .
وسئل
عن إنسان له إقطاع من السلطان ؛ فهل الحاصل الذي يحصل له من
ذلك الإقطاع، تجب فيه الزكاة ؟ أم لا ؟.
فأجاب: الحمد لله . نعم ما ينبت على ملكه فعليه عشره ، سواء
كان مقطعاً ، أو مستأجراً ، أو مالكا، أو مستعيراً، والله أعلم .
وسل
عن نصيب العامل في المزرعة : هل فيه زكاة ؟
فأجاب: أما الزكاة فى المساقاة ، والمزارعة : فهذا مبنى على أمل،
٥٩

وهو أن المزارعة والمساقاة : هل هي جازة أم لا؟ على قولين مشهورين :
أحدهما : قول من قال: إنها لا تجوز ، واعتقدوا أنها نوع من
الإجارة بعوض مجهول ، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقاً . كأبي حنيفة .
ومنهم من استثنى ما تدعو إليه الحاجة ، فيجوز المساقاة للحاجة ؛ لأن
الشجر لا يمكن إجارته ، بخلاف الأرض، وجوزوا المزارعة على الأرض
التى فيها شجر تبعاً للمساقاة ، إما مطلقاً كقول الشافعي . وإما إذا كان
البياض قدر الثلث فما دونه ، كقول مالك . ثم منهم من جوز المساقاة
مطلقاً . كقول مالك ، والشافعي في القديم ، وفى الجديد قصر الجواز
على النخل ، والعنب .
والقول الثانى : قول من يجوز المساقاة ، والمزارعة ، ويقول: إن
هذه مشاركة وهي جنس غير جنس الإجارة التى يشترط فيها قدر
النفع ، والأجرة ، فإن العمل فى هذه العقود ، ليس بمقصود ، بل
المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن هذا شارك بنفع ماله ، وهذا
بتفع بدنه ، وهكذا المضاربة .
فعلى هذا : فإذا افترق أصحاب هذه العقود ، وجب للعامل قسط
مثله من الربح ، إما ثلث الربح ، وإما نصفه ، ولم تجب أجرة المثل
للعامل . وهذا القول هو الصواب المقطوع به ، وعليه إجماع الصحابة .
٦٠