النص المفهرس

صفحات 321-340

نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرم، ولا تفتنا بعدم
واغفر لنا ولهم )) .
وأما التمسح بالقبر ، أو الصلاة عنده ، أو قصده لأجل الدعاء
عنده ، معتقداً أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره ، أو النذر
له ونحو ذلك ، فليس هذا من دين المسلمين ، بل هو مما أحدث من
البدع القبيحة ، التى هي من شعب الشرك ، والله أعلم وأحكم .
وسل
عمن يقرأ القرآن العظيم ، أو شيئاً منه ، هل الأفضل أن يهدي
ثوابه لوالديه ، ولموتى المسلمين ؟ أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة ؟
فأجاب : أفضل العبادات ما وافق هدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وهدي الصحابة ، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
كان يقول في خطبته: (( خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي
محمد، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة)). وقال صلى الله عليه
وسلم: ((خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم)).
وقال ابن مسعود : من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات ؛
٣٢١

فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد .
فإذا عرف هذا الأصل . فالأمر الذي كان معروفاً بين المسلمين فى
القرون المفضلة ، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة ،
فرضها ونفلها ، من الصلاة ، والصيام ، والقراءة ، والذكر ، وغير ذلك
وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات ، كما أمر الله بذلك لأحياتهم.
وأمواتهم ، فى صلاتهم على الجنازة ، وعند زيارة القبور ، وغير ذلك .
وروي عن طائفة من السلف عند كل ختمة دعوة مجابة ، فإذا
دعا الرجل عقيب الختم لنفسه ، ولوالديه ، ولمشايخه ، وغيرهم من
المؤمنين والمؤمنات ، كان هذا من الجنس المشروع . وكذلك دعاؤه لهم
فى قيام الليل ، وغير ذلك من مواطن الإجابة .
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بالصدقة على
الميت ، وأمر أن يصام عنه الصوم . فالصدقة عن الموتى من الأعمال
الصالحة ، وكذلك ما جاءت به السنة فى الصوم عنهم. وبهذا وغيره احتج
من قال من العلماء إنه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية ، والبدنية
إلى موتى المسلمين . كما هو مذهب أحمد ، وأبي حنيفة ، وطائفة من
أصحاب مالك ، والشافعي .
فإذا أهدى لميت ثواب صيام ، أو صلاة ، أو قراءة ، جاز ذلك،
٣٢٢

وأكثر أصحاب مالك ، والشافعي يقولون : إنما يشرع ذلك فى
العبادات المالية ، ومع هذا فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا ،
وصاموا ، وحجوا ، أو قرأوا القرآن . يهدون ثواب ذلك لموتام
المسلمين، ولا لخصوصهم ، بل كان عادتهم كما تقدم ، فلا ينبغي
للناس أن يعدلوا عن طريق السلف، فإنه أفضل وأ كمل. والله أعلى.
•
وسئل
عمن (( هلل سبعين ألف مرة ، وأهداه للميت ، يكون براءة
للميت من النار)) حديث صحيح ؟ أم لا ؟ وإذا هلل الإنسان وأهدا.
إلى الميت يصل إليه ثوابه ، أم لا ؟
فأجاب : إذا هلل الإنسان هكذا : سبعين ألفاً ، أو أقل ، أو
أكثر. وأهديت إليه نفعه الله بذلك، وليس هذا حديثا صحيحا،
ولا ضعيفا. والله أعلم.
٣٢٣

وسل
عن قراءة أهل الميت تصل إليه ؟ والتسبيح والتحميد ، والتهليل
والتكبير ، إذا أهداء إلى الميت يصل إليه ثوابها أم لا ؟
فأجاب : يصل إلى الميت قراءة أهله ، وتسبيحهم ، وتكبيرم ،
وسائر ذكرم الله تعالى، إذا أهدوه إلى الميت ، وصل إليه ،
والله أعلم .
وسئل
هل القراءة تصل إلى الميت من الولد أولا ؟ على مذهب الشافعي
فأجاب : أما وصول ثواب العبادات البدنية : كالقراءة ، والصلاة ،
والصوم ، فمذهب أحمد ، وأبى حنيفة ، وطائفة من أصحاب مالك ،
والشافعي ، إلى أنها نصل ، وذهب أكثر أصحاب مالك ، والشافعي ،
إلى أنها لا تصل ، والله أعلم .
٣٢٤

وسئل رحمه اللّه
عمن ترك والديه كفاراً: ولم يعلم هل أسلموا؟ هل يجوز
أن يدعو لهم ؟
فأجاب : الحمد لله . من كان من أمة أصلها كفار لم يجز أن
يستغفر لأبويه ، إلا أن يكونا قد أسلما . كما قال تعالى: (مَاكَانَ
لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْكَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَيَ
لَهُمْ أَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ).
-
٣٢٥

باب زيارة القبور
سئل رحمه اللّه
عن المشروع فى زيارة القبور ؟
فأحاب : أما زيارة القبور : فهي على وجهين : شرعية ، وبدعية .
فالشرعية : مثل الصلاة على الجنازة ، والمقصود بها الدعاء للميت
كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم
يزور أهل البقيع ، ويزور شهداء أحد ، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور
أن يقولوا: (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله
بكم لاحقون ، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، نسأل
الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدم،
واغفر لنا ولهم».
وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأنبياء وغيرهم : كالصلاة
على النبى صلى الله عليه وسلم، والسلام . كما في الصحيح عنه أنه قال :
٣٢٦

(( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا على ، فإنه من
صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة
فإنها درجة فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن
أكون أنا ذلك العبد ، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم
القيامة . وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد
عليه السلام )) .
وأما الزيارة البدعية : وهي زيارة أهل الشرك ، من جنس زيارة
النصارى الذين يقصدون دعاء الميت ، والاستعانة به، وطلب الحوائج
عنده ، فيصلون عند قبره ، ويدعون به ، فهذا ونحوه لم يفعله أحد
من الصحابة ، ولا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه
أحد من سلف الأمة، وأئمتها ، بل قد سد النبي صلى الله عليه وسلم
((باب الشرك)). في الصحيح أنه قال فى مرض موته: ((لعن الله
اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما فعلوا
قالت عائشة - رضى الله عنها - ولولا ذلك لأ برز قبره . لكن كر.
أن يتخذ مسجداً. وقال قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم
كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى
أنهاكم عن ذلك)).
فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله، والإحسان إلى خلق الله ،
٣٢٧

وذلك من جنس الزكاة التى أمر الله بها .
والثانى: من جنس الإشراك بالله، والظلم في حق الله، وحق
عباده ، وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أنزل الله تعالى
شق ذلك على أصحاب النبي
( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )
صلى الله عليه وسلم، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: (( إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: (إِنّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) )).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)).
وقد قال الله تعالى: (وَقَالُواْ لَنَذَرُنََّالِهَتَّكُمْ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ
قال طائفة من السلف : هؤلاء كانوا
وَنَسْرًا ) .
قوما صالحين فى قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، وصوروا
تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان ، وهذا من جنس دين النصارى
ولم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون يقصدون الدعاء عند
قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره . بل كره الأئمة وقوف
الإنسان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء ، وقالوا هذه بدعة
لم يفعلها الصحابة والتابعون ، بل كانوا يسلمون عليه ، وعلى صاحبيه ،
ثم يذهبون.
٣٢٨

وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول : السلام عليك
يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتاه! ثم
ينصرف . وقد نص عليه مالك ، وغيره من الأئمة ، ونص أبو يوسف
وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل الله بمخلوق، لا النى،
ولا الملائكة ولا غيرم .
وقد أصاب المسلمين جدب وشدة ، وكانوا يدعون الله، ويستسقون
ويدعون على الأعداء ويستنصرون ، ويتوسلون بدعاء الصالحين ، كما
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وهل تنصرون وترزقون إلا
بضعفاتكم: بدعاتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم)). ولم يكونوا يقصدون
الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صالح، ولا الصلاة
عنده ، ولا طلب الحوائج منه ، ولا الإقسام على الله به ، مثل أن يقول
القائل : أسألك بحق فلان، وفلان ؛ بل كل هذا من البدع المحدثة .
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((خير القرون القرن الذي بعثت
فيهم ، ثم الذين يلونهم)). وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم خير طباق الأمة
٣٢٩

وسئل الشيخ عن الزيارة؟
فأجاب : أما الاختلاف إلى القبر بعد الدفن فليس بمستحب ، وإنما
المستحب عند الدفن أن يقام على قبره ، ويدعى له بالتثبيت . كما روى
أبو داود فى سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه كان إذا دفن
الرجل من أصحابه يقوم على قبره ، ويقول : سلوا له التثبيت ، فإنه
الآن يسأل)). وهذا من معنى قوله: (وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا
وَلَانَقُمُ عَلَىقَبْرِهِ )
فإنه لما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن
الصلاة على المنافقين ، وعن القيام على قبورهم ، كان دليل الخطاب أن
المؤمن يصلى عليه قبل الدفن ، ويقام على قبره بعد الدفن .
فزيارة الميت المشروعة بالدعاء ، والاستغفار هي من هذا
القيام المشروع .
٣٣٠

وسئل
عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم ؟ وهل يعلمون
بالميت إذا مات من قرابتهم ، أو غيره ؟.
فأجاب: الحمد لله. نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم ،
وعرض أعمال الأحياء على الأموات . كما روى ابن المبارك عن أبى
تلقاها الرحمة من
أيوب الأنصاري: قال: ((إذا قبضت نفس المؤمن
عباد الله ، كما يتلقون البشير في الدنيا ، فيقبلون عليه ويسألونه ، فيقول
بعضهم لبعض : انظروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد. قال :
فيقبلون عليه ، ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة ، هل
تزوجت)) الحديث .
وأما علم الميت بالحي إذا زاره ، وسلم عليه ، ففي حديث ابن عباس
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد يمر بقبر
أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه ، إلا عرفه ، ورد عليه
السلام )) . قال ابن المبارك : ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه
وسلم ، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام .
٣٣١

وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه، وما جاء في
الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة ، فذهب طوائف إلى أن
ذلك مختص بهم دون الصديقين ، وغيرهم . والصحيح الذي عليه الأئمة،
وجماهير أهل السنة: أن الحياة ، والرزق ، ودخول الأرواح الجنة ،
ليس مختصاً بالشهيد . كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ، ويختص
الشهيد بالذكر ، لكون الظان يظن أنه يموت ، فينكل عن الجهاد ،
فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد ، والشهادة .
كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق ؛ لأنه هو الواقع . وإن
كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق .
٣٣٢

وسئل شيخ الإسلام
ومفتى الأنام ، العالم ، العامل ، الزاهد ، الورع ، ناصر السنة ،
وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن
تيمية الحرانى - رحمه الله تعالى - عن الحديث المروي عن النبي صلى
الله عليه وسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله زوارات
القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج)) هل هو منسوخ بقوله
صلى الله عليه وسلم: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها
تذكركم الآخرة ))؟ أم لا؟ وهل صح الحديث الأول أم لا ؟ وهل
يحرم على النساء زيارة القبور ؟ أم يكره ؟ أم يستحب؟
وإذا قيل : بالكراهة . هل تكون كراهة تحريم ؟ أم تنزيه؟ وهل
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من زار قبري وجبت
له شفاعتى)). أم لا؟ وهل صح فى فضل زيارة قبر النبي صلى الله
عليه وسلم شيء من الأحاديث، أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما زيارة القبور فقد ثبت فى الصحيح
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان قد نهى عنها نهياً عاما ، ثم أذن
٣٣٣

في ذلك. فقال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها . فإنها
تذكركم الآخرة)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((استأذنت ربي في أن
أزور قبر أمي ، فأذن لي ، واستأذنت في أن أستغفر لها ، فلم يأذن
لي ، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة)). وهنا مسألتان:
إحداهما : متفق عليها ، والأخرى متنازع فيها .
فأما الأولى : فإن الزيارة تنقسم إلى قسمين : زيارة شرعية ،
وزيارة بدعية .
فالزيارة الشرعية : السلام على الميت ، والدعاء له ، بمنزلة الصلاة
على جنازته ، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (( السلام عليكم أهل الديار
من المسلمين ، والمؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، ويرحم الله
المستقدمين منا ومنكم ، والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية ، اللهم
لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدم، واغفر لنا ولهم » وهذا الدعاء يروى
بعضه فى بعض الأحاديث ، وهو مروى بعدة ألفاظ . كما رويت ألفاظ
التشهد وغيره وهذه الزيارة هي التى كان النبى صلى الله عليه وسلم
يفعلها إذا خرج لزيارة قبور أهل البقيع .
وأما الزيارة البديعية : فمن جنس زيارة اليهود والنصارى ، وأهل
٣٣٤

البدع ، الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد ، وقد استفاض
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند
موته: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر
ما فعلوا)) قالت عائشة - رضي الله عنها - : ولولا ذلك لأبرز قبره
ولكن كره أن يتخذ مسجداً. وثبت فى الصحيح عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا
فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)).
فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده
أو الدعاء عنده، أو به ، أو طلب الحوائج منه، أو من الله تعالى
عند قبره، أو الاستغاثة به ، أو الإقسام على الله تعالى به، ونحو ذلك
هو من البدع التى لم يفعلها أحد من الصحابة ، ولا التابعين لهم بإحسان
ولا سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه
الراشدين ، بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار .
والحديث الذي يروبه بعض الناس ((إذا سألتم اللّه فاسألوه بيجاهي))
هو من المكذوبات التى لم يروها أحد من علماء المسلمين ، ولا هو فى
شيء من كتب الحديث بمنزلة ما يرونه من قوله: ((لو أحسن أحدكم
ظنه بحجر لنفعه اللّه به )) فإن هذا أيضاً من المكذوبات .
٣٣٥

وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على اللّه بمخلوق
لا نى ولا غيره، فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدوري فى ((كتاب
شرح الكرخي )) عن بشر بن الوليد قال : سمعت أبا يوسف قال :
قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ، وأكره أن
يقول : بمعاقد العز من عرشك ، وبحق خلقك . وهو قول أبى يوسف،
وقال أبو يوسف : بمعاقد العز من عرشه : هو الله تعالى ، فلا
أكره هذا. وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ، ورسلك ، وبحق
البيت ، والمشعر الحرام .
قال القدوري شارح الكتاب : المسألة بخلقه لا يجوز ؛ لأنه لاحق
للمخلوق على الخالق ، فلا يجوز ، يعنى : وفاقا .
قلت : وأما الاستشفاع إلى الله تعالى به ، وهو طلب الشفاعة
منه ، والتوسل إلى الله بدعائه وشفاعته ، وبالإيمان به ، وبمحبته وطاعته
والتوجه إلى الله تعالى بذلك ، فهذا مشروع باتفاق المسلمين ، كما جاءت
بذلك الأحاديث الصحيحة .
وقد ثبت فى صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي - رضي
الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ألفين أحدكم
يجيء يوم القيامة فيقول: يا رسول الله! أغثنى، فأقول: لا أملك
٣٣٦

لك من الله شيئاً، قد أبلغتك)). وفى الصحيح أنه قال صلى الله عليه
وسلم: ((يا فاطمة بنت محمد! لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا عباس
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا أغنى عنك من الله شيئاً، ياصفية
عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شيئاً، سلونى من مالي ما شئتم))
وقال ذلك لعشيرته الأقربين .
وروي أنه قال: ((غير أن لكم رحماً سألها بيلالها )) فبين صلى
الله عليه وسلم ما هو موافق لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ
المبين، وأما الجزاء بالثواب والعقاب ، فهو إلى الله تعالى . كما قال تعالى
(قُلْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْفَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاءُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنِ
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وأَوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ الْمُبِينُ)
وهو صلى
الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين ، قد بلغ الرسالة، وأشهد الله
على أمته أنه بلغهم ، كما جعل في حجة الوداع يقول: ((ألا هل بلغت ؟
فيقولون : نعم ! فيرفع إصبعه إلى السماء ، وينكبها إليهم ، ويقول : اللهم
اشهد)) رواه مسلم في صحيحه .
وأما إجابة الداعى ، وتفريج الكربات ، وقضاء الحاجات ، فهذا لله
سبحانه وتعالى وحده لا يشركه فيه أحد .
ولهذا فرق الله سبحانه فى كتابه بين ما فيه حق للرسول ، وبين
٣٣٧

(وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ
ما هو لله وحده ، كما في قوله تعالى :
فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من
وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَتِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ )
الطاعة ، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله . وأما الخشية والتقوى
فجعل ذلك له سبحانه وحده، وكذلك قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ
مَآءَاتَهُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى
اللَّهِ رَغِبُونَ)
فجعل الإيتاء الله والرسول . كما في
قوله تعالى :
( وَمَآءَانَتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَمَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ).
وأما التوكل والرغبة فلله وحده. كما فى قوله تعالى: (وَقَالُواْحَسْبُنَا
اللَّهُ). ولم يقل ورسوله. وقال: ( إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ) ولم يقل :
( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى
وإلى الرسول ، وذلك موافق لقوله تعالى :
رَبِّكَ فَأَرْغَب ) .
فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده ،
لا يشركه فيه أحد، وأما الطاعة والمحبة والإرضاء : فعلينا أن نطيع
الله ورسوله ، ومحب الله ورسوله ، ونرضى الله ورسوله : لأن طاعة
الرسول طاعة لله، وإرضاءه إرضاء لله ، وحبه من حب الله.
وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين ،
فإن الله تعالى جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ
أمره ونهيه ، ووعده ووعيده، فليس لأحد طريق إلى الله إلا متابعة
٣٣٨

الرسول ، بفعل ما أمر ، وترك ما حذر .
ومن جعل إلى الله طريقاً غير متابعة الرسول الخاصة والعامة فهو
كافر بالله ورسوله: مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء
أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى
غير متابعة رسوله ، ويذكرون فى ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو
أعظم الكفر والكذب . كقول بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه
وسلم استأذن على أهل الصفة ، فقالوا : اذهب إلى من أنت رسول
إليه . وقال بعضهم: إنهم أصبحوا ليلة المعراج ، فأخبروه بالسر الذي
ناجاه الله به ، وأن الله أعلمهم بذلك بدون إعلام الرسول. وقول
بعضهم: إنهم قاتلوه فى بعض الغزوات مع الكفار ، وقالوا : من كان
الله معه كنا معه ، وأمثال ذلك من الأمور التى هي من أعظم
الكفر ، والكذب .
ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام : على
أن من الأولياء من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم، كما استغنى
الخضر عن موسى ، ومثل قول بعضهم : إن خاتم الأولياء له طريق
إلى الله، يستغنى به عن خاتم الأنبياء ، وأمثال هذه الأمور التى كثرت
فى كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر ، والتصوف والكلام والتفلسف.
وكفر هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى ، وقد يكون
٣٣٩

أعظم ، وقد يكون أخف بحسب أحوالهم .
والله سبحانه لم يجعل له أحداً من الأنبياء والمؤمنين واسطة فى
شيء من الربوبية ، والألوهية ، مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق ،
وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء ، وقضاء الحاجات ، وتفريج الكربات؛
بل غاية ما يكون العبد سبباً : مثل أن يدعو أو يشفع ، والله تعالى
يقول: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ ) ويقول: ( وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنْ أَرْقَضَى ) ويقول: (وَكَمْ مِن ◌َّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَاتُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا
مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى) وقال تعالى:
(قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّعَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ؟
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون
الملائكة والأنبياء ، فنهام الله عن ذلك. في قوله تعالى :
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا
لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَاكُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ *
وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُوْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَأَبْ أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نْتُمُسْلِمُونَ )
فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ، ولهذا كان الناس
في الشفاعة على ثلاثة أقسام :
٣٤٠