النص المفهرس

صفحات 261-280

ودعائه، واستغفاره )). وفى الصحيحين من حديث جابر أنه صلى الله
عليه وسلم قال: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، وإنهما
لا ينكسفان لموت أحد من الناس ، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا
حتى ينجلي )) وفي رواية عن ابن مسعود (( فإذا رأيتم شيئاً منها فصلوا
وادعوا، حتى يكشف ما بكم)). وفي رواية لعائشة («فصلوا حتى يفرج
الله ما بكم )).
وفى الصحيحين عن عائشة: ((أن الشمس خسفت على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى المسجد ، فقام وكبر ، وصف الناس وراءه ، فاقتراً رسول
الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا،
ثم رفع رأسه. فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد . ثم قام
فافتراً قراءة طويلة ، هي أدنى من القراءة الأولى ، ثم كبر فركع
ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ، ثم قال : سمع الله لمن
حمده ، ربنا ولك الحمد ، ثم سجد ، ثم فعل فى الركعة الأخرى مثل
ذلك ، حتى استكمل أربع ركعات ، وأربع سجدات ، وانجلت الشمس
قبل أن ينصرف )).
وقد جاء إطالته للسجود فى حديث صحيح ، وكذلك الجهر بالقراءة
لكن روي فى القراءة المخافتة، والجهر أصح. وأما تطويل السجود فلم
٢٦١

يختلف فيه الحديث ، لكن فى كل حديث زيادة ليست فى الآخر .
والأحاديث الصحيحة كلها متفقة لا تختلف، والله أعلم.
وسئل رحمه الله:
عن المطر ، والرعد ، والزلازل ، على قول أهل الشرع ، وعلى
قول الفلاسفة .
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما المطر : فإن الله يخلقه فى
السماء من السحاب، ومن السحاب ينزل، كما قال تعالى: (أَفَرََّيْتُمُ
وقال تعالى :
اٌلْمَآءَ الَّذِىِ تَشْرَبُونَ *،َ أَنْتُمْ أَنزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمَّنَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)
(وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَجَّاجًا ) وقال تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ )
أي من خلال السحاب .
وقوله فى غير موضع من السماء : أي من العلو ، والسماء اسم
جنس للعالي ، قد يختص بما فوق العرش تارة ، وبالأفلاك نارة ،
وبسقف البيت تارة ، لما يقترن باللفظ ، والمادة التى يخلق منها المطر
هي الهواء الذي فى الجو تارة ، وبالبخار المتصاعد من الأرض تارة ،
وهذا ما ذكره علماء المسلمين ، والفلاسفة يوافقون عليه .
٢٦٢

فصل
وأما ((الرعد والبرق)) ففي الحديث المرفوع في الترمذي وغيره،
أنه سئل عن الرعد قال: ((ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، معه
مخاريق من نار، بسوق بها السحاب حيث شاء اللّه)).
وفي مكارم الأخلاق للخرائطي : عن علي أنه سئل عن الرعد
فقال: ((ملك ، وسئل عن البرق فقال: مخاريق بأيدي الملائكة
- وفى رواية عنه - مخاريق من حديد بيده)). وروى في ذلك
آثار كذلك .
وقد روى عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك . كقول من
يقول: إنه اصطكاك أجرام السحاب ، بسبب انضغاط الهواء فيه ، فإن
هذا لا يناقض ذلك ، فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعداً . وكذلك
الراعد يسمى رعداً. كما يسمى العادل عدلا . والحركة توجب الصوت
والملائكة هي التى يحرك السحاب ، وتنقله من مكان إلى مكان
وكل حركة فى العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة ، وصوت
الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه ، ولسانه ، وأسنانه
٢٦٣

ولهانه، وحلقه. وهو مع ذلك يكون مسبحاً للرب. وآمراً بمعروف
وناهياً عن منكر .
فالرعد إذا صوت يزجر السحاب ، وكذلك البرق قد قيل : لمعان
الماء ، أو لمعان النار ، وكونه لمعان النار أو الماء لا ينافى أن يكون
اللامع مخراقا بيد الملك ، فإن النار التى تلمع بيد الملك ، كالمخراق ،
مثل مزجى المطر . والملك يزجى السحاب كما يزجى السائق للمطي .
والزلازل من الآيات التى يخوف الله بها عباده ، كما يخوفهم
بالكسوف وغيره من الآيات ، والحوادث لها أسباب وحكم ، فكونها
آبة يخوف الله بها عباده، هى من حكمة ذلك.
وأما أسبابه: فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض ، كما ينضغط
الريح والماء فى المكان الضيق ، فإذا انضغط طلب مخرجا ، فيشق ويزلزل
ما قرب منه من الأرض .
وأما قول بعض الناس : إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض ،
فهذا جهل ، وإن نقل عن بعض الناس ، وبطلانه ظاهر ، فإنه لو
كان كذلك لكانت الأرض كلها تزلزل ، وليس الأمر كذلك ،
والله أعلم .
٢٦٤

كتاب الجنائز
سئل رحمه اللّه تعالى
عن قوم مسلمين مجاوري النصارى : فهل يجوز للمسلم إذا مرض
النصراني أن يعوده ؟ وإذا مات أن يتبع جنازته ؟ وهل على من فعل ذلك
من المسلمين وزر ، أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يتبع جنازته ، وأما عيادته
فلا بأس بها . فإنه قد يكون فى ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام .
فإذا مات كافراً فقد وجبت له النار ؛ ولهذا لا يصلى عليه. والله أعلم.
وسل
عن حرارة ما يذبح وغيره مما يحل أكله ، أو يحرم ، هل يجوز
التداوي بمرارته ؟ أم لا ؟
٢٦٥

فأجاب : الحمد لله . إن كان المذبوح مما يباح أكله جاز التداوي
بمرارته ، وإلا فلا .
وسئل
هل يجوز التداوي بالخمر ؟
فأجاب: التداوي بالخمر حرام ، بنص رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وعلى ذلك جماهير أهل العلم . ثبت عنه فى الصحيح : أنه سئل
عن الخمر تصنع للدواء، فقال: ((إنها داء، وليست بدواء)) وفي
السفن عنه: أنه نهى عن الدواء بالخبيث. وقال ابن مسعود: ((إن الله
لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم))، وروى ابن حبان فى صحيحه عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما
حرم عليها )) وفى السنن أنه سئل عن ضفدع تجعل فى دواء ، فهى عن قتلها
وقال: ((إن نقيقها تسبيح)).
وليس هذا مثل أكل المضطر للميتة ، فإن ذلك يحصل به
المقصود قطعاً . وليس له عنه عوض ، والأكل منها واجب ، فمن
اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات ، دخل النار . وهنا لا يعلم
٢٦٦

حصول الشفاء ، ولا يتعين هذا الدواء ، بل الله تعالى بعافى العبد
بأسباب متعددة ، والتداوي ليس بواجب عند جمهور العلماء ، ولا يقاس
هذا بهذا ، والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عن المداواة بالخمر : وقول من يقول إنها جازة . فما معنى قول
النبي صلى الله عليه وسلم ((إنها داء وليست بدواء)) فالذي يقول
تجوز للضرورة فما حجته وقالوا إن الحديث الذي قال فيه ((إن الله لم
يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها)) ضعيف والذي يقول بجواز المداواة
به فهو خلاف الحديث والذي يقول ذلك ما حجته ؟ .
فأجاب : وأما التداوي بالخمر فإنه حرام عند جماهير الأمة : كمالك
وأحمد ، وأبي حنيفة ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ؛ لأنه
قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الخمر
تصنع للدواء، فقال: ((إنها داء، وليست بدواء )) وفى سنن أبي
داود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى عن الدواء الخبيث))
والخمر أم الخبائث ، وذكر البخاري وغيره عن ابن مسعود أنه قال :
((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها)) ورواه أبو حاتم بن حبان
٢٦٧

فى صحيحه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات :
كالميتة والدم للمضطر ، وهذا ضعيف لوجوه :
أحدها : أن المضطر يحصل مقصوده بقينا بتناول المحرمات ، فإنه إذا
أكلها سدت رمقه ، وأزالت ضرورته ، وأما الخبائث بل وغيرها فلا
بتيقن حصول الشفاء بها ، فما أكثر من يتداوى ولا يشفى ، ولهذا
أباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود بها ، وتعينها له ، بخلاف شربها
للعطش ، فقد تنازعوا فيه : فإنهم قالوا : إنها لا تروي .
الثانى : أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل
من هذه الأعيان ، وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث ، طريقا
لشفائه ، فإن الأدوية أنواع كثيرة ، وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية
كالدعاء ، والرقية، وهو أعظم نوعى الدواء . حتى قال بقراط : نسبة
طبنا إلى طب أرباب الهياكل ، كنسبة طب العجائز إلى طبنا .
وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري ، بل بما يجعله الله في
الجسم من القوى الطبيعية ، ونحو ذلك .
٢٦٨

الثالث : أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب
الأمة وغيرهم ، كما قال مسروق : من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى
مات دخل النار . وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأمة .
وإنما أوجبه طائفة قليلة ، كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد ، بل قد
تنازع العلماء : أيما أفضل : التداوي ؟ أم الصبر ؟ للحديث الصحيح.
حديث ابن عباس عن الجارية التى كانت تصرع ، وسألت النبي صلى
اللّه عليه وسلم أن يدعو لها، فقال: ((إن أحببت أن تصبري ولك
الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك)) فقالت : بل أصبر ،
ولكني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف ، فدعا لها ألا تكشف
ولأن خلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون ، بل فيهم
من اختار المرض ، كأبي بن كعب ، وأبي ذر ومع هذا فلم ينكر
عليهم ترك التداوي .
وإذا كان أكل الميتة واجبا، والتداوي ليس بواجب ، لم يجز
قياس أحدهما على الآخر ، فإن ما كان واجباً قد يباح فيه ما لا يباح
في غير الواجب ؛ لكون مصلحة أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم ،
والشارع يعتبر المفاسد والمصالح ، فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة
على المفسدة المرجوحة ؛ ولهذا أباح في الجهاد الواجب ما لم يبحه فى
غيره ، حتى أباح رمي العدو بالمنجنيق ، وإن أفضى ذلك إلى قتل
٢٦٩

النساء والصبيان ، وتعمد ذلك يحرم ، ونظائر ذلك كثيرة في الشريعة ،
والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به : هل يجوز له
ذلك؟ أم لا؟
فأجاب : وأما التداوي بأكل شحم الخنزير فلا يجوز .
وأما التداوي بالتطلخ به ، ثم يغسله بعد ذلك ، فهذا ينبنى على
جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة . وفيه نزاع مشهور .
والصحيح أنه يجوز للحاجة . كما يجوز استنجاء الرجل بيده ، وإزالة
النجاسة بيده .
وما أبيح للحاجة جاز التداوي به . كما يجوز التداوي بلبس
الحرير على أصح القولين ، وما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز
التداوي بها . كما لا يجوز التداوي بشرب الخمر ، لاسيما على قول من
يقول : إنهم كانوا ينتفعون بشحوم الميتة في طلي السفن ، ودهن الجلود ،
٢٧٠

والاستصباح به ، وأقرم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وإنما
نهام عن تمنه .
ولهذا رخص من لم يقل بطهارة جلود الميتة بالدباغ في الانتفاع
بها فى اليابسات ، فى أصح القولين ، وفى المائعات التى لا تنجسها .
وسئل
عمن بتداوى بالخمر ، ولحم الخنزير وغير ذلك من المحرمات : هل
يباح للضرورة أم لا؟ وهل هذه الآية: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ
إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فى إباحة ما ذكر ؟ أم لا ؟
فأجاب : لا يجوز التداوي بذلك ، بل قد ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المر يتداوى بها فقال:
((إنها داء وليست بدواء )) وفي السنن عنه أنه نهى عن الدواء بالخبيث
وقال: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها)).
وليس ذلك بضرورة ، فإنه لا يتيقن الشفاء بها ، كما يتيقن الشبح
باللحم المحرم ؛ ولأن الشفاء لا يتعين له طريق ، بل يحصل بأنواع
٢٧١

من الأدوية ، وبغير ذلك ، بخلاف المخمصة ، فإنها لا تزول
إلا بالأكل .
وسئل
عن المريض إذا قالت له الأطباء : مالك دواء غير أكل لحم
الكلب، أو الخنزير. فهل يجوز له أكله مع قوله تعالى: (وَيُحِلُّلَهُمُ
الطََّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها))؟ وإذا وصف له الخمر أو
النبيذ : هل يجوز شربه مع هذه النصوص ؟ أم لا ؟.
فأجاب : لا يجوز التداوي بالخمر وغيرها من الخبائث ، لما رواه
وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي . سأل النبي صلى الله عليه
وسلم عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء ، فقال: ((إنه
ليس بدواء ، ولكنه داء)) رواه الإمام أحمد، ومسلم في صحيحه . وعن
أبى الدرداء: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أنزل
الدواء، وأنزل الداء ، وجعل لكل داء دواء ، فتداووا ولا تتداووا
بحرام)). رواه أبو داود، وعن أبى هريرة قال: ((نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن الدواء بالخبيث)) ، وفي لفظ يعنى السم، رواه
٢٧٢

أحمد وابن ماجه والترمذي .
وعن عبد الرحمن بن عثمان قال: ((ذكر طبيب عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم دواء ، وذكر الضفدع تجعل فيه، فنهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع)) رواه أحمد ، وأبو داود ،
والنسائى. وقال عبد الله بن مسعود فى السكر: ((إن الله لم يجعل
شفاءكم فيما حرم عليكم )) ذكره البخاري فى صحيحه . وقد رواه أبو
حاتم بن حبان في صحيحه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فهذه
النصوص وأمثالها صريحة في النهي عن التداوي بالخبائث ، مصرحة
بتحريم التداوي بالخمر إذ هي أم الخبائث، وجماع كل إثم .
والخمر اسم لكل مسكر ، كما ثبت بالنصوص عن النبي صلى الله
عليه وسلم كما رواه مسلم فى صحيحه ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام)» وفى رواية
((كل مسكر حرام)» وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال :
قلت : يا رسول الله! أفتنا فى شرابين كنا نصنعها باليمن: البتح، وهو
من العسل ، ينبذ حتى يشتد ، والمزر : وهو من الذرة والشعير ، ينبذ
حتى يشتد ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى جوامع
الكلم ، فقال: ((كل مسكر حرام)).
وكذلك في الصحيحين عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى
٢٧٣

الله عليه وسلم عن البتع . وهو نبيذ العسل - وكان أهل اليمن
يشربونه، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام )) ورواه مسلم فى
صحيحه ، والنسائي ، وغيرهما: عن جابر أن رجلا من حبشان من اليمن
(( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب بشربونه بأرضهم
من الذرة ، يقال له : المزر ، فقال : أمسكر هو ؟ قال : نعم ، فقال :
((كل مسكر حرام ، إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه
من طينة الخبال )) الحديث . فهذه الأحاديث المستفيضة صريحة بأن كل
مسكر حرام ، وأنه خمر من أي شيء كان ، ولا يجوز التداوي بشيء
من ذلك .
وأما قول الأطباء : إنه لا يبرأ من هذا المرض إلا بهذا الدواء
المعين . فهذا قول جاهل ، لا يقوله من يعلم الطب أصلا ، فضلا عمن
يعرف الله ورسوله ، فإن الشفاء ليس فى سبب معين يوجبه فى العادة ،
كما للشبح سبب معين يوجبه في العادة ، إذ من الناس من يشفيه الله
بلا دواء ، ومنهم من يشفيه الله بالأدوية الجثمانية ، حلالها وحرامها،
وقد يستعمل فلا يحصل الشفاء لفوات شرط ، أو لوجود مانع ، وهذا
خلاف الأكل فإنه سبب للشبح . ولهذا أباح الله للمضطر الخبائث
أن بأ كلها عند الاضطرار إليها فى المخمصة ، فإن الجوع يزول بها ،
ولا يزول بغيرها ، بل يموت أو يمرض من الجوع ، فلما تعينت طريقاً
٢٧٤

إلى المقصود أباحها الله ، بخلاف الأدوية الخبيثة .
بل قد قيل : من استشفى بالأدوية الخبيثة كان دليلا على مرض فى
قلبه ، وذلك فى إيمانه ، فإنه لو كان من أمة محمد المؤمنين لما جعل الله
شفاءه فيما حرم عليه ، ولهذا إذا اضطر إلى الميتة ونحوها وجب عليه
الأكل في المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة، وأما التداوي فلا يجب
عند أكثر العلماء بالحلال ، وتنازعوا : هل الأفضل فعله ؟ أو تركه
على طريق التوكل ؟ .
ومما يبين ذلك أن الله لما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، وغيرها ،
لم يبح ذلك إلا لمن اضطر إليها غير باغ ولا عاد ، وفى آية أخرى :
( فَمَنِ اضْطُتَ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ومعلوم
أن المتداوي غير مضطر إليها، فعلم أنها لم تحل له .
وأما ما أبيح للحاجة لا لمجرد الضرورة : كلباس الحرير . فقد
ثبت فى الصحيح: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم رخص للزبير وعبد
الرحمن بن عوف فى لبس الحرير ، لحكة كانت بها)) وهذا جاز على
أصح قولي العلماء ؛ لأن لبس الحرير إنما حرم عند الاستغناء عنه .
ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إلى التزين به ، وأبيح لهن التستر به مطلقا
فالحاجة إلى التداوي به كذلك ، بل أولى ، وهذه حرمت لما فيها من
٢٧٥

السرف والخيلاء والفخر ، وذلك منتف إذا احتيج إليه، وكذلك لبسها
للبرد : أو إذا لم يكن عنده ما يستتر به غيرها .
وسئل رحم الله
هل الشرع المطهر ينكر ما تفعله الشياطين الجانة من مسها وتخبيطها
وجولان بوارقها على بني آدم ، واعتراضها ؟ فهل لذلك معالجة بالمخرقات
والأحراز، والعزائم، والأقسام، والرقى، والتعوذات، والتأثم؟ وأن
بعض الناس قال : لا يحكم عليهم ؛ لأن الجن يرجعون إلى الحقائق عند
عامرة الأجساد بالبوار ، وأن هذه الخواتم المتخذة مع كل إنسان من
سرياني ، وعبرانى ، وعجمي ، وعربى ، ليس لها برهان ، وأنها من
مختلق الأقاويل ، وخرافات الأباطيل ، وأنه ليس لأحد من بنى آدم من
القوة ، ولا من القبض بحيث يفعل ما ذكرنا من متولي هذا الشأن على
ممر الدهور ، والأوقات؟.
فأجاب: الحمد لله. وجود الجن ثابت بكتاب الله ، وسنة رسوله،
وانفاق سلف الأمة ، وأئمتها . وكذلك دخول الجنى فى بدن الإنسان
(الَّذِينَ
ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة ، قال الله تعالى:
يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) وفى
٢٧٦

الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن الشيطان يجري من
ابن آدم مجرى الدم)). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قلت
لأبي : إن أقواما يقولون : إن الجني لا يدخل فى بدن المصروع ، فقال :
يا بني يكذبون ، هذا يتكلم على لسانه .
وهذا الذي قاله أمر مشهور ، فإنه بصرع الرجل فيتكلم بلسان
لا يعرف معناه ، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل الأثر
به أثراً عظيما. والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ،
ولا بالكلام الذي يقوله . وقد يجر المصروع ، وغير المصروع ، ويجر
البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات ، وينقل من مكان إلى مكان ،
ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها ، أفادته علماً ضروريا ، بأن
الناطق على لسان الإنسى.، والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر
غير الإنسان .
وليس فى أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني فى بدن المصروع
وغيره ، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك ، فقد كذب
على الشرع ، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك .
وأما معالجة المصروع بالرقى ، والتعوذات ، فهذا على وجهين :
٢٧٧

فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها ، ومما يجوز فى دين
الإسلام أن يتكلم بها الرجل ، داعياً الله، ذاكراً له ، ومخاطباً لخلقه ،
ونحو ذلك ، فإنه يجوز أن يرقى بها المصروع ، ويعوذ ، فإنه قد ثبت
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه أذن فى الرقى، ما
لم تكن شركا)). وقال: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)).
وإن كان فى ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك ، أو كانت
مجهولة المعنى ، يحتمل أن يكون فيها كفر ، فليس لأحد أن يرقى بها
ولا يعزم ، ولا يقسم ، وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها ،
فإنما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه ، كالسيما وغيرها من أنواع
السحر ، فإن الساحر السيماوي وإن كان ينال بذلك بعض أغراضه ،
كما ينال السارق بالسرقة بعض أغراضه ، وكما ينال الكاذب بكذبه
وبالخيانة بعض أغراضه، وكما ينال المشرك بشركه وكفره بعض أغراضه ،
وهؤلاء وإن نالوا بعض أغراضهم بهذه المحرمات ، فإنها تعقبهم من الضرر
عليهم فى الدنيا والآخرة أعظم مما حصلوه من أغراضهم .
فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح ، وتكميلها ، وتعطيل المفاسد
وتقليلها ، فكل ما أمر الله به ورسوله فمصلحته راجحة على مفسدته ،
ومنفعته راجحة على المضرة . وإن كرهته النفوس . كما قال تعالى :
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزَّةٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) الآية.
٢٧٨

فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس ، لكن مصلحته ومنفعته راجحة على
ما يحصل للنفوس من ألمه ، بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل
له العافية ، فإن مصلحة حصول العافية له راجحة على ألم شرب
الدواء . وكذلك التاجر الذي يتغرب عن وطنه ، ويسهر ، ويخاف ،
ويتحمل هذه المكروهات ، مصلحة الربح الذي يحصل له راجحة على
هذه المكاره . وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات)).
وقد قال تعالى فى حق الساحر: (وَأَ يُفْلِحُ السَّاحِرُحَيْثُ أَنَى )
( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَخْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
وقال تعالى :
- إلى قوله - وَلَبِتْسَ مَاشَرَوْابِهِ، أَنْفُسَهُمّ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ)
فبين سبحانه أن هؤلاء يعلمون أن الساحر ماله في الآخرة من نصيب .
وإنما يطلبون بذلك بعض أغراضهم فى الدنيا (وَلَوْ أَنَّهُمْءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا
لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوايَعْلَمُونَ ) آمنوا واتقوا بفعل ما أمر
الله به ، وترك مانهى الله عنه ، لكان ما يأتيهم به على ذلك فى الدنيا
والآخرة خير لهم مما يحصل لهم بالسحر . قال الله تعالى: ( إِنَّا
) . وقال :
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
( مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً
. (
وقال: ( وَالَّذِينَ هَاجَرُ واْفِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوّثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً)
٢٧٩

وقال: (وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَانِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى
الآيتين .
اُلْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّاكَسَبُواْ ).
والأحاديث فيما يثيب اللّه عبده المؤمن على الأعمال الصالحة فى
الدنيا والآخرة كثيرة جداً، وليس للعبد أن يدفع كل ضرر بما شاء،
ولا يجلب كل نفع بما شاء ، بل لا يجلب النفع إلا بما فيه تقوى الله،
ولا يدفع الضرر إلا بما فيه تقوى الله ، فإن كان ما يفعله من العزائم
والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله فلا
بأس به ، وإن كان مما نهى اللّه عنه ورسوله لم يفعله.
فمن كذب بما هو موجود من الجن والشياطين والسحر ، وما يأتون
به على اختلاف أنواعه - كدماء الكواكب ، وتخريج القوى الفعالة
السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية ، وما ينزل من الشياطين على كل
أفاك أثيم، فالشياطين التى تنزل عليهم، ويسمونها روحانية الكواكب-
وأنكروا دخول الجن فى أبدان الإنس ، وحضورها بما يستحضرون
به من العزائم والأقسام ، وأمثال ذلك ، كما هو موجود ، فقد كذب بما
لم يخط به علماً .
ومن جوز أن يفعل الإنسان بما رآه مؤثراً من هذه الأمور من
غير أن يزن ذلك بشريعة الإسلام - فيفعل ما أباحه الله ، ويترك
٢٨٠