النص المفهرس
صفحات 221-240
وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. اللهم اغفر لي، وارحمنى. كان حسناً، كما جاء ذلك عن بعض السلف ، والله أعلم . وسئل هل التكبير يجب فى عيد الفطر أكثر من عيد الأضحى ؟ بينوا لنا مأجورين. فأحاب : أما التكبير فإنه مشروع فى عيد الأضحى بالاتفاق . وكذلك هو مشروع فى عيد الفطر : عند مالك، والشافعى، وأحمد. وذكر ذلك الطحاوي مذهبا لأبي حنيفة ، وأصحابه . والمشهور عنهم خلافه ، لكن التكبير فيه هو المأثور عن الصحابة رضوان الله عليهم، والتكبير فيه أوكد من جهة أن الله أمر به بقوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). والتكبير فيه: أوله من رؤية الهلال، وآخره انقضاء العيد ، وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح . وأما التكبير فى النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات ٢٢١ وأنه متفق عليه ، وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان ، وعيد النحر أفضل من عيد الفطر ، ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة. والعبادة فى ذاك الصدقة مع الصلاة . والنحر أفضل من الصدقة ، لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية والمالية ، فالذبح عبادة بدنية ومالية ، والصدقة والهدية عبادة مالية ولأن الصدقة فى الفطر تابعة للصوم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة المساكين ولهذا سن أن تخرج قبل الصلاة، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَّ * وأما النسك فإنه مشروع فى اليوم وَذَّكَرَأُسْمَرَيِّهِ فَصَلَّى) . نفسه عبادة مستقلة ، ولهذا يشرع بعد الصلاة، كما قال تعالى: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأُنْحَرْ * إِنَّ شَانِثَكَ هُوَ الْأَبْرَ). فصلاة الناس فى الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة ، وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم . وفى الحديث الذي في السنن ( أفضل الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر)، وفى الحديث الآخر الذي فى السنن وقد صححه الترمذي (( يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر للّه)) ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ، لهذا الحديث ، ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم . ٢٢٢ وقال شيخ الإسلام فصل قال الله تعالى (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُ واْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) و ((اللام)) إما متعلقة بمذكور: أي (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ .. وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ). كما قال: ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) . أو بمحذوف : أي ولتكملوا العدة (١) شرع ذلك. وهذا أشهر لأنه قال: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فيجب على الأول أن يقال ويريد لعلكم تشكرون ، وفيه وهن . لكن يحتج للأول بقوله تعالى فى آية الوضوء: (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فإن آية الصيام وآية الطهارة متناسبتان فى اللفظ والمعنى، فقوله: (يُرِدُ اللهُبِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) بمنزلة قوله: (١) بياض بالأصل . ٢٢٣ (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ) وقوله: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) كقوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَةَ وَلِتُكَبِّرُ واْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). والمقصود هنا: أن الله سبحانه أراد شرعا: التكبير على ما هدانا ، ولهذا قال من قال من السلف : كزيد بن أسلم هو التكبير تكبير العيد، واتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد ، ولعله يدخل فى التكبير صلاة العيد، كما سميت الصلاة تسبيحاً، وقياماً ، وسجودا وقرآنًا، وكما أدخلت صلانا الجمع في ذكر اللّه فى قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (فَأَسْعَوْ إِلَى ذِكْرِاللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ) وأريد الخطبة والصلاة بقوله : ويكون لأجل أن الصلاة لما سميت تكبيرا خصت بتكبير زائد ، كما أن صلاة الفجر لما سميت قرآنا خصت بقرآن زائد ، وجعل طول القراءة فيها عوضاً عن الركعتين في الصلاة الرباعية. وكذلك ((صلاة الليل)) لما سميت قياما بقوله: (قُلَّتَ ) خصت بطول القيام ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام والركوع والسجود بالليل ما لا يطيله بالنهار . ولهذا قال بعض السلف: إن التطويل بالليل أفضل، وإن تكثير الركوع والسجود بالنهار أفضل . ٢٢٤ وكان التكبير أيضا مشروعا فى خطبة العيد زيادة على الخطب الجمعية، وكان التكبير أيضاً مشروعا عندنا، وعند أكثر العلماء من حين إهلال العيد إلى انقضاء العيد ، إلى آخر الصلاة والخطبة ؛ لكن هل يقطعه المؤتم إذا شهد المصلى لكونه مشغولا بعد ذلك بانتظار الصلاة ؟ أو يقطعه بالشروع فى الصلاة للاشتغال عنه بعد ذلك بالصلاة والخطبة أو لا يقطعه إلى انقضاء الخطبة ؟ فيه خلاف عن أحمد وغيره . والصحيح أنه إلى آخر العيد . وقد قال تعالى فى الحج (لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىّ فقيل : الأيام أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَارَزَقَ هُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ) المعلومات . هي أيام الذبح ، وذكر اسم الله التسمية على الأضحية والهدى ، وهو قول مالك فى رواية . وقيل : هي أيام العشر ، وهو المشهور عن أحمد ، وقول الشافعي وغيره. ثم ذكر اسم الله فيها هو ذكره في العشر بالتكبير عندنا ، وقيل هو ذكره عند رؤية الهدي ، وأظنه مأثوراً عن الشافعي . وفى صحيح البخاري أن ابن عمر وابن عباس كانا يخرجان إلى السوق فى أيام العشر ، فيكبران ، ويكبر الناس بتكبيرها . وفى الصحيح عن أنس أنهم كانوا غداة عرفة ، وم ذاهبون من منى إلى عرفة بكبر منهم المكبر فلا ينكر عليه، ويلى الملى فلا ينكر عليه ، وفى ٢٢٥ أمثلة الأحاديث المرفوعة مثل قوله: (( فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد )» وعلى قول أصحابنا يكون ذكر اسم الله على ما رزقهم كقوله (عَلَى مَا هَدَنَكُمْ) وكقوله: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِالْحَرَّاءِ وَأَذْكُرُوهُكَمَا هَدَنِكُمْ) وكقوله: (كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنِكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْءَايَلِنَا وَيُزَكِّيكُمْ - إلى قوله - فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ ) . ( فَكُلُواْمِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وعلى القول الآخر يكون مثل قوله : ( فَذَّكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ) ويدل وَأُذَكُرُواْأُسْمَاللَّهِعَلَيِْ ) وقوله : عليه قوله: (مِنْبَهِيمَةِالْأَنْعَمِ ) فيدل على أن ( ما) موصولة لا مصدرية ، بمعنى على الذي رزقهم من بهيمة الأنعام ، وكذلك قوله : (وَلِ كُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنْسَكَالِيَذْكُرُوْأَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَارَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ ) وعلى قولنا يكون ذكر اسم الله عليها وقت الذبح ، ووقت السوق بالتلبية عندها ، وبالتكبير . يدل عليه أنه لو أراد مجرد التسمية لم يكن للأضحية بذلك اختصاص ، فإن اسمه مذكور عند كل ذبح ، لا فرق في ذلك بين الأضحية وغيرها ، فما وجب فيها وجب فى غيرها ، وما لم يجب لم يجب. ٢٢٦ وأيضاً فإنه لا يكون لقوله: (وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ - إلى قوله - لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْأُسْمَ اللَّهِ ) فجعل إنيانهم إلى المشاعر ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم اللّه فى أيام معلومات. ولو أراد الأضحية فقط لم يكن للمشاعر بهذا اختصاص ؛ فإن الأضحية مشروعة فى جميع الأرض ، إلا أن هذا الوجه يرد على قولنا: بذكر اسم الله فى جميع العشر فى الأمصار . فيقال: لم خص ذلك بالإتيان إلى المشاعر ؟ وقد يحتج به من يرى ذكر الله عند رؤية الهدى ؛ لأن الهدى يساق إلى مكة ، لكن عنده يجوز ذبح الهدى ، متى وصل فأي فائدة لتوقيته بالأيام المعلومات . ويجاب عن هذا بوجهين : أحدهما : أن الذبح بالمشاعر أصل ، وبقية الأمصار تبع لمكة ، ولهذا كان عيد النحر العيد الأكبر ، ويوم النحر يوم الحج الأكبر لأنه يجتمع فيه عيد المكان والزمان . الثانى: أن ذكر الله هناك على ما رزقهم من الأضحية، والهدى جميعا بخلاف غير مكة فإنه ليس فيها إلا الأضحية . وهي مختصة بالأيام المعلومات ، فإن الهدي عندنا مؤقت ، فإذا ساق الهدي لم ينحره إلا عند الإحلال ، ولا يجوز له أن يحل حتى ينحر هديه ، كما قال تعالى: وأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه في ( حَّ ◌َلُغَ آَلْهَدْىُ مَجِلَّهُ ). ٢٢٧ حجة الوداع أن يحلوا إلا من ساق الهدى ، فلا يحل حتى ينحره ، وهذا إذا قدم به فى العشر بلا نزاع ، وأما إذا قدم به قبل العشر ففيه روايتان : فإن قيل: فإذا كان الكتاب والسنة قد أمرا بذكره فى الأيام المعلومات ، فهلا شرع التكبير فيها فى أدبار الصلوات ، كما شرع فى أيام العيد ؟ قيل : إنما شرع التكبير فى ليلة الفطر إلى حين انقضاء العيد ، ولم بشرع عقب الصلاة، لأن التكبير عقب الصلاة أوكد . فاختص به العيد الكبير، وأيام العيد خمسة، هي أيام الاجتماع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يوم عرفة، ويوم النحر ، وأيام منى عيدنا أهل الاسلام، وهي أيام أكل وشرب)) وقد قال تعالى: (وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ ◌َعْدُودَاتٍ ) وهي أيام التشريق فى المشهور عندنا ، وقول الشافعي ، وغيره. وفيه قول آخر أنها أيام الذبح . فعلى الأول يكون من ذكر الله فيها التكبير فى أدبار الصلوات، والتكبير عند رمي الجمار، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم (( إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) فالذكر فى هذه الآيات مطلق، وإن كانت السنة قد جاءت بالتكبير في عيد النحر فى صلاته وخطبته ودر صلواته ورمى جمراته والذكر فى آية الصيام يعني بالتكبير على الهداية ، فهذا ٢٢٨ ذكر الله، وتكبير له على الهداية ، وهناك على الرزق . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أشرف على خيبر قال: ((الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) وكان يكبر على الأشراف مثل التكبير إذا ركب دابة ، وإذا علا نشزا من الأرض ، وإذا صعد على الصفا والمروة . وقال جابر (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا ، وإذا هبطنا سبحنا ، فوضعت الصلاة على ذلك)) رواه أبو داود . وجاء التكبير مكرراً فى الأذان فى أوله وفي آخره ، والأذان هو الذكر الرفيع ، وفى أثناء الصلاة ، وهو حال الرفع والخفض والقيام إليها ، كما قال ((تحريمها التكبير)) وروى ((أن التكبير يطفىء الحريق)). فالتكبير شرع أيضاً لدفع العدو من شياطين الإنس والجن ، والنار التى هي عدو لنا ، وهذا كله يبين أن التكبير مشروع فى المواضع الكبار ، لكثرة الجمع، أو لعظمة الفعل، أو لقوة الحال . أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة: ليبين أن الله أكبر ، وتستولي كبرياؤ. فى القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار ، فيكون الدين كله لله. ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان . مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله ، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبرياته ، ولهذا شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر ؛ لأن هذه الثلاث ٢٢٩ أكبر ما يطلبه العبد ، وهي جماع مصالحه . والهدى أعظم من الرزق والنصر ، لأن الرزق والنصر قد لا ينتفع بها إلا فى الدنيا ، وأما الهدى فمنفعته فى الآخرة قطعا ، وهو المقصود بالرزق والنصر ، مخص بصريح التكبير ؛ لأنه أكبر نعمة الحق . وذانك دونه ، فوسع الأمر فيها بعموم ذكر اسم الله . نجاع هذا أن التكبير مشروع عند كل أمر كبير من مكان وزمان وحال ورجال ، فتبين أن الله أكبر لتستولي كبرياؤه فى القلوب على كبرياء ما سواه ، ويكون له الشرف على كل شرف . قال تعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: ((العظمة إزاري، والكبرياء ردائى ، فمن نازعني واحداً منها عذبته )) (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْاللّهَ عَلَى مَا ولما قال سبحانه : هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ذكر التكبير والشكر ، كما فى قوله : (فَذَّكُرُونِيّ أَذْكُرَكُمْ وَاشْكُرُ واْلِى وَلَا تَكْفُرُونِ ) والشكر يكون بالقول وهو الحمد، ويكون بالعمل كما قال تعالى: (أَعْمَلُوْءَالَ دَاوُودَشُكْرًاً ) فقرن بتكبير الأعياد الحمد . فقيل : الله أكبر، الله أكبر ، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ؛ لأنه قد طلب فيه التكبير والشكر. ولهذا روى فى الأثر أنه يقال فيه: ((الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا)) ليجمع بين التكبير والحمد حمد الشكر، كما جمع بين ٢٣٠ التحميد بحميد الثناء ، والتكبير فى قوله: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْ يَتَّخِذُ وَلَدَا وَكُنْ لَُّشَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِهُتَكْبِرًا) فأمر بتحميده ونكبيره . ومعلوم أن الكلمات التى هي أفضل الكلام بعد القرآن أربع ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) وهي شطران : فالتسبيح قرين التحميد ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) أخرجاه في الصحيحين عن أبى هريرة . وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبى ذر (( أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته : سبحان الله وبحمده)). وفى القرآن (وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ) (فَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ج إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). فكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى ركوعه ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأول القرآن هكذا فى الصحاح عن عائشة فجعل قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) تأويل (فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ ) وقد قال تعالى: (فَأَصْبِرْإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وقال : وَأُسْتَغْفِرُ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ) ٢٣١ ( فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) والآثار فى اقترانهما كثيرة . وأما التهليل فهو قرين التكبير ، كما فى كمات الأذان : الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر الله تعالى ، وفى وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة ، والفلاح . فالصلاة هي العمل . والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعاً، والتشهد وتراً ، فمع كل تكبيرتين شهادة ؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ، ففي [ أول ] الأذان يكبر أربعا ، ويتشهد مرتين والشهادتان جميعاً باسم الشهادة ، وفى آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة . ولا الشهادة الأخرى . وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين، من الصلاة، مع الركعتين الأخريين ، فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة ، وبالجهر فى القراءة ، فحصل الفضل فى قدر القراءة ، ووصفها ، كما أن الشطر الأول من الأذان ، فضل فى قدر الذكر ، وفى وصفه ، لكن الوصف هنا ڪون التوحيد قرن به لفظ أشهد ، ولهذا حذف فى الإقامة عند من يختار إيتارها ، وهي إقامة بلال - ما فضل به من القدر ، كما يخفض ٢٣٢ من صوت الإقامة ، لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين فى صلاة المسافر . وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم فى قيام الليل ، وصلاة الكسوف ، وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها ؛ لأسباب تقتضي ذلك . وكما جمع بين التكبير والتهليل فى الأذان ، جمع بينهما فى تكبير الأشراف، فكان على الصفا والمروة ، وإذا علا شرفا فى غزوة أو حجة أو عمرة بكبر ثلاثاً . ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده ، يفعل ذلك ثلاثاً . وهذا فى الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثاً ، وهلل ثلاثاً ، فجمع بين التكبير والتهليل . وكذلك حديث عدي بن حاتم الذي رواه أحمد والترمذي ، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : « يا عدى ما يفرك ؟ أيفرك أن يقال : لا إله إلا الله ، فهل تعلم من إله إلا الله ؟ يا عدى! ما يفرك ، أيفرك أن يقال : الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله)) فقرن النبى صلى الله عليه وسلم بين التهليل والتكبير. ٢٣٣ وفي صحيح مسلم حديث أبى مالك الأشعري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن، أو قال تملأ ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو : فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها)) فأخبر أنه يملأ مابين السماء والأرض ، وهذا أعظم من ملئه للميزان . وفى الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). فجمع في هذا الحديث بين (( أفضل الدعاء وأفضل الثناء ، فإن الذكر نوعان : دعاء ، وثناء، فقال: أفضل الدعاء ، دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام)). ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة، هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقاً. وكذلك فى حديث رواه ابن أبي الدنيا ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)). وأيضاً ففي الصحيح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة : أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فقد صرح بأن أعلى شعب ٢٣٤ الإيمان هى هذه الكلمة . وأيضاً ففى صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يا أبى: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: (اللّهُلاَّإِلَهَإِلَّا هُوَ الْحَىّ الْقَيُّوُ ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليهنك العلم أبا المنذر)) فأخبر فى هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفى ذاك أنها أعلى شعب الإيمان ، وهذا غاية الفضل ، فإن الأمر كله مجتمع فى القرآن والإيمان ، فإذا كانت أعظم القرآن ، وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان . وأيضاً فإن التوحيد أصل الإيمان ، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار ، وهو ثمن الجنة، ولا يصح إسلام أحد إلا به، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ، وكل خطبة ليس فيها تشهد، فهي كاليد الجذماء، فمنزلته منزلة الأصل ، ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضاً فإنه مشروع على وجه التعظيم ، والجهر ، وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات، وعند الصعود على الأماكن العالية لما فى ذلك من العلو والرفعة ، ويجهر بالتكبير فى الصلوات ، وهو المشروع فى الأعياد . ٢٣٥ وقال جابر: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك)) رواه أبو داود وغيره. فبين أن التكبير مشروع عند العلو من الأمكنة ، والأفعال ، كما في الصلاة والأذان ، والتسبيح مشروع عند الانخفاض فى الأمكنة والأفعال ، كما في السجود والركوع . ولهذا كانت السنة في التسبيح الإخفاء حين شرع، فلم يشرع من الجهر به والإعلان ما شرع من ذلك فى التكبير والتهليل ، ومعلوم أن الزيادة فى وصف الذكر إنما هو للزيادة فى أمره وأما حديث أبي ذر: ((أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته : سبحان الله وبحمده)) فيشبه والله أعلم أن يكون هذا فى الكلام الذي لا يسن فيه الجهر ، كما في الركوع والسجود ، ونحوه ، ولا يلزم أن يكون أفضل مطلقاً ، بدليل أن قراءة القرآن أفضل من الذكر ، وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنها في الركوع والسجود . وقال : (( إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم » . وهنا أصل ينبغي أن نعرفه . وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب أن يكون أفضل في كل حال ، ولا لكل أحد ، ٢٣٦ بل المفضول فى موضعه الذي شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق ، كما أن التسبيح فى الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن ، ومن التهليل والتكبير ، والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده أفضل من قراءة القرآن. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم حجرة ، فإن كانوا فى الهجرة سواء فأقدمهم سناً أو إسلاما)» ثم أتبع ذلك بقوله: «ولا يؤمن الرجل فى سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه )) فذكر الأفضل فالأفضل فى الإمامة ، ثم بين أن صاحب المرتبة ذا السلطان مثل الإمام الراتب كأمير الحرب في العهد القديم، وكأئمة المساجد ونحوم مقدمون على غيرهم ، وإن كان غيرهم أفضل منهم، وهذا كما أن الذهب أفضل من الحديد ، والنورة، وقد تكون هذه المعادن مقدمة على الذهب عند الحاجة إليها دونه ، وهذا ظاهر . وكذلك أيضاً : أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال ، فلو أمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به ، أو ينتفعون انتفاعا مرجوحا ، فيكون فى حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك . ولهذا يكون الذكر لكثير من الناس أفضل من قراءة القرآن ؛ لأن الذكر يورثه الإيمان ، والقرآن يورثه العلم ، والعلم بعد (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوْنُواْ الإيمان . قال الله تعالى : ٢٣٧ اُلْعِلْمَدَرَجَاتٍ ) والقرآن يحتاج إلى فهم وتدبر ، وقد يكون عاجزاً عن ذلك ، لكن هؤلاء يغلطون فيعتقد أحدم أن الذكر أفضل مطلقاً ؛ وليس كذلك ، بل قراءة القرآن فى نفس الأمر أفضل من الذكر بإجماع المسلمين؛ قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه مسلم . وقال له رجل : إنى لا أستطيع أن أحمل من القرآن شيئاً. فعلمني ما يجزئنى في صلاتي. فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) ولهذا كان العلماء على أن الذكر فى الصلاة بدل عن القراءة لا يجوز الانتقال إليه إلا عند العجز عن القراءة ، بمنزلة التيمم مع الوضوء ، وبمنزلة صيام الشهرين مع العتق، والصيام مع الهدى . وفى الحديث الذي فى الترمذي ((ما تقرب العباد إلى الله بأفضل مما خرج منه )) يعنى القرآن ، وفى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي، وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله أحلين من الناس ، قيل: من م يارسول الله ؟ قال : أهل القرآن م أهل الله وخاصته )) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم أهل القرآن في المواطن، كما قدمهم يوم أحد فى القبور ، فأذن لهم أن يدفنوا الرجلين والثلاثة فى القبر الواحد ، وقال: قدموا إلى القبلة أكثرم قرآنًا . ٢٣٨ فقول النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى ذر لما سئل : أي الكلام أفضل: ((فقال: سبحان الله وبحمده)) هذا خرج على سؤال سائل. فربما علم من حال السائل حالا مخصوصة، كما أنه لما قال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)) إلى آخره . أراد بذلك من الذكر لا من القراءة ، فإن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر من حيث الجملة ، وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة ، كما أن الشهادتين فى وقت الدخول فى الإسلام، أو تجديده ، أو عندما يقتضى ذكرهما مثل عقب الوضوء ، ودبر الصلاة والأذان ، وغير ذلك : أفضل من القراءة . وكذلك في موافقة المؤذن ، فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له حينئذ من القراءة حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك ؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت بفوتها ، والقراءة لا تفوت . فنقول : الأحوال ثلاثة : حال يستحب فيها الإسرار ، ويكره فيها الجهر ؛ لأنها حال انخفاض كالركوع والسجود . فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير ، وكذلك فى بطون الأودية ، وأما ما السنة فيه الجهر والإعلان كالأشراف والأذان فالسنة فيه التهليل والتكبير ، وأما ما يشرع فيه الأمران ، فقد يكون هذا . ٢٣٩ فصل وإذا عرف أن التحميد قرين التسبيح ، وأن التهليل قرين التكبير ، ففي تكبير الأعياد جمع بين القرينين ، فجمع بين التكبير والتهليل ، وبين التكبير والتحميد لقوله: (وَلِتُكَبِرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَلَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فإن الهداية اقتضت التكبير عليها ، فضم إليه قرينه، وهو التهليل. والنعمة اقتضت الشكر عليها ، فضم إليه أيضاً التحميد ، وهذا كما أن ركوب الدابة لما اجتمع فيه أنه شرف من الأشراف ، وأنه موضع نعمة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع عليها بين الأمرين ، فإنه قال سبحانه : (لِتَسْتَوُ اعَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّ إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) فأمر بذكر نعمة الله عليه، وذكرها بحمدها، وأمر بالتسبيح الذي هو قرين الحمد فكان النبى صلى الله عليه وسلم لما أتى بالدابة فوضع رجله فى الغرز قال: (بسم الله)) فلما استوى على ظهرها قال: ((الحمد لله)) ثم قال: (سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّالَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِيُونَ) ((حمد ثلاثاً، وكبر ثلاثاً)) ثم قال: ((لا إله إلا أنت ٢٤٠