النص المفهرس

صفحات 181-200

يكن للمرأة جلباب قال ((لتلبسها أختها من جلبابها، وهذا توكيد
لخروجهن يوم العيد مع أنه فى الجمعة والجماعة قال ((وبيوتهن خير لهن))
وذلك لأنه كان يمكنهن أن يصلين فى البيوت يوم الجمعة كسائر الأيام ،
فيصلين ظهراً ، فلو كانت صلاة العيد مشروعة لهن فى البيوت لأغنى
ذلك عن توكيد خروجهن .
وأيضاً لو كان ذلك جائزاً لفعله النساء على عهده كما كن يصلين
التطوعات . فلما لم ينقل أحد أن أحداً من النساء صلى العيد على
عهده فى البيت ولا من الرجال بل كن يخرجن بأمره إلى المصلى علم
أن ذلك ليس من شرعه .
وأيضاً فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قيل له : إن بالمدينة
ضعفاء لا يمكنهم الخروج معك ، فلو استخلفت من يصلي بهم ،
فاستخلف من صلى بهم. فلو كان الواحد يفعلها لم يحتج إلى الاستخلاف
الذي لم تمض به السنة ودل ما فعله أمير المؤمنين علي على الفرق بين
القادر على الخروج إلى المصلى والعاجز عنه . فالقادر يخرج ، والنساء
قادرات على الخروج فيخرجن ولا يصلين وحدهن ، وكذلك من
كان من المسافرين فى البلد فإنه يمكنهم أن يصلوا مع الإمام فلا
يصلون وحدهم بإمام ، بخلاف الجمعة فإنهم إذا لم يصلوها صلوا وحدهم
وإذا كانوا فى بيوتهم صلوا بإمام كما يصلون في الصحراء، وأما من كان
١٨١

يوم العيد مريضاً أو محبوساً وعادته يصلي العيد فهذا لا يمكنه الخروج
فهؤلاء بمنزلة الذين استخلف علي من يصلي بهم ، فيصلون جماعة
وفرادى ، ويصلون أربعاً ، كما يصلون يوم الجمعة بلا تكبير ، ولا جهر
بالقراءة ، ولا أذان وإقامة ، لأن العيد ليس له أذان وإقامة ، فلا يكون
فى المبدل عنه ، بخلاف الجمعة فإن فيها وفى الظهر أذانا وإقامة ، والجمعة
كل من فاتته صلى الظهر ؛ لأن الظهر واجبة فلا تسقط إلا عمن صلى
الجمعة ، فلا بد لكل من كان من أهل وجوب الصلاة أن يصلي يوم
الجمعة إما الجمعة وإما الظهر ، ولهذا كان النساء والمسافرون وغيرهم إذا لم
يصلوا الجمعة صلوا ظهراً .
وأما يوم العيد فليس فيه صلاة مشروعة غير صلاة العيد ، وإنما
تشرع مع الإمام ، فمن كان قادراً على صلانها مع الإمام من النساء
والمسافرين فعلوها معه ، وم مشروع لهم ذلك ، بخلاف الجمعة فإنهم
إن شاءوا صلوها مع الإمام ، وإن شاءوا صلوها ظهراً ؛ بخلاف العيد
فإنهم إذا فوتوه فوتوه إلى غير بدل ، فكان صلاة العيد للمسافر
والمرأة أوكد من صلاة يوم الجمعة ، والجمعة لها بدل ، بخلاف العيد .
وكل من العيدين إنما يكون فى العام مرة ، والجمعة تتكرر في العام خمسين
جمعة وأكثر فلم يكن تفويت بعض الجمع كتفويت العيد .
ومن يجعل العيد واجباً على الأعيان لم يبعد أن يوجبه على من
١٨٢

كان فى البلد من المسافرين والنساء كما كان ، فإن جميع المسلمين
الرجال والنساء كانوا يشهدون العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
والقول بوجوبه على الأعيان أقوى من القول بأنه فرض على الكفاية .
وأما قول من قال إنه تطوع فهذا ضعيف جداً ؛ فإن هذا مما
أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وداوم عليه هو وخلفاؤه والمسلمون
بعده، ولم يعرف قط دار إسلام يترك فيها صلاة العيد، وهو من أعظم
شعائر الإسلام. وقوله تعالى: (وَلِتُكَتِرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ) ونحو
ذلك من الأمر بالتكبير فى العيدين أمر بالصلاة المشتملة على التكبير
الراتب والزائد بطريق الأولى والأحرى، وإذا لم يرخص النبي صلى الله
عليه وسلم في تركه للنساء فكيف للرجال.
ومن قال : هو فرض على الكفاية . قيل له : هذا إنما يكون
فيما نحصل مصلحته بفعل البعض ، كدفن الميت ، وقهر العدو ، وليس
يوم العيد مصلحة معينة يقوم بها البعض ، بل صلاة يوم العيد شرع لها
الاجتماع أعظم من الجمعة ، فإنه أمر النساء بشهودها ولم يؤمن بالجمعة
بل أذن لهن فيها، وقال: ((صلانكن في بيوتكن خير لكن)). ثم
هذه المصلحة بأي عدد تحصل ؟ فيها قدر من ذلك كان تحكما ، سواء
قيل بواحد ، أو اثنين ، أو ثلاثة . وإذا قيل بأربعين فهو قياس على
الجمعة ، وهو فرض على الأعيان ، فليس لأحد أن يتخلف عن العيد
١٨٣

إلا لعجزه عنه، وإن تخلف عن الجمعة لسفر أو أنوثة . والله أعلم .
وكذلك يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من
المسافرين ، وإن لم يجب عليهم الإتمام ، كما لو صلوا خلف من يتم فإن
عليهم الإتمام تبعاً للإمام ، كذلك تجب عليهم الجمعة تبعاً للمقيمين، كما
أوجبها على المقيم غير المستوطن تبعا من أثبت نوعا ثالثا بين المقيم
المستوطن وبين المسافر وهو المقيم غير المستوطن ، فقال : يجب عليه،
ولا تنعقد به . وقد بين فى غير هذا الموضع أنه ليس فى كتاب الله
ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر . والمقيم هو المستوطن ، ومن سوى
هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة ، وهؤلاء يجب عليهم الجمعة لأن قوله
(إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ ) ومحوها يتناولهم ، وليس لهم عذر ، ولا ينبغي
أن يكون فى مصر المسلمين من لا يصلي الجمعة إلا من هو عاجز عنها
كالمريض ، والمحبوس، وهؤلاء قادرون عليها ؛ لكن المسافرون لا يعقدون
جمعة ، لكن إذا عقدها أهل المصر صلوا معهم ، وهذا أولى من إتمام
الصلاة خلف الإمام المقيم .
وكذلك وجوبها على العبد قوي: إما مطلقا، وإما إذا أذن له السيد ،
والمسافر فى المصر لا يصلي على الراحلة وإن كان يقصر الصلاة فكذلك
الجمعة ، وأما إفطاره : فالنبي صلى اللّه عليه وسلم دخل مكة في شهر
رمضان ، وكان هو والمسلمون مفطرين ، وما نقل أنهم أمروا بابتداء
١٨٤

الصوم ، فالفطر كالقصر ؛ لأن الفطر مشروع للمسافر فى الإقامات
التى تتخلل السفر كالقصر ؛ بخلاف الصلاة على الراحلة فإنه لا يشرع
إلا فى حال السير ، ولأن اللّه علق الفطر والقصر بمسمى السفر، بخلاف
الصلاة على الراحلة ، فليس فيه لفظ إتمام ، بل فيه الفعل الذي لا عموم
له، فهو من جنس الجمع بين الصلاتين الذي يباح للعذر مطلقاً ، كما
أن الصلاة على الراحلة تباح للعذر فى السفر فى الفريضة مع العذر
المانع من النزول ، والمتطوع محتاج إلى دوام التطوع ، وهذا لا يمكن
مع النزول والسفر ، وإذا جاز التطوع قاعدا مع إمكان القيام فعلى
الراحلة للمسافر أجوز .
وكانوا في العيد يأخذون من الصبيان من يأخذونه ، كما شهد ابن
عباس العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن قد احتلم .
وأما من كان عاجزا عن شهودها مع الإمام فهذا أهل أن يفعل ما يقدر
عليه ، فإن الشريعة فرقت فى المأمورات كلها بين القادر والعاجز ، فالقادر
عليها إذا لم يأت بشروطها لم يكن له فعلها، والعاجز إذا عجز عن بعض الشروط
سقط عنه، فمن كان قادرا على الصلاة إلى القبلة قائما بطهارة لم يكن له أن
يصلي بدون ذلك ، بخلاف العاجز فإنه يصلى بحسب حاله كيفما أمكنه،
فيصلى عريانا ، وإلى غير القبلة، وبالتيمم إذا لم يمكنه إلا ذلك فهكذا
يوم العيد إذا لم يمكنه الخروج مع الإمام سقط عنه ذلك وجوز له أن
١٨٥

يفعل ما يقدر عليه ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه
فيصلي أربعا وتكون الركعتان بدل الخطبة التى لم يصل بها ، كما كانت
الخطبة يوم الجمعة قائمة مقام ركعتين ، والتكبير إنما شرع فى الصلاة
الثنائية التى تكون معها خطبة، وكذلك الجهر بالقراءة ، كما أنه فى الجمعة
يجهر الإمام في الثنائية ولا يجهر من يصلي الأربع ، كذلك يوم العيد
لا يجهر من يصلى الأربع ، فالمحبوس ، والمريض، والذي خرج ليصلى
ففاتته الصلاة مع الإمام يصلون يوم العيد ، بخلاف من تعمد الترك .
فهذا أصل عظيم مضت به السنة فى الفرق بين الجمعة والعيد ، وقد
اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته العيد هل بصلي أربعا أو ركعتين
أو يخير بينهما ؟ على ثلاث روايات .
١٨٦

وسئل
عن قوم مقيمين بقرية ، وم دون أربعين ، ماذا يجب عليهم ؛
أجمعة ؟ أم ظهر ؟
فأجاب : أما إذا كان فى القرية أقل من أربعين رجلا ، فإنهم
يصلون ظهراً عند أكثر العلماء : كالشافعي وأحمد فى المشهور عنه ،
وكذلك أبو حنيفة، لكن الشافعي وأحمد وأكثر العلماء يقولون:
إذا كانوا أربعين صلوا جمعة (١).
(١) هذا نقل شيخ الإسلام عن هؤلاء الأئمة، كما هى عادته في بعض أجوبته بدون ترحيح.
وأما اختياره المعروف عنه فهو انعقاد الجمعة بثلاثة : واحد يخطب واثنان يستمعان .
١٨٧

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة ؛ هل فعله النبي صلى الله
عليه وسلم ؟ أو أحد من الصحابة والتابعين والأئمة ؟ أم لا؟ وهل هو
منصوص فى مذهب من مذاهب الأئمة المتفق عليهم ؟ وقول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((بين كل أذانين صلاة)). هل هو مخصوص بيوم
الجمعة ؟ أم هو عام في جميع الأوقات ؟.
فأجاب: رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين . أما النبى صلى
اللّه عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا
نقل هذا عنه أحد ، فإن النى صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على
عهده إلا إذا قعد على المنبر ، ويؤذن بلال ، ثم يخطب النبى صلى
الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم
بالناس ، فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان ، لا هو ولا أحد من
المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحد
أنه صلى فى بيته قبل الخروج يوم الجمعة ، ولا وقت بقوله : صلاة
١٨٨

مقدرة قبل الجمعة ، بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في
الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة ، من غير توقيت . كقوله :
((من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، وصلى ماكتب له)).
وهذا هو المأثور عن الصحابة ، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة
يصلون من حين يدخلون ما تيسر ، فمنهم من يصلي عشر ركعات
ومنهم من يصلي اثنتى عشرة ركعة ، ومنهم من يصلي ثمان ركعات ،
ومنهم من يصلي أقل من ذلك . ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على
أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت ، مقدرة بعدد ، لأن ذلك
إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعله. وهو لم يسن فى
ذلك شيئاً ، لا بقوله ولا فعله ، وهذا مذهب مالك ، ومذهب الشافعي
وأكثر أصحابه ، وهو المشهور فى مذهب أحمد .
وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة ، فمنهم من جعلها
ركعتين ، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي ، وأحمد . ومنهم من
جعلها أربعا ، كما نقل عن أصحاب أبى حنيفة ، وطائفة من أصحاب أحمد
وقد نقل عن الإمام أحمد ما استدل به على ذلك .
وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف ، ومنهم من يقول : هي
١٨٩

ظهر مقصورة ، وتكون سنة الظهر سنتها ، وهذا خطأ من وجهين .
( أحدهما ) أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر کل یوم،
باتفاق المسلمين ، وإن سميت ظهراً مقصورة ، فإن الجمعة يشترط لها
الوقت ، فلا تقضى ، والظهر تقضى ، والجمعة يشترط لها العدد
والاستيطان ، وإذن الإمام ، وغير ذلك ، والظهر لا يشترط لها شيء
من ذلك ، فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر ، مع
اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر ، فإنه إذا كانت الجمعة
تشارك الظهر فى حكم، وتفارقها فى حكم ، لم يمكن إلحاق مورد النزاع
بأحدهما إلا بدليل ، فليس جعل السنة من موارد الاشتراك بأولى من
جعلها من موارد الافتراق .
( الوجه الثاني ) أن يقال : هب أنها ظهر مقصورة ، فالنى صلى
الله عليه وسلم لم يكن يصلي فى سفره سنة الظهر المقصورة ، لا قبلها ولا
بعدها ، وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر فصلى أربعا ، فإذا كانت سنته
التى فعلها فى الظهر المقصورة خلاف التامة كان ما ذكروه حجة عليهم
لا لهم ، وكان السبب المقتضى لحذف بعض الفريضة أولى بحذف السنة
الراتبة ، كما قال بعض الصحابة: لو كنت متطوعا لأتممت الفريضة . فإنه
لو استحب للمسافر أن يصلي أربعا لكانت صلاته للظهر أربعا أولى
من أن يصلي ركعتين فرضاً ، وركستين سنة .
١٩٠

وهذا لأنه قد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
المتواترة أنه كان لا يصلي فى السفر إلا ركعتين : الظهر، والعصر ،
والعشاء . وكذلك لما حج بالناس عام حجة الوداع لم يصل بهم بمنى
وغيرها إلا ركعتين. وكذلك أبو بكر بعده لم يصل إلا ركعتين.
وكذلك عمر بعده لم يصل إلا ركعتين .
ومن نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه على الظهر أو
العصر أو العشاء فى السفر أربعا فقد أخطأ . والحديث المروى فى ذلك
عن عائشة هو حديث ضعيف فى الأصل ، مع ما وقع فيه من التحريف.
فإن لفظ الحديث : أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ((أفطرت
وصمت ؟ وقصرت وأتممت ؟ فقال : أصبت يا عائشة)) فهذا مع ضعفه
وقيام الأدلة على أنه باطل ، روى أن عائشة روت أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يفطر ويصوم ، ويقصر ويتم . فظن بعض الأئمة أن
الحديث فيه أنها روت الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهذا مبسوط فى موضعه .
والمقصود هنا : أن السنة للمسافر أن يصلي ركعتين ، والأئمة متفقون
على أن هذا هو الأفضل، إلا قولا مرجوحا للشافعى. وأكثر الأئمة
يكرهون التربيع للمسافر ، كما هو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى
أنص الروايتين عنه . ثم من هؤلاء من يقول : لا يجوز التربيع ،
١٩١

كقول أبى حنيفة . ومنهم من يقول : يجوز مع الكراهة : كقول
مالك ، وأحمد . فيقال : لو كان الله يحب للمسافر أن يصلي ركعتين ،
ثم ركعتين، لكان يستحب له أن يصلي الفرض أربعاً ، فإن التقرب
إليه ببعض الظهر أفضل من التقرب إليه بالتطوع مع الظهر . ولهذا
أوجب على المقيم أربعا ، فلو أراد المقيم أن يصلي ركعتين فرضا ،
وركعتين تطوعا، لم يجز له ذلك ، والله تعالى لا يوجب عليه وينهاه
عن شيء إلا والذي أمره به خير من الذي نهاه عنه، فعلم أن صلاة
الظهر أربعا خير عند الله من أن يصليها ركعتين مع ركعتين تطوعا .
فلما كان سبحانه لم يستحب للمسافر التربيع بخير الأمرين عنده ، فلأن
لا يستحب التربيع بالأمر المرجوح عنده أولى.
فثبت بهذا الاعتبار الصحيح أن فعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو أكمل الأمور ، وأن هديه خير الهدى ، وأن المسافر
إذا اقتصر على ركعتى الفرض كان أفضل له من أن يقرن بها
ركعتى السنة .
وبهذا يظهر أن الجمعة إذا كانت ظهراً مقصورة لم يكن من السنة
أن يقرن بها سنة ظهر المقيم ، بل تجعل كظهر المسافر المقصورة .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى في السفر ركعتى الفجر والوتر ،
ويصلي على راحلته قبل أي وجه توجهت به ، ويوتر عليها ، غير أنه
١٩٢

لا يصلي عليها المكتوبة . وهذا لأن الفجر لم تقصر فى السفر ، فبقيت
سنتها على حالها ، بخلاف المقصورات فى السفر ، والوتر مستقل بنفسه
كسائر قيام الليل ، وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وسنة الفجر تدخل
فى صلاة الليل من بعض الوجوه . فلهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
يصليه فى السفر ، لاستقلاله وقيام المقتضى له .
والصواب أن يقال : ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة ،
ولو كان الأذانان على عهده ، فإنه قد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال :
((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة.
ثم قال فى الثالثة: لمن شاء )) كراهية أن يتخذها الناس سنة. فهذا
الحديث الصحيح يدل على أن الصلاة مشروعة قبل العصر ، وقبل
العشاء الآخرة ، وقبل المغرب ، وأن ذلك ليس بسنة راتبة . وكذلك
قد ثبت أن أصحابه كانوا يصلون بين أذانى المغرب ، وهو يرام فلا
ينهام، ولا يأمرم، ولا يفعل هو ذلك. فدل على أن ذلك فعل جائز .
وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله: ((بين
كل أذانين صلاة )). وعارضه غيره فقال : الأذان الذي على المنار لم
يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عثمان أمر
به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه
وقعوده على المنبر . ويتوجه أن يقال هذا الأذان لما سنه عثمان ،
١٩٣

وانفق المسلمون عليه ، صار أذانا شرعياً ، وحينئذ فتكون الصلاة
بينه وبين الأذان الثانى جازة حسنة، وليست سنة راتبة ، كالصلاة
قبل صلاة المغرب . وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ، ومن
ترك ذلك لم ينكر عليه . وهذا أعدل الأقوال ، وكلام الإمام أحمد
بدل عليه .
وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه
سنة راتبة ، أو أنها واجبة ، فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة
راتبة ، ولا واجبة ، لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحياناً
حتى لا تشبه الفرض ، كما استحب أكثر العلماء ألا يداوم على قراءة
السجدة يوم الجمعة ، مع أنه قد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله
عليه وسلم فعلها ، فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة
على ما لم يسنه النبي صلى الله عليه وسلم أولى . وإن صلاها الرجل
بين الأذانين أحياناً ؛ لأنها تطوع مطلق ، أو صلاة بين الأذانين ، كما
يصلي قبل العصر والعشاء، لا لأنها سنة راتبة فهذا جازً. وإن كان
الرجل مع قوم يصلونها ، فإن كان مطاعا إذا تركها - وبين لهم
السنة - لم ينكروا عليه ، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم
يكن مطاعا ورأى أن فى صلاتها تأليفاً لقلوبهم إلى ما هو أنفع ، أو
دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم ، وقبولهم له ،
١٩٤

ونحو ذلك ، فهذا أيضاً حسن .
فالعمل الواحد يكون فعله مستحبا تارة ، وتركه تارة ، باعتبار
ما يترجح من مصلحة فعله وتركه ، بحسب الأدلة الشرعية . والمسلم قد
يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته ، كما ترك
النبى صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم ، وقال لعائشة:
(( لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ، ولألصقتها
بالأرض ولجعلت لها بابين ، بايا يدخل الناس منه ، وبابا يخرجون
منه)) والحديث في الصحيحين . فترك النى صلى الله عليه وسلم هذا
الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح ، وهو حدثان
عهد قريش بالإسلام لما فى ذلك من التنفير لهم ، فكانت المفسدة
راجحة على المصلحة .
ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده
أفضل ، إذا كان فيه تأليف المأمومين ، مثل أن يكون عنده فصل
الوتر أفضل ، بأن يسلم في الشفع ، ثم يصلي ركعة الوتر ، وهو يؤم
قوما لا يرون إلا وصل الوتر ، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل
كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة
فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه ، وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة
بالبسملة أفضل ، أو الجهر بها ، وكان المأمومون على خلاف رأيه ،
١٩٥

ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التى هي راجحة على
مصلحة تلك الفضيلة كان جائزاً حسناً .
وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة وتعليمها لمن
لم يعلمها كان حسناً ، مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو البسملة
ليعرف الناس أن فعل ذلك حسن مشروع فى الصلاة ، كما ثبت فى
الصحيح أن عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح ، فكان يكبر ويقول :
((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله
غيرك)). قال الأسود بن يزيد: صليت خلف عمر أكثر من سبعين
صلاة ، فكان يكبر ، ثم يقول ذلك ، رواه مسلم فى صحيحه . ولهذا
شاع هذا الاستفتاح حتى عمل به أكثر الناس . وكذلك كان ابن عمر
وابن عباس يجهران بالاستعاذة ، وكان غير واحد من الصحابة يجهر
بالبسملة . وهذا عند الأئمة الجمهور الذين لا يرون الجهر بها سنة
راتبة كان ليعلم الناس أن قراءتها فى الصلاة سنة ، كما ثبت في الصحيح أن
ابن عباس صلى على جنازة فقراً بأم القرآن جهراً، وذكر أنه فعل ذلك
ليعلم الناس أنها سنة . وذلك أن الناس فى صلاة الجنازة على قولين:
منهم من لا يرى فيها قراءة بحال ، كما قاله كثير من السلف ، وهو
مذهب أبي حنيفة ومالك .
١٩٦

ومنهم من يرى القراءة فيها سنة ، كقول الشافعي ، وأحمد لحديث
ابن عباس هذا وغيره .
ثم من هؤلاء من يقول القراءة فيها واجبة كالصلاة .
ومنهم من يقول : بل هي سنة مستحبة ، ليست واجبة . وهذا
أعدل الأقوال الثلاثة ؛ فإن السلف فعلوا هذا، وهذا ، وكان كلا
الفعلين مشهوراً بينهم ، كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وغير قراءة،
كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة، وتارة بغير جهر بها، وتارة باستفتاح
وتارة بغير استفتاح ، وتارة برفع اليدين فى المواطن الثلاثة ، وتارة
بغير رفع اليدين ، وتارة بسلمون تسليمتين ، وتارة تسليمة واحدة ،
وتارة يقرأون خلف الإمام بالسر ، وتارة لا يقرأون ، وتارة يكبرون
على الجنازة أربعاً ، وتارة خمسا ، وتارة سبعا كان فيهم من يفعل
هذا ، وفيهم من يفعل هذا . كل هذا ثابت عن الصحابة .
كما ثبت عنهم أن منهم من كان يرجع فى الأذان ، ومنهم من لم
يرجع فيه .
ومنهم من كان يوتر الإقامة ، ومنهم من كان يشفعها ، وكلاهما
ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
١٩٧

فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر ، فمن فعل
المرجوح فقد فعل جازاً. وقد يكون فعل المرجوح أرجح للمصلحة
الراجحة ، كما يكون ترك الراجح أرجح أحياناً لمصلحة راجحة .
وهذا واقع فى عامة الأعمال ، فإن العمل الذي هو فى جنسه
أفضل ، قد يكون في مواطن غيره أفضل منه ، كما أن جنس الصلاة
أفضل من جنس القراءة ، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر ،
وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء . ثم الصلاة بعد الفجر والعصر
منهى عنها ، والقراءة والذكر والدعاء أفضل منها فى تلك الأوقات وكذلك
القراءة في الركوع والسجود منهى عنها ، والذكر هناك أفضل منها ،
والدعاء فى آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر ، وقد يكون
العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين ؛ لكونه عاجزاً عن
الأفضل ، أو تكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر ،
فيكون أفضل فى حقه لما يقترن به من مزيد عمله وحبه وإرادته وانتفاعه
كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه ،
وإن كان جنس ذلك أفضل .
ومن هذا الباب صار الذكر لبعض الناس فى بعض الأوقات خيراً
من القراءة ، والقراءة لبعضهم فى بعض الأوقات خيراً من الصلاة ، وأمثال
ذلك ، لكمال انتفاعه به ، لا لأنه في جنسه أفضل .
١٩٨

وهذا الباب ((باب تفضيل بعض الأعمال على بعض)) إن لم يعرف
فيه التفضيل ، وأن ذلك قد يتنوع بتنوع الأحوال فى كثير من الأعمال وإلا
وقع فيها اضطراب كثير . فإن فى الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه
يحافظ عليه ما لا يحافظ على الواجبات، حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب
والحمية الجاهلية، كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعاراً لمذهبه.
ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل ، يحافظ أيضا على هذا الترك
أعظم من محافظته على ترك المحرمات، حتى يخرج به الأمر إلى اتباع
الهوى والحمية الجاهلية ، كما تجده فيمن يرى الترك شعاراً لمذهبه، وأمثال
ذلك، وهذا كله خطأ .
والواجب أن يعطى كل ذي حق حقه ، ويوسع ما وسعه الله
ورسوله ، ويؤلف ما ألف الله بينه ورسوله ، ويراعي فى ذلك ما يحبه
الله ورسوله من المصالح الشرعية، والمقاصد الشرعية، ويعلم أن خير
الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم
وأن الله بعثه رحمة للعالمين، بعثه بسعادة الدنيا والآخرة ، فى كل أمر
من الأمور ، وأن يكون مع الإنسان من التفصيل ما يحفظ به هذا
الإجمال ، وإلا فكثير من الناس يعتقد هذا مجملا ، ويدعه عند التفصيل:
إما جهلا، وإما ظلماً، وإما اتباعا للهوى . فنسأل الله أن يهدينا
الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
١٩٩

والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .
فصل
وأما السنة بعد الجمعة فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله
عليه وسلم ((أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين)) كما ثبت عنه فى الصحيحين
« أنه كان يصلي قبل الفجر ركعتين: وبعد الظهر ركعتين ، وبعد المغرب
ركعتين، وبعد العشاء ركعتين)).
وأما الظهر ففي حديث ابن عمر: ((أنه كان يصلي قبلها ركعتين))
وفى الصحيحين عن عائشة: ((أنه كان يصلي قبلها أربعاً))
وفى الصحيح عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((من صلى في يوم وليلة ثنتى عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له
بيتاً في الجنة)). وجاء مفسراً في السنن: ((أربعا قبل الظهر، وركعتين
بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ، وركعتين قبل
الفجر )) . فهذه هي السنن الراتبة التى ثبتت فى الصحيح عن النبى
صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة:
حديث ابن عمر ، وعائشة، وأم حبيبة .
وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقوم بالليل: إما إحدى
عشرة ركعة ، وإما ثلاث عشرة ركعة ، فكان مجموع صلاته بالليل والنهار
فرضه ونفله نحواً من أربعين ركعة.
٢٠٠