النص المفهرس

صفحات 161-180

يتصور أنه يعتقد أنه صار مستوطناً بمكة ؟ ! إلا أن يقال : إنه جعل
التأهل إقامة لا استيطاناً ، فيقال : معلوم أن من أقام بمكة ثلاثة أيام ،
فإنه يقصر ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يمكنه أن
يقيم بها أكثر من ذلك ؛ لكن قد يكون نفس التأهل مانعا من
القصر ، وهذا أيضاً بعيد ؛ فإن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبى
صلى الله عليه وسلم وخلفائه بمنى .
وأيضاً فالأمراء بعد عثمان من بنى أمية كانوا يتمون اقتداء به ،
ولو كان عذره مختصاً به لم يفعلوا ذلك . وقيل إنه خشي أن الأعراب
يظنون أن الصلاة أربع(١)، وهذا أيضا ضعيف ؛ فإن الأعراب كانوا
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أجهل منهم في زمن عثمان ، ولم
يتمم الصلاة .
وأيضاً فهم يرون صلاة المسلمين فى المقام أربع ركعات .
وأيضاً فظهم أن السنة فى صلاة المسافر أربع خطأً منهم ، فلا
يسوغ مخالفة السنة ليحصل بالمخالفة ما هو بمثل ذلك ، وعروة قد قال :
إن عائشة تأولت كما تأول عثمان ، وعائشة أخبرت أن الإتمام لا
يشق عليها .
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب (ركعتان) .
١٦١

أو يكون ذلك كما رآه من رآء لأجل شقة السفر ، ورأوا أن
الدنيا لما اتسعت عليهم لم يحصل لهم من المشقة ما كان يحصل على من
كان صلى أربعاً ، كما قد جاء عن عثمان من نهيه عن المتعة التى هي
الفسخ ، أن ذلك كان لأجل حاجتهم ، إذ ذاك إلى هذه المتعة فتلك
الحاجة قد زالت .
١٦٢

باب صلاة الجمعة
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
3
3
وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
من أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية إلى من يصل
إليه كتابه من المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين، وغيرم عامة، ولأهل
العلم والدين خاصة . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أما بعد : فإنى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد
أهل ، وهو على كل شيء قدير ، وأسأله أن يصلي على خيرته من
خلقه : محمد عبده ورسوله، وخاتم أنبياته ، الذي بعثه بالبينات والهدى،
ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا ، صلى الله عليه
وعلى آله وسلم تسليما كثيراً .
١٦٣

أما بعد : فإن وفدا قدموا من نحو أرضكم. فأخبرونا بنحو مما
كنا نسمع عن أهل ناحيتكم من الاعتصام بالسنة والجماعة ، والتزام
شريعة الله التى شرعها على لسان رسوله ، ومجانبة ما عليه كثير من
الأعراب من الجاهلية التى كانوا عليها قبل الإسلام ؛ من سفك بعضهم
دماء بعض ، ونهب أموالهم ، وقطيعة الأرحام ، والانسلال عن ربقة
الإسلام ، وتوريث الذكور دون الإناث ، وإسبال الثياب ، والتعزي
بعزاء الجاهلية ، وهو قولهم : يالبى فلان ! أو يالفلان !. والتعصب
للقبيلة بالباطل ، وترك ما فرضه الله في النكاح من العدة ونحوها ، ثم
ما زينه الشيطان لفريق منهم من الأهواء التى باينوا بها عقائد السابقين
الأولين من المهاجرين والأنصار ، وخالفوا شريعة الله لهم من الاستغفار
للأولين بقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ
ووقعوا فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه
رَّحِيمٌ ) .
وسلم بالوقيعة التى لا نصدر ممن وقر الإيمان في قلبه .
فالحمد لله الذي عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيراً من خلقه، وفضلنا
على كثير ممن خلق تفضيلا ، ونسأل الله العظيم المنان بديع السموات
والأرض أن يتمم علينا وعليكم نعمته ويوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه
من القول والعمل ، ويجعلنا من التابعين بإحسان للسابقين الأولين .
١٦٤

وليس هذا ببدع : فإن أهل البحرين ما زالوا من عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم أهل إسلام وفضل، قد قدم وفدم من
عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفيهم الأشج -
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مرحباً بالوفد . غير خزايا
ولا ندامى )) فقالوا : يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من
كفار مضر ، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام ، فمرنا بأمر فصل
نعمل به ونأمر به من وراءنا: فقال: ((آمركم بالإيمان بالله: أتدرون
ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله،
وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان . وأن تؤدوا خمس
ما غنمتم)) ولم يكن قد فرض الحمج إذ ذاك، وقال للأشج: ((إن
فيك لخلقين يحبها الله: الحلم، والأناة)) قال: خلقين تخلقت بها أو
خلقين جبلت عليهما؟ قال ((خلقين جبلت عليهما)) فقال: الحمد لله
الذي جبلني على خلقين يحبها الله.
ثم إنهم أقاموا الجمعة بأرضهم ، فأول جمعة جمعت في الإسلام بعد
جمعة المدينة جمعة بجوانى قرية من قرى البحرين .
ثم إنهم ثبتوا على الإسلام لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وارتد من ارتد من العرب ، وقاتل بهم أميرهم العلاء بن الحضرمي
- الرجل الصالح - أهل الردة ، ولهم فى السيرة أخبار حسان .
١٦٥

فالله سبحانه وتعالى يوفق آخرهم ، لما وفق له أولهم ، إنه ولي ذلك
والقادر عليه .
وقد حدثنا بعض الوفد أنهم كانوا يجمعون ببعض أرضكم ، ثم إن
بعض أهل العراق أفتام بترك الجمعة ، فسألناه عن صفة المكان ، فقال
هنالك مسجد مبني بمدر ، وحوله أقوام كثيرون ، مقيمون مستوطنون
لا يظعنون عن المكان: شتاء ولا صيفاً، إلا أن يخرجهم أحد بقهر
بل م وآباؤهم وأجدادهم مستوطنون بهذا المكان ، كاستيطان
سائر أهل القرى ، لكن بيوتهم ليست مبنية بمدر ، إنما هي مبنية بجريد
النخل ونحوه .
فاعلموا - رحمكم الله - أن مثل هذه الصورة تقام فيها الجمعة
فإن كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يطعنون عنه شتاء ولا
صيفا ، تقام فيه الجمعة ، إذ كان مبنياً بما جرت به عادتهم : من مدر ،
وخشب ، أو قصب، أو جريد ، أو سعف، أو غير ذلك . فإن
أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها فى ذلك ، إنما الأصل أن يكونوا
مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون فى الغالب
مواقع القطر ، ويتنقلون فى البقاع ، وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا
وهذا مذهب جمهور العلماء .
١٦٦

وبقصة أرضكم احتج الجمهور على أبي حنيفة حيث قال : لا تقام
الجمعة فى القرى ، بالحديث المأثور عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
((أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بالبحرين بقرية يقال
لها جوائى من قرى البحرين)) وبأن أبا هريرة - رضي الله عنه -
وكان عامل عمر رضي الله عنه على البحرين فكتب إلى أمير المؤمنين
عمر يستأذنه فى إقامة الجمعة بقرى البحرين ، فكتب إليه عمر : أقيموا
الجمعة حيث كنتم .
ولعل الذين قالوا لكم: إن الجمعة لا تقام ، قد تقلدوا قول من
يرى الجمعة لا تقام في القرى ، أو اعتقدوا أن معنى قول الفقهاء
فى الكتب المختصرة (( إنما تقام بقرية مبنية بناء متصلا أو متقاربا،
بحيث يشمله اسم واحد ، فاعتقدوا أن البناء لا يكون إلا بالمدر من
طين أو كلس أو حجارة أو لبن ، وهذا غلط منهم ، بل قد نص
العلماء على أن البناء إنما يعتبر بما جرت به عادة أولئك المستوطنين، من
أي شيء كان : قصب أو خشب ونحوه .
ولهذا فالعلماء الأئمة إنما فرقوا بين الأعراب أهل العمد ، وبين
المقيمين ، بأن أولئك يتنقلون ولا يستوطنون بقعة ، بخلاف المستوطنين
وقد كان قوم من السلف يبنون لهم بيوتاً من قصب ، والنبي صلى
الله عليه وسلم سقف مسجده بجريد النخل، حتى كان يكف المسجد
١٦٧

إذا نزل المطر . قالوا : يا رسول الله: لو بنينا لك ـ يعنون بناء
مشيدا - فقال: ((بل عريش كعريش موسى)).
وقد نص على مسألتكم بعينها - وهي البيوت المصنوعة من
جريد أو سعف - غير واحد من العلماء ، منهم أصحاب الإمام أحمد
كالقاضي أبي يعلى، وأبى الحسن الآمدي ، وابن عقيل ، وغيرهم .
فإنهم ذكروا أن كل بيوت مبنية من آجر أو طين أو حجارة أو
خشب أو قصب أو جريد أو سعف فإنه تقام عندهم الجمعة ، وكذلك
ذكرها غير واحد من أصحاب الشافعي - رضي الله عنهم - من
الخراسانيين: كصاحب ((الوسيط)) فيما أظن، ومن العراقيين أيضاً
أن بيوت السعف تقام فيها الجمعة .
وخالف هؤلاء الماوردي فى الحساوي ، فذكر أن بيوت القصب
والجريد لا تقام فيها الجمعة ، بل تقام فى بيوت الخشب الوثيقة . وهذا
الفرق ضعيف ، مخالف لما عليه الجمهور والقياس ، ولما دلت عليه الآثار
وكلام الأئمة . فإن أبا هريرة كتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله
عنهما - يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين ، فكتب إليه عمر بن الخطاب
أن جمعوا حيثما كنتم . وذهب الإمام أحمد إلى حديث عمر هذا .
وعن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يمر بالمياه التى
١٦٨

بين مكة والمدينة وم يجمعون فى تلك المنازل ، فلا ينكر عليهم .
فهذا عمر بأمر أهل البحرين بالتجميع حيث استوطنوا ، مع العلم بأن
بعض البيوت تكون من جريد ، ولم يشترط بناء مخصوصا ، وكذلك
ابن عمر أقر أهل المنازل التى بين مكة والمدينة على التجميع ومعلوم
أنها لم تكن من مدر، وإنما هي إما من جريد أو سعف.
وقال الإمام أحمد : ليس على البادية جمعة ، لأنهم ينتقلون .
فعلل سقوطها بالانتقال ، فكل من كان مستوطناً لا ينتقل باختياره
فهو من أهل القرى ، والفرق بين هؤلاء وبين أهل الخيام
من وجهين :
أحدهما : أن أولئك فى العادة الغالبة لا يستوطنون مكاناً بعينه ،
وإن استوطن فريق منهم مكانا فهم فى مظنة الانتقال عنه، بخلاف هؤلاء
المستوطنين الذين يحترثون ، ويزدرعون ، ولا ينتقلون إلا كما ينتقل
أهل أبنية المدر . إما لحاجة تعرض ، أو ليد غالبة تنقلهم ، كما تفعله
الملوك مع الفلاحين .
الثانى : أن بيوت أهل الخيام ينقلونها معهم إذا انتقلوا ، فصارت
من المنقول لا من العقار ، بخلاف الخشب والقصب والجريد ، فإن
أصحابها لا ينقلونها ليبنوا بها في المكان الذي ينتقلون إليه ، وإنما يبنون
١٦٩

في كل مكان بما هو قريب منه ، مع أن هذا ليس موضع استقصاء
الأدلة فى المسألة، وهذه المسألة ((إقامة الجمعة بالقرى)) أول ما ابتدأت
من ناحيتكم ، فلا نقطعوا هذه الشريعة من أرضكم ، فإن الله يجمع
لكم جوامع الخير.
ثم اعلموا - رحمكم الله وجمع لنا ولكم خير الدنيا والآخرة -
أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ،
وكان قد بعث إلى ذوي أهواء متفرقة ، وقلوب متشتتة، وآراء
متباينة ، فجمع به الشمل ، وألف به بين القلوب ، وعصم به من
كيد الشيطان .
ثم إنه سبحانه وتعالى بين أن هذا الأصل - وهو الجماعة -
عماد لدينه. فقال سبحانه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُ وأَنِعْمَتَ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةِّنَ
النَّارِ فَأَنْقَدَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُلَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا
تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَِّنَتْ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *
يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوٌَّ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ
١٧٠

وَأَمَّالَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِهُمْفِهَا
*
اُلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
) . قال ابن عباس - رضى الله عنهما - نبيض وجوه
خَلِدُونَ
أهل السنة ، وتسود وجوه أهل البدعة .
فانظروا - رحمكم الله! كيف دعا الله إلى الجماعة،
ونهى عن الفرقة، وقال فى الآية الأخرى: ( إِنَّالَّذِينَ
) فبرأ نبيه صلى الله عليه
فَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعَالَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ
وسلم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا . كما نهانا عن التفرق ،
والاختلاف، بقوله: (وَلَ تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُالْبَيْنَتُ).
وقد كره النبى صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف
والتفرق . فرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون فى القدر ، فكأنما
فقىء في وجه حب الرمان ، وقال: ((أبهذا أمرتم ؟ أم إلى هذا
دعيتم ؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، إنما هلك من كان قبلكم
بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) قال عبد الله بن عمرو
رضي الله عنها : فما أغبط نفسي كما غبطتها، ألا أكون فى ذلك
المجلس ، روى هذا الحديث أبو داود فى سننه ، وغيره ، وأصله فى
الصحيحين ، والحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها
أنه قال صلى الله عليه وسلم: « تفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة ،
١٧١

كلهم فى النار إلا واحدة» قيل : يا رسول الله! ومن هي ؟ قال:
((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابى)) وفى رواية ((هي
الجماعة)) وفى رواية ((بد الله على الجماعة)) فوصف الفرقة الناجية بأنهم
المستمسكون بسته ، وأنهم ثم الجماعة.
وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في
الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله :
(فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا ) وكانوا يتناظرون فى المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة ، وربما
اختلف قولهم فى المسألة العلمية والعملية ، مع بقاء الألفة والعصمة ،
وأخوة الدين . نعم من خالف الكتاب المستبين ، والسنة المستفيضة
أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه ، فهذا يعامل بما يعامل
به أهل البدع .
فعائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - قد خالفت ابن عباس
وغيره من الصحابة فى أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ،
وقالت: (( من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية
وجمهور الأمة على قول ابن عباس ، مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين
وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها ، وكذلك أنكرت أن يكون الأموات
يسمعون دعاء الحي ، لما قيل لها : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
١٧٢

(( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) فقالت: إنما قال: إنهم ليعلمون الآن
أن ما قلت لهم حق . ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق
النعال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وما من
رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ، إلا رد الله عليه
روحه حتى يرد عليه السلام )) صح ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم
إلى غير ذلك من الأحاديث . وأم المؤمنين تأولت ، والله يرضى عنها .
وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال : إنما كان بروحه ،
والناس على خلاف معاوية - رضى الله عنه ــ ومثل هذا كثير.
وأما الاختلاف فى ((الأحكام)) فأكثر من أن ينضبط، ولو
كان كلما اختلف مسلمان فى شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة
ولا أخوة ، ولقد كان أبو بكر وعمر - رضي الله عنها - سيدا
المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير ، وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم لأصحابه يوم بنى قريظة: ((لا يصلين أحد العصر إلا
فى بنى قريظة فأدركتهم العصر فى الطريق ، فقال قوم : لا نصلي إلا
في بني قريظة ، وفاتهم العصر . وقال قوم : لم يرد منا تأخير الصلاة،
فصلوا في الطريق ، فلم يعب واحداً من الطائفتين )). أخرجاه فى
الصحيحين ، من حديث ابن عمر . وهذا وإن كان فى الأحكام فما لم
١٧٣

يكن من الأصول المهمة ، فهو ملحق بالأحكام .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة
الصيام ، والصلاة ، والصدقة ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ؟
قالوا : بلى ، يا رسول الله ! قال : إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات
البين هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن يحلق الدين))
رواه أبو داود من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه .
وصح عنه أنه قال: (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ،
يلتقيان فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)».
نعم ! صح عنه أنه هجر كعب بن مالك ، وصاحبيه - رضي الله
عنهم - لما تخلفوا عن غزوة تبوك، وظهرت معصيتهم، وخيف عليهم
النفاق ، فهجرم وأمر المسلمين بهجرهم ، حتى أمرم باعتزال أزواجهم من
غير طلاق خمسين ليلة ، إلى أن نزلت توبتهم من السماء. وكذلك أمر
عمر رضي الله عنه المسلمين بهجر صبيغ بن عسل التميمي ، لما رآه
من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ، إلى أن مضى عليه حول ،
وتبين صدقه فى التوبة ، فأمر المسلمين بمراجعته . فيهذا ونحوه رأى
١٧٤

المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين
للبدع ، الداعين إليها ، والمظهرين للكبار ، فأما من كان مستتراً بمعصية
أو مسراً لبدعة غير مكفرة ، فإن هذا لا يهجر، وإنما يهجر الداعى
إلى البدعة ؛ إذ الهجر نوع من العقوبة ، وإنما يعاقب من أظهر المعصية
قولا أو عملا .
وأما من أظهر لنا خيراً فإنا نقبل علانيته ، ونكل سريرته إلى الله
تعالى ، فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه
وسلم يقبل علانيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله، لما جاءوا إليه عام تبوك
يحلفون ويعتذرون .
ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة :
كمالك وغيره لا يقبلون رواية الداعى إلى بدعة ، ولا يجالسونه ،
بخلاف الساكت ، وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن
رمي ببدعة من الساكتين ، ولم يخرجوا من الدعاة إلى البدع .
والذي أوجب هذا الكلام أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة
والاختلاف بينكم، حتى ذكروا: أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة ، فلا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله هو المسؤول أن يؤلف بين
قلوبنا وقلوبكم، ويصلح ذات بيننا ، ويهدينا سبل السلام ، ويخرجنا
١٧٥

من الظلمات إلى النور ، ويجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ،
ويبارك لنا فى أسماعنا وأبصارنا ، وأزواجنا وذرياتنا ، ما أبقانا ، ويجعلنا
شاكرين لنعمه ، مثنين بها عليه ، قابليها ، ويتممها علينا .
وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف فى « مسألة رؤية الكفار ربهم)»
وماكنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد ، فالأمر فى ذلك
خفيف ( ثم ذكر الجواب. وتقدم فى ((كتاب الأسماء والصفات)).]
١٧٦

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
تنازع الناس فى ((صلاة الجمعة والعيدين)) هل تشترط لهما الإقامة
أم تفعل فى السفر ؟ على ثلاثة أقوال :
أحدها : من شرطها جميعاً الإقامة ، فلا يشرعان في السفر . هذا
قول الأكثرين ، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد في أظهر
الروايتين عنه .
والثانى : يشترط ذلك فى الجمعة دون العيد ، وهو قول الشافعي
وأحمد فى الرواية الثانية عنه .
والثالث : لا يشترط لا فى هذا ولا هذا ، كما يقوله من يقوله من
الظاهرية، وهؤلاء عمدتهم مطلق الأمر، ولقوله (إِذَا نُودِىَ ) ومحو
ذلك . وزعموا أنه ليس في الشرع ما يوجب الاختصاص بالمقيم .
والذين فرقوا بين الجمعة والعيد قالوا : العيد إما نفل وإما فرض على
١٧٧

الكفاية، ولا يسقط به فرض آخر كما نسقط الظهر بالجمعة ، والنوافل
مشروعة للمقيم والمسافر كصلاة الضحى وقيام الليل والسنن الرواتب ،
وكذلك فرض الكفاية كصلاة الجنائز .
والصواب بلا ريب هو القول الأول ، وهو أن ذلك ليس بمشروع
للمسافر ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسافر أسفاراً كثيرة .
قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته ، وحج حجة الوداع ومعه ألوف
مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزاة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى
فى السفر لا جمعة ولا عيداً، بل كان يصلي ركعتين ركعتين فى جميع
أسفاره ، ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام ، ولم ينقل عنه أحد
قط أنه خطب يوم الجمعة وهو مسافر قبل الصلاة لا وهو قائم على
قدميه ولا على راحلته ، كما كان يفعله فى خطبة العيد ، ولا على منبر
كما كان يخطب يوم الجمعة ، وقد كان أحياناً يخطب بهم فى السفر
خطباً عارضة فينقلونها كما فى حديث عبد الله بن عمرو (١) ولم ينقل
عنه قط أحد أنه خطب يوم الجمعة فى السفر قبل الصلاة ؛ بل ولا
نقل عنه أحد أنه جهر بالقراءة يوم الجمعة ، ومعلوم أنه لو غير العادة
جهر وخطب لنقلوا ذلك ، ويوم عرفة خطب بهم ثم نزل فصلى بهم
ركعتين ، ولم ينقل أحد أنه جهر ، ولم تكن تلك الخطبة للجمعة ؛
(١) بياض بالأصل.
١٧٨

فإنها لو كانت للجمعة لخطب في غير ذلك اليوم من أيام الجمع، وإنما
كانت لأجل النسك .
ولهذا كان علماء المسلمين قاطبة على أنه يخطب بعرفة وإن لم يكن
يوم جمعة ؛ فثبت بهذا النقل المتواتر أنها خطبة لأجل يوم عرفة ،
وإن لم يكن يوم جمعة ، لا ليوم الجمعة ، وكذلك أيضاً لم يصل العيد
بمنى لا هو ولا أحد من خلفائه الراشدين ، فقد دخل مكة عام الفتح
ودخلها فى شهر رمضان فأدرك فيها عيد الفطر ، ولم يصل بها يوم
العيد صلاة العيد، ولم ينقل ذلك مسلم . ومن المعلوم أنهم لو كان
صلى بهم صلاة العيد بمكة مع كثرة المسلمين معه كانوا أكثر من
عشرة آلاف لكان هذا من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعى على نقله،
وكذلك بدر كانت فى شهر رمضان وأدركه يوم العيد في السفر ولم
يصل صلاة عيد فى السفر .
وأيضاً فإنه لم يكن أحد يصلي صلاة العيد بالمدينة إلا معه ، كما لم
يكونوا يصلون الجمعة إلا معه ، وكان بالمدينة مساجد كثيرة لكل دار
من دور الأنصار مسجد ، ولهم إمام يصلي بهم، والأئمة يصلون بهم
الصلوات الخمس . ولم يكونوا يصلون بهم لا جمعة ولا عيداً. فعلم أن
العيد كان عندهم من جنس الجمعة لا من جنس التطوع المطلق ، ولا
من جنس صلاة الجنازة وقول القائل إن صلاة العيد تطوع: ممنوع ،
١٧٩

ولو سلم قيل له هذه مخصوصة بخصائص لا يشركها فيها غيرها ،
والسنة مضت بأن المسلمين كلهم يجتمعون خلف النبي صلى الله عليه
وسلم وخلفائه بعده ، ولم يكونوا فى سائر التطوع يفعلون هذا ، وكان
يخرج بهم إلى الصحراء ، ويكبر فيها ، ويخطب بعدها ، وهذا مشروع
فى كل يوم عيد شريعة راتبة ، والاستسقاء لم يختص بالصلاة ؛ بل كان
مرة يستسقى بالدعاء فقط وهو في المدينة ، ومرة يخرج إلى الصحراء
ويستسقى بصلاة وبغير صلاة ، حتى إن من العلماء من لم يعرف في
الاستسقاء صلاة كأبى حنيفة ، فلما كان الاستسقاء يشرع بغير صلاة
ولا خطبة ولآحاد الناس لم يلحق بالعيد الذي لا يكون إلا بصلاة
وخطبة ، وهو شريعة راتبة ليس مشروعا لأمر عارض كالكسوف والاستسقاء.
وأيضاً فإن علي بن أبى طالب لما استخلف للناس من يصلي العيد
بالضعفاء فى المسجد الجامع أمره أن يصلي أربع ركعات ، كما أن من لم
يصل الجمعة صلى أربعاً ، ولم يكن الناس يعرفون قبل علي أن يصلي
أحد العيد إلا مع الإمام فى الصحراء ، فإذا كانت سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وخلفائه لم يكن فيها صلاة عيد إلا مع الإمام بطل
أن يكون بمنزلة ما كانوا يفعلونه وحداناً وجماعة .
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعها للنساء بل أمرهن
أن يخرجن يوم العيد ، حتى أمر بإخراج الحيض ، فقالوا له : إن لم
١٨٠