النص المفهرس

صفحات 141-160

ذو طوى فإنما صلى بمكة عشرين صلاة ، وإن كان صلى الصبح بمكة
فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة . والصحيح أنه إنما صلى الصبح
يومئذ بذى طوى ودخل مكة ضحى ، كذلك جاء مصرحا به فى
أحاديث . قال أحمد فى رواية الأثرم إذا عزم على أن يقيم أكثر من
ذلك أتم ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة ،
قال : فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر
بالأبطح يوم الثامن ، وكان يقصر الصلاة فى هذه الأيام ، وقد أجمع
على إقامتها ، فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر ،
فإذا أجمع على أكثر من ذلك أنم . قال الأثرم : قلت له: فلم لم يقصر
على ما زاد من ذلك ؟ قال : لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم . قال :
قيل لأبي عبد الله : يقول أخرج اليوم أخرج غداً أيقصر ؟ فقال :
هذا شيء آخر، هذا لم يعزم .
فأحمد لم يذكر دليلا على وجوب الإتمام، إنما أخذ بالاحتياط، وهذا
لا يقتضي الوجوب .
وأيضاً فإنه معارض بقول من يوجب القصر ويجعله عزيمة فى الزيادة .
وقد روى الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا مسعر ، عن حبيب
ابن أبى ثابت ، عن عبد الرحمن بن المسور، قال: أهمنا مع سعد بَعَمّان - أو
بعمان - شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلي أربعا ، فذكرنا ذلك له فقال:
١٤١

نحن أعلم ، قال الأثرم : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد ، عن
أيوب ، عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي
ركعتين ، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول . قال بعضهم والثلج الذي
يتفق في هذه المدة يعلم أنه لا يذوب في أربعة أيام ، فقد أجمع إقامة
أكثر من أربع ، قال الأثرم : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام
حدثنا يحيى ، عن حفص بن عبيد الله : أن أنس بن مالك أقام بالشام
سنتين بقصر الصلاة . قال الأثرم : : حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا
هشام ، حدثنا ابن شهاب ، عن سالم ، قال : كان ابن عمر إذا أقام
مكة قصر الصلاة إلا أن يصلي مع الإمام ، وإن أقام شهرين ، إلا أن
يجمع الإقامة . وابن عمر كان يقدم قبل الموسم بمدة طويلة ، حتى إنه
كان أحياناً يحرم بالحج من هلال ذي الحجة، وهو كان من المهاجرين
فما كان يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث ، ولهذا أوصى
لما مات أن يدفن بسرف ، لكونها من الحل ، حتى لا يدفن فى الأرض
التى هاجر منها ، وقال الأثرم : حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد
ابن زيد، عن أيوب ، عن نافع قال: ما كان ابن عمر يصلي بمكة إلا
ركعتين إلا أن يرفع المقام ؛ ولهذا أقام مرة ثنتى عشرة يصلي ركعتين
وهو يريد الخروج ، وهذا يبين أنه كان يصلي قبل الموسم ركعتين ،
مع أنه نوى الإقامة إلى الموسم، وكان ابن عمر كثير الحج ، وكان
كثيراً ما يأتي مكة قبل الموسم بمدة طويلة . قال الأثرم : حدثنا ابن
١٤٢

الطباع ، حدثنا القاسم بن موسى الفقير ، عن عبد الرحمن بن ثابت
ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن ابن محيريز : أن أبا أيوب
الأنصاري وأبا صرمة الأنصاري وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم
فصاموا رمضان وقاموه وأتموا الصلاة ، قال الأثرم : حدثنا قبيصة ،
حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبى وائل، قال : خرج مسروق إلى
السلسلة فقصر الصلاة ، فأقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر . قيل
يا أبا عائشة : ما يحملك على هذا ؟ قال اتباع السنة
فصل
والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعاً ظنوا أن النى صلى الله
عليه وسلم فعل ذلك، أو فعله بعض أصحابه على عهده فأقره عليه .
وظنوا أن صلاة المسافر ركعتين وأربعا بمنزل الصوم والفطر فى رمضان ،
وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبي صلى
الله عليه وسلم: فمنهم الصائم ومنهم المفطر. وهذا مما انفق أهل العلم على
صحته ، وأما ما ذكروه من التربيع حسبه بعض أهل العلم صحيحاً، وبذلك
استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد. قال الشافعي لما ذكر قول النبى
صلى الله عليه وسلم ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)):
فدل على أن القصر فى السفر بلا خوف صدقة من الله ، والصدقة
١٤٣

رخصة، لاحتم من الله أن يقصر. ودل على أن [ له أن ] يقصر فى السفر بلا
خوف إن شاء المسافر أن عائشة قالت: (( كل ذلك فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم أتم في السفر وقصر)) .
قلت وهذا الحديث رواه الدار قطني وغيره من حديث أبى عاصم:
حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: (( أن
النبى صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم))
قال الدار قطني هذا إسناد صحيح . قال البيهقى : ولهذا شاهد من حديث
دلهم بن صالح ، والمغيرة بن زياد ، وطلحة بن عمر ، وكلهم ضعيف . وروى
حديث دلهم من حديث عبيد اللّه بن موسى: حدثنا دلهم بن صالح
الكندي، عن عطاء، عن عائشة، قالت: «كنا نصلي مع النبى صلى الله
عليه وسلم إذا خرجنا إلى مكة أربعا حتى ترجع)) .
وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء ، عن عائشة :
(( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقصر فى السفر، ويتم)) وروى
حديث طلحة بن عمر، عن عطاء، عن عائشة قالت: ((كل ذلك قد
فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتم وقصر ، وصام فى السفر
وأفطر)) قال البيهقي: وقد قال عمر بن ذر: كوفي، ثقة: أنا عطاء بن أبى
رباح: (( أن عائشة كانت تصلي فى السفر المكتوبة أربعاً)). وروى
ذلك باسناده ، ثم قال : وهو كالموافق لرواية دلهم بن صالح ، وإن كان
١٤٤

فى رواية دلهم زيادة سند .
قلت : أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من (( أنها كانت
تصلي أربعاً)) فهذا ثابت عن عائشة معروف عنها من رواية عروة وغيره
عن عائشة، وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء ، والثقاة وقفوه على
عائشة : دل ذلك على ضعف المسند، ولم يكن ذلك شاهداً للمسند . قال
ابن حزم فى هذا الحديث انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره ، وقد
قال فيه أحمد بن حنبل : ضعيف ، كل حديث أسنده منكر .
قلت : فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضاً ، وقد ذكر
عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال :
هذا حديث منكر ، وهو كما قال الإمام أحمد ، وإن كان طائفة من
أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعي ، ولا ريب أن هذا
حديث مكذوب على النبى صلى الله عليه وسلم، مع أن من الناس
من يقول: لفظه: (( كان يقصر في السفر وتتم ، ويفطر وتصوم )) بمعنى
أنها هي التى كانت تتم وتصوم . وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا
الوجه مع أنه كذب عليها أبضاً . قال البيهقي : وله شاهد قوي باسناد
صحيح، وروي من طريق الدار قطني من طريق محمد بن يوسف :
حدثنا العلاء بن زهير ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن
عائشة قالت: (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
١٤٥

عمرة فى رمضان فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت ،
وقصر وأتممت ، فقلت يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي: أفطرت وصمت
وقصرت وأتممت قال ((أحسنت يا عائشة)).
ورواه البيهقي من طريق آخر عن القاسم بن الحكم : ثنا العلاء بن
زهير ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن عائشة لم يذكر أباه ، قال
الدار قطني : الأول متصل وهو إسناد حسن ، وعبد الرحمن قد أدرك
عائشة فدخل عليها وهو مراهق ، ورواه البيهقي من وجه ثالث من
حديث أبى بكر النيسابوري : تنا عباس الدوري ، تنا أبو نعيم ، حدثنا
العلاء بن زهير ، ثنا عبد الرحمن بن الأسود ، عن عائشة : أنها اعتمرت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت
قالت : يا رسول الله! بأبي أنت وأمي: قصرت وأتممت. وأفطرت
وصمت فقال ((أحسنت يا عائشة)) وما عاب علي . قال أبو بكر
النيسابوري : هكذا قال أبو نعيم ، عن عبد الرحمن ، عن عائشة . ومن
قال عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ .
قلت : أبو بكر النيسابوري إمام فى الفقه والحديث ، وكان له
عناية بالأحاديث الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ ، وهو أقرب إلى
طريقة أهل الحديث والعلم التى لا تعصب فيها لقول أحد من الفقهاء
مثل أىّة الحديث المشهورين ؛ ولهذا رجح هذه الطريق ، وكذلك أهل
١٤٦

السنن المشهورة لم يروه أحد منهم إلا النسائى، ولفظه عن عائشة (( أنها
اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ،
حتى إذا قدمت قالت يا رسول الله : بأبى أنت وأمى قصرت وأتممت
وأفطرت وصمت فقال ((أحسنت يا عائشة)) وما عاب علي)) وهذا
بخلاف من قد يقصد نصر قول شخص معين فينطق له من الأدلة
ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ببطلانها .
والصواب ما قاله أبو بكر ، وهو أن هذا الحديث ليس بمتصل ،
وعبد الرحمن إنما دخل على عائشة وهو صبى ولم يضبط ما قالته ، وقال
فيه أبو محمد بن حزم : هذا الحديث تفرد به العلاء بن زهير الأزدي
لم يروه غيره ، وهو مجهول ، وهذا الحديث خطأ قطعاً ؛ فإنه قال فيه :
إنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عمرة فى رمضان،
ومعلوم باتفاق أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر
فى رمضان قط ، ولا خرج من المدينة فى عمرة في رمضان ؛ بل ولا خرج
إلى مكة فى رمضان قط إلا عام الفتح ، فإنه كان حينئذ مسافراً فى
رمضان ، وفتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان باتفاق أهل العلم ، وفى
ذلك السفر كان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر . فلم يكن يصلي بهم
إلا ركعتين، ولا نقل أحد من أصحابه عنه أنه صلى فى السفر أربعاً،
والحديث المتقدم خطأ كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
١٤٧

وعام فتح مكة لم يعتمر ؛ بل ثبت بالنقول المستفيضة التى اتفق
عليها أهل العلم به أنه إنما اعتمر بعد الهجرة أربع عمر . منها ثلاث في
ذي القعدة ، والرابعة مع حجته : عمرة الحديبية لما صده المشركون فحل
بالحديبية بالإحصار ولم يدخل مكة ، وكانت فى ذي القعدة ، ثم اعتمر
فى العام القابل عمرة القضية ، وكانت فى ذي القعدة أيضاً ، ثم لما
قسم غنائم حنين بالجعرانة اعتمر من الجعرانة ، وكانت عمرته فى ذي
القعدة أيضاً، والرابعة مع حجته ، ولم يعتمر بعد حجه لا هو ولا أحد
ممن حج معه إلا عائشة لما كانت قد حاضت وأمرها أن تهل بالحج ، ثم
أعمرها مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم .
ولهذا قيل لما بني هناك من المساجد مساجد عائشة ، فإنه لم يعتمر
أحد من الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا قبل الفتح ولا
بعده عمرة من مكة إلا عائشة . فهذا كله مما تواترت به الأحاديث
الصحيحة: مثل ما فى الصحيحين عن أنس ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن فى ذي القعدة إلا التى مع حجه :
عمرة من الحديبية فى ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل فى ذي القعدة،
وعمرة من الجعرانة فى ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين ، وعمرة مع
حجته)). وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: ((اعتمر أربعا : عمرة
الحديبية فى ذي القعدة حيث صده المشركون ، وعمرة فى العام المقبل فى
١٤٨

ذي القعدة حيث صالحهم ، وعمرة حنين من الجعرانة حيث قسم غنائم
حنين ، وعمرة مع حجته)).
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: ((اعتمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى ذي القعدة قبل أن يحج مرتين)). وهذا
لفظ البخاري . وأراد بذلك العمرة التى أتمها وهي عمرة القضية والجعرانة،
وأما الحديبية فلم يمكن إتمامها ؛ بل كان محصرا لما صده المشركون ،
وفيها أنزل الله آية الحصار باتفاق أهل العلم، وقد ثبت في الصحيح
عن عائشة لما قيل لها : إن ابن عمر قال : إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم اعتمر في رجب ، فقالت : يغفر الله لأبى عبد الرحمن!
ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه ،
وما اعتمر فى رجب قط . وفى رواية عن عائشة قالت :
لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى ذي القعدة، وكذلك
عن ابن عباس رواهما ابن ماجه. وقد روى أبو داود عنها قالت : اعتمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين : عمرة فى ذي القعدة ، وعمرة
في شوال . وهذا إن كان ثابتاً عنها فلعله ابتداء سفره كان في
شوال ، ولم تقل قط إنه اعتمر فى رمضان ، فعلم أن ذلك خطأ محض.
وإذا ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه لم يعتمر إلا في ذي القعدة ،
وثبت أيضاً أنه لم يسافر من المدينة إلى مكة ودخلها إلا ثلاث
١٤٩

مرات : عمرة القضية ، ثم غزوة الفتح ، ثم حجة الوداع ، وهذا مما
لا يتنازع فيه أهل العلم بالحديث والسيرة وأحوال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولم يسافر في رمضان إلى مكة إلا غزوة الفتح - كان
كل من هذين دليلا قاطعاً على أن هذا الحديث الذي فيه أنها
اعتمرت معه فى رمضان، وقالت أتممت وصمت، فقال: ((أحسنت))
خطأ محض . فعلم قطعاً أنه باطل لا يجوز لمن علم حاله أن يرويه عن
النبى صلى الله عليه وسلم لقوله: ((من روى عني حديثاً وهو يرى
أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) ولكن من حدث من العلماء الذين
لا يستحلون هذا فلم يعلموا أنه كذب [لم يأثم].
فإن قيل فيكون قوله ((في رمضان)) خطأ ، وسائر الحديث يمكن
صدقه . قيل : بل جميع طرقه تدل على أن ذلك كان فى رمضان ؛
لأنها قالت : قلت : أفطرت وصمت ، وقصرت وأتممت ، فقال :
ء
(أحسنت يا عائشة)). وهذا إنما يقال في الصوم الواجب. وأما السفر
فى غير رمضان فلا يذكر فيه مثل هذا لأنه معلوم أن الفطر
فيه جائز .
وأيضاً فقد روى البيهقى وغيره بالإسناد الثابت عن الشعبى عن
عائشة أنها قالت: (( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ففرضت
ثلاثاً ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة
١٥٠

الأولى، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب ؛ لأنها وتر النهار،
والصبح لأنها تطول فيها القراءة)) . فقد أخبرت عائشة أنه كان
إذا سافر صلى الصلاة الأولى: ركعتين، ركعتين . فلو كان تارة يصلي
أربعاً لأخبرت بذلك ، وهذا يناقض تلك الرواية المكذوبة
على عائشة .
وأيضاً فعائشة كانت حديثة السن على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم مات وعمرها أقل من عشرين
سنة ، فإنه لما بنى بها بالمدينة كان لها تسع سنين ، وإنما أقام بالمدينة
عشراً ، فإذا كان قد بنى بها فى أول الهجرة كان عمرها قريباً من
عشرين ، ولو قدر أنه بى بها بعد ذلك لكان عمرها حينئذ أقل .
وأيضاً فلو كانت كبيرة فهي إنما تتعلم الإسلام وشرائعه من
النبى صلى الله عليه وسلم، فكيف يتصور أن تصوم وتصلي معه فى
السفر خلاف ما يفعله هو وسائر المسلمين وسائر أزواجه ولا تخبره
بذلك حتى تصل إلى مكة ؟ هل يظن مثل هذا بعائشة أم المؤمنين؟
وما بالها فعلت هذا فى هذه السفرة دون سائر أسفارها معه ؟ وكيف
تطيب نفسها بخلافه من غير استئذانه ؟ وقد ثبت عنها فى الصحيحين
بالأسانيد الثابتة باتفاق أهل العلم أنها قالت: ((فرض الله الصلاة حين
فرضها ركعتين ، ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة ))
١٥١

وهذا من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، ورواية أصحابه
الثقات ، ومن رواية صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة: يرويه
مثل ربيعة ، ومن رواية الشعبى عن عائشة . وهذا مما اتفق أهل العلم
بالحديث على أنه صحيح ثابت عن عائشة. فكيف تقدم مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أن تصلي فى السفر قبل أن تستأذنه، وهي
تراه والمسلمين معه لا يصلون إلا ركعتين ؟!
وأيضاً فهي لما أتمت الصلاة بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم
لم تحتج بأنها فعلت ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا
ذكر ذلك أخبر الناس بها عروة ابن أختها ، بل اعتذرت بعذر من
جهة الاجتهاد ، كما رواه النيسابوري والبيهقي وغيرهما بالأسانيد الثابتة عن
وهب بن جرير: ثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة
أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين ، فقالت .
يا ابن أختى! إنه لا يشق علي .
وأيضاً فالحديث الثابت عن صالح بن كيسان أن عروة بن الزبير
حدثه عن عائشة: (( أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين فى الحضر
والسفر، فأقرت صلاة السفر على ركعتين، وأتمت فى الحضر أربعاً)).
قال صالح فأخبر بها عمر بن عبد العزيز ، فقال : إن عروة أخبرنى أن
عائشة نصلي أربع ركعات فى السفر ، قال فوجدت عروة يوماً عنده ،
١٥٢

فقلت : كيف أخبرتنى عن عائشة ؟ فحدث بما حدثنى به . فقال عمر :
أليس حدثتنى أنها كانت تصلي أربعاً فى السفر؟ قال : بلى . وفي
الصحيحين عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة
قالت: (( أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فزيد في صلاة الحضر
وأقرت صلاة السفر )). قال الزهري : قلت هما شأن عائشة كانت تتم
الصلاة ؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان . فهذا عروة يروي عنها أنها
اعتذرت عن إتمامها بأنها قالت لا يشق على، وقال: إنها تأولت كما
تأول عثمان . فدل ذلك على أن إتمامها كان بتأويل من اجتهادها ، ولو
كان النبى صلى الله عليه وسلم قد حسن لها الإتمام أو كان هو قد أتم
لكانت قد فعلت ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكذلك عثمان ، ولم يكن ذلك مما يتأول بالاجتهاد.
ثم إن هذا الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال بالإتمام
في السفر، وقد عرف أنه باطل ، فكيف ، بما هو أبطل منه، وهو كون
النبى صلى الله عليه وسلم كان يتم فى السفر ويقصر ؟ وهذا خلاف
المعلوم بالتواتر من سنته التى اتفق عليها أصحابه نقلاعنه وتبليغاً إلى أمته،
لم ينقل عنه قط أحد من أصحابه أنه صلى في السفر أربعاً؛ بل تواترت
الأحاديث عنهم أنه كان يصلي فى السفر ركعتين هو وأصحابه .
والحديث الذي يرويه زيد العمي عن أنس بن مالك قال: ((إنا
١٥٣

معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر: فمنا الصائم،
ومنا المفطر ، ومنا المتم ، ومنا المقصر ، فلم يعب الصائم على المفطر ،
ولا المتم على المقصر )). هو كذب بلا ريب ، وزيد العمي ممن اتفق
العلماء على أنه متروك، والثابت عن أنس إنما هو فى الصوم . ومما يبين
ذلك أنهم في السفر مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يصلون
فرادى ؛ بل كانوا يصلون بصلاته ، بخلاف الصوم ؛ فإن الإنسان قد
يصوم وقد يفطر ، فهذا الحديث من الكذب ، وإن كان البيهقى روى
هذا فهذا مما أنكر عليه ، ورآه أهل العلم لا يستوفى الآثار التى لمخالفيه
كما يستوفى الآثار التى له، وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر
ضعفها وقدح فيها ، وإنما أوقعه فى هذا - مع علمه ودينه -
ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي صلى الله عليه وسلم
موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر . فمن سلك هذه السبيل
دحضت حججه ، وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق ، كما يفعل
ذلك من يجمع الآثار ويتأولها فى كثير من المواضع بتأويلات يبين
فسادها لتوافق القول الذي ينصره، كما يفعله صاحب شرح الآثار
أبو جعفر ، مع أنه يروى من الآثار أكثر مما يروي البيهقى ؛ لكن
البيهقى ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي .
والحديث الذي فيه « أنه صلى الله عليه وسلم كان يقصر ويتم
١٥٤

ويفطر ويصوم)) قد قيل إنه مصحف، وإنما لفظه، ((كان يقصر
وتتم)) هي- بالتاء- ((ويفطر وتصوم)) هي، ليكون معنى هذا الحديث
معنى الحديث الآخر الذي إسناده أمثل منه . فإنه معروف عن عبد
الرحمن بن الأسود ، لكنه لم يحفظ عن عائشة. وأما نقل هذا الآخر
عن عطاء فغلط على عطاء قطعاً، وإنما الثابت عن عطاء « أن عائشة
كانت تصلي فى السفر أربعا )) كما رواه غيره ، ولو كان عند عائشة عن
النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك سنة لكانت محتج بها .
ولو كان ذلك معروفا من فعله لم تكن عائشة أعلم بذلك من أصحابه
الرجال الذين كانوا يصلون خلفه دائماً فى السفر ؛ فإن هذا ليس مما تكون
عائشة أعلم به من غيرها من الرجال ، كقيامه بالليل واغتساله من
الإكسال ، فضلا عن أن تكون مختصة بعلمه ؛ بل أمور السفر أصحابه
أعلم بحاله فيها من عائشة ؛ لأنها لم تكن تخرج معه فى كل أسفاره ؛ فإنه
قد ثبت في الصحيح عنها أنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج
بها معه)) فإنما كان يسافر بها أحياناً، وكانت تكون مخدرة في خدرها،
وقد ثبت عنها فى الصحيح: أنها لما سألها شريح بن هانىء عن ((المسح
على الخفين )) قالت : سل عليا ؛ فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله
عليه وسلم . هذا والمسح على الخفين أمر قد يفعله النى صلى الله
١٥٥

عليه وسلم فى منزله فى الحضر فتراه دون الرجال ؛ بخلاف الصلاة
المكتوبة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في الحضر ولا
في السفر إلا إماما بأصحابه ، إلا أن يكون له عذر من مرض أو غيبة
لحاجة، كما غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل قباء ، وكما غاب في السفر
للطهارة فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح، ولما حضر النبى
صلى الله عليه وسلم حسن ذلك وصوبه .
وإذا كان الإتمام إنما كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه
الرجال قطعاً ، وهو مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ؛ فإن ذلك مخالف
لعادته فى عامة أسفاره ؛ فلو فعله أحياناً لتوفرت هممهم ودواعيهم على
نقله ، كما نقلوا عنه المسح على الخفين لما فعله، وإن كان الغالب عليه
الوضوء . وكما نقلوا عنه الجمع بين الصلاتين أحياناً، وإن كان الغالب
عليه أن يصلي كل صلاة فى وقتها الخاص ، مع أن مخالفة سنته أظهر
من مخالفة بعض الوقت لبعض ، فإن الناس لا يشعرون بمرور الأوقات كما
يشعرون بما يشاهدونه من اختلاف العذر ، فإن هذا أمر يرى بالعين
لا يحتاج إلى تأمل واستدلال ؛ بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت
المغرب فإنه يحتاج إلى تأمل .
ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن جمعه إنما كان في غير
عرفة ومزدلفة بأن يقدم الثانية ويؤخر الأولى إلى آخر وقتها ، وقد
١٥٦

روي أنه كان يجمع كذلك . فهذا مما يقع فيه شبهة ؛ بخلاف الصلاة أربعا
لو فعل ذلك فى السفر ؛ فإن هذا لم يكن يقع فيه شبهة ولا نزاع ، بل
كان ينقله المسلمون ، ومن جوز عليه أن يصلي فى السفر أربعاً - ولا
ينقله أحد من الصحابة ، ولا يعرف قط إلا من رواية واحد مضعف
عن آخر عن عائشة ، والروايات الثابتة عن عائشة لا توافقه بل
تخالفه - فإنه لو روى له بإسناد من هذا الجنس أن النبى صلى الله
عليه وسلم صلى الفجر مرة أربعاً لصدق ذلك . ومثل هذا ينبغي
أن يصدق بكل الأخبار التى من هذا الجنس التى ينفرد فيها الواحد
مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله ، ويعلم أنه لو كان حقاً لكان ينقل
ويستفيض . وهذا فى الضعف مثل أن ينقل عنه أنه قال لأهل مكة
بعرفة ومزدلفة ومنى: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، وينقل ذلك عن
عمر ، ولا ينقل إلا من طريق ضعيف ، مع العلم بأن ذلك لو كان حقاً
لكان مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله .
وذلك مثل ماروى أبو داود الطيالسى : حدثنا حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، قال : سأل سائل عمران بن
الحصين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر؟ فقال:
إن هذا الفتى يسألني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر
فاحفظوهن عنى ، ما سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراً
١٥٧

قط ، إلا صلى ركعتين حتى يرجع ، وشهدت مع رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم حنيناً والطائف فكان يصلي ركعتين ، ثم حججت معه
واعتمرت فصلى ركعتين، ثم قال: ((يا أهل مكة! أتموا صلاتكم فإنا
قوم سفر)) ثم حججت مع أبى بكر واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين،
ثم قال: (( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر )) ثم حججت مع
عمر واعتمرت فصلى ركعتين وقال: (( أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) ثم
حججت مع عثمان واعتمرت ، فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان أثم.
فما ذكره فى هذا الحديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في
السفر قط إلا ركعتين ؟ هو مما اتفقت عليه سائر الروايات ؛ فإن جميع
الصحابة إنما نقلوا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صلى في
السفر ركعتين .
وأما ما ذكره من قوله: « يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر))
فهذا مما قاله بمكة عام الفتح ، لم يقله في حجته ، وإنما هذا غلط وقع
في هذه الرواية . وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن حميد ، عن حماد
بإسناده، رواه البيهقى من طريقه. ولفظه: ما سافر رسول الله صلى
الله عليه وسلم سفراً إلا صلى ركعتين؛ حتى يرجع، ويقول: ((يا أهل
مكة ! قوموا فصلوا ركعتين فإنا قوم سفر )) وغزا الطائف وحنيناً ،
فصلى ركعتين وأتى الجعرانة فاعتمر منها ، وحججت مع أبى بكر
١٥٨

واعتمرت، فكان يصلي ركعتين، وحججت مع عمر بن الخطاب، فكان يصلي
ركعتين ، فلم يذكر قوله إلا عام الفتح ، قبل غزوة حنين والطائف،
ولم يذكر ذلك عن أبي بكر وعمر ، وقد رواه أبو داود فى سننه
صريحاً من حديث ابن علية : حدثنا علي بن زيد ، عن أبى نضرة
عن عمران بن حصين ، قال : عرفت مع النبى صلى الله عليه وسلم
وشهدت معه الفتح ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين يقول :
((يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر)) وهذا إنما كان فى غزوة
الفتح فى نفس مكة ، لم يكن بمنى ، وكذلك الثابت عن عمر أنه صلى
بأهل مكة فى الحج ركعتين، ثم قال عمر بعد ما سلم : أنتموا الصلاة يا أهل
مكة ! فإنا قوم سفر .
هذا ومما يبين ذلك أن هذا لم ينقله عن النبى صلى الله عليه وسلم
أحد من الصحابة ، لا ممن نقل صلاته ، ولا ممن نقل نسكه وحجه مع
توفر الهمم والدواعى على نقله، مع أن أئمة فقهاء الحرمين كانوا يقولون
إن المكيين بقصرون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى . أفيكون كان معروفاً
عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك؟ أم كانوا جهالا بمثل
هذا الأمر الذي يشيع ولا يجهله أحد ممن حج مع النبى صلى الله عليه
وسلم؟ وفى الصحيحين عن حارثة بن خزاعة ، قال: ((صلينا مع
النبى صلى الله عليه وسلم بمنى أكثر ماكنا وآمنه ركعتين)) . حارثة هذا
١٥٩

خزاعي ، وخزاعة منزلها حول مكة .
وفى الصحيحين عن عبد الله بن زيد (١)، قال: ((صلى بنا عثمان
بمنى أربع ركعات ، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ، وقال :
صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع
أبى بكر بمنى ركعتين ؛ وصليت مع عمر بمنى ركعتين: فليت حظي من
أربع ركعات ركعتان متقبلتان)).
وإتمام عثمان رضي الله عنه قد قيل إنه كان لأنه تأهل بمكة ، فصار
مقيما ، وفي المسند عن عبد الرحمن بن أبى ذئاب(٢): أن عثمان صلى بمنى
أربع ركعات ، فأنكر الناس عليه فقال : يا أيها الناس إنى تأهلت بمكة
منذ قدمت ، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من
تأهل فى بلد فليصل صلاة مقيم بمكة ثلاثة أيام ويقصر الرابعة)) (٣) فإنه
يقصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يمكنه أن يقيم بها
أكثر من ذلك ، فإن عثمان كان من المهاجرين ، وكان المقام بمكة
حراماً عليهم .
وفى الصحيحين: « أن النبى صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجر
أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ، وكان عثمان إذا اعتمر بأمر
براحلته ، فتهيأ له فيركب عليها عقب العمرة ، لئلا يقيم بمكة ، فكيف
(١) لعل الصواب : عن عبد الرحمن بن يزيد .
(٢) لعل الصواب عبد الرحمن بن أبي ذباب .
(٣) الحديث ورد في مسند الإمام أحمد مجلد ١ ص ٦٢ ولفظه . (( من تأهل في بلد فليصل
صلاة المقيم )) .
١٦٠