النص المفهرس

صفحات 101-120

ابن أبى الجعد عن زبيد اليامى ، عن عبد الرحمن فهذه الأربعة ليست
من جنس الفجر .
ومعلوم أنه يوم الجمعة يصلي ركعتين تارة ، ويصلي أربعا أخرى ،
ومن فاتته الجمعة إنما يصلي أربعا لا يصلي ركعتين، وكذلك من لم يدرك
منها ركعة عند الصحابة وجمهور العلماء ، كما ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من أدرك ركعة من الصلاة
فقد أدركها )) وإذا حصلت شروط الجمعة خطب خطبتين وصلى ركعتين .
فلو قدر أنه خطب وصلى الظهر أربعا لكان تاركا للسنة ، ومع هذا
فليسوا كمن صلى الفجر أربعا ؛ ولهذا يجوز للمريض والمسافر والمرأة
وغيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة أن يصلي الظهر أربعا أن يأتم به في
الجمعة فيصلي ركعتين ، فكذلك المسافر له أن يصلي ركعتين ، وله أن
ء
بمقيم فيصلي خلفه أربعا .
يام
فإن قيل : الجمعة يشترط لها الجماعة فلهذا كان حكم المنفرد فيها
خلاف حكم المؤتم ؟ وهذا الفرق ذكره أصحاب الشافعي وطائفة من
أصحاب أحمد .
قيل لهم: اشتراط الجماعة في الصلوات الخمس فيه نزاع فى مذهب
أحمد وغيره ، والأقوى أنه شرط مع القدرة ، وحينئذ المسافر لما انتم
١٠١

بالمقيم دخل في الجماعة الواجبة فلزمه اتباع الإمام كما فى الجمعة ، وإن
قيل : فللمسافرين أن يصلوا جماعة . قيل : ولهم أن يصلوا يوم الجمعة
جماعة ، ويصلوا أربعا . وصلاة العيد قد ثبت عن علي أنه استخلف
من صلى بالناس فى المسجد أربعا: ركعتين للسنة وركعتين لكونهم لم
يخرجوا إلى الصحراء، فصلاة الظهر يوم الجمعة . وصلاة العيدين تفعل تارة
اثنتين ونارة أربعا ، كصلاة المسافر ، بخلاف صلاة الفجر ، وعلى هذا
تدل آثار الصحابة ؛ فإنهم كانوا يكرهون من الإمام أن يصلي أربعا ،
ويصلون خلفه ، كما في حديث سلمان ، وحديث ابن مسعود وغيره
مع عثمان ، ولو كان ذلك عندم كمن يصلي الفجر أربعا لما استجازوا
أن يصلوا أربعا ، كما لا يستجيز مسلم أن يصلي الفجر أربعا .
ومن قال : إنهم لما قعدوا قدر التشهد أدوا الفرض والباقي
تطوع . قيل له : من المعلوم أنه لم ينقل عن أحدم أنه قال نوينا
التطوع بالركعتين .
وأيضاً فإن ذلك ليس بمشروع فليس لأحد أن يصلي بعد الفجر
ركعتين ؛ بل قد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى بعد
الإقامة السنة، وقال (( الصبح أربعا ؟! )) وقد صلى قبل الإمام فكيف
إذا وصل الصلاة بصلاة. وقد ثبت فى الصحيح: ((أن النبي صلى
١٠٢

الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام
أو قيام )).
وقد كان الصحابة ينكرون على من يصل الجمعة وغيرها بصلاة
تطوع ، فكيف يسوغون أن يصل الركعتين فى السفر إن كان لا يجوز
إلا ركعتان بصلاة تطوع؟ وأيضاً فلماذا وجب على المقيم خلف المسافر
أن يصلي أربعا كما ثبت ذلك عن الصحابة وقد وافق عليه أبو حنيفة ؟
وأيضاً فيجوز أن يصلي المقيم أربعا خلف المسافر ركعتين ، كما كان
النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يفعلون ذلك ، ويقولون أنموا صلاتكم
فإنا قوم سفر .
وهذا مما يبين أن صلاة المسافر من جنس صلاة المقيم فإنه قد
سلم جماهير العلماء أن يصلي هذا خلف هذا ، كما يصلي الظهر
خلف من يصلي الجمعة ، وليس هذا كمن صلى الظهر قضاء خلف من
يصلى الفجر .
وأما من قال : إن المسافر فرضه أربع ، وله أن يسقط ركعتين
بالقصر فقوله مخالف للنصوص وإجماع السلف والأصول ، وهو قول
متناقض . فإن هاتين الركعتين يملك المسافر إسقاطها لا إلى بدل ولا
إلى نظيره ، وهذا يناقض الوجوب ، فإنه يمتنع أن يكون الشيء واجبا
١٠٣

على العبد ومع هذا لا يلزمه فعله ولا فعل بدله ولا نظيره ، فعلم
بذلك أن الفرض على المسافر الركعتان فقط ، وهذا الذي يدل عليه
كلام أحمد وقدماء أصحابه فإنه لم يشترط فى القصر نية ، وقال :
لا يعجبني الأربع ، وتوقف فى إجزاء الأربع .
ولم ينقل أحد عن أحمد انه قال: لا يقصر إلا بنية ؛ وإنما هذا من
ء
قول الخرقى ومن اتبعه ، ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة فى ذلك
كما قاله جماهير العلماء ؛ وهو اختيار أبى بكر موافقة لقدماء الأصحاب
كالخلال وغيره؛ بل والأثرم وأبى داود وإبراهيم الحربى وغيرهم ،
فانهم لم يشترطوا النية لا فى قصر ولا فى جمع. وإذا كان فرضه
ركعتين فإذا أتى بها أجزأه ذلك ، سواء نوى القصر أو لم ينوه ،
وهذا قول الجماهير ، كمالك ، وأبي حنيفة ، وعامة السلف . وما علمت
أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا فى قصر ولا فى
جمع ، ولو نوى المسافر الإمام كانت السنة فى حقه الركعتين ، ولو
صلى أربعا كان ذلك مكروها كما لم ينوه .
ولم ينقل قط أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه
لا بنية قصر ولا نية جمع ، ولا كان خلفاؤه وأصحابه بأمرون بذلك
من يصلي خلفهم ، مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله
الإمام ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما خرج فى حجته صلى بهم
١٠٤

الظهر بالمدينة أربعا ، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين ، وخلفه
أمم لا يحصى عددهم إلا الله: كلهم خرجوا يحجون معه، وكثير منهم
لا يعرف صلاة السفر: إما لحدوث عهده بالإسلام ، وإما لكونه لم يسافر
بعد ، لا سيما النساء صلوا معه ولم يأمرهم بنية القصر، وكذلك
جمع بهم بعرفة ، ولم يقل لهم : إنى أريد أن أصلي العصر بعد الظهر
حتى صلاها .
فهل
السفر فى كتاب الله وسنة رسوله فى القصر والفطر مطلق.
ثم قد تنازع الناس فى جنس السفر وقدره . أما جنسه فاختلفوا
فى نوعين .
أحدهما : حكمه. فمنهم من قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو
غزو . وهذا قول داود وأصحابه إلا ابن حزم ، قال ابن حزم وهو
قول جماعة من السلف ، كما روينا من طريق ابن أبى عدي : حدثنا
جرير ، عن الأعمش عن عمارة بن عمير ، عن الأسود، عن ابن مسعود قال :
لا بقصر الصلاة إلا حاج أو مجاهد . وعن طاووس انه كان يسأل عن
قصر الصلاة فيقول : إذا خرجنا حجاجا او عمارا صلينا ركعتين ،
١٠٥

وعن إبراهيم التيمي أنه كان لا يرى القصر إلا فى حج أو عمرة أو
جهاد ، وحجة هؤلاء أنه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر
ء
فإن القرآن ليس فيه إلا قصر المسافر إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا
وهذا سفر الجهاد . وأما السنة فإن التى صلى الله عليه وسلم قصر
في حجه وعمره وغزواته ، فثبت جواز هذا ، والأصل فى الصلاة
الإتمام ، فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة .
ومنهم من قال : لا يقصر إلا في سفر يكون طاعة ، فلا يقصر في
مباح ، كسفر التجارة . وهذا يذكر رواية عن أحمد ، والجمهور
يجوزون القصر فى السفر الذي يجوز فيه الفطر ، وهو الصواب ؛ لأن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر
الصلاة )) رواه عنه أنس بن مالك الكمى، وقد رواه أحمد وغيره بإسناد جيد.
وأيضاً فقد ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن يعلى بن أمية أنه
قال لعمر بن الخطاب (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ
فقد أمن الناس : فقال : عجبت مما عجبت
الَّذِينَ كَفَرُواْ )
منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ((صدقة
تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) وهذا يبين أن سفر
الأمن يجوز فيه قصر العدد ، وإن كان ذلك صدقة من الله علينا أمرنا
١٠٦

بقبولها . وقد قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد إن شئنا قبلناها وإن
شئنا لم نقبلها ، فإن قبول الصدقة لا يجب ؛ ليدفعوا بذلك الأمر
بالركعتين . وهذا غلط ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقبل
صدقة الله علينا، والأمر للإيجاب، وكل إحسانه إلينا صدقة علينا، فإن لم
نقبل ذلك هلكنا .
وأيضاً فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال : صلاة السفر ركعتان
تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى . كما قال :
صلاة الجمعة ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ،
وهذا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن للمسلمين الصلاة
في جنس السفر ركعتين، كما سن الجمعة والعيدين ، ولم يخص ذلك بسفر
نسك أو جهاد .
وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت : فرضت
الصلاة ركعتين، فزيد فى صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر. وهذا يبين
أن المسافر لم يؤمر بأربع قط، وحينئذ فما أوجب الله على المسافر
أن يصلي أربعاً ، وليس فى كتاب الله ولا سنة رسوله لفظ بدل على
أن المسافر فرض عليه أربع وحينئذ فمن أوجب على مسافر أربعاً فقد
أوجب مالم يوجبه الله ورسوله .
١٠٧

فإن قيل: قوله: ((وضع )» يقتضي أنه كان واجباً قبل هذا ،
كما قال: ((إنه وضع عنه الصوم) ومعلوم أنه لم يجب على المسافر
صوم رمضان قط ؛ لكن لما انعقد سبب الوجوب فأخرج المسافر من
ذلك سمي وضعاً ، ولأنه كان واجباً فى المقام ، فلما سافر وضع بالسفر
كما يقال: من أسلم وضعت عنه الجزية، مع أنها لا تجب على مسلم بحال.
وأيضاً فقد قال صفوان بن محرز ؛ قلت لابن عمر ، حدثنى
عن صلاة السفر ، قال أتخشى أن يكذب علي؟ قلت لا. قال : ركعتان
من خالف السنة كفر ، وهذا معروف رواه أبو التياح عن مورق العجل
عنه ، وهو مشهور فى كتب الآثار . وفى لفظ : صلاة السفر ركعتان
ومن خالف السنة كفر. وبعضهم رفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
فبين أن صلاة السفر ركعتان وأن ذلك من السنة التى من خالفها
فاعتقد خلافها فقد كفر . وهذه الأدلة دليل على أن من قال انه لا يقصر
إلا فى سفر واجب فقوله ضعيف .
ومنهم من قال : لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم ، ويقصر
ء
في المباح، وهذا أيضاً رواية عن أحمد . وهل يقصر فى سفر النزهة ؟
فيه عن أحمد روايتان :
وأما السفر المحرم فمذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لا يقصر
فيه ، وأما أبو حنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا بقصر فى
١٠٨

جنس الأسفار، وهو قول ابن حزم وغيره ، وأبو حنيفة وابن حزم
وغيرهما : يوجبون القصر فى كل سفر، وإن كان محرما ، كما يوجب
الجميع التيمم إذا عدم الماء في السفر المحرم ، وابن عقيل رجح فى بعض
المواضع القصر والفطر في السفر المحرم .
والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر ، ولم
يخص سفراً من سفر . وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة
قد أطلقا السفر، قال تعالى: ( فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) كما قال فى آية التيمم: ( وَإِن كُنتُم مَرْضَىَ أَوْعَلَى سَفَرٍ)
الآية وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين ، ولم
ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفراً من
سفر مع علمه بأن السفر يكون حراما ومباحا ، ولو كان هذا مما
يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات ، ولو بين ذلك
لنقلته الأمة ، وما علمت عن الصحابة فى ذلك شيئاً .
وقد علق الله ورسوله أحكاما بالسفر كقوله تعالى فى التيمم :
وَإِنْ كُنْتُمْ فَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) وقوله في الصوم: (فَمَنْ كَانَ مِنَّكُم
)
◌َرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) وقوله (وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ
مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن)) وقوله
١٠٩

((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو
ذي محرم)) وقوله: (( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة))
ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع
دون نوع ، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقاً بأحد نوعى السفر
ولا يبين الله ورسوله ذلك ؟ ! بل يكون بيان الله ورسوله
متناولا للنوعين.
وهكذا فى تقسيم السفر إلى طويل وقصير ، وتقسيم الطلاق بعد
الدخول إلى بأن ورجعي، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفرة وغير مكفرة،
وأمثال ذلك مما علق الله ورسوله الحكم فيه بالجنس المشترك العام فجعله
بعض الناس نوعين : نوعا يتعلق به ذلك الحكم ، ونوعا لا يتعلق. من
غير دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة : لا نصاً ولا استنباطاً .
والذين قالوا لا يثبت ذلك فى السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى فى
الميتة: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَاعَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) وقد ذهب طائفة
من المفسرين إلى أن ((الباغي)) هو الباغي على الإمام الذي يجوز
قتاله و ((العادي)) هو العادي على المسلمين ، وهم المحاربون قطاع
الطريق . قالوا فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى ،
وقالوا إذا اضطر العاصي بسفره أمرنا أن يتوب وبأكل ، ولا نبيح
له إتلاف نفسه . وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعى وأحمد .
١١٠

وأما أحمد ومالك فجوزا له أكل الميتة دون القصر والفطر . قالوا :
ولأن السفر المحرم معصية ، والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز
الإعانة على المعصية .
وهذه حجج ضعيفة . أما الآية فأكثر المفسرين قالوا : المراد
بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال ، والعادي
الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه ، وهذا التفسير هو الصواب دون
الأول ؛ لأن الله أزل هذا في السور المكية: الأنعام ، والنحل ،
وفى المدنية : ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل ، والضرورة لا تختص
بسفر ، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصاً بقطع الطريق
والخروج على الإمام ، ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
إمام يخرج عليه ، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافراً ، والبغاة
الذين أمر الله بقتالهم فى القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين،
ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولا مسافرين ؛ بل كانوا من أهل
العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد ، فكيف يجوز أن تفسر الآية
بما لا يختص بالسفر، وليس فيها كل سفر محرم ؟ فالمذكور في الآية لو
كان كما قيل لم يكن مطابقاً للسفر المحرم ، فإنه قد يكون بلا سفر،
وقد يكون السفر المحرم بدونه .
وأيضاً فقوله ( غير باغ ) حال من ( اضطر ) فيجب أن يكون
١١١

حال اضطراره وأ كله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد ، فإنه قال :
( فَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) ومعلوم أن الإتم إنما ينفى عن الأكل الذي هو
الفعل ، لا عن نفس الحاجة إليه فمعنى الآية : فمن اضطر فأكل غير
باغ ولا عاد . وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي فى أكله ولا يتعدى.
والله تعالى يقرن بين البغي والعدوان. فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان
مجاوزة القدر المباح ، كما قرن بين الإثم والعدوان في قوله: ( وَتَعَاوَنُواْ
عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدُوَنِ ) فالإثم جنس الشر والعدوان
مجاوزة القدر المباح ، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: (وَمَا أُخْتَلَفَ
الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ ) وقال تعالى
( فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) فالإثم جنس
لظلم الورثة إذا كان مع العمد ، وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير
عمد؛ لكن قال كثير من المفسرين الجنف الخطأ، والإثم العمد ؛ لأنه ما
خص الإثم بالذكر وهو العمد بقى الداخل فى الجنف الخطأ ، ولفظ
العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ
يَتَعَذَّ حُدُودَاُللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) ونحو ذلك، ومما يشبه هذا قوله
: (رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا) والإسراف مجاوزة الحد المباح،
وأما الذنوب فما كان جنسه شر وإنم.
وأما قولهم : إن هذا إعانة على المعصية فغلط ؛ لأن المسافر مأمور
١١٢

بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلي بالتيمم . وإذا عدم الماء
فى السفر المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست
طاعة ولا مأموراً بها أحد من المسافرين ، وإذا فعلها المسافر كان قد
فعل منهياً عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف
مستوطن . فهل يصليها إلا ركعتين وإن كان عاصياً بسفره، وإن كان إذا
صلى وحده صلى أربعاً ؟.
وكذلك صومه في السفر ليس براً ولا مأموراً به ؛ فإن النبى
صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: ((ليس من البر الصيام فى
السفر)) وصومه إذا كان مقيما أحب إلى الله من صيامه فى سفر محرم،
ولو أراد أن يتطوع على الراحلة فى السفر المحرم لم يمنع من ذلك ،
وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلي ؟ ولو أخذت ثيابه أما
كان يصلي عرياناً؟ فإن قيل هذا لا يمكنه إلا هذا قيل: والمسافر لم
يؤمر إلا بركعتين ، والمشروع فى حقه أن لا يصوم ، وقد اختلف
الناس لو صام هل يسقط الفرض عنه ؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد
رمضان أجزاء ، وهذه المسألة ليس فيها احتياط ، فإن طائفة يقولون:
من صلى أربعا أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك ، كما لو فعل
ذلك فى السفر المباح عندهم .
وطائفة يقولون لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان ، وكذلك
١١٣

أكل الميتة واجب على المضطر : سواء كان فى السفر أو الحضر ،
وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرم، فلو ألقى ماله فى البحر
واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها ، ولو سافر سفراً محرماً
فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعداً ، ولو قاتل قتالا محرما
حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعداً .
فإن قيل : فلو قاتل قتالا محرماً هل يصلى صلاة الخوف ؟ قيل يجب عليه
أن يصلي ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة؛
بل إذا صلى صلاة خائف كان خيراً من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد ؟
هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة فى الوقت
وجب ذلك عليه ، لأنه مأمور بها ، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل
ذلك ، ففى صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع.
( النوع الثانى) من موارد النزاع أن عثمان كان لا يرى مسافراً
إلا من حمل الزاد والمزاد دون من كان نازلا فكان لا يحتاج فيه
إلى ذلك كالتاجر والتاني والجابى الذين يكونون فى موضع لا يحتاجون
فيه إلى ذلك ، ولم يقدر عثمان للسفر قدراً؛ بل هذا الجنس عنده
ليس بمسافر ، وكذلك قيل: إنه لم ير نفسه والذين معه مسافرين بمنى
لما صارت منى معمورة ، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه
قال : كانوا يقولون السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يحمل فيه
الزاد والمزاد . ومأخذ هذا القول - والله أعلم - أن القصر إنما
١١٤

كان فى السفر ، لا فى المقام ، والرجل إذا كان مقيماً في مكان يجد
فيه الطعام والشراب لم يكن مسافراً ؛ بل مقيماً ؛ بخلاف المسافر الذي
يحتاج أن يحمل الطعام والشراب ، فإن هذا يلحقه من المشقة ما يلحق
المسافر من مشقة السفر . وصاحب هذا القول كأنه رأي الرخصة إنما
تكون للمشقة والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى حمل الطعام والشراب.
وقد نقل عن غيره كلام يفرق فيه بين جنس وجنس . روى
ابن أبى شيبة عن علي بن مسهر ، عن أبى إسحاق الشيباني ، عن قيس
ابن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله بن مسعود ، قال :
لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم، فإنه من مصركم . فقوله : من
((مصركم )) بدل على أنه جعل السواد بمنزلة المصر لما كان تابعاً له .
وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ،
عن أبيه ، قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة
فأذن لي ، وشرط علي أن لا أفطر ، ولا أصلي ركعتين حتى أرجع
إليه ، وبينهما نيف وستون ميلا . وعن حذيفة : أن لا يقصر إلى
السواد . وبين الكوفة والسواد تسعون ميلا . وعن معاذ بن جبل
وعقبة بن عامر : لا يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو بطون الأودية
وتزعمون أنكم سفر ! لا ولا كرامة : إنما التقصير فى السفر من الباءات
من الأفق إلى الأفق .
١١٥

قلت : هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان ولا
بالمكان ؛ لكن جعلوا هذا الجنس من السير ليس سفراً، كما جعل
عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ومزاد . فإن كانوا قصدوا ما قصده
عثمان من أن هذا لا يزال يسير فى مكان [لا] يحمل فيه الزاد والمزاد فهو
(١)
كالمقيم فقد وافقوا عثمان ؛ لكن ابن مسعود خالف عثمان فى إتمامه
بمنى ، وإن كان قصدهم أن أعمال البلد تبع له كالسواد مع الكوفة .
وإنما المسافر من خرج من عمل إلى عمل : كما فى حديث معاذ : من
أفق إلى أفق . فهذا هو الظاهر ؛ ولهذا قال ابن مسعود عن السواد :
فإنه من مصركم . وهذا كما أن ما حول المصر من البساتين والمزارع
تابعة له ، فهم يجعلون ذلك كذلك وإن طال ، ولا يحدون فيه مسافة .
وهذا كما أن ((المخاليف)) وهي الأمكنة التى يستخلف فيها من هو
خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير ، وفى حديث معاذ : من خرج
من مخلاف إلى مخلاف .
يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار : حدثنا أبو عامر العقدي،
حدثنا شعبة ، سمعت قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه ، عن
جده : أنه خرج مع عبد الله بن مسعود - وهو رديفه على بغلة له -
مسيرة أربعة فراسخ فصلى الظهر ركعتين . قال شعبة أخبرني بهذا
قيس بن عمران وأبوه عمران بن عمير شاهد وعمير مولى ابن مسعود .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
١١٦

فهذا يدل على أن ابن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة؛ ولكن اعتبر
أمراً آخر كالأعمال، وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان ، لكن بعموم
الولايات وخصوصها : مثل من كان بدمشق فإذا سافر إلى ما هو خارج
عن أعمالها كان مسافراً . وأصحاب هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص
فيه للمسافر إنما رخص فيه للمشقة التى تلحقه فى السفر ، واحتياجه
إلى الرخصة ، وعلموا أن المتنقل فى المصر الواحد من مكان إلى مكان
ليس بمسافر ، وكذلك الخارج إلى ما حول المصر، كما كان النبي صلى الله
عليه وسلم يخرج إلى قباءكل سبت راكباً وماشياً ، ولم يكن يقصر،
وكذلك المسلمون كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ولم يكونوا يقصرون .
فكان المتنقل فى العمل الواحد بهذه المثابة عندهم .
وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبى صلى الله عليه وسلم
بعرفة ومزدلفة ومنى ، مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة إليها ، وهي
أكثر تبعاً لها من السواد للكوفة ، وأقرب إليها منها ؛ فإن بين باب
بنى شيبة وموقف الإمام بعرفة عند الصخرات التى فى أسفل جبل الرحمة
بريد بهذه المسافة وهذا السير ، وتم مسافرون ، وإذا قيل : المكان
الذى يسافرون إليه ليس بموضع مقام . قيل : بل كان هناك قرية
نمرة والنبى صلى الله عليه وسلم لم ينزل بها ، وكان بها أسواق،
وقريب منها عرنة التى تصل واديها بعرفة ، ولأنه لا فرق بين السفر
١١٧

إلى بلد يقام فيه وبلد لا يقام فيه إذا لم يقصد الإقامة ؛ فإن النبى
صلى الله عليه وسلم والمسلمين سافروا إلى مكة وهي بلد يمكن
الإقامة فيه وما زالوا مسافرين في غزوم وحجهم وعمرتهم ، وقد قصر
النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة فى جوف مكة عام الفتح، وقال :
((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) وكذلك عمر بعده فعل
ذلك ، رواه مالك بإسناد صحيح ، ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر بمنى ، ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط.
وهذا بخلاف خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباءكل سبت
راكباً وماشياً ، وخروجه إلى الصلاة على الشهداء ، فإنه قبل أن يموت
بقليل صلى عليهم ، وبخلاف ذهابه إلى البقيع ، وبخلاف قصد أهل
العوالي المدينة ليجمعوا بها، فإن هذا كله ليس بسفر ، فإن اسم
المدينة متناول لهذا كله ، وإنما الناس قسمان الأعراب وأهل المدينة ،
ولأن الواحد منهم يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من غير أن يتاهب
لذلك أهبة السفر ، فلا يحمل زاداً ولا مزاداً لا في طريقه ولا فى
المنزل الذي يصل إليه ، ولهذا لا يسمى من ذهب إلى ربض مدينته
مسافراً ، ولهذا يجب الجمعة على من حول المصر عند أكثر العلماء
وهو يقدر بسماع النداء ، وبفرسخ ، ولو كان ذلك سفراً لم تجب الجمعة
على من ينشئ لها سفراً ؛ فإن الجمعة لا تجب على مسافر ، فكيف
يجب أن يسافر لها .
١١٨

وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافراً لقطعه مسافة محدودة ولا
لقطعه أياماً محدودة ، بل كان مسافراً لجنس العمل الذي هو سفر ،
وقد يكون مسافراً من مسافة قريبة ولا يكون مسافراً من أبعد منها :
مثل أن يركب فرساً سابقاً ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى
بلده ، فهذا ليس مسافراً. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة ، ويحتاج
في ذلك إلى حمل زاد ومزاد كان مسافراً ، كما كان سفر أهل مكة
إلى عرفة . ولو ركب رجل فرساً سابقاً إلى عرفة ثم رجع من يومه
إلى مكة لم يكن مسافراً .
يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ((يمسح
المسافر ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يوماً وليلة)) فلو قطع بريدا في
ثلاثة أيام كان مسافراً ثلاثة أيام ولياليهن، فيجب أن يمسح مسح سفر،
ولو قطع البريد فى نصف يوم لم يكن مسافراً. فالنبى صلى الله عليه
وسلم إنما اعتبر أن يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثاً أو بطيئاً ،
سواء كانت الأيام طوالا أو قصاراً، ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين
جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام ، وجعلوا المسافة الواحدة حداً يشترك
فيه جميع الناس ، حتى لو قطعها فى يوم جعلوه مسافراً ، ولو قطع
ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافراً ، وهذا مخالف لكلام النبي
صلى الله عليه وسلم .
١١٩

وأيضاً فالنى صلى الله عليه وسلم فى ذهابه إلى قباء والعوالي
ء
واحد ومجيء أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون فى
عمران بين الأبنية والحوائط التى هي النخيل ، وتلك مواضع الإقامة
لا مواضع السفر ، والمسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء ؛
فإن لفظ ((السفر)) يدل على ذلك. يقال: سفرت المرأة عن وجهها
إذا كشفته . فإذا لم يبرز إلى الصحراء التى ينكشف فيها من بين
المساكن لا يكون مسافراً، قال تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمِنَ الْأَعْرَابِ
وقال تعالى: (مَاكَانَ
مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ )
لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْبِأَنْفُسِهِمْ عَن
نَّفْسِهِ ) فجعل الناس قسمين: أهل المدينة والأعراب. والأعراب م أهل
العمود ، وأهل المدينة هم أهل المدر .
تجميع من كان ساكناً فى مدر كان من أهل المدينة ، ولم يكن
للمدينة سور يتميز به داخلها من خارجها ؛ بل كانت محال ، محال .
وتسمى المحلة داراً ، والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل
والمقابر، ليست أبنية متصلة، فبنو مالك بن النجار فى قريتهم حوالي
دورهم : أموالهم ونخيلهم ، وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك ، وبنو
مازن بن النجار كذلك ، وبنو سالم كذلك ، وبنو ساعدة كذلك ، وبنو
الحارث بن الخزرج كذلك ، وبنو عمرو بن عوف كذلك ، وبنو عبد
١٢٠