النص المفهرس
صفحات 61-80
ولفظه: حتى إذا كان فى آخر الشفق نزل فصلى المغرب ، ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق فصلى بنا ، ثم أقبل علينا فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به الأمر صنع هكذا . وقال : وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن خالد عن نافع ، ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب . فقد رواه سالم بن عبد الله، وأسلم مولى عمر ، وعبد الله بن دينار ، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب: عن ابن عمر نحو روايتهم، أما حديث سالم فرواه عاصم بن محمد عن أخيه عمر بن محمد عن سالم ، وأما حديث أسلم فأسنده من حديث ابن أبى مريم : أنا محمد بن جعفر أخبرنى زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنت مع ابن عمر فبلغه عن صفية شدة وجع فأسرع السير حتى [إذا] كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما وقال : إنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير آخر المغرب وجمع م بينها . رواه البخاري فى صحيحه عن ابن أبى حريم. وأسند أيضاً من كتاب يعقوب بن سفيان أنا أبو صالح وابن بكير قالا حدثنا الليث قال قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن حدثني عبد الله بن دينار وكان من صالحي المسلمين صدقا ودينا قال : غابت الشمس ونحن مع عبد الله بن عمر فسرنا فلما رأيناه قد أمسى قلنا له: الصلاة ، فسكت حتى غاب الشفق ونصوبت النجوم فنزل فصلى الصلاتين جميعاً ثم قال : ٦١ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير صلى صلاتى هذه ، يقول جمع بينهما بعد ليل . وأما حديث إسماعيل بن عبد الرحمن فأسند من طريق الشافعي وأبى نعيم عن ابن عيينة عن أبى نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال : صحبت ابن عمر فلما غابت الشمس هبنا أن نقول له قم إلى الصلاة، فلما ذهب بياض الأفق وخيمة العشاء نزل فصلى ثلاث ركعات وركعتين ثم التفت إلينا فقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. وأما حديث أنس ففي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس قال : ہے (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ار تحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل جمع بينهما ، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ، هذا لفظ الفعل عن عقيل عنه ، ورواه مسلم من حديث ابن وهب : حدثني جابر بن إسماعيل عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنه كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق)). ورواه مسلم من حديث شبابة : حدثنا الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه ٦٢ وسلم إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر فى السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينها ، ورواه من حديث الإسماعيلي ، أنا الفريابي ، أنا إسحق بن راهويه ، أنا شبابة بن سوار ، عن ليث ، عن عقيل، عن أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل)). قلت : هكذا في هذه الرواية ، وهي مخالفة للمشهور من حديث أنس وأما حديث معاذ فمن إفراد مسلم رواه من حديث مالك وزهير ابن معاوية وقرة بن خالد ، وهذا لفظ مالك ، عن أبى الزبير المكي ، عن أبى الطفيل عامر بن واثلة: أن معاذ بن جبل أخبرهم: ((أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فأخر الصلاة يوما ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء)). قلت: الجمع على ثلاث درجات: أما إذا كان سائراً فى وقت الأولى فإنما ينزل فى وقت الثانية . فهذا هو الجمع الذي ثبت فى الصحيحين من حديث أنس وابن عمر ، وهو نظير جمع مزدلفة . وأما إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً فجمع في وقت الأولى ، فهذا نظير الجمع بعرفة ، وقد روي ذلك فى السنن كما سنذكره إن شاء الله، وأما إذا كان نازلا في وقتها جميعاً نزولا مستمرا : فهذا ما علمت روي مايستدل ٦٣ به عليه إلا حديث معاذ هذا ؛ فإن ظاهره أنه كان نازلا فى خيمة في السفر ، وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم دخل إلى بيته ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً . فإن الدخول والخروج إنما يكون فى المنزل ، وأما السائر فلا يقال دخل وخرج ، بل نزل وركب . وتبوك هي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع ، وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة ، وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك، بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك ، ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ، ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها ، وهذا دليل على أنه كان يجمع أحياناً في السفر وأحياناً لا يجمع ، وهو الأغلب على أسفاره : أنه لم يكن يجمع بينها. وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر ، كالقصر ؛ بل يفعل للحاجة ، سواء كان فى السفر أو الحضر ، فإنه قد جمع أيضاً فى الحضر لئلا يحرج أمته . فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع ، سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية ، أو وقت الأولى وشق النزول عليه ، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى : مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ، ووقت العشاء ، فينزل وقت الظهر وهو تعبان ، سهران ، جائع ، محتاج إلى راحة وأكل ونوم ، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ٦٤ ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره ، فهذا ونحوه يباح له الجمع . وأما النازل أياماً فى قرية أو مصر ، وهو فى ذلك كأهل المصر : فهذا وإن كان يقصر لأنه مسافر فلا يجمع ، كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ، ولا يأكل الميتة: فهذه الأمور أبيحت للحاجة ، ولا حاجة به إلى ذلك ؛ بخلاف القصر فإنه سنة صلاة السفر . والجمع فى وقت الأولى كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة : مأثور فى السنن : مثل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث المفضل بن فضالة ، عن الليث بن سعد ، عن هاشم ابن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبى الطفيل ، عن معاذ بن جبل : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن ير تحل جمع بين الظهر والعصر ، وإن ارتحل قبل أن تزبغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر ، وفي المغرب مثل ذلك : إن غابت الشمس قبل أن ير تحل جمع بين المغرب والعشاء ، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ، ثم نزل جمع بينهما . قال الترمذي حديث معاذ حديث حسن غريب . قلت : وقد رواه قتيبة ، عن الليث ، عن يزيد بن أبى حبيب ، ٦٥ عن أبى الطفيل ؛ لكن أنكروه على قتيبة ، قال البيهقى تفرد به قتيبة عن الليث ، وذكر عن البخاري قال : قلت : لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل ؟ فقال : كتبته مع خالد المدائني . قال البخاري : وكان خالد هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ . قال البيهقى : وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبى حبيب ، عن أبى الطفيل. فأما رواية أبى الزبير ، عن أبى الطفيل : فهي محفوظة صحيحة . قلت : وهذا الجمع الذي فسره هشام بن سعد ، عن أبى الزبير ، والذي ذكره مالك يدخل في الجمع الذي أطلقه الثوري وغيره ، فمن روى عن أبى الزبير، عن أبى الطفيل، عن معاذ: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام تبوك)). وهذا الجمع الأول: ليس فى المشهور من حديث أنس، لأن المسافر إذا ار تحل بعد زيغ الشمس . ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع ، بل يصلي العصر في وقتها، وقد يتصل سيره إلى الغروب : فهذا يحتاج إلى الجمع ، بمنزلة جمع عرفة لما كان الوقوف متصلا إلى الغروب صلى العصر مع الظهر ؛ إذ كان الجمع بحسب الحاجة. وبهذا تتفق أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالنبى صلى الله عليه وسلم لا يفرق بين متماثلين، ولم ينقل أحد عنه: أنه جمع بمنى، ٦٦ ولا بمكة عام الفتح ، ولا في حجة الوداع؛ مع أنه أقام بها بضعة عشر يوما يقصر الصلاة ، ولم يقل أحد: إنه جمع فى حجته إلا بعرفة ومزدلفة فعلم أنه لم يكن جمعه لقصره . وقد روي الجمع فى وقت الأولى فى المصر من حديث ابن عباس أيضاً موافقة لحديث معاذ : ذكره أبو داود فقال : وروى هشام بن عروة ، عن حسين بن عبد الله ، عن كريب عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث الفضل . قلت : هذا الحديث معروف عن حسين ، وحسين هذا ممن يعتبر بحديثه ، ويستشهد به ، ولا يعتمد عليه وحده : فقد تكلم فيه علي ابن المدنى، والنسائى . ورواه البيهقى من حديث عثمان بن عمر ، عن ابن جريج ، عن حسين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا زالت الشمس وهو فى منزله جمع بين الظهر والعصر ، وإذا لم تزل حتى ير تحل سار حتى إذا دخل وقت العصر نزل نجمع الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس وهو في منزله جمع بين المغرب والعشاء ، وإذا لم تغب حتى ير تحل سار حتى [ إذا ] أنت العتمة نزل الجمع بين المغرب والعشاء )) قال البيهقي ورواه حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، أخبرني حسين ، عن كريب ، وكان حسين سمعه منها جميعاً ، واستشهد على ذلك برواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج وهي معروفة، وقد رواها الدار قطني وغيره ، ٦٧ وهي من كتب عبد الرزاق . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج : حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة، وعن كريب عن ابن عباس : أن ابن عباس قال : ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر؟ قلنا بلى . قال: ((كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب ، وإذا لم تزغ له فى منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل جمع بين الظهر والعصر ، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم نحن فى منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما )). قال الدار قطني ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز ، عن ابن جريج ، عن هشام بن عروة عن حسين ، عن كريب . فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه أولا من هشام بن عروة عن حسين، كقول عبد المجيد عنه ، ثم لقي ابن جريج حسيناًفسمعه منه، كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج . قال البيهقى : وروي عن محمد بن عجلان ويزيد بن الهادي وأبي رويس المدنى ، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس . وهو بما تقدم من شواهده يقوى ؛ وذكر ما ذكره البخاري تعليقاً : حديث إبراهيم بن طهان. عن الحسين ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر فى السفر إذا كان على ظهر مسيره، وجمع بين المغرب والعشاء )). أخرجه البخاري في صحيحه فقال: وقال ٦٨ إبراهيم بن طهان فذ کره . قلت قوله: ((على ظهر مسيره)) قد يراد به على ظهر سيره فى وقت الأولى، وهذا مما لا ريب [ فيه ] ويدخل فيه ما إذا كان على ظهر سيره في وقت الثانية ، كما جاء صريحاً عن ابن عباس . قال البيهقى : وقد روى أيوب عن أبى قلابة عن ابن عباس لا نعلمه إلا مرفوعا بمعنى رواية الحسين ، وذكر ما رواه إسماعيل بن إسحاق ، ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبى قلابة ، عن ابن عباس ولا أعلمه إلا مرفوعا وإلا فهو عن ابن عباس (( أنه كان إذا نزل منزلا فى السفر فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر)) قال إسماعيل حدثنا عارم حدثنا حماد فذكره . قال عارم هكذا حدث به حماد ، قال : ((كان إذا سافر فنزل منزلا فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر))، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب من قول ابن عباس ، قال إسماعيل ثنا حجاج ، عن حماد بن سلمة عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن ابن عباس قال : إذا كنتم سائرين فنبا بكم المنزل فسيروا حتى تصيبوا تجمعون بينهما ، وإن كنتم نزولا فعجل بكم أمر فاجمعوا بينها ثم ارتحلوا . قلت : حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة صحيح من مشاهير الصحاح كما سيأتي إن شاء الله. ٦٩ وأما حديث جابر ففي سنن أبي داود وغيره من حديث عبد العزيز ابن محمد، عن أبى الزبير ، عن جابر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غابت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف )) . قال البيهقى ورواه من حديث الجمالى عن عبد العزيز، ورواه الأجليح عن أبى الزبير كذلك ، قال أبو داود : حدثنا محمد بن هشام جار أحمد بن حنبل، حدثنا جعفر بن عون ، عن هشام بن سعد ، قال بينهما عشرة أميال ، يعني بين مكة وسرف . قلت : عشرة أميال ثلاثة فراسخ وثلث ، والبريد أربعة فراسخ ، وهذه المسافة لا تقطع فى السير الحثيث حتى يغيب الشفق ، فإن الناس يسيرون من عرفة عقب المغرب ولا يصلون إلى جمع إلا وقد غاب الشفق ومن عرفة إلى مكة بريد ، فجمع دون هذه المسافة وهم لا يصلون إليها إلا بعد غروب الشفق فكيف بسرف ؟! وهذا يوافق حديث ابن عمر وأنس ، وابن عباس: أنه إذا كان سائراً أخر المغرب إلى أن يغرب الشفق ، ثم يصليها جميعاً . قال البيهقى: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين ، مع الثابت عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ، ثم بالمزدلفة: وذكر مارواه البخاري من حديث سعيد . ٧٠ عن الزهري: أخبرنى سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير فى السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء )) . قال سالم : وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك إذا أعجله السير فى السفر يقيم صلاة المغرب فيصليها ثلاثاً ثم يسلم ، ثم قلما يلبث حتى يقيم صلاة العشاء ويصليها ركعتين ثم يسلم، ولا يسبح بينها بركعة، ولا يسبح بعد العشاء بسجدة حتى يقوم من جوف الليل . وروى مالك ، عن يحيى بن سعيد : أنه قال لسالم بن عبد الله ابن عمر : ما أشد ما رأيت أباك عبد الله بن عمر أخر المغرب فى السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش فصلاها بالعقيق. قال البيهقى : رواء الثوري عن يحيى بن سعيد وزاد فيه : ثمانية أميال ، ورواه ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، وزاد فيه قال قلت : أي ساعة تلك ؟ قال : قد ذهب ثلث الليل أو ربعه . قال ورواه يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، عن نافع ، قال : فسار أميالا ثم نزل فصلى . قال يحيى : وذكر لي نافع هذا الحديث مرة أخرى، فقال : سار قريباً من ربع الليل ، ثم نزل فعلى . وروى من مصنف سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن جابر بن ٧١ زيد ، عن ابن عباس : أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر ، ويقول : هي سنة . ومن حديث علي بن عاصم : أخبرنى الجريري ، وسلمان التيمي ، عن أبى عثمان النهدي ، قال : كان سعيد بن زيد وأسامة ابن زيد إذا عجل بهما السير جمعا بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء . وروينا فى ذلك عن سعد بن أبى وقاص وأنس بن مالك ، وروي عن عمر وعثمان. وذكر ما ذكره مالك فى الموطأ عن ابن شهاب أنه قال : سألت سالم بن عبد اللّه هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال : نعم ! لا بأس بذلك ، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة؟ وذكر فى كتاب يعقوب بن سفيان ، ثنا عبد الملك بن أبي سلمة ، تنا الدراوردي ، عن زيد بن أسلم وربيعة بن أبى عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبى الزناد في أمثال لهم خرجوا إلى الوليد وكان أرسل إليهم يستفتيهم فى شيء فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس . قلت : فهذا استدلال من السلف بجمع عرفة على نظيره ، وأن الحكم ليس مختصا، وهو جمع تقديم للحاجة في السفر . وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره فقد روى مسلم وغيره من حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال: صلى ٧٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر)). وممن رواه عن أبى الزبير مالك فى موطئه، وقال: أظن ذلك كان فى مطر . قال البيهقى: وكذلك رواه زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة ، عن أبى الزبير (( فى غير خوف ولا سفر)) إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا ((بالمدينة)) ورواه أيضاً ابن عيينة ، وهشام بن سعد ، عن أبى الزبير بمعنى رواية مالك ، وساق البيهقى طرقها ، وحديث زهير رواه مسلم فى صحيحه : ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال: (( صلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر)). قال أبو الزبير : فسألت سعيداً لم فعل ذلك ؟ قال سألت ابن عباس ، كما سألتنى ، فقال: أراد ألا يخرج أحداً من أمته . قال وقد خالفهم قرة في الحديث فقال: ((في سفرة سافرها إلى تبوك)). وقد رواه مسلم من حديث قرة، عن أبى الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: (( جمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فى سفرة سافرها فى غزوة تبوك ، فجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء )). فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك ؟ قال أراد أن لا يحرج أمته . قال البيهقى : وكان قرة أراد حديث أبى الزبير ، عن أبى الطفيل ٧٣ عن معاذ ، فهذا لفظ حديثه ، وروى سعيد بن جبير الحديثين جميعاً ، فسمع قرة أحدهما ومن تقدم ذكره الآخر . قال : وهذا أشبه : فقد روى قرة حديث أبى الطفيل أيضاً . قلت: وكذا رواه مسلم فروي هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث ابن عباس ، فإن قرة ثقة حافظ . وقد روى الطحاوي حديث قرة ، عن أبى الزبير ، فجعله مثل حديث مالك عن أبى الزبير وحديث أبى الطفيل، وحديثه هذا عن سعيد. فدل ذلك على أن أبا الزبير حدث بهذا وبهذا . قال البيهقى : ورواه حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، مخالف أبا الزبير فى منه ، وذكره من حديث الأعمش ، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، قال: (( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر )) قيل له : فما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا يخرج أمته . وفى رواية وكيع قال سعيد : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال كيلا يخرج أمته . ورواه مسلم فى صحيحه . قال البيهقى ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبى ثابت من شرطه ، ولعله إنما أعرض عنه - والله أعلم - لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير . قال : ورواية الجماعة عن أبى الزبير أولى أن ٧٤ تكون محفوظة ، فقد رواه عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك ، عن أبي الزبير . قلت : تقديم رواية أبى الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لاوجه له ، فإن حبيب بن أبى ثابت من رجال الصحيحين ، فهو أحق بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضاً فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير فى المتن : تارة يجعل ذلك فى السفر ، كما رواه عنه قرة موافقة لحديث أبى الزبير عن أبى الطفيل ، ونارة يجعل ذلك فى المدينة ، كما رواه الأكثرون عنه عن سعيد . فهذا أبو الزبير قد روي عنه ثلاثة أحاديث : حديث أبى الطفيل عن معاذ فى جمع السفر ، وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله . وحديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة. ثم قد جعلوا هذا كله صحيحا . لأن أبا الزبير حافظ ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبى ثابت أيضا ثابتا عن سعيد بن جبير وحبيب أوثق من أبي الزبير ؟ وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدل على ما رواه حبيب ؛ فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر . وأيضاً فقوله ((بالمدينة)» يدل على أنه لم يكن فى السفر، فقوله: ((جمع بالمدينة فى غير خوف ولا مطر )) أولى بأن يقال: من غير خوف ولا سفر ، ومن قال: ((أظنه فى المطر)) فظن ظنه ليس هو فى الحديث ، بل مع ٧٥ حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال (( من غير خوف ولا مطر))، وقال ((ولا سفر)) والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا . وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى ، وهذا من باب التنبيه بالفعل ، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر ، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها . ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز - بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد ، عن الزبير بن الخريت ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، فجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة ، قال : فجاء رجل من بني تيم لا يفتر : ؟ ثم : قال : الصلاة ، الصلاة ، فقال أتعلمنى بالسنة لا أم لك ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) قال عبد الله بن شقيق: فاك فى صدري من ذلك شىء ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته . ورواه مسلم أيضا من حديث عمران بن حدير ، عن ابن شقيق قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت : ثم قال ، الصلاة ، ٧٦ فسكت ، ثم قال : لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا فى مطر ، وقد استدل بما رواه على ما فعله ، فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن فى مطر ، ولكن كان ابن عباس فى أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ، ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته ، فكان ذلك عنده من الحاجات التى يجوز فيها الجمع ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما قال: ((أراد أن لا يحرج أمته)) ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضا ، فإنه لو كان جمعه للسفر ، لجمع فى الطريق، ولجمع بمكة ، كما كان يقصر بها ، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى ، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب ، ويصليها فى وقتها ، ولا جمعه أيضاً كان للنسك ، فإنه لو كان كذلك الجمع من حين أحرم ، فإنه من حينئذ صار محرما ، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ، ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر ، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس ، وإنما ٧٧ كان الجمع لرفع الحرج عن أمته ، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا . قال البيهقي : ليس في رواية ابن شقيق ، عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر ، ولا نفي السفر ، فهو محمول على أحدهما . أو على ما أوله عمرو بن دينار، وليس فى روايتها ما يمنع ذلك التأويل . فيقال : يا سبحان الله ! ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة ، فلم يكن مسافراً ، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعاً يحتج به على مثل ما فعله ، فلو كان ذلك لسفر أو مطر كان ابن عباس أجل قدراً من أن يحتج على جمعه بجمع المطر أو السفر . وأيضا فقد ثبت فى الصحيحين عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة ، فكيف يقال لم ينف السفر ؟ وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس ، وقد روى عن سعيد أنه قال: (( من غير خوف ولا مطر » وأما قوله : إن البخاري لم يخرجه ، فيقال : هذا من أضعف الحجج ، فهو لم يخرج أحاديث أبى الزبير ، وليس كل من كان من شرطه يخرجه . وأما قوله : ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير ، فإنه ذكر ما أخرجاه فى الصحيحين من حديث حماد ٧٨ ابن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء )). وفى رواية البخاري عن حماد بن زيد فقال لأيوب : لعله فى ليلة مطيرة ؟ فقال عسى . فيقال : هذا الظن من أيوب وعمرو ، فالظن ليس من مالك . وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر ، فجوزوا أن يكون هو المراد ، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت لم يظنوا هذا الظن ، ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق ، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر ، فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة فى الجملة ، ليس مقصوده تعيين سبب واحد فمن قال إنما أراد جمع المطر وحده فقد غلط عليه ، ثم عمرو بن دينار تارة يجوز أن يكون للمطر موافقة لأيوب ، وتارة يقول هو وأبو الشعثاء أنه كان جمعاً فى الوقتين ، كما فى الصحيحين عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار : سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: ((صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً جميعاً وسبعا جميعا)) قال : قلت : يا أبا الشعثاء أراه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء ، قال : وأنا أظن ذلك . فيقال : ليس الأمر كذلك ؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم ٧٩ من أن يحتاج - إذا كان قد صلى كل صلاة فى وقتها الذي تعرف العامة والخاصة جوازه - أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلا على ذلك. وأن يقول : أراد بذلك ألا يخرج أمته . وقد علم أن الصلاة فى الوقتين قد شرعت بأحاديث المواقيت . وابن عباس هو ممن روي أحاديث المواقيت ، وإمامة جبريل له عند البيت . وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه . فإن كان النبى صلى الله عليه وسلم إنما جمع على هذا الوجه فأي غرابة فى هذا المعنى ؟! ومعلوم أنه كان قد صلى فى اليوم الثانى كلا الصلاتين في آخر الوقت وقال ((الوقت ما بين هذين)) فصلاته للأولى وحدها فى آخر الوقت أولى بالجواز . وكيف يليق بلن عباس أن يقول: فعل ذلك كيلا يحرج أمته ، والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه وكيف يحتج على من أنكر عليه التأخير لو كان النبى صلى الله عليه وسلم إنما صلى فى الوقت المختص بهذا الفعل وكان له فى تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها ، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا ؟ وإنما قصد ان عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه فى غيره . وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة ، ثم ابن عباس قد ثبت عنه ٨٠