النص المفهرس
صفحات 41-60
السفر الذي علق به الشارع الحكم ، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة ؛ فإن هذه المسافة بريد ، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة ؛ والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام ، وهو ربع مسافة يومين وليلتين ، وهو الذي قد يسمى مسافة القصر ، وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه . وأما ما دون هذه المسافة إن كانت مسافة القصر محدودة بالمساحة : فقد قيل يقصر فى ميل. وروي عن ابن عمر أنه قال : لو سافرت ميلا لقصرت . قال ابن حزم : لم يجد أحداً يقصر فى أقل من ميل ، ووجد ابن عمر وغيره يقصرون في هذا القدر ، ولم يحد الشارع في السفر حدا فقلنا بذلك اتباعا للسنة المطلقة ، ولم نجد أحداً يقصر بما دون الميل . ولكن هو على أصله ، وليس هذا إجماعا ، فإذا كان ظاهر النص يتناول ما دون ذلك لم يضره أن لا يعرف أحداً ذهب إليه ، كعادته فى أمثاله . وأيضاً فليس في قول ابن عمر أنه لا يقصر فى أقل من ذلك . وأيضا فقد ثبت عن ابن عمر أنه كان لا يقصر فى يوم أو يومين فإما أن تتعارض أقواله أو تحمل على اختلاف الأحوال . والكلام في مقامين : ((المقام الأول)) أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات ٤١ يقصر وأما إذا قيل ليست محدودة بالمسافة بل الاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفراً قصر وإلا فلا . وقد يركب الرجل فرسخا يخرج به لكشف أمر وتكون المسافة أميالا ويرجع فى ساعة أو ساعتين ولا يسمى مسافراً، وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة مسافراً بأن يسير على الإبل والأقدام سيراً لا يرجع فيه ذلك اليوم إلى مكانه . والدليل على ذلك من وجوه . ( أحدها ) أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء أهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة وفى أيام منى ، وكذلك أبو بكر ، وعمر بعده ، وكان يصلي خلفهم أهل مكة ولم يأمروم بإتمام الصلاة ، ولا نقل أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة - لما صلى بالمسلمين بيطن عرنة الظهر ركعتين قصراً وجمعاً : ثم العصر ركعتين - يا أهل مكة أتموا صلاتكم. ولا أمرهم بتأخير صلاة العصر ، ولا نقل أحد أن أحداً من الحجيج لا أهل مكة ولا غيرهم صلى خلف النبى صلى الله عليه وسلم خلاف ما صلى بجمهور المسلمين، أو نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر قال فى هذا اليوم («يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) فقد غلط، وإنما نقل أن ٤٢ النبى صلى الله عليه وسلم قال هذا فى جوف مكة لأهل مكة عام الفتح، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب [ قاله ] لأهل مكة لما صلى فى جوف مكة . ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة قاموا فأنموا وصلوا أربعاً وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وبمنى أيام منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله بالضرورة ؛ بل لو أخروا صلاة العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصراً لنقل ذلك فكيف إذا أتموا الظهر أربعاً دون سائر المسلمين ؟! وأيضاً فإنهم إذا أخذوا فى إتمام الظهر والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرع فى العصر لكان إما أن ينتظرهم فيطيل القيام وإما أن يفوتهم معه بعض العصر بل أكثرها ؛ فكيف إذا كانوا يتمون الصلوات ؟ وهذا حجة على كل أحد ، وهو على من يقول : إن أهل مكة جمعوا معه أظهر . وذلك أن العلماء تنازعوا فى أهل مكة هل يقصرون ويجمعون بعرفة ؟ على ثلاثة أقوال . فقيل لا يقصرون ولا يجمعون . وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد: كالقاضي في ((المجرد )) وابن عقيل في ((الفصول)) لاعتقادهم أن ذلك معلق بالسفر الطويل ؛ وهذا قصير . ٤٣ والثانى : أنهم يجمعون ولا يقصرون ، وهذا مذهب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد ومن أصحاب الشافعي ، والمنقولات عن أحمد توافق هذا ؛ فإنه أجاب فى غير موضع بأنهم لا يقصرون . ولم يقل : لا يجمعون ، وهذا هو الذي رجحه أبو محمد المقدسى فى الجمع وأحسن فى ذلك . والثالث : أنهم يجمعون ويقصرون ، وهذا مذهب مالك ، وإسحاق بن راهويه ، وهو قول طاووس ، وابن عيينة ، وغيرها : من السلف ، وقول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي : كأبى الخطاب في ((العبادات الخمس)) وهو الذي رجحه أبو محمد المقدسى وغيره من أصحاب أحمد ؛ فإن أبا محمد وموافقيه رجحوا الجمع للمكي بعرفة. وأما (( القصر)) فقال أبو محمد : الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه . والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه . وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد : كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد ، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها . فإن من تأمل الأحاديث فى حجة الوداع وسياقها على علما يقيناً أن الذين كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصراً وجمعاً ، ولم يفعلوا خلاف ذلك . ولم ينقل أحد قط عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لا بعرفة ولا ٤٤ مزدلفة ولا منى: (( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) وإنما نقل أنه قال ذلك فى نفس مكة كما رواه أهل السنن عنه ، وقوله ذلك في داخل مكة دون عرفة ومزدلفة ومنى دليل على الفرق . وقد روي من جهة أهل العراق عن عمر أنه كان يقول بنى « يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر » وليس له إسناد . وإذا ثبت ذلك فالجمع بين الصلاتين قد يقال إنه لأجل النسك ، كما تقوله الحنفية ، وطائفة من أصحاب أحمد . وهو مقتضى نصه ؛ فإنه يمنع المكي من القصر بعرفة ولم يمنعه من الجمع ، وقال فى جمع المسافر: أنه يجمع في الطويل ڪالقصر عنده ، وإذا قيل : الجمع لأجل النسك ففيه قولان : أحدهما : لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة كما نقوله الحنفية . والثانى : أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية للجمع وإن لم يكن سفراً، وهو مذهب الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد . وقد يقال : لأن ذلك سفر قصير ، وهو يجوز الجمع في السفر القصير ، كما قال هذا وهذا بعض الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، فإن الجمع لا يختص بالسفر ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم ٤٥ يجمع فى حجته إلا بعرفة ومزدلفة ، ولم يجمع بمنى ، ولا فى ذهابه وإيابه ، ولكن جمع قبل ذلك فى غزوة تبوك، والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر ، كما قصر للسفر ؛ بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النزول ، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة ، وكان جمع عرفة لأجل العبادة، وجمع مزدلفة لأجل السير الذي جد فيه وهو سيره إلى مزدلفة ، وكذلك كان يصنع فى سفره: كان إذا جد به السير أخر الأولى إلى وقت الثانية ثم ينزل فيصليها جميعاً، كما فعل بمزدلفة . وليس فى شريعته ما هو خارج عن القياس ؛ بل الجمع الذي جمعه هناك يشرع أن يفعل نظيره ، كما يقوله الأكثرون ؛ ولكن أبو حنيفة يقول هو خارج عن القياس ، وقد على أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط أو وجود مانع دل على فسادها ، وليس فيما جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض؛ بل حكم الشيء حكم مثله ، والحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها. وأما (( القصر )) فلا ريب أنه من خصائص السفر ، ولا تعلق له بالنسك ، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر ، وعرفة عن المسجد بريد ، كما ذكره الذين مسحوا ذلك ، وذكره الأزرقي في ((أخبار مكة)). فهذا قصر فى سفر قدره بريد ، وم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر ، وإنما كان غاية قصده ٤٦ بريداً ، وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم ؟ ! والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر ، فعلم أنهم كانوا مسافرين ، والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه يصلي أربعاً ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة فى مكة ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء ، ولكن فى مذهب مالك نزاع . الدليل الثاني : أنه قد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم أو زوج: تارة بقدر . وتارة يطلق . وأقل ما روي فى التقدير بريد ، فدل ذلك على أن البريد يكون سفراً . كما أن الثلاثة الأيام تكون سفراً، واليومين تكون سفراً، واليوم يكون سفراً . هذه الأحاديث ليس لها مفهوم ؛ بل نهى عن هذا وهذا وهذا . الدليل الثالث: أن السفر لم يحده الشارع، وليس له حد فى اللغة، فرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه ، فما كان عنده سفراً فهو سفر والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه ، وأقل ذلك مرحلة بذهب فى نصفها ويرجع فى نصفها ، وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة ((الشهادة على الشهادة)) و((كتاب القاضي إلى القاضي)) و ((العدو على الخصم)) و((الحضانة)) وغير ذلك مما هو معروف فى موضعه . وهو أحد القولين فى مذهب أحمد. فلو كانت المسافة محدودة ٤٧ لكان حدها بالبريد أجود ؛ لكن الصواب أن السفر ليس محدداً بمسافة ؛ بل يختلف فيكون مسافراً فى مسافة بريد ، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافراً . الدليل الرابع : أن المسافر رخص الله له أن يفطر فى رمضان ، وأقل الفطر يوم ، ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع فى يوم ، فيحتاج إلى الفطر فى شهر رمضان ، ويحتاج أن يقصر الصلاة ؛ بخلاف ما دون ذلك ، فإنه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال . وإذا كان غدوه يوماً ورواحه يوماً فإنه يحتاج إلى القصر والفطر ، وهذا قد يقتضي أنه قد يرخص له أن يقصر ويفطر فى بريد ، وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافراً . الدليل الخامس : أنه ليس تحديد من حد المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها بيومين ، ولا اليومان بأولى من يوم ، فوجب ألا يكون لها حد ، بل كل ما يسمى سفراً بشرع [فيه ذلك] (١). وقد ثبت بالسنة القصر فى مسافة بريد ، فعلم أن فى الأسفار ما قد يكون بريداً ، وأدنى ما يسمى سفراً في كلام الشارع البريد . وأما ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى (١) أضيفت حسب مفهوم السياق. ٤٨ الله عليه وسلم: (( أنه كان يأتى قباء كل سبت، وكان يأتيه راكباً وماشياً )) ولا ريب [ أن ] أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ولم يقصر الصلاة هو ولا هم، وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ، ولا يقصرون الصلاة، والجمعة على من سمع النداء ، والنداء قد يسمع من فرسخ ، وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر ، والعوالي بعضها من المدينة ، وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن ، كما قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ) وقال : (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ). وأما ما نقل عن ابن عمر فينظر فيه هل هو ثابت أم لا ؟ فإن ثبت فالرواية عنه مختلفة ، وقد خالفه غيره من الصحابة ، ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلا ، ولا ريب أن قباء من المدينة أكثر من ميل، وما كان ابن عمر ولا غيره يقصرون الصلاة إذا ذهبوا إلى قباء. فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة وعدم قصر أهل المدينة الصلاة إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق . والله أعلم . والصلاة على الراحلة إذا كانت مختصة بالسفر لاتفعل إلا فيما يسمى سفراً؛ ولهذا لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته فى ٤٩ خروجه إلى مسجد قباء ، مع أنه كان يذهب إليه راكباً وماشياً ، ولا كان المسلمون الداخلون من العوالي يفعلون ذلك ؛ وهذا لأن هذه المسافة قريبة، كالمسافة فى المصر. واسم ((المدينة)) يتناول المساكن كلها ، فلم يكن هناك إلا أهل المدينة والأعراب ، كما دل عليه القرآن ، فمن لم يكن من الأعراب كان من أهل المدينة ، وحينئذ فيكون مسيره إلى قباء كأنه في المدينة ، فلو سوغ ذلك سوغت الصلاة في المصر على الراحلة ، وإلا فلا فرق بينهما . والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن بأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر ؛ بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع ، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ، ثم صلى بهم العصر ، ولم يكونوا نووا الجمع ، وهذا جمع تقديم . وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرم بنية قصر ، وفى الصحيح: أنه لما صلى إحدى صلاتى العشي وسلم من اثنتين قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت قال: (( لم أنس ولم تقصر ، قال : بلى قد نسيت قال: ((أ كما يقول ذو اليدين؟ )) قالوا: نعم فأتم الصلاة ، ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا نوره لبين ذلك ، ولكانوا يعلمون ذلك . والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط النية فى جمع ولا ٥٠ قصر ؛ ولكن ذكره طائفة من أصحابه كالخرقى والقاضي . وأما أبو بكر عبد العزيز وغيره فقالوا : إنما يوافق مطلق نصوصه . وقالوا لا يشترط للجمع ولا للقصر نية ، وهو قول الجمهور من العلماء : كمالك ، وأبى حنيفة، وغيرهما ؛ بل قد نص أحمد على أن المسافر له أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق ، وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع ، كما نقله عنه أبو طالب والمروذي، وذكر ذلك القاضي فى (الجامع الكبير)) فعلم أنه لا يشترط فى الجمع نية . ولا تشترط أيضاً ((المقارنة)) فإنه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلله بأنه يجوز له الجمع لم يجز أن يراد به الشفق الأبيض لأن مذهبه المتواتر عنه أن المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر ، وهو أول وقتها عنده ، وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده ، فلم يكن مصلياً لها فى وقت المغرب ، بل فى وقتها الخاص . وأما فى الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال : لأن المرة قد تسترها الحيطان فيظن أن الأحمر قد غاب ولم يغب ، فإذا غاب البياض تيقن مغيب الحمرة . فالشفق عنده فى الموضعين الحمرة ، لكن لما كان الشك فى الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض . فهذا مذهبه المتواتر من نصوصه الكثيرة . ٥١ وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق في الحضر الأبيض وفى السفر الأحمر . وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم ، وإلا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين : أن الشفق فى نفس الأمر مختلف بالحضر والسفر . وأحمد قد علل الفرق. فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه . وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق مطلق البياض . وما أظن هذا إلا غلطاً عليه . وإذا كان مذهبه أن أول الشفق إذا غاب فى السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء - وهو يجوز للمسافر أن يصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع - علم أنه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنه حينئذ لا يجوز التعليل بجواز الجمع . الثانى: أن ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع فى الوقت وإن لم يصل إحداهما بالأخرى ، كالجمع فى وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب غيره ، وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب - حيث يجوز له الجمع - جاز ذلك وقد نص أيضاً على نظير هذا فقال: إذا صلى إحدى صلاتى الجمع فى بيته والأخرى في المسجد فلا بأس . وهذا نص منه على أن الجمع هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة ، وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل ، وهو خلاف النص ؛ ولأن النبى صلى الله عليه وسلم ٥٢ لما صلى بهم بالمدينة تمانيا جميعاً وسبعاً جميعا لم ينقل أنه أمرم ابتداء بالنية، ولا السلف بعده . وهذا قول الجمهور: كأبى حنيفة ومالك وغيرهما ، وهو فى القصر مبنى على فرض المسافر . فصارت الأقوال للعلماء فى اقتران الفعل ثلاثة . أحدها : أنه لا يجب الاقتران لا فى وقت الأولى ولا الثانية ، كما قد نص عليه أحمد كما ذكرناه فى السفر وجمع المطر . والثانى: أنه يجب الاقتران فى وقت الأولى دون الثانية ، وهذا هو المشهور عند أكثر أصحابه المتأخرين ، وهو ظاهر مذهب الشافعي : فإن كان الجمع فى وقت الأولى اشترط الجمع ، وإن كان فى وقت الآخرة فإنه يصلي الأولى فى وقت الثانية ، وأما الثانية فيصليها فى وقتها ، فتصح صلاته لها وإن أخرها ، ولا يأثم بالتأخير . وعلى هذا تشترط الموالاة فى وقت الأولى ، دون الثانية . والثالث : تشترط الموالاة في الموضعين ، كما يشترط الترتيب ، وهذا وجه في مذهب الشافعي وأحمد ، ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأولى وأخر الثانية أثم ، وإن كانت وقعت صحيحة؛ لأنه لم يكن له إذا أخر الأولى إلا أن يصلى الثانية معها ، فإذا لم يفعل ذلك كان بمنزلة من ٥٣ أخرها إلى وقت الضرورة ، ويكون قد صلاها فى وقتها مع الإثم . والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية ؛ فإنه ليس لذلك حد فى الشرع ، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة ، وهو شبيه بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى فى آخر وقتها ويحرم بالثانية فى أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ، ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها؛ فإنه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث فى المغرب ، ويريد مع ذلك ألا يطيلها ، وإن كان بنية الإطالة تشرع فى الوقت الذي يحتمل ذلك ، وإذا دخل فى الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحداً ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ، ويجتهد فى أن يسلم قبل خروج الوقت ، ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علما وعملا ، وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة ، والجمع شرع رخصة ودفعا للحرج عن الأمة ، فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة . فعلم أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ، ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلا ٥٤ قبل خروج وقتها الخاص ، وكيف يعلم ذلك المصلى فى الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل ، والمصلي فى الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبى صلى الله عليه وسلم آلات حسابية يعرف بها الوقت ، ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية ، والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق ، فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض، والمصلي في الصلاة منهى عن مثل ذلك . وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام فى آخر وقت المغرب ؛ بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت . ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت ، وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعيه؛ بل ولا أصحابه، فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم فى غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل ، وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل ، وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين فى وقت واحد أو وقتين ، وأولئك قالوا لا يكون ٥٥ الجمع إلا فى وقتين، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل ، وكلا القولين ضعيف . والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا، ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا ، والجمع حلّز فى الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة . وتارة يجمع فى وقت الثانية كما جمع بمز دلفة وفى بعض أسفاره . وتارة يجمع فيما بينها في وسط الوقتين ، وقد يقعان معاً فى آخر وقت الأولى ، وقد بقعان معاً فى أول وقت الثانية ، وقد تقع هذه فى هذا وهذه في هذا ؛ وكل هذا جاز ؛ لأن أمل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك ، والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ، ففى عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة . وكذلك جمع المطر : السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب ، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر فى وقت الثانية؟ على وجهين . وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع ، وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير ، وهو غلط مخالف للسنة والإجماع القديم . ، وصاحب هذا القول ظن أن التأخير في الجمع أفضل مطلقا ؛ لأن الصلاة يجوز فعلها بعد الوقت عند النوم والنسيان ، ولا يجوز فعلها قبل الوقت بحال ، بل لو صلاها قبل الزوال وقبل الفجر أعادها ، وهذا غلط ؛ فإن الجمع بمزدلفة إنما المشروع فيه تأخير المغرب إلى ٥٦ وقت العشاء بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين ، وما علمت أحداً من العلماء سوغ له هناك أن يصلي العشاء فى طريقه ، وإنما اختلفوا فى المغرب هل له أن يصليها فى طريقه على قولين . وأما التأخير فهو كالتقديم ، بل صاحبه أحق بالنم ، ومن نام عن صلاة أو نسيها فإن وقتها فى حقه حين يستيقظ ويذكرها ، وحينئذ هو مأمور بها ، لا وقت لها إلا ذلك ، فلم يصلها إلا فى وقتها . وأما من صلى قبل الزوال وطلوع الفجر الذي يحصل به ، فإن كان متعمداً فهذا فعل ما لم يؤمر به ، وأما إن كان عاجزاً عن معرفة الوقت كالمحبوس الذي لا يمكنه معرفة الوقت فهذا فى إجزائه قولان للعلماء ، وكذلك فى صيامه إذا صام حيث لا يمكنه معرفة شهور رمضان كالأسير إذا صام بالتحري ثم تبين له أنه قبل الوقت ، ففي إجزائه قولان للعلماء ، وأما من صلى في المصر قبل الوقت غلطا فهذا لم يفعل ما أمر به ، وهل تنعقد صلاته نفلا ، أو تقع باطلة ؟ على وجهين فى مذهب أحمد وغيره . والمقصود أن الله لم يبح لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحال، كما لم يبح له أن يفعلها قبل وقتها بحال ، فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم ؛ بل ذاك بحسب الحاجة والمصلحة ، فقد يكون هذا أفضل ، وقد يكون هذا أفضل ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، وهو ٥٧ ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره . ومن أطلق من أصحابه القول بتفضيل أحدهما مطلقا فقد أخطأ على مذهبه . وأحاديث الجمع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مأثورة من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ومعاذ وأبي هريرة وجابر ، وقد تأول هذه الأحاديث من أنكر الجمع على تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن الجمع كان يكون فى وقت الثانية وفى وقت الأولى ، وجاء الجمع مطلقا والمفسر يبين المطلق. ففي الصحيحين من حديث سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء )) وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مجل به السير جمع بين المغرب والعشاء )) رواه مسلم ، وروى مسلم من حديث يحيى بن سعيد حدثنا عبيد اللّه أخبرنى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويذكر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء )). قال الطحاوي : حديث ابن عمر إنما فيه الجمع بعد مغيب الشفق من فعله ، وذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين ٥٨ ولم يذكر كيف كان جمعه؛ وهذا إنما فيه التأخير من فعل ابن عمر ، لافيما رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم، فذكر المثبتون ما رواه محمد ابن يحيى الذهلي ، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أسرع السير نجمع بين المغرب والعشاء، فسألت نافعا فقال : بعد ما غاب الشفق بساعة ، وقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا جد به السير ، ورواه سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر استصرخ على صفية بنت أبى عبيد وهو مكة وهي بالمدينة ، فأقبل فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، فقال رجل كان يصحبه : الصلاة الصلاة، فسار ابن عمر ، فقال له سالم: الصلاة ، فقال : ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جل به أمر فى سفر جمع بين هاتين الصلاتين)). فسار حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما، وسار مابين مكة والمدينة ثلاثا . وروى البيهقى هذين بإسناد صحيح مشهور ، قال ورواه معمر عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع ، وقال فى الحديث : فأخر المغرب بعد ذلك الشفق حتى ذهب هوي من الليل ، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء، قال: ((وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا جد به السير أو حزبه أمر)). قال: ورواه يزيد بن هارون ، عن يحيى ٥٩ ابن سعيد الأنصاري ، عن نافع ، فذكر أنه سار قريباً من ربح الليل ثم نزل فصلى ، ورواه من طريق الدارقطني ، حدثنا ابن صاعد والنيسابوري ، حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد ، أخبرنى عمر بن محمد ابن زيد ، حدثنى نافع مولى عبد الله بن عمر ، عن ابن عمر : أنه أقبل من مكة وجاءه خبر صفية بنت أبى عبيد فأسرع السير ، فلما غابت الشمس قال له إنسان من أصحابه : الصلاة ، فسكت ، ثم سار ساعة فقال له صاحبه: الصلاة، فقال الذي قال له ((الصلاة)): إنه ليعلم من هذا علماً لا أعلمه ، فسار حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل فأقام الصلاة ، وكان لا ينادي لشيء من الصلاة فى السفر، فأقام ، فصلى المغرب والعشاء جميعاً، جمع بينهما ، ثم قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق بساعة))، وكان يصلي على ظهر راحلته أين توجهت به السبحة فى السفر . ويخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم کان يصنع ذلك . قال البيهقى : اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ، وموسى بن عقبة، وعبيد اللّه بن عمر ، وأيوب السختيانى ، وعمر بن محمد بن زيد: على أن جمع عبد الله بن عمر بين الصلاتين بعد غيبوبة الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم فى حفظ أحاديث نافع ، وذكر أن ابن جابر رواه عن نافع ٦٠