النص المفهرس
صفحات 21-40
والأول : قول أكثرم، كأبى حنيفة، ومالك، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد ، اختاره أبو بكر وغيره. والثانى: قول الشافعي ، وهو القول الآخر فى مذهب أحمد ، اختاره الخرقي وغيره . والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يقصر بأصحابه ، ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه بقصر، ولا يأمرهم بنية القصر . ولهذا لما سلم من ركعتين ناسياً قال له ذو اليدين: ((أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال: لم أنس ، ولم تقصر ، قال: بلى ! قد نسيت . وفى رواية. لو كان شيء لأخبرتكم به )) ولم يقل لو قصرت لأمرتكم أن تنووا القصر . وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول ، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى ، فعلم أيضاً أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع فى الأولى ، كقول الجمهور ، والمنصوص عن أحمد يوافق ذلك . وقد تنازع العلماء فى التربيع فى السفر : هل هو حرام ؟ أو مكروه ؟ أو ترك الأولى؟ أو هو الراجح ؟ فمذهب أبى حنيفة . وقول فى مذهب مالك : أن القصر واجب ، وليس له أن يصلي أربعاً ٢١ ومذهب مالك في الرواية الأخرى وأحمد فى أحد القولين ، بل نصها أن الإتمام مكروه . ومذهبه فى الرواية الأخرى ومذهب الشافعي في أظهر قوليه : أن القصر هو الأفضل، والتربيع ترك الأولى . وللشافعي قول أن التربيع أفضل ، وهذا أضعف الأقوال . وقد ذهب بعض الخوارج إلى أنه لا يجوز القصر إلا مع الخوف، ويذكر هذا قولا للشافعي ، وما أظنه بصح عنه ، فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان الناس)) وكذلك بعده أبو بكر ، وكذلك بعده عمر . وإذا كان كذلك فكيف بسوى بين الجمع والقصر ؟ ! وفعل كل صلاة فى وقتها أفضل ، إذا لم يكن حاجة عند الأمة كلهم ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد فى ظاهر مذهبيهما، بل تنازعوا فى جواز الجمع على ثلاثة أقوال . فمذهب أبى حنيفة أنه لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة . ومذهب مالك وأحمد فى إحدى الروايتين أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلا ، وإنما يجمع إذا كان سائراً ، بل عند مالك إذا جد به السير ، ومذهب الشافعي وأحمد فى الرواية الأخرى أنه يجمع المسافر ، وإن كان نازلا. ٢٢ وسبب هذا النزاع ما بلغهم من أحاديث الجمع ، فإن أحاديث الجمع قليلة ، فالجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه ، وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه . وأبو حنيفة لم يقل بغيره لحديث ابن مسعود الذي فى الصحيح أنه قال: (( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة ، وصلاة المغرب ليلة جمع)). وأراد بقوله ((في الفجر لغير وقتها)) التى كانت عادته أن يصليها فيه فإنه جاء في الصحيح عن جابر (( أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق الفجر )) وهذا متفق عليه بين المسلمين أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر ، لا مزدلفة ولا غيرها ، لكن بمز دلفة غلس بها تغليساً شديداً . وأما أكثر الأئمة فبلغتهم أحاديث فى الجمع صحيحة ، كمديث أنس وابن عباس وابن عمر ومعاذ وكلها من الصحيح . ففي الصحيحين عن أنس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل فصلاهما جميعاً وإذا ار تحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم ركب )» وفى لفظ في الصحيح (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين فى السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ، ثم يجمع بينها )) وفي الصحيحين عن ابن عمر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مجل به السير جمع بين المغرب والعشاء )) وفي لفظ فى الصحيح ((أن ٢٣ ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)» بعد أن يغيب الشفق. ويقول: (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء )). وفى صحيح مسلم عن ابن عباس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين فى سفرة سافرها فى غزوة تبوك ، جمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء )) . قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس : ما حمله على ذلك؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته . وكذلك فى صحيح مسلم عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل قال: ((جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء . قال : فقلت : ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد أن لا يخرج أمته )) بل قد ثبت عنه أنه جمع فى المدينة كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: ((صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً من غير خوف ولا سفر)). وفي لفظ فى الصحيحين عن ابن عباس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا، جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء )) قال أيوب لعله في ليلة مطيرة، وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء ، ويجمع معهم عبد الله بن عمر . وروى ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا العمل من الصحابة . ٢٤ وقولهم: (( أراد أن لا يخرج أمته)) يبين أنه ليس المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية فى أول وقتها ، فإن مراعاة مثل هذا فيه حرج عظيم . ثم إن هذا جائز لكل أحد في كل وقت، ورفع الحرج إنما يكون عند الحاجة ، فلا بد أن يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع به عنهم الحرج ، دون غير أرباب الأعذار . وهذا ينبني على أصل كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: أن المواقيت لأهل الأعذار ثلاثة ، ولغيرهم خمسة ، فإن الله تعالى قال: (وَأَقِ الصَّلَوْهَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِنَ الَّيْلِ ) فذكر ثلاثة مواقيت والطرف الثانى يتناول الظهر والعصر . والزلف يتناول المغرب والعشاء . والدلوك ( أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوءِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ ) وكذلك قال : هو الزوال ، فى أصح القولين . يقال : دلكت الشمس ، وزالت، وزاغت ، ومالت . فذكر الدلوك والغسق وبعد الدلوك يصلى الظهر والعصر ، وفي الغسق تصلى المغرب والعشاء ، ذكر أول الوقت وهو الدلوك ، وآخر الوقت وهو الغسق ، والغسق اجتماع الليل وظلمته . ولهذا قال الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وغيره : أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء . وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر . وهذا مذهب جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد . ٢٥ وأيضاً جمع النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة يدل على جواز الجمع بغيرهما للعذر ، فإنه قد كان من الممكن أن يصلي الظهر ويؤخر العصر إلى دخول وقتها ، ولكن لأجل النسك والاشتغال بالوقوف قدم العصر . ولهذا كان القول المرضي عند جماهير العلماء أنه يجمع بمزدلفة وعرفة من كان أهله على مسافة القصر ، ومن لم يكن أهله كذلك ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما صلى صلى معه جميع المسلمين أهل مكة وغيرهم، ولم يأمر أحداً منهم بتأخير العصر ، ولا بتقديم المغرب ، فمن قال من أصحاب الشافعي وأحمد : أن أهل مكة لا يجمعون فقوله ضعيف فى غاية الضعف . مخالف للسنة البينة الواضحة التى لا ريب فيها ؛ وعذرهم فى ذلك أنهم اعتقدوا أن سبب الجمع هو السفر الطويل ، والصواب أن الجمع لا يختص بالسفر الطويل ، بل يجمع للمطر ، ويجمع للمرض ، كما جاءت بذلك السنة فى جمع المستحاضة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها بالجمع في حديثين . وأيضاً فكون الجمع يختص بالطويل ، فيه قولان للعلماء ، وهما وجهان فى مذهب أحمد : أحدهما : يجمع فى القصير ، وهو المشهور ، ومذهب الشافعي لا . والأول أصح لما نقدم ، والله أعلم . ٢٦ وسل عن الجمع ، وما كان التى صلى الله عليه وسلم يفعله ؟ فأجاب : وأما الجمع فإنما كان يجمع بعض الأوقات إذا جد به السير ، وكان له عذر شرعي . كما جمع بعرفة ومزدلفة ، وكان يجمع في غزوة تبوك أحياناً ، كان إذا ار تحل قبل الزوال أخر الظهر إلى العصر ثم صلاهما جميعاً ، وهذا ثابت فى الصحيح . وأما إذا ار تحل بعد الزوال فقد روى أنه كان يصلى الظهر والعصر جمعاً ، كما جمع بينها بعرفة، وهذا معروف فى السنن ، وهذا إذا كان لا ينزل إلى وقت المغرب ، كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس وأما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها فى وقتها ، فليس القصر كالجمع ، بل القصر سنة راتبة ، وأما الجمع فإنه رخصة عارضة ، ومن سوى من العامة بين الجمع والقصر فهو جاهل بسنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم، وبأقوال علماء المسلمين . فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقت بينهما ، والعلماء ٢٧ اتفقوا على أن أحدهما سنة ، واختلفوا في وجوبه ، وتنازعوا في جواز الآخر ، فأين هذا من هذا؟! وأوسع المذاهب فى الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد ، فإنه نص على أنه يجوز الجمع للحرج ، والشغل ، بحديث روى في ذلك . قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا : يعنى إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة باز له الجمع ، ويجوز عنده وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للعرض ، ويجوز عند الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء ، وفى صلاتى النهار نزاع بينهم ويجوز فى ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل ، والريح الشديدة الباردة ، ونحو ذلك . ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة ، نص عليه أحمد . وتنازع العلماء فى الجمع والقصر : هل يفتقر إلى نية ؟ فقال جمهورم : لا يفتقر إلى نية ، وهذا مذهب مالك، وأبى حنيفة ، وأحد القولين في مذهب أحمد ، وعليه تدل نصوصه وأصوله . وقال الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد : أنه يفتقر إلى نية ، وقول الجمهور هو الذي تدل عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قد بسطت هذه المسألة فى موضعها ، والله أعلم . ٢٨ وسئل رحمه اللّه عن صلاة الجمع فى المطر بين العشاءين . هل يجوز من البرد الشديد ؟ أو الريح الشديدة ؟ أم لا يجوز إلا من المطر خاصة ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشاءين للمطر، والريح الشديدة الباردة ، والوحل الشديد . وهذا أصح قولي العلماء ، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما ، والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن رجل يؤم قوماً . وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلي بهم المغرب ، فقالوا له : يجمع ، فقال : لا أفعل ، فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم ؟ أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد، والربح الشديدة الباردة ، فى الليلة الظلماء ، ونحو ذلك ، وإن لم يكن المطر ٢٩ نازلا فى أصح قولي العلماء ، وذلك أولى من أن يصلوا فى بيوتهم ، بل ترك الجمع مع الصلاة فى البيوت بدعة مخالفة السنة ، إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس فى المساجد جماعة ، وذلك أولى من الصلاة فى البيوت باتفاق المسلمين . والصلاة جمعاً فى المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع: كمالك، والشافعي ، وأحمد . والله تعالى أعلم . قال رحمه الله : فصل وأما الصلوات فى الأحوال العارضة ، كالصلاة المكتوبة فى الخوف والمرض ، والسفر ، ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات فى الكسوف ونحوه ، أو الصلاة لاستجلاب النعماء كصلاة الاستسقاء ، ومثل الصلاة على الجنازة: ففقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الحديث الثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى هذا الباب فيجوزون فى صلاة الخوف جميع الأنواع المحفوظة عن النبى ٣٠ صلى الله عليه وسلم ، ويختارون قصر الصلاة في السفر ، اتباعا لسنة النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يصل فى السفر قط رباعية إلا مقصورة ، ومن صلى أربعاً لم يبطلوا صلاته؛ لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم؛ بل منهم من يكره ذلك ، ومنهم من لا يكرهه وإن رأى تركه أفضل ، وفي ذلك عن أحمد روايتان . وهذا بخلاف الجمع بين الصلاتين ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعله إلا مرات قليلة، فإنهم يستحبون تركه، إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حين جد به السير، حتى اختلف عن أحمد : هل يجوز الجمع للمسافر النازل الذي ليس بسائر أم لا ؟ ولهذا كان أهل السنة مجمعين على جواز القصر فى السفر ، مختلفين فى جواز الإتمام ، وجمعين على جواز التفريق بين الصلاتين ، مختلفين فى جواز الجمع بينها . ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ((صلاة الكسوف)). فأصحها وأشهرها أن يكون في كل ركعة ركوعان . وفى الصحيح أيضاً فى كل ركعة ثلاث ركوعات ، وأربعة ، ويجوزون حذف الركوع الزائد ، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطيلون السجود فيها ، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجهرون فيها بالقراءة . كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ٣١ وكذلك «الاستسقاء)) يجوزون الخروج إلى الصحراء، لصلاة الاستسقاء ، والدعاء كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة . كما فعله عمر رضى الله عنه بمحضر من الصحابة . ويجوزون الاستسقاء بالدعاء تبعاً للصلوات الراتبة ، كخطبة الجمعة ونحوها ، كما فعله النبى صلى الله عليه وسلم. وكذلك («الجنازة)) فإن اختيارم أنه يكبر عليها أربعاً كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أنهم كانوا يفعلونه غالبا. ويجوز على المشهور عند أحمد التخميس فى التكبير . ومتابعة الإمام فى ذلك لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر خمسا ، وفعله غير واحد من الصحابة ، مثل علي بن أبي طالب وغيره . ويجوز أيضاً على الصحيح عنده التسبيح ومتابعة الإمام فيه ، لما ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون أحيانا سبعاً، بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ولما فى ذلك من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. ٣٢ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم . أما بعد ، فهذه ((قاعدة في الأحكام التى تختلف بالسفر والإقامة)) مثل قصر الصلاة والفطر فى شهر رمضان ونحو ذلك ، وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم جعلوها نوعين: نوعا يختص بالسفر الطويل وهو: القصر والفطر . ونوعا يقع فى الطويل والقصير كالتيمم والصلاة على الراحلة ، وأكل الميتة هو من هذا القسم، وأما المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين فمن الأول ، وفي ذلك نزاع . والكلام فى مقامين : ٣٣ أحد هما الفرق بين السفر الطويل والقصير فيقال : هذا الفرق لا أصل له في كتاب الله ولا فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل الأحكام التى علقها الله بالسفر علقها به مطلقاً كقوله تعالى فى آية الطهارة: (وَإِن كُنتُم مَرْضَىَ أَوْعَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ ) وقوله تعالى فى آية الصيام (فَمَن كَانَ مِنْكُم مَِّ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) وقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبُمْ فِ اُلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُوَأُمِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْيَغْنِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَّاْ ). وقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة )) وقول عائشة : فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت فى الحضر. وقول عمر: ((صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان ، تمام غير قصر على لسان نبيكم)). وقوله صلى الله عليه وسلم ((يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن )) وقول صفوان بن عسال ٣٤ (« أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا نتزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط أو بول أو نوم)) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)» وقوله صلى الله عليه وسلم (( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليتعجل الرجوع إلى أهله)) فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير . فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقا لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ، وهذا الذي ذكر من تعليق الشارع الحكم بمسمى الاسم المطلق وتفريق بعض الناس بين نوع ونوع من غير دلالة شرعية له نظائر . منها أن الشارع علق الطهارة بمسمى الماء فى قوله (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا) ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهراً وطهوراً. ومنها أن الشارع علق المسح بمسمى الخف ، ولم يفرق بين خف وخف : فيدخل في ذلك المفتوق والمخروق وغيرهما من غير تحديد ، ولم يشترط أيضا أن يثبت بنفسه . ٣٥ ومن ذلك أنه أثبت الرجعة في مسمى الطلاق بعد الدخول ولم بقسم طلاق المدخول بها إلى طلاق بائن ورجعي . ومن ذلك أنه أثبت الطلقة الثالثة بعد طلقتين وافتداء والاقتداء الفرقة بعوض وجعلها موجبة للبينونة بغير طلاق يحسب من الثلاث . وهذا الحكم معلق بهذا المسمى لم يفرق فيه بين لفظ ولفظ . ومن ذلك أنه علق الكفارة بمسمى أيمان المسلمين فى قوله تعالى (ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيَّمَنِّكُمْإِذَا حَفْتُمْ ) وقوله (قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَأَيْمَنِكُمْ ) ولم يفرق بين يمين ويمين من أيمان المسلمين ، فجعل أيمان المسلمين المنعقدة تنقسم إلى مكفرة وغير مكفرة مخالف لذلك . ومن ذلك أنه علق التحريم بمسمى الخمر وبين أن المر هي المسكر فى قوله صلى الله عليه وسلم ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) ولم يفرق بين مسكر ومسكر . ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة ، كما علقه بمسمى السفر ، ولم يفرق بين مقيم ومقيم . فجعل المقيم نوعين: نوعا تجب عليه الجمعة بغيره ولا تنعقد به. ونوعا تنعقد به ، لا أصل له . بل الواجب أن هذه الأحكام لما علقها الشارع بمسمى السفر فهي ٣٦ تتعلق بكل سفر سواء كان ذلك السفر طويلا أو قصيراً ، ولكن ثم أمور ليست من خصائص السفر بل تشرع في السفر والحضر ، فإن المضطر إلى أكل الميتة لم يخص الله حكمه بسفر لكن الضرورة أكثر ما تقع به فى السفر فهذا لا فرق فيه بين الحضر والسفر الطويل والقصير ، فلا يجعل هذا معلقا بالسفر . وأما الجمع بين الصلاتين فهل يجوز في السفر القصير ؟ فيه وجهان فى مذهب أحمد . ( أحدهما ) لا يجوز كمذهب الشافعي قياسا على القصر. و (الثانى) يجوز كقول مالك ؛ لأن ذلك شرع فى الحضر للرض والمطر ، فصار كأكل الميتة إنما علته الحاجة لا السفر ، وهذا هو الصواب ، فإن الجمع بين الصلاتين ليس معلقا بالسفر وإنما يجوز للحاجة بخلاف القصر . وأما الصلاة على الراحلة فقد ثبت في الصحيح بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي على راحلته في السفر قبل أي وجه توجهت به ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة . وهل يسوغ ذلك فى الحضر ؟ فيه قولان فى مذهب أحمد وغيره ، فإذا جوز فى ٣٧ الحضر ففي القصر أولى. وأما إذا منع فى الحضر فالفرق بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل . المقام الثاني حد السفر الذي علق الشارع به الفطر والقصر . وهذا مما اضطرب الناس فيه . قيل : ثلاثة أيام. وقيل : يومين قاصدين. وقيل : أقل من ذلك. حتى قيل : ميل . والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلا ، وقيل : ستة وأربعون ، وقيل : خمسة وأربعون ، وقيل أربعون ، وهذه أقوال عن مالك ، وقد قال أبو محمد المقدسي لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجهاً . وهو كما قال رحمه الله؛ فإن التحديد بذلك ليس ثابتاً بنص ولا إجماع ولا قياس . وعامة هؤلاء يفرقون بين السفر الطويل والقصير ، ويجعلون ذلك حداً للسفر الطويل. ومنهم من لا يسمي سفراً إلا ما بلغ هذا الحد وما دون ذلك لا يسميه سفراً . فالذين قالوا : ثلاثة أيام احتجوا بقوله (( يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن)) وقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال ((لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم )) وقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه ٣٨ قال (( مسيرة يومين)) وثبت في الصحيح (( مسيرة يوم)) وفى السنن «بريداً)) فدل على أن ذلك كله سفر ، وإذنه له فى المسح ثلاثة أيام إنما هو تجويز لمن سافر ذلك ، وهو لا يقتضى أن ذلك أقل السفر ، كما أذن للمقيم أن يمسح يوما وليلة . وهو لا يقتضي أن ذلك أقل الإقامة . والذين قالوا : يومين اعتمدوا على قول ابن عمر وابن عباس . والخلاف فى ذلك مشهور عن الصحابة حتى عن ابن عمر وابن عباس . وما روي (( يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان )) إنما هو من قول ابن عباس. ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث . وكيف يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة بالتحديد وإنما أقام بعد الهجرة زمناً يسيراً، وهو بالمدينة لايحد لأهلها حداً كما حده لأهل مكة ، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين . وأيضا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس. ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره تقليداً وليس هو مما يقطع به ، والتى صلى الله عليه وسلم لم يقدر الأرض بمساحة أصلا، فكيف يقدر الشارع لأمته حدا لم يجر ٣٩ له ذكر فى كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس ، فلا بد أن يكون مقدار السفر معلوما علما عاما ، وذرع الأرض مما لا يمكن ؛ بل هو إما متعذر ، وإما متعسر ؛ لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناء مضبوطا ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق ، وقد يسلكون غيرها ، وقد يكون فى المسافة صعود ، وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته ، ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته ، والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض . والموجود في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فى تقدير الأرض بالأزمنة كقوله فى الحوض (( طوله شهر وعرضه شهر )) وقوله ((بين السماء والأرض خمسمائة سنة)) وفي حديث آخر ((إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة)) فقيل الأول بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام، والثانى سير البريد؛ فإنه فى العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات . وكذلك الصحابة يقولون يوم تام ويومان ؛ ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلا: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام ، لكن هذا لا دليل عليه. وإذا كان كذلك فنقول : كل اسم ليس له حد فى اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف ، فما كان سفرا فى عرف الناس فهو ٤٠