النص المفهرس

صفحات 1-20

مجموع فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن يميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتیبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّدُ بْقَاسْم (رَحَمَهُالَّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَقْقَهُ اللّه)»
المجلّد الرّابع والعشرون
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مِ المُصَيْ الشَِّفَيْنُ الْمَلِ فَهَّدِبْ عَبْد العزيز السُعُودِ
أجْزَل اللَّه مَثُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَعَ الَلِ فَهْلِ لْطَبَائَةِ المُصُحِ الشّريف
في المدينة المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّجُومَ وَالْأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٤٠٠ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٣-٤٤-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٤)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٣-٤٤-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٤ )

كتب
الفِقـ
١
منـ
الجزء الرابع
من صلاة أهل الأعذار إلى الزكاة

٠١
◌ِاللهِ الرَِّ الرَّحِيمِ
باب صلاة أهل الأعذار
سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
عن رجل شيخ كبير وقد انحلت أعضاؤه ، لا يستطيع أن يأكل
أو يشرب ، ولا يتحرك ، ولا يستنجي بالماء ، وإذا سجد ما يستطيع
الرفع ، فكيف يصلي ؟
فأجاب : أما الصلاة فإنه يفعل ما يقدر عليه ، ويصلى قاعداً إذا
لم يستطع القيام، ويومئ برأسه إيماء بحسب حاله ، وإن سجد على
لهذه جاز، ويمسح بخرقة إذا تخلى، ويوضئه غيره إذا أمكن، ويجمع
بين الصلاتين فيوضيه فى آخر وقت الظهر ، فيصلي الظهر والعصر بلا
قصر ، ثم إذا دخل وقت المغرب صلى المغرب والعشاء ، ويوضيه الفجر .
وإن لم يستطع الصلاة قاعداً صلى على جنبه، ووجهه إلى القبلة،
٥

وإن لم يكن عنده من يوضئه ولا ييممه صلى على حسب حاله ، سواء
كان على قفاه ورجلاه إلى القبلة ، أو على جنبه ووجهه إلى القبلة.
وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلى إلى أي جهة توجه ،
شرقا، أو غرباً ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
ء
ومئل شيخ الإسلام
هل يجوز صلاة المرأة قاعدة مع قدرتها على القيام ؟
فأجاب:
فصل
وأما صلاة الفرض قاعداً مع القدرة على القيام فلا تصح ، لامن
رجل ولا امرأة، بل قد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((صل
قائما ، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك)).
ولكن يجوز التطوع جالسا ، ويجوز التطوع على الراحلة فى السفر
قبل أي جهة توجهت بصاحبها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان
٦

يصلي على دابته قبل أي جهة توجهت به ، ويوتر عليها ، غير أنه
لا يصلى عليها المكتوبة .
ويجوز للمريض إذا شق عليه القيام أن يصلي قاعداً ، فإن لم
يستطع صلى على جنبه، وكذلك إذا كان رجل لا يمكنه النزول إلى
الأرض صلى على راحلته ، والخائف من عدوه إذا نزل بصلي على راحلته .
والله أعلم .
وسئل شيخ الإسلام
هل القصر فى السفر سنة أو عزيمة ؟ وعن صحة الحديث الذي رواه
الشافعي عن إبراهيم بن محمد ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبى
رباح ، عن عائشة ، قالت : كل ذلك قد فعل النبى صلى الله عليه وسلم
قصر الصلاة وأتم .
فأجاب : أما القصر فى السفر فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم
وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يصل فى
السفر قط إلا ركعتين ، وكذلك أبو بكر وعمر، وكذلك عثمان فى السنة
٧

الأولى من خلافته ، لكنه في السنة الثانية أتمها بمنى الأعذار مذكورة
في غير هذ الموضع .
وأما الحديث المذكور فلا ريب أنه خطأ على عائشة. وإبراهيم بن
محمد هو ابن أبى يحيى المدنى القدري، وهو وطلحة بن عمرو المكى
ضعيفان ، باتفاق أهل الحديث لا يحتج بواحد منهما فيما هو دون هذا .
وقد ثبت فى الصحيح عن عائشة أنها قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين
ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد فى صلاة الحضر)). وقيل لعروة:
فلم أتمت عائشة الصلاة ؟ قال : تأولت ، كما تأول عثمان . فهذه عائشة
تخبر بأن صلاة السفر ركعتان، وابن اختها عروة أعلم الناس بها:
يذكر أنها أتمت بالتأويل، لم يكن عندها بذلك سنة . وكذلك ثبت
عن عمر بن الخطاب أنه قال: ((صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة
ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، تمام غير
قصر على لسان نبيكم )).
وأيضاً فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبى صلى الله عليه
وسلم لم يصل فى السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعا
قط ، ولكن الثابت عنه أنه صام في السفر وأفطر ، وكان أصحابه منهم
الصائم ومنهم المفطر .
٨

وأما القصر فكل الصحابة كانوا يقصرون ، منهم أهل مكة ،
وغير أهل مكة بمنى وعرفة وغيرهما ، وقد تنازع العلماء فى التربيع :
هل هو محرم ؟ أو مكروه؟ أو ترك للأولى ؟ أو مستحب ؟ أو هما سواء
على خمسة أقوال :
أحدها: قول من يقول إن الإتمام أفضل . كقول للشافعي .
والثانى: قول من يسوى بينهما . كبعض أصحاب مالك.
والثالث : قول من يقول القصر أفضل: كقول الشافعي الصحيح
وإحدى الروايتين عن أحمد .
والرابع : قول من يقول الإمام مكروه، كقول مالك فى إحدى الروايتين
وأحمد في الرواية الأخرى .
والخامس : قول من يقول إن القصر واجب، كقول أبى حنيفة ،
ومالك فى رواية .
وأظهر الأقوال قول من يقول إنه سنة، وإن الإتمام مكروه، ولهذا
لا يجب نية القصر عند أكثر العلماء ، كأبي حنيفة ، ومالك، وأحمد فى
أحد القولين عنه فى مذهبه .
٩

وسل
هل لمسافة القصر قدر محدود عن الشارع صلى الله عليه وسلم ؟
فأجاب : السنة أن يقصر المسافر الصلاة ، فيصلي الرباعية ركعتين،
هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره . هو
وأصحابه، ولم يصل فى السفر أربعا قط. وما روى عنه ((أنه صلى فى
السفر أربعاً فى حياته)) فهو حديث باطل عند أئمة الحديث .
وقد تنازع العلماء فى المسافر إذا صلى أربعاً . فقيل : لا يجوز ذلك
كما لا يجوز أن يصلي الفجر والجمعة والعيد أربعاً، وقيل : يجوز ، ولكن
القصر أفضل عند عامتهم ليس فيه إلا خلاف شاذ، ولا يفتقر القصر
إلى نية ؛ بل لو دخل فى الصلاة وهو ينوي أن يصلي أربعاً [قصر](١)
اتباعا لسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله
عليه وسلم لما حج بالمسلمين حجة الوداع يصلي بهم ركعتين ركعتين ،
إلى أن رجع ، وجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة ، والمسلمون
خلفه ، ويصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم جمعاً، وقصراً. ولم يأمر
أحداً أن ينوي لا جمعاً ولا قصراً .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
١٠

وأقام بمنى يوم العيد، [وإمام](١) منى يصلي بالمسلمين ركعتين ركعتين
والمسلمون خلفه يصلي بصلاته أهل مكة وغيرهم ، وكذلك أبو بكر
وعمر بعده ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر أحداً
من أهل مكة أن يصلي أربعاً ، لا بمنى ولا بغيرها ، فلهذا كان أصح
قولي العلماء أن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة ، ويقصرون بها
وبمنى وهذا قول عامة فقهاء الحجاز ، كمالك ، وابن عيينة ، وهو قول
إسحاق بن راهويه واختيار طائفة من أصحاب الشافعي ، وأحمد ، كأبى
الخطاب فى عباداته .
وقد قيل : يجمعون ولا يقصرون ، وهو قول أبى حنيفة ، وهو
المنصوص عن أحمد ، وقيل : لا يقصرون ، ولا يجمعون . كما يقوله من
يقوله من أصحاب الشافعى وأحمد ، وهو أضعف الأقوال .
والصواب المقطوع به أن أهل مكة يقصرون ، ويجمعون هناك ،
كما كانوا يفعلون هناك مع النبى صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ولم
ينقل عن أحد من المسلمين أنه قال لهم هناك أتموا صلاتكم، فإنا
قوم سفر ؛ ولكن نقل أنه قال ذلك فى غزوة الفتح لما صلى بهم داخل
مكة ، وكذلك كان عمر يأمر أهل مكة بالإتمام إذا صلى بهم فى البلد،
وأما بمنى فلم يكن يأمرهم بذلك .
(١) هكذا ورد بالمطبوع ولعل الصواب (وأيام).
١١

وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه فقيل : كان ذلك لأجل
النسك ، فلا يقصر المسافر سفراً قصيراً هناك ، وقيل : بل كان ذلك
لأجل السفر ، وكلا القولين قاله بعض أصحاب أحمد . والقول الثاني هو
الصواب ، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم ، ولهذا لم يكونوا يقصرون
بمكة ، وكانوا محرمين ، والقصر معلق بالسفر وجوداً وعدماً ، فلا يصلي
ركعتين إلا مسافر ، وكل مسافر يصلى ركعتين ، كما قال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: (( صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة
النحر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير نقص )): أي غير قصر
على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. وفى الصحيح عن عائشة رضي
الله عنها أنها قالت: (( فرضت الصلاة ركعتين ، ركعتين ، ثم زيد فى
صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر)).
وقد تنازع العلماء : هل يختص بسفر دون سفر ؟ أم يجوز فى كل
سفر؟ وأظهر القولين أنه يجوز فى كل سفر قصيراً كان أو طويلا ، كما
قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومنى ، وبين مكة
وعرفة نحو بريد: أربع فراسخ .
وأيضاً فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر ، لا بقصر
ولا بفطر ، ولا تيمم ولم يحد النبى صلى الله عليه وسلم مسافة القصر
بحد ، لا زماني ، ولا مكانى ، والأقوال المذكورة فى ذلك متعارضة ،
١٢

ليس على شيء منها حجة ، وهى متناقضة ، ولا يمكن أن يحد ذلك
بجد صحيح .
فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط فى عامة الأسفار ، وحركة
المسافر تختلف. والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله
عليه وسلم ، ويقيد ما قيده ، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر ،
وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على الراحلة ،
والمسح على الخفين .
ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل ، وخص بعض الأحكام بهذا
وبعضها بهذا ، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل ، فليس معه حجة يجب
الرجوع إليها. والله سبحانه وتعالى أعلم .
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
إذا سافر إنسان سفرا مقدار ثلاثة أيام ، أو ثلاثة فراسخ ، هل
يباح له الجمع والقصر أم لا؟
فأجاب: وأما الجمع والقصر فى السفر القصير ففيه ثلاثة أقوال ؛ بل
أربعة ؛ بل خمسة فى مذهب أحمد .
١٣

أحدها : أنه لا يباح لا الجمع ، ولا القصر .
والثانى: يباح الجمع دون القصر .
والثالث: يباح الجمع بعرفة ومزدلفة خاصة للمكي، وإن كان
سفره قصيراً .
والرابع : يباح الجمع والقصر بعرفة ومزدلفة .
والخامس: يباح ذلك مطلقاً . والذي يجمع للسفر هل يباح له
الجمع مطلقاً ، أو لا يباح إلا إذا كان مسافراً؟ فيه روايتان عن أحمد
مقيما أو مسافراً ، ولهذا نص أحمد على أنه يجمع إذا كان له شغل .
قال القاضي أبو يعلى كل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة يبيح الجمع .
ولهذا يجمع للمطر ، والوحل ، وللريح الشديدة الباردة ؛ فى ظاهر
مذهب الإمام أحمد، ويجمع المريض والمستحاضة والمرضع ، فإذا جد السير
بالمسافر ، جمع سواء كان سفره طويلا أو قصيراً ، كما مضت سنة رسول
صلى الله عليه وسلم. يجمع الناس بعرفة ومزدلفة، المكى وغير المكى،
مع أن أهل مكة سفرم قصير .
وكذلك جمع صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة
ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل مكة، وغير أهل مكة ، وعرفة من مكة
١٤

بريد: أربعة فراسخ ؛ ولهذا قال مالك وبعض أصحاب أحمد كأبي الخطاب
في العبادات الخمس : إن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة ، وهذا
القول هو الصواب ، وإن كان المنصوص عن الأئمة الثلاثة بخلافه : أحمد
والشافعي وأبى حنيفة .
ولهذا قال طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرم إنه يقصر في السفر
الطويل والقصير ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت للقصر
مسافة ، ولا وقتاً ، وقد قصر خلفه أهل مكة بعرفة ومزدلفة ، وهذا
قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال فى الدليل . ولكن لا
بد أن يكون ذلك مما يعد فى العرف سفراً ، مثل أن يتزود له ، ويبرز
للصحراء، فأما إذا كان فى مثل دمشق ، وهو ينتقل من قراها الشجرية من
قرية إلى قرية كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق ، فهذا ليس بمسافر ، كما أن
مدينة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بمنزلة القرى المتقاربة عند كل قوم نخيلهم
ومقابرهم ومساجدهم ، قباء وغير قباء ، ولم يكن خروج الخارج إلى قباء
سفراً ، ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقصرون في مثل
ذلك ، فإن الله تعالى قال: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ
جميع الأبنية تدخل في مسمى المدينة ، وما خرج عن
الْمَدِينَةِ )
أهلها فهو من الأعراب أهل العمود . والمنتقل من المدينة من ناحية إلى
ناحية ليس بمسافر ، ولا بقصر الصلاة ، ولكن هذه مسائل اجتهاد ،
١٥

فمن فعل منها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ، ولم يهجر.
وهكذا اختلفوا فى الجمع والقصر هل يشترط له نية ؟ فالجمهور لا
يشترطون النية، كمالك ، وأبى حنيفة ، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد
وهو مقتضى نصوصه .
والثانى: تشترط . كقول الشافعي ، وكثير من أصحاب أحمد ،
كالخرقى وغيره، والأول أظهر ، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه.
وسئل
عن سفر يوم من رمضان هل يجوز أن يقصر فيه ويفطر أم لا ؟
فأجاب: هذا فيه نزاع بين العلماء ، والأظهر أنه يجوز له القصر
والفطر فى يوم من رمضان ، كما قصر أهل مكة خلف النبى صلى الله
عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ، وعرفة عن المسجد الحرام مسيرة بريد ؛
ولأن السفر مطلق فى الكتاب والسنة .
١٦

وسئل
عن رجل مسافر إلى بلد ، ومقصوده أن يقيم مدة شهر أو أكثر
فهل يتم الصلاة أم لا؟
فأجاب : إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة،
كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة . فإنه أقام بها أربعة
أيام يقصر الصلاة. وإن كان أكثر ففيه نزاع. والأحوط أن يتم الصلاة.
وأما إن قال غداً أسافر ، أو بعد غد أسافر، ولم ينو المقام فإنه
يقصر أبداً ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضعة عشر يوماً
يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة بقصر الصلاة . والله أعلم .
وسل
عن رجل خرج إلى الخربة لأجل الحمى وهو يعلم أنه يقيم
مدة شهرين . فهل يجوز له القصر ؟ وإذا جاز القصر . فالإتمام أفضل
أم القصر ؟
١٧

فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء ، منهم من
يوجب الإتمام ، ومنهم من يوجب القصر ، والصحيح أن كلاهما سائغ
فمن قصر لا ينكر عليه ، ومن أتم لا ينكر عليه .
وكذلك تنازعوا فى الأفضل : فمن كان عنده شك فى جواز القصر
فأراد الاحتياط ، فالإتمام أفضل ، وأما من تبينت له السنة ، وعلى أن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم
يحد السفر بزمان أو مكان ، ولا حد الإقامة أيضاً بزمن محدود .
لا ثلاثة ولا أربعة ، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر ، فإنه يقصر .
كما كان غير واحد من السلف يفعل ، حتى كان مسروق قد ولوه
ولاية لم يكن يختارها فأقام سنين يقصر الصلاة .
وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة ، وكانوا
يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضى فى أربعة أيام ، ولا
أكثر. كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبا
من عشرين يوما يقصرون الصلاة ، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون
فى رمضان . وكان النبى صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج
أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام . وإذا كان التحديد لا أصل له ،
فما دام المسافر مسافراً يقصر الصلاة ، ولو أقام فى مكان شهوراً ،
والله أعلم ، كتبه أحمد بن تيمية .
١٨

وسئل
هل الجمع بين الصلاتين فى السفر أفضل أم القصر ؟ وما أقوال
العلماء فى ذلك ؟ وما حجة كل منهم ؟ وما الراجح من ذلك ؟
فأجاب : الحمد لله . بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل ، إذا لم
يكن به حاجة إلى الجمع . فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التى
كان يصليها فى السفر إنما يصليها فى أوقاتها . وإنما كان الجمع منه
مرات قليلة .
وفرق كثير من الناس بين الجمع والقصر ، وظهم أن هذا بشرع
سنة ثابتة، والجمع رخصة عارضة، وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم
في جميع أسفاره كان يصلي الرباعية ركعتين ، ولم ينقل أحد أنه صلى
في سفره الرباعية أربعاً ؛ بل وكذلك أصحابه معه .
والحديث الذي يروى عن عائشة: (( أنها أمت معه وأفطرت))،
حديث ضعيف. بل قد ثبت عنها فى الصحيح: (( أن الصلاة أول
ما فرضت كانت ركعتين ، ركعتين ، ثم زيد فى صلاة الحضر ، وأقرت
١٩

صلاة السفر)). وثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال:
(«صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان
وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر. على لسان نبيكم صلى الله
عليه وسلم)) .
وأما قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبُّمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْمِنَ
فإن نفي
الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ )
الجناح لبيان الحكم، وإزالة الشبهة ، لا يمنع أن يكون القصر هو
السنة. كما قال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَاِاللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَفَلَا
نفى الجناح لأجل الشبهة التى
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)
عرضت لهم من الطواف بينهما ؛ لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من
كراهة بعضهم للطواف بينهما ، والطواف بينهما مأمور به باتفاق
المسلمين ، وهو إما ركن ، وإما واجب ، وإما سنة مؤكدة .
وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر ، لأن القصر يتناول قصر العدد
وقصر الأركان ، فالخوف يبيح قصر الأركان ، والسفر يبيح قصر العدد
فإذا اجتمعا أبيح القصر بالوجهين ، وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي
القصر ، والعلماء متنازعون فى المسافر : هل فرضه الركعتان ؟ ولا
يحتاج قصره إلى نية ؟ أم لا يقصر إلا بنية ؟ على قولين :
٢٠