النص المفهرس

صفحات 321-340

وأيضاً فتحمل الإمام القراءة عن المأموم لا يمنع أن يكون للمأموم
أن يقرأ فيأتى هو بالكمال فى ذلك ، فإن ذلك خير من السكوت
الذي لا استماع معه ، وهذا أمر معلوم متيقن من الشريعة أن القارئ
للقرآن أفضل من الساكت الذي لا يستمع قراءة غيره ، وهو داخل
فى قوله: (( من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، أما إنى
لا أقول ( الم ) حرف، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف)»
فكراهة هذا العمل الصالح الذي يحبه الله ورسوله لا وجه له أصلا ،
وهذا بخلاف المستمع فإن استماعه يقوم مقام قراءته .
ودليل ذلك اتفاقهم على أنه مأمور حال القراءة المستحبة بالإنصات
إما أمر إيجاب ، وإما أمر استحباب ، وأنه مكروه لهم القراءة حال
الاستماع، فلولا أن الاستماع كالقراءة ، بل وأفضل : لم يكن مأموراً
بالإنصات منهياً عن القراءة ، فإن الله لا يأمر بالأدنى وينهى
عن الأفضل .
ومما يؤيد ذلك قوله فى حديث عبادة (( فلا تقرأوا بشيء من
القرآن إذا جهرت بالقراءة ، إلا بأم القرآن )) فإنما نهام عن القراءة
إذا جهر ، وكذلك قول الزهري : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٣٢١

وهذا المفسر يقيد المطلق فى اللفظ الآخر. قال: ((تقرأون
خلف إمامكم ؟ قلنا: نعم ، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب )) يعنى
فى الجهر . ويبين أيضاً ما رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود
قال: كانوا يقرأون خلف النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ((خلطتم
علي القرآن )) فهذا يكون فى صلاة جهر، أو فى صلاة سر رفع
المأموم فيها صوته حتى سمعه الإمام ، وإلا فالمأموم الذي يقرأ سراً فى
نفسه لا يخلط على الإمام ، ولا يخلط عليه الإمام ؛ بخلاف المأموم الذي
يقرأ حال قراءة الإمام ، فإن الإمام قطعاً يخلط عليه، حتى أن
من المأمومين من يعيد الفاتحة مرات لأن صوت الإمام يشغله قطعاً .
بل إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل المأموم يخلط
عليه ويلبس ويخالج الإمام ، فكيف بالإمام فى حال جهره مع المأموم ،
والمأموم يلبس على المأموم حال الجهر ؛ لأنه إذا جهر وحده كان أدنى
حس بلبس عليه ، ويثقل عليه القراءة ، فإن لم تكن الأصوات هادئة
هدوءاً تاما ، وإلا ثقلت عليه القراءة ولبس عليه ، وهذا أمر محسوس.
ولهذا تجد الذين يشهدون سماع القصائد سماع المكا والتصدية
يشوشون بأدنى حس ، وينكرون على من يشوش . وكذلك من قرأ
القرآن خارج الصلاة فإنه يشوش عليه بأدنى حس ، فكيف من يقرأ في
الصلاة ، ولو قرأ قارئ خارج الصلاة على جماعة وهم لا ينصتون له، بل
٣٢٢

يقرأون لأنفسهم لتشوش عليه . فقد تبين بالأدلة السمعية والقياسية القول
المعتدل في هذه المسألة ، والله أعلم .
والآثار المروية عن الصحابة في هذا الباب تبين الصواب ، فعن
عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام . فقال:
((لا قراءة مع الإمام في شيء ، رواه مسلم. ومعلوم أن زيد بن ثابت
من أعلم الصحابة بالسنة ، وهو عالم أهل المدينة ، فلو كانت القراءة
بالفاتحة أو غيرها حال الجهر مشروعة ، لم يقل لا قراءة مع الإمام
فى شيء .
وقوله: (( مع الإمام)) إنما يتناول من قرأ معه حال الجهر . فأما
حال المخافتة فلا هذا يقرأ مع هذا ، ولا هذا مع هذا ، وكلام زيد هذا
ينفي الإيجاب والاستحباب ، ويثبت النهى والكراهة .
وعن وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : من
صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل ؛ إلا وراء الإمام . رواه
مالك في الموطأ . وجابر آخر من مات من الصحابة بالمدينة ، وهو من
أعيان تلك الطبقة، وروى مالك أيضاً عن نافع عن عبد الله بن عمر
كان إذا سئل : هل يقرأ أحد خلف الإمام ؟ يقول: إذا صلى أحدكم
٣٢٣

خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام ، وإذا صلى وحده فليقرأ . قال :
وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام ، وابن عمر من أعلم الناس
بالسنة ، وأتبعهم لها .
ولو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان هذا من العلم العام الذي
بينه النبى صلى الله عليه وسلم بياناً عاما، ولو بين ذلك لهم لكانوا
يعملون به عملا عاما ، ولكان ذلك في الصحابة لم يخف مثل هذا
الواجب على ابن عمر ، حتى يتركه مع كونه واجباً عام الوجوب على
عامة المصلين ، قد بين بياناً عاماً ، بخلاف ما يكون مستحباً ، فإن
هذا قد يخفى .
وروى البيهقي عن أبي وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن
القراءة خلف الإمام ، فقال : أنصت للقرآن ، فإن فى الصلاة لشغلا ،
وسيكفيك ذاك الإمام . فقول ابن مسعود هذا يبين أنه إنما نهاء عن
القراءة خلف الإمام ؛ لأجل الإنصات . والاشتغال به لم ينهه إذا لم
بكن مستمعاً كما فى صلاة السر ، وحال السكتات . فإن المأموم حينئذ
لا يكون منصتاً ولا مشتغلا بشيء. وهذا حجة على من خالف ابن
مسعود من الكوفيين ، ومبين لما رواه عن النى صلى الله عليه وسلم
كما تقدم .
٣٢٤

وحديث جابر الذي تقدم قد روي مرفوعا ، ومسنداً، ومرسلا، فأما
الموقوف على جابر فثابت بلا نزاع ، وكذلك المرسل ثابت بلا نزاع .
من رواية الأمة عن عبد الله بن شداد عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) وأما المسند
فتكلم فيه . رواه ابن ماجه من حديث جابر الجعفي ، عن جابر بن
عبد الله . وجابر الجعفي كذبه أيوب ، وزائدة ، ووثقه الثوري وسعيد،
وقال ابن معين: لا يكتب حديثه ، ولا كرامة، ليس بشيء . وقال
النسائى متروك . وروى أبو داود عن أحمد أنه قال : لم يتكلم في جابر
لحديثه ، إنما تكلم فيه لرأيه . قال أبو داود ليس عندي بالقوي من
حديثه، وقوله ((فقراءة الإمام له قراءة )) لا تدل على أنه لا يستحب
للمأموم القراءة، كما احتج بذلك من احتج به من الكوفيين ، فإن
قوله: ((قراءة الإمام له قراءة)) دليل على أن له أن يجتزى
بذلك ، وأن الواجب يسقط عنه بذلك ، لا يدل على أنه ليس له أن
يقرأ كما فى مواضع كثيرة ، وله أن يسقط الواجب بفعل غيره ،
وله أن يفعله هو بنفسه . وكذلك المستحب . وأقصى ما يقدر أن
يكون هو كأنه قد قرأ .
ثم إن أذكار الصلاة واجبها ومستحبها ، إذا فعلها العبد مرة لم
٣٢٥

بكره له أن يفعلها فى محلها مرة ثانية لغرض صحيح ، مع أنه قد ثبت
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((الله أكبر كبيراً، الله
أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً)) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يردد
- آخر
الآية الواحدة، كما ردد قوله: ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ)
ما وجد - والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد النبي وآ له وسلم.
٣٢٦

وقال أيضاً
وأما القراءة خلف الإمام : فالناس فيها طرفان ، ووسط .
منهم : من يكره القراءة خلف الإمام ، حتى يبلغ بها بعضهم إلى
التحريم ، سواء في ذلك صلاة السر والجهر ، وهذا هو الغالب على أهل
الكوفة ، ومن اتبعهم : كأصحاب أبي حنيفة .
ومنهم من يؤكد القراءة خلف الإمام حتى يوجب قراءة الفاتحة ،
وإن سمع الإمام يقرأ ، وهذا هو الجديد من قولي الشافعي ، وقول
طائفة معه .
ومنهم من بأمر بالقراءة فى صلاة السر ، وفى حال سكتات
الإمام فى صلاة الجهر ، والبعيد الذي لا يسمع الإمام . وأما القريب
الذي يسمع قراءة الإمام فيأمرونه بالإنصات لقراءة إمامه ؛ إقامة
للاستماع مقام التلاوة . وهذا قول الجمهور : كمالك ، وأحمد ، وغيرهم ،
٣٢٧

من فقهاء الأمصار ، وفقهاء الآثار . وعليه يدل عمل أكثر الصحابة ،
وتتفق عليه أكثر الأحاديث .
وهذا الاختلاف شبيه باختلافهم في صلاة المأموم : هل هي مبنية
على صلاة الإمام ؟ أم كل واحد منها يصلي لنفسه ؟ كما تقدم التنبيه عليه .
فأصل أبي حنيفة أنها داخلة فيها ، ومبنية عليها مطلقاً ، حتى أنه يوجب
الإعادة على المأموم حيث وجبت الإعادة على الإمام . وأصل الشافعي :
أن كل رجل يصلي لنفسه ، لا يقوم مقامه لا في فرض ولا سنة ؛
ولهذا أمر المأموم بالتسميح ، وأوجب عليه القراءة ، ولم يبطل صلانه
بنقص صلاة الامام ، إلا فى مواضع مستثناة ، كتحمل الإمام عن
المأموم سجود السهو ، وتحمل القراءة إذا كان المأموم مسبوقا ، وإبطال
صلاة القارئ خلف الأمى ، ونحو ذلك . واما مالك وأحمد : فإنها
مبنية عليها من وجه دون وجه . كما ذكرناه من الاستماع للقراءة فى
حال الجهر ، والمشاركة فى حال المخافتة ، ولا يقول المأموم عندهما سمع
الله لمن حمده، بل يحمد جواباً لتسميح الإمام، كما دلت عليه النصوص
الصحيحة ، وهي مبنية عليها . فيما يعذران فيه ، دون مالا يعذران ، كما
تقدم فى الإمامة .
٣٢٨

وسل
عن قراءة المؤتم خلف الإمام: جازة أم لا ؟ وإذا قرأ خلف
الامام : هل عليه إثم فى ذلك . أم لا ؟
فأجاب : القراءة خلف الإمام فى الصلاة لا تبطل عند الأئمة -
رضوان الله عليهم - لكن تنازع العلماء أيما أفضل في حق المأموم؟
فمذهب مالك والشافعي وأحمد : أن الأفضل له أن يقرأ فى حال
سكوت الإمام : كصلاة الظهر ، والعصر ، والأخيرتين من المغرب
والعشاء ، وكذلك يقرأ فى صلاة الجهر إذا لم يسمع قراءته . ومذهب
أبى حنيفة: أن الأفضل أن لا يقرأ خلفه بحال، والسلف - رضوان
اللّه عليهم من الصحابة والتابعين - منهم من كان يقرأ، ومنهم من كان
لا يقرأ خلف الإمام .
وأما إذا سمع المأموم قراءة الإمام فجمهور العلماء على أنه يستمع ولا
يقرأ بحال ، وهذا مذهب أبى حنيفة ، ومالك وأحمد ، وغيرهم .
ومذهب الشافعى أنه يقرأ حال الجهر بالفاتحة خاصة ، ومذهب
٣٢٩

طائفة كالأوزاعى وغيره من الشاميين يقرأها استحباباً ، وهو
اختيار جدنا .
والذي عليه جمهور العلماء هو الفرق بين حال الجهر ، وحال
المخافتة ، فيقرأ فى حال السر ، ولا يقرأ في حال الجهر ، وهذا أعدل
وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ.
الأقوال ؛ لأن الله تعالى قال : (
وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
) فإذا قرأ الإمام فليستمع ، وإذا سكت فليقرأ
فإن القراءة خير من السكوت الذي لا إستماع معه . ومن قرأ القرآن
فله بكل حرف عشر حسنات ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم
فلا يفوت هذا الأجر بلا فائدة ، بل يكون إما مستمعاً ، وإما قارئاً .
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وسئل
عما تدرك به الجمعة والجماعة ؟
فأجاب : اختلف الفقهاء فيما تدرك به الجمعة والجماعة على
ثلاثة أقوال :
( أحدها ) : أنهما لا يدركان إلا بركعة ، وهو مذهب مالك ،
٣٣٠

وأحمد فى إحدى الروايتين عنه اختارها جماعة من أصحابه ، وهو وجه
فى مذهب الشافعي ، واختاره بعض أصحابه أيضاً كأبي المحاسن
الرياني ، وغيره .
( والقول الثانى ) : أنهما يدركان بتكبيرة ، وهو مذهب
أبي حنيفة .
(والقول الثالث ) : أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، والجماعة تدرك
بتكبيرة ، وهذا القول هو المشهور من مذهب الشافعى ، وأحمد .
والصحيح هو القول الأول ؛ لوجوه :
( أحدها ) أن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئاً من
الأحكام ، لا فى الوقت ، ولا فى الجمعة ، ولا الجماعة ، ولا غيرها .
فهو وصف ملغى في نظر الشارع ، فلا يجوز اعتباره .
( الثاني ) : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علق الأحكام
بإدراك الركعة ، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره ، واعتبار لما ألغاه ،
وكل ذلك فاسد فيما اعتبر فيه الركعة ، وعلق الإدراك بها في الوقت .
ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إذا أدرك أحدكم ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب
٣٣١

الشمس فليتم صلانه ، وإذا أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن
تطلع الشمس فليتم صلاته )) .
وأما ما فى بعض طرقه: ((إذا أدرك أحدكم سجدة )) فالمراد بها
الركعة التامة ، كما في اللفظ الآخر ؛ ولأن الركعة التامة تسمى باسم
الركوع ، فيقال : ركعة ، وباسم السجود فيقال سجدة ، وهذا كثير فى
ألفاظ الحديث ، مثل هذا الحديث وغيره .
( الثالث) أن النبى صلى الله عليه وسلم علق الإدراك مع
الإمام بركعة ، وهو نص فى المسألة . ففي الصحيحين من حديث أبى
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك ركعة من الصلاة
مع الإمام فقد أدرك الصلاة)) وهذا نص رافع للنزاع .
( الرابع ) أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة ، كما أفتى به أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم : منهم ابن عمر ، وابن مسعود، وأنس
وغيرهم. ولا يعلم لهم فى الصحابة مخالف. وقد حكى غير واحد أن
ذلك إجماع الصحابة ، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح؛ ولهذا
أبو حنيفة طرد أصله ، وسوى بينهما ، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار
الصحابة تبطل ما ذهب إليه .
( الخامس ): أن ما دون الركعة لايعتد به من الصلاة ، فإنه يستقبلها
٣٣٢

جميعها منفرداً، فلا يكون قد أدرك مع الإمام شيئاً يحتسب له به، فلا
يكون قد اجتمع هو والإمام فى جزء من أجزاء الصلاة يعتد له به ،
فتكون صلاته جميعاً صلاة منفرد. يوضح هذا أنه لا يكون مدركاً
للركعة إلا إذا أدرك الإمام فى الركوع ، وإذا أدركه بعد الركوع لم
يعتد له بما فعله معه ، مع أنه قد أدرك معه القيام من الركوع
والسجود ، وجلسة الفصل ، ولكن لما فاته معظم الركعة وهو القيام
والركوع فاتته الركعة ، فكيف يقال مع هذا أنه قد أدرك الصلاة
مع الجماعة ، وهو لم يدرك معهم ما يحتسب له به ، فإدراك الصلاة
بإدراك الركعة ، نظير إدراك الركعة بإدراك الركوع ؛ لأنه فى الموضعين
قد أدرك ما يعتد له به ، وإذا لم يدرك من الصلاة ركعة كان كمن لم
يدرك الركوع مع الإمام في فوت الركعة ؛ لأنه في الموضعين لم يدرك
ما يحتسب له به ، وهذا من أصح القياس .
( السادس): أنه ينبني على هذا: أن المسافر إذا اتتم بمقيم وأدرك
معه ركعة فما فوقها فإنه يتم الصلاة ، وإن أدرك معه أقل من ركعة
صلاها مقصورة ، نص عليه الإمام أحمد فى إحدى الروايتين عنه ،
وهذا لأنه بإدراك الركعة قد انتم بمقيم فى جزء من صلاته ،
فلزمه الإتمام ، وإذا لم يدرك معه ركعة فصلاته صلاة منفرد
فيصليها مقصورة .
٣٣٣

وينبني عليه أيضاً أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس
بقدر ركعة لزمها العصر ، وإن طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها
العشاء ، وإن حصل ذلك بأقل من مقدار ركعة لم يلزمها شيء . وأما
الظهر والمغرب : فهل يلزمها بذلك ؟ فيه خلاف مشهور ؟ فقيل :
لا يلزمها وهو قول أبى حنيفة. وقيل: يلزمها وهو مذهب مالك ،
والشافعي وأحمد ، ورواه الإمام أحمد عن ابن عباس ، وعبد الرحمن
ابن عوف .
ثم اختلف هؤلاء فيما تلزم به الصلاة الأولى على قولين:
أحدهما : تجب بما تجب به الثانية ، وهل هو ركعة ؟ أو تكبيرة ؟
على قولين :
والثانى لا تجب ، إلا بأن تدرك زمناً يتسع لفعلها ، وهو أصح.
وقريب من هذا اختلافهم فيما إذا دخل عليها الوقت وهي طاهرة
ثم حاضت ، هل يلزمها قضاء الصلاة أم لا ؟ على قولين :
(أحدهما ) لا يلزمها ، كما يقوله مالك ، وأبو حنيفة .
( والثاني ) يلزمها . كما يقوله الشافعى، وأحمد .
٣٣٤

ثم اختلف الموجبون عليها الصلاة فيما يستقر به الوجوب
على قولين :
(أحدهما ) قدر تكبيرة ، وهو المشهور في مذهب أحمد .
( والثانى ) : أن يمضي عليها زمن تتمكن فيه من الطهارة وفعل
الصلاة ، وهو القول الثانى فى مذهب أحمد ، والشافعي .
ثم اختلفوا بعد ذلك : هل يلزمها فعل الثانية من المجموعتين مع
الأولى ؟ على قولين ، وهما روايتان عن الإمام أحمد . والأظهر فى
الدليل مذهب أبى حنيفة ومالك أنها لا يلزمها شيء ؛ لأن القضاء إنما
يجب بأمر جديد ، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء ، ولأنها أخرت تأخيراً
جائزاً فهي غير مفرطة . وأما النائم أو الناسي - وإن كان غير مفرط
أيضاً - فإن ما يفعله ليس قضاء ، بل ذلك وقت الصلاة فى حقه
حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نام
عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها )) وليس عن
النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها ،
وانما وردت السنة بالإعادة فى الوقت لمن ترك واجباً من واجبات الصلاة
كأمره للمسىء فى صلاته بالإعادة لما ترك الطمأنينة المأمور بها ، وكأمره
لمن صلى خلف الصف منفرداً بالإعادة لما ترك المصافة الواجبة ، وكأمره
٣٣٥

لمن ترك لمعة من قدمه لم يصبها الماء بالإعادة لما ترك الوضوء المأمور به
وأمر النائم والناسي بأن يصليا إذا ذكرا ، وذلك هو الوقت في حقهما
والله سبحانه وتعالى أعلم .
وسئل رحمه الله
عمن يرفع قبل الإمام ويخفض ونهي فلم ينته ، فما حكم صلاته ؟
وما يجب عليه ؟
فأجاب : أما مسابقة الإمام فحرام ، باتفاق الأئمة . لا يجوز لأحد
أن يركع قبل إمامه ، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله. وقد استفاضت
الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك ، كقوله في
الحديث الصحيح: (( لا تسبقونى بالركوع ، ولا بالسجود ، فإنى مهما
أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، إنى قد بدنت )) وقوله
(( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا،
فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم - قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : فتلك بتلك ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا ربنا
ولك الحمد ، يسمع الله لكم ، وإذا كبر وسجد فكبروا ، واسجدوا ،
فإن الإمام يسجد قبلكم ، ويرفع قبلكم، فتلك بتلك)).
٣٣٦

وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل
الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار)) وهذا لأن المؤتم متبع للإمام
مقتد به ، والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه ، وقدوته ، فإذا تقدم
عليه كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله، كما جاء فى حديث آخر :
((مثل الذي يتكلم والخطيب يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً)).
ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه ، وأمثاله ،
كما روي عن عمر: أنه رأى رجلا يسابق الإمام ، فضربه. وقال:
لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت .
وإذا سبق الإمام سهواً لم تبطل صلاته ، لكن يتخلف عنه بقدر
ما سبق به الإمام ، كما أمر بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأن صلاة المأموم مقدرة بصلاة الإمام ، وما فعله قبل الإمام سهوا
لا يبطل صلاته ؛ لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهواً ، فكان
كما لو زاد ركوعا أو سجوداً سهواً، وذلك لا يبطل بالسنة والإجماع،
ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يعتد به على الصحيح ؛ لأنه فعله فى غير
محله ، لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتاً لفعل المأموم، فصار بمنزلة من
صلى قبل الوقت ، أو بمنزلة من كبر قبل تكبير الإمام ، فإن هذا
لا يجزئه عما أوجب الله عليه؛ بل لا بد أن يحرم إذا حل الوقت
لا قبله ، وأن يحرم المأموم اذا أحرم الإمام لا قبله فكذلك المأموم
٣٣٧

لا بد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسجد ، لا قبل ذلك
فما فعله سابقاً وهو ساه عفي له عنه ، ولم يعتد له به ، فلهذا أمره
الصحابة والأئمة أن يتخلف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام .
وأما إذا سبق الإمام عمدا ففي بطلان صلاته قولان معروفان فى
مذهب أحمد وغيره ، ومن أبطلها قال : إن هذا زاد فى الصلاة عمدا
فتبطل ، كما لو فعل قبله ركوعا أو سجوداً عمدا ، فإن الصلاة تبطل
بلا ريب ، وكما لو زاد فى الصلاة ركوعا أو سجوداً عمدا. وقد قال
الصحابة للمسابق : لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت ، ومن لم
يصل وحده ، ولا مؤتما ، فلا صلاة له ، وعلى هذا [ فعلى ] المصلي
أن يتوب من المسابقة ، ويتوب من نقر الصلاة ، وترك الطمأنينة فيها ،
وإن لم ينته فعلى الناس كلهم أن يأمروه بالمعروف الذي أمره الله به ،
وينهوه عن المنكر الذي نهاه اللّه عنه. فإن قام بذلك بعضهم وإلا
أتموا كلهم .
ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع ، فعل
ذلك ، ومن لم يمكنه إلا هجره وكان ذلك مؤثرا فيه هجره، حتى يتوب.
والله أعلم .
٣٣٨

وسئل
عن المصافحة عقيب الصلاة : هل هي سنة أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله . المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة ، بل
هي بدعة . والله أعلم .
٣٣٩

الإمامة
باب
سئل رحمه الله:
عن الإمامة هل فعلها أفضل ، أم تركها ؟؟
فأجاب : بل يصلي بهم ، وله أجر بذلك . كما جاء فى الحديث .
(( ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة: رجل أم قوما وم له راضون)).
الحديث . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجلين: أحدهما حافظ للقرآن ، وهو واعظ ، يحضر الدف
والشبابة ، والآخر عالم متورع . فأيهما أولى بالإمامة ؟
فأجاب : ثبت فى صحيح مسلم عن أبى مسعود البدري أن النبى
صلى اللّه عليه وسلم قال: (( يؤم القوم أقروم لكتاب الله، فإن كانوا
٣٤٠