النص المفهرس
صفحات 301-320
أن يقرأ حال استماعه لقراءة الإمام بلفظ مجمل . قال البخاري : وروى ابن صالح عن الأصفهانى ، عن المختار عن عبد الله بن أبى ليلى، عن أبيه، عن علي ((من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة)) قال: وهذا لم يصح؛ لأنه لا يعرف المختار، ولا يدري أنه سمع من ابنه ، ولا أبيه من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله . وحديث الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي أولى وأصح . قلت : حديث الزهري بين فى أنه أمره بالقراءة فى صلاة المخافتة ، لا فى صلاة الجهر ، وعلى هذا فيكون إن كان قد قال هذا قاله فى صلاة الجهر ، إذا سمع الإمام ، فلا منافاة بين القولين . كما تقدم مثل ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر وغيرهما . قال البخاري : وروى داود بن قيس ، عن أبى نجاد رجل من ولد سعد، عن سعد («وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام فى فيه جمر )). قال : وهذا مرسل ، وابن نجاد لم يعرف، ولا سمي ، ولا يجوز لأحد أن يقول فى في القارئ خلف الإمام جمرة ؛ لأن الجمرة من عذاب الله. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولا ينبغي لأحد أن يتوم ذلك على سعد مع إرساله وضعفه . قال : ٣٠١ وروى ابن حبان عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم قال : قال عبد الله («وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تبا)) قال : وهذا مرسل لا يحتج به ، وخالفه ابن عون عن إبراهيم عن الأسود ، وقال: رضفا ، وليس هذا من كلام أهل العلم الوجوه . أما أحدها : قال النى صلى الله عليه وسلم «لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بالنار ، ولا تعذبوا بعذاب الله)). والوجه الآخر : أنه لا ينبغي لأحد أن يتمنى أن يملأ أفواه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عمر بن الخطاب ، وأبى بن كعب ، وحذيفة ، ومن ذكرنا رضفا ، ولا تبنا ولا تراباً . والوجه الثالث : إذا ثبت الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ، فليس فى [قول ] الأسود ونحوه حجة ، قال ابن عباس ومجاهد ليس أحد بعد النى صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، وقال حماد بن سلمة: (( وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه سكراً )). قال البخاري : وروى عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد ابن ثابت قال: ((من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له )) ولا يعرف لهذا ٣٠٢ الإسناد سماع بعضهم من بعض ، ولا يصح مثله . قال : وكان سعيد بن المسيب ، وعروة والشعبى، وعبيد اللّه بن عبد الله، ونافع بن جبير ، وأبو المليح ، والقاسم بن محمد ، وأبو مجلز ، ومكحول ، ومالك ، وابن عون ، وسعيد بن أبى عروبة يرون القراءة . وكان أنس وعبد الله ابن يزيد الأنصاري يستحبان (القراءة] خلف الإمام. قلت : قد روى مسلم فى صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت الأنصاري عن القراءة مع الإمام . فقال : لا قراءة مع الإمام فى شيء . وهذا يتناول القراءة معه في الجهر ، كما قال الزهري فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يجهر فيه . وأما في صلاة المخافتة فلا يقال قرأ معه ، كما لا يقال إن أحد المأمومين يقرأ مع الآخر ، وكما لا يقال : إنه استفتح معه ، وتشهد معه ، وسبح معه في الركوع والسجود . وكذلك ابن مسعود قد تقدمت الرواية عنه بأنه كان يأمر بإنصات المأموم لقراءة الإمام ، وكان يقرأ خلف الإمام . وعلى هذا فقوله : إن كان قاله ، أو قول أصحابه الذين نقلوا عنه كالأسود : ٣٠٣ («وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه رضفا، أو تبنا، أو تراباً)) يتناول من قرأ وهو يسمع الإمام بقرأ، فترك ما أمر به من الإنصات والاستماع ، وهذا هو الذي يتناوله قول سعد إن كان قاله : (((وددت أن في فيه جمراً)) لا سيما إذا نازع الإمام القراءة، بأن يكون الإمام أو من يسمع قراءة الإمام يسمع حسه ، فيكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ((مالي أنازع القرآن)) وقال فيه: ((علمت أن بعضكم خالجنيها )) وكذلك لو قرأ فى السر، ورفع صوته بحيث يخالج الإمام وينازعه ، أو يخالج وينازع غيره من المأمومين ، لكان مسيئا فى ذلك . وقول حماد بن سلمة وغيره: ((وددت أنه ملئ فوه سكرا)) إذا قرأ حيث يستحب له القراءة ، لقراءته خلف الإمام فى صلاة السر وكذلك ما نقل عن زيد بن ثابت أنه قال: ((من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له )) يتناول من ترك ما أمر به ، وفعل ما نهى عنه . فقرأ وهو يسمع قراءة الإمام ، وفى بطلان صلاة هذا وجهان في مذهب أحمد ، ومن قال هذا من السلف من صحابى أو تابعى ، فقد بريد به معنى صحيحاً. كما في قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لأن يجلس أحدكم على حمرة فتخلص إلى جلده فتحرق ثيابه ، خير له من أن يجلس على قبر )) وتعذيب الإنسان بعذاب في الدنيا أيسر عليه من ركوب ٣٠٤ ما نهى الله عنه . فمن اعتقد أن قراءته حال استماع إمامه معصية لله ورسوله ، ترك بها ما أمره الله، وفعل ما نهى الله عنه، جاز أن يقول ؛ لأن يحصل بفيه شيء يؤذيه فيمنعه عن المعصية خير له من أن يفعل ما نهى عنه ، كما قد يقال : لمن تكلم بكلمة محرمة: لو كنت أخرس لكان خيراً لك ، ولا يراد بذلك أنا نحن نعذبه بذلك ، لكن يراد لو ابتلاه الله بهذا لكان خيراً له من أن يقع فى الذنب . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: ((عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)) والواحد من السلف قد يذكر ما فى الفعل من الوعيد، وإن فعله غيره متأولا، لقول عائشة ((أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب )» وليس في هذا تلاعن بلعنة الله، ولا بالنار، ولا تعذيب بعذاب الله، بل فيه تمنى أن يبتلى بما يمنعه عن المعصية . وإن كان فيه أذى له . والعالم قد يذكر الوعيد فيما يراه ذنباً مع علمه بأن المتأول مغفور له ، لا يناله الوعيد . لكن يذكر ذلك ليبين أن هذا الفعل مقتضى لهذه العقوبة عنده ، فكيف وهو لم يذكر إلا ما يمنعه عما يراه ذنباً. ٣٠٥ وكذلك قول من قال: ((وددت أنه ملئ فوه سكرا)) بتناول من فعل ما أمر الله به من القراءة ، ومع هذا فمن فعل القراءة المنهي عنها معتقداً أنه مأمور به ، أو ترك المأمور به معتقداً أنه منهي عنه ، كان مثابا على اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ، وإن كان العالم يقول فى الفعل الذي يرى أنه واجب أو محرم ما يناسب الوجوب والتحريم ، وليس في ذلك تمنى أن يملأ أفواه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحداً من المؤمنين رضفا ولا تنا ؛ لأن أولئك عامة ما نقل عنهم من القراءة خلف الإمام فى السر، وذم الذامين لمن يقرأ فى الجهر . فلم يتوارد النم والفعل ، وإن قدر أنهما تواردا من السلف، فهو كتواردها من الخلف . وحينئذ فهذا يتكلم باجتهاده ، وهذا باجتهاده ، وليس ذلك بأعظم من قول بعض أكابر الصحابة لبعض أكابرهم قدام النبي صلى الله عليه وسلم : إنك منافق ، تجادل عن المنافقين . وقول القائل : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، وليس ذلك بأعظم مما وقع بينهم من التأويل فى القتال في الفتن ، والدعاء فى القنوت باللعن ، وغيره. مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) وقوله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار)) فإذا كان هذا الوعيد يندفع عنهم بالتأويل، ٣٠٦ فى الدماء ، فلأن يندفع بالتأويل فيما دون ذلك أولى وأحرى . وقد ثبت عن علي أنه حرق بالنار المرتدين ، وكذلك الصديق روي عنه أنه حرق ، فإذا جاز هذا على الخلاف مع ثبوت النص بخلافه ؛ لأجل التأويل ، لم يمتنع أن يغلط بعضهم فيما يراه ذنباً ومعصية بمثل هذا الكلام . ومعلوم أن النهي عن القراءة خلف الإمام في الجهر متواتر عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كما أن القراءة خلف الإمام فى السمر متواترة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم بل ونفي وجوب القراءة على المأموم مطلقاً مما هو معروف عنهم . وقد روى البخاري فى هذا الكتاب : حدثنا عبد الله بن منير ، سمع يزيد بن هارون، ثنا زياد - وهو الجصاص - ثنا الحسن ، حدثني عمران بن حصين، قال: (( لا تزكو صلاة مسلم إلا بطهور وركوع وسجود وراء الإمام ، وإن كان وحده بفاتحة وآيتين أو ثلاث. فلم يوجب الفاتحة عليه إذا كان إماما ، كما أوجب عليه الطهارة والركوع والسجود ، بل أوجبها مع الانفراد. ٣٠٧ ثم روى البخاري قوله: ((لا تقرأ وا خلفي إلا بأم القرآن)) وذكر طرقه وما فيه من الاختلاف ، فقال حدثنا شجاع بن الوليد ، ثنا النضر ، تنا عكرمة ، ثنا عمرو بن سعد. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (١) - (١) سقط في الأصل . ٣٠٨ وقال شيخ الإسلام فصل الناس فى القراءة خلف الإمام متنازعون في الوجوب والاستحباب : فقيل نكره مطلقاً، كما هو قول أبى حنيفة ، وغيره . وقيل : بل تجب بالفاتحة مطلقا كما هو قول الشافعي في الجديد ، وغيره . وهو قول ابن حزم ، وزاد لا تشرع بغير ذلك محال . وقيل : بل تجب بها فى صلاة السر فقط ، كقوله القديم. والإمام أحمد ذكر إجماع الناس على أنها لا تجب في صلاة الجهر . والجمهور على أنها لا تجب ولا تكره مطلقا، بل تستحب القراءة فى صلاة السر ، وفى سكتات الإمام بالفاتحة وغيرها ، كما هو مذهب مالك ، وأحمد ، وغيرهما . وأما إذا لم يكن للإمام سكتات فقرأ فيها. فهل تكره القراءة ، أم تستحب بالفاتحة ؟ فيه قولان . فمذهب أحمد وجمهور أصحابه أنها تكره بالفاتحة وغيرها ، واختار طائفة أنها تستحب ٣٠٩ حينئذ بالفاتحة ، وهو اختار جدي ، وهو قول الليث ، والأوزاعي . وحجة هذا القول شيئان : أحدهما : أن في قراءتها خروجا من الاختلاف فى وجوبها ، فإنه إذا لم يقرأ ففى صحة صلاته خلاف ، بخلاف ما إذا قرأ فإنما يفوته الاستماع حين قراءتها فقط . الثانى: الحديث الذي فى السنن حديث عبادة: ((إذا كنتم ورائى - أو وراء الإمام - فلا تقرأوا إلا بأم الكتاب ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) وهو حجة الموجبين . وهؤلاء يقولون : النهي إنما هو حال استماع قراءة الإمام فقط ، فأما فى غير ذلك فالقراءة مشروعة . فعلم أنه يستثنى الفاتحة حال النهى عن غيرها، وهذا يفيد قراءتها حال استماع الجهر . ثم هنا ثلاثة أقوال : قيل : إنها واجبة ، وأنه لا يقرأ بغيرها بحال . كما قاله ابن حزم . وقيل : بل هي واجبة ، والنهي عن القراءة بغيرها حال الجهر ، فلا يفيد النهي مطلقاً . وقيل : بل يفيد استثناء قراءتها من النهي ، والاستثناء من النهي ٣١٠ لا يفيد الوجوب. وقوله: ((فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) تعليل بوجوب قراءتها فى الصلاة . فإن كونها ركناً اقتضى أن تستثنى فى هذه الحال للمأموم ، وإن لم تكن مفروضة عليه - كفرائض الكفايات إذا قام بها طائفة سقط بها الفرض ثم قام بها آخرون فإنه يقال : هي فرض على الكفاية ، وإن كان لهم إسقاطها بفعل الغير ؛ ولهذا يقال : الجنازة تفعل فى أوقات النهي لأنها فرض ، وإن فعلت مرة ثانية في أصح الوجهين ؛ لأنها تفعل فرضاً فى حق هؤلاء ، وإن كان لهم إسقاطها بفعل الغير . وقراءة الفاتحة هي ركن ، وللمأموم أن يجتزئ بقراءة إمامه ، وله أن يسقطها بنفسه . وهذا كما في صدقة الفطر التى يتحملها الإنسان عن غيره - كصدقة الزوجة ، فإنها هل يجب على الزوج ابتداء ، أو بحملا ؟ على وجهين : أصحهما : أنها تحمل ، فلو أخرجتها الزوجة لجاز ، فتكون الزوجة مخيرة بين أن تخرجها ، وبين أن تلزم الزوج بإخراجها، فلو أخرجها الزوج ثم أخرجتها هي ، ولم تعتد بذلك الإخراج، لكان (١) - لكن الإمام لابد له من قراءة، وهو يتحمل القراءة عن المأموم ، فالقراءة الواحدة بجزي عن إمامه وعنه ، وإن قرأ هو عن نفسه محسن ، كسائر فروض الكفايات ، لكن هذا فرض عين على الأمّة . (١) كذا بالأصل . ٣١١ وأما الذين كرهوا القراءة في حال استماع قراءة الإمام مطلقاً ، وثم الجمهور. فحجتهم قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْلَهُ, وَأَنْصِتُوْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) فأمر بالإنصات مطلقاً، ومن قرأ وهو يستمع فلم ينصت . ومن أجاب عن هذا بأن الآية مخصوصة بغير حال قراءة الفاتحة ، فجوابه من وجوه : أحدها : ما ذكره الإمام أحمد من إجماع الناس على أنها نزلت فى الصلاة وفى الخطبة، وكذلك قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)). وأيضاً : فالمستمع للفاتحة هو كالقارئ ؛ ولهذا يؤمن على دعائها . وقال: ((إذا أمن القارئ فأمنوا ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » . وأما الإنصات المأمور به حال قراءة الإمام : فهو من باب المتابعة للإمام ، فهو فاعل للاتباع المأمور به ، أي بمقصود القراءة ، وإذا قرأ الفاتحة ترك المتابعة المأمور بها بالإنصات ، وترك الإنصات المأمور به في القرآن، ولم يعتض عن هذين الأمرين إلا بقراءة الفاتحة التى حصل المقصود منها باستماعه قراءة الإمام ، وتأمينه عليها . وكان قد ترك الإنصات المأمور به إلى غير بدل ، ففاته هذا الواجب ، ولم يعتض عنه إلا ما حصل مقصوده بدونه . ومعلوم أنه إذا دار ٣١٢ الأمر بين تفويت أحد أمرين على وجه يتضمن تحصيل أحدهما ، كان تحصيل ما يفوت إلى غير بدل أولى من تحصيل ما يقوم بدله مقامه . وأيضاً فلو لم يكن المستمع كالقارئ لكان المستحب حال جهره بغير الفاتحة أن يقرأ المأموم ، فلما اتفق المسلمون على أن المشروع للمأموم حال سماع القراءة المستحبة أن يستمع ولا يقرأ : علم أنه يحصل له مقصود القراءة بالاستماع ، وإلا كان المشروع في حقه التلاوة ، بل أوجبوا عليه الإنصات حال القراءة المستحبة . فالإنصات حال القراءة الواجبة أولى . وأما الحديث فقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره ، ولفظ الحديث الذي فى الصحيحين ليس فيه إلا قول مطلق . وأيضاً فإن صح حمل على الإمام الذي له سكتات ، يقرر ذلك أن لفظه ليس فيه عموم، فإنه قد روي أنه قال: ((إذا كنتم ورائى فلا تقرأوا إلا بأم الكتاب )) وهذا استثناء من النهي لهم عن القراءة خلفه فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له سكتتان ، كما روى ذلك سمرة وأبى بن كعب . كما ثبت سكوته بين التكبير والقراءة بحديث أبى هريرة المتفق عليه فى الصحيحين ، والدعاء الذي روى أبو هريرة فى هذا السكوت يمكن فيه قراءة الفاتحة ، فكيف إذا قرأ بعضها فى سكتة ، وبعضها فى سكتة أخرى. فحينئذ لا يكون فى قوله: ((إذا كنتم ورائى فلا تقرأوا إلا بأم القرآن )) دليل على أنه يقرأ بها فى حال الجهر، ٣١٣ فإن هذا استثناء من النهى فلا يفيد إلا الإذن المطلق ، بمعنى أنهم ليسوا منهيين عن القراءة بها ، لا يمكن قراءتها فى حال سكتاته . يؤيد هذا أن جمهور المنازعين يسلمون أنه فى صلاة السر يقرأ بالفاتحة وغيرها ، ويسلمون أنه إذا أمكن أن يقرأ بما زاد على الفاتحة فى سكنات الإمام قرأ، وأن البعيد الذي لا يسمع يقرأ بالفاتحة، وبما زاد . فحينئذ يكون هذا النهي خاصاً فيمن صلى خلفه فى صلاة الجهر . واستثناء قراءة الفاتحة لإمكان قراءتها فى سكتانه . يبين هذا أن لفظ الحديث فى الصحيحين من رواية الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) وفى رواية ((بفاتحة الكتاب)، وأما الزيادة فرواها (١) عن عبادة بن الصامت، قال : كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الفجر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: (( لعلكم تقرأون خلف إمامكم ، قلنا : نعم ، يا رسول الله ! قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) رواه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن ، والدار قطني ، وقال إسناده حسن . (١) بياض في الأصل . ٣١٤ ورواها (١) عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التى يجهر فيها بالقراءة ، فالتبست عليه القراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: ((هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة )) فقال بعضنا : إنا لنصنع ذلك ، قال : فلا ، وأنا أقول ما لي أنازع القرآن، فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)) رواه أبو داود، واللفظ له والنسائى والدار قطنى . وله أيضاً (( لا يجوز صلاة لا يقرأ الرجل فيها فاتحة الكتاب)) وقال إسناد حسن ، ورجاله كلهم ثقات . ففي هذا الحديث بيان أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم: هل يقرأون وراءه بشيء أم لا ؟ ومعلوم أنه لو كانت القراءة واجبة على المأموم لكان قد أمرم بذلك ، وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ولو بين ذلك لهم لفعله عامتهم ، لم يكن يفعله الواحد أو الاثنان منهم، ولم يكن يحتاج إلى استفهامه . فهذا دليل على أنه لم يوجب عليهم قراءة خلفه حال الجهر ، ثم إنه لما علم أنهم يقرأون نهام عن القراءة بغير أم الكتاب ، وما ذكر من التباس القراءة عليه تكون بالقراءة معه حال الجهر ، سواء كان بالفاتحة أو غيرها ، فالعلة متناولة للأمرين ، فإن ما يوجب ثقل القراءة والتباسها على الإمام منهي عنه . (١) بياض بالأصل . ٣١٥ وهذا يفعله كثير من المؤتمين الذين يرون قراءة الفاتحة حال جهر الإمام واجبة ، أو مستحبة ، فيثقلون القراءة على الإمام ، ويلبسونها عليه ، ويلبسون على من يقاربهم الإصغاء والاستماع الذي أمروا به ، فيفوتون مقصود جهر الإمام، ومقصود استماع المأموم . ومعلوم أن مثل هذا يكون مكروها ، ثم إذا فرض أن جميع المأمومين يقرأون خلفه فنفس جهره لا لمن يستمع ، فلا يكون فيه فائدة لقوله ((إذا أمن فأمنوا)) ويكونون قد أمنوا على قرآن لم يستمعوه ، ولا استمعه أحد منهم ، إلا أن يقال إن السكوت يجب على الإمام بقدر ما يقرأون ، وهم لا يوجبون السكوت الذي يسع قدر القراءة ، وإنما يستحبونه. فعلم أن استحباب السكوت يناسب استحباب القراءة فيه ، ولو كانت القراءة على المأموم واجبة لوجب على الإمام أن يسكت بقدرها سكوناً فيه ذكر ، أو سكونا محضا ، ولا أعلم أحدا أوجب السكوت لأجل قراءة المأموم . يحقق ذلك أنه قد أوجب الإنصات حال قراءة الإمام ، كما فى محيح مسلم عن أبى موسى قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: ((أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)) ورواء من حديث أبى هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله ٣١٦ عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا)) رواه الإمام أحمد، وأبو داود ، وابن ماجه ، والنسائي . قيل لمسلم بن الحجاج حديث أبى هريرة هو صحيح، يعنى: ((إذا قرأ فأنصتوا )) قال : عندي صحيح . قيل له : لم لا تضعه ههنا ؟ يعني فى كتابه ، قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا . إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، يعنى من طريق أبى هريرة لم يجمع عليها، وأجمع عليها من رواية أبى موسى ، ورواها من طريق أبى موسى مسلم . ولم يروها مسلم من طريق أبي هريرة . وعن ابن أكيمة الليثى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: (( هل قرأ؟ - يعنى أحداً منا آنفا - قال رجل : نعم ، يا رسول الله ! قال : ((إنى أقول: مالي أنازع القرآن)) فانتهى الناس عن القراءة معه صلى الله عليه وسلم، فيما جهر فيه النبى صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد وأبو داود ، وابن ماجه ، والنسائى، والترمذي ، وقال حديث حسن . قال أبو داود سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال قوله : فانتهى الناس عن القراءة، إلى آخره . من قول الزهري . وروى البخاري نحو ذلك، فقد قال البيهقي: ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث ٣١٧ وحده ، ولم يحدث عنه غير الزهري ، وجواب ذلك من وجوه : أحدها : أنه قد قال فيه أبو حاتم الرازي : صحيح الحديث ، حديثه مقبول ، وتزكية أبى حاتم هو فى الغابة. وحكي عن أبى حاتم البستى أنه قال : روى عنه الزهري ، وسعيد بن أبي هلال ، وابن ابنه عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة بن عمر . الثانى : أن يقال ليس في حديث ابن أكيمة إلا مافى حديث عبادة الذي اعتمده البيهقي ، ونحوه . من أنهم قرأوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم. وأنه قال: ((مالي أنازع القرآن)). الثالث : أن حديث ابن أكيمة رواه أهل السنن الأربعة ، فإذا كان هذا الحديث هو مسلم صحة منه ، وأن الحديث الذي احتج به والذي احتج به منازعوه قد اتفقا على هذه الرواية ، كان ما اتفقا عليه معمولا به بالانفاق ، وما في حديثه من الزيادة قد انفرد بها من ذلك الطريق، ولم يروها إلا بعض أهل السنن، وطعن فيها الأئمة ، وكانت الزيادة المختلف فيها أحق بالقدح فى الأصل المتفق على روايته . وأما قوله : فانتهى الناس . فهذا إذا كان من كلام الزهري كان تابعاً ، فإن الزهري أعلم التابعين فى زمنه بسنة رسول الله صلى الله ٣١٨ عليه وسلم ، وهذه المسألة مما تتوفر الدواعى والهمم على نقل ما كان يفعل فيها خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ليس ذلك مما ينفرد به الواحد والاثنان ، فجزم الزهري بهذا من أحسن الأدلة على أنهم تركوا القراءة خلفه حال الجهر بعد ما كانوا يفعلونه ، وهذا يؤيد ما تقدم ذكره، ويوافق قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا ) ولم يستثن فاتحة ولا غيرها . وتحقق أن تلك الزيادة إما ضعيفة الأصل ، أو لم يحفظ راويها لفظها ، وأن معناها كان مما يوافق سائر الروايات ، وإلا فلا يمكن تغيير الأصول الكلية الثابتة فى الكتاب والسنة في هذا الأمر المحتمل . والله أعلم . وتمام القول فى ذلك يتضح بما رواه مسلم في صحيحه عن عمران ابن حصين: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى ، فلما انصرف قال : أبكم قرأ ؟ أو أيكم القارئ ؟ قال رجل : أنا ، فقال : قد ظنت أن بعضكم خالجنيها )) ففي هذا الحديث أن منهم من قرأ خلفه فى صلاة السر بزيادة على الفاتحة ، ومع ذلك لم ينههم عن ذلك ، وذلك إقرار منه لهم على القراءة خلفه بالزيادة على الفاتحة في صلاة السر ، خلافا لمن قال لا يقرأ خلفه بحال ، أو لا يقرأ بزيادة على الفاتحة . وقوله: « قد ظننت أن بعضكم خالجنيها )» ليس فيه نهي عن أصل ٣١٩ القراءة ، وإنما يفهم منه أنه لا ينبغى للمأموم أن يرفع حسه بحيث يخالج الإمام، كما يفعل بعض المأمومين، وكما قد يفعل الإمام . كما قال أبو قتادة: كان يسمعنا الآية أحيانا . وفيه أيضاً : دليل على أنه لم يأمرهم بالقراءة خلفه فى السر ، لا بالفاتحة ، ولا غيرها . إذ لو كان أمرم بذلك لم ينكر القراءة خلفه ، وهو لم ينكر قراءة سورة معينة، بل قال: ((أيكم قرأ، أو أيكم القارئ ؟ )) بل من المعلوم فى العادة أن القارئ خلفه لم يقرأ بسبح إلا بعد الفاتحة ، فهذا يدل على أنه لا يجب القراءة على المأموم في السر ، لا بالفاتحة ولا غيرها. كما يدل على ذلك حديث أبى بكر لما استخلفه النبى صلى الله عليه وسلم في الصلاة حين ذهب يصلح بين بنى عمرو بن عوف ، ثم رجع يقرأ من حيث انتهى أبو بكر ، وكما فى حديث أبي بكرة الذي رواء البخاري فى صحيحه لما ركع دون الصف ، ثم دخل فى الصلاة ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((زادك الله حرصا ولا تعد)) ولو كانت قراءة الفاتحة فرضا على المأموم مطلقاً لم تسقط بسبق ، ولا جهل . كما أن الأعرابي المسىء فى صلاته قال له: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) وأمر الذي صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة . ٣٢٠