النص المفهرس

صفحات 281-300

أو لا يشتغل إلا بالقراءة لكونها مختلفا فى وجوبها. وأما فى حال الجهر فلا يشتغل
بغير الإنصات والمعروف عند أصحابه أن هذا النزاع هو في حال الجهر، لما تقدم
من التعليل، وأما فى حال المخافتة فالأفضل له أن يستفتح، واستفتاحه حال
سكوت الإمام أفضل من قراءته فى ظاهر مذهب أحمد ، وأبى حنيفة
وغيرها ؛ لأن القراءة يعتاض عنها بالاستماع ، بخلاف الاستفتاح .
وأما قول القائل : إن قراءة المأموم مختلف فى وجوبها ، فيقال :
وكذلك الاستفتاح هل يجب ؟ فيه قولان مشهوران فى
مذهب أحمد . ولم يختلف قوله : إنه لا يجب على المأموم القراءة فى
حال الجهر. واختار ابن بطة وجوب الاستفتاح ، وقد ذكر ذلك
روايتين عن أحمد .
فعلم أن من قال من أصحابه كأبى الفرج ابن الجوزي أن القراءة
حال المخافتة أفضل فى مذهبه من الاستفتاح ، فقد غلط على مذهبه .
ولكن هذا يناسب قول من استحب قراءة الفاتحة حال الجهر ، وهذا
ما علمت أحداً قاله من أصحابه ، قبل جدي أبى البركات ، وليس
هو مذهب أحمد ولا عامة أصحابه ، مع أن تعليل الأحكام بالخلاف علمة
باطلة فى نفس الأمر ، فإن الخلاف ليس من الصفات التى يعلق
الشارع بها الأحكام فى نفس الأمر ، فإن ذلك وصف حادث بعد النبى
صلى الله عليه وسلم ، ولكن يسلكه من لم يكن عالماً بالأدلة الشرعية في
٢٨١

نفس الأمر ، لطلب الاحتياط .
وعلى هذا ففي حال المخافتة هل يستحب له مع الاستفتاح الاستعاذة
إذا لم يقرأ ؟ على روايتين .
والصواب : أن الاستعاذة لا تشرع إلا لمن قرأ ، فإن انسع الزمان
للقراءة استعاذ وقرأ ، وإلا أنصت .
فصل
وأما ((الفصل الثاني)) وهو القراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام ،
كمال مخافتة الإمام ، وسكوته ، فإن الأمر بالقراءة والترغيب فيها
يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره ، فإن قراءة القرآن فى الصلاة أفضل
منها خارج الصلاة ، وما ورد من الفضل لقارئ القرآن يتناول المعلي
أعظم مما يتناول غيره ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن فله
بكل حرف عشر حسنات ، أما إنى لا أقول : ( الم ) حرف ، ولكن
ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) قال الترمذي: حديث صحيح
وقد ثبت فى خصوص الصلاة قوله في الحديث الصحيح ، الذي
رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من
٢٨٢

صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثاً)) أي: غير تمام
فقيل لأبى هريرة : إنى أكون وراء الإمام . فقال : اقرأ بها فى نفسك
فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله:
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي ولعبدى
ما سأل. فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدنى عبدي.
فإذا قال : ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال الله: أثنى على عبدي ، فإذا قال:
(مَلِكِ يَوْمِ الَّذِينِ) قال: مجدني عبدي ، وقال مرة : فوض إلي
عبدي - فإذا قال: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ ) قال : هذا بيني
وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال : ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) قال :
هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل)) .
وروى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم على الظهر ، فجعل رجل يقرأ خلفه: بسبح اسم
ربك الأعلى، فلما انصرف قال: ((أبكم قرأ ؟ أو أيكم القارئ -
قال رجل : أنا ، قال : قد ظننت أن بعضكم خالجنيها)) رواه مسلم .
فهذا قد قرأ خلفه فى صلاة الظهر ، ولم ينهه ولا غيره عن القراءة ،
لكن قال: ((قد ظننت أن بعضكم خالجنيها)) أي نازعنيها . كما قال فى
الحديث الآخر: ((إنى أقول مالي أنازع القرآن)).
٢٨٣

وفى المسند عن ابن مسعود قال : كانوا يقرأون خلف النبى صلى الله
عليه وسلم، فقال: ((خلطتم علي القرآن)) فهذا كراهة منه لمن
نازعه وخالجه ، وخلط عليه القرآن ، وهذا لا يكون ممن قرأ فى نفسه
بحيث لا يسمعه غيره ، وإنما يكون ممن أسمع غيره، وهذا مكروه
لما فيه من المنازعة لغيره، لا لأجل كونه قارئاً خلف الإمام، وأما مع مخافتة
الإمام. فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه، ولهذا قال: ((أيكم
القارئ؟)). أي القارئ الذي نازعني، لم يرد بذلك القارئ فى
نفسه، فإن هذا لا ينازع ، ولا يعرف أنه خالج النبى صلى الله
عليه وسلم ، وكراهة القراءة خلف الإمام إنما هي إذا امتنع من الإنصات
المأمور به ، أو إذا نازع غيره ، فإذا لم يكن هناك إنصات مأمور به ،
ولا منازعة ، فلا وجه للمنع من تلاوة القرآن فى الصلاة . والقارئ
هنا لم يعتض عن القراءة باستماع ، فيفوته الاستماع والقراءة جميعاً ، مع
الخلاف المشهور فى وجوب القراءة في مثل هذه الحال ، بخلاف وجوبها
فى حال الجهر ، فإنه شاذ ، حتى نقل أحمد الإجماع على خلافه .
وأبو هريرة وغيره من الصحابة فهموا من قوله : ((قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ)))
أن ذلك يعم الإمام والمأموم .
وأيضاً جميع الأذ كار التى يشرع للإمام أن يقولها سرا بشرع للمأموم
٢٨٤

أن يقولها سرا كالتسبيح في الركوع والسجود، وكالتشهد والدعاء . ومعلوم
أن القراءة أفضل من الذكر والدعاء ، فلأي معنى لا تشرع له القراءة فى السر،
وهو لا يسمع قراءة السر ، ولا يؤمن على قراءة الإمام فى السر .
وأيضاً فإن الله سبحانه لما قال: (وَإِذَا قُرِئَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ
(وَاذْكُرُرَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا
لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقال :
وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ )
وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولأمته، فإنه ما خوطب به خوطبت
به الأمة ما لم يرد نص بالتخصيص. كقوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَّكَ قَبْلَ طُلُوع
(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِ اَلنَّهَارِ
وقوله :
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ )
(أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
وقوله :
وَزُلَفَّا مِّنَ اَلَيْلِ )
إِلَى غَسَقِ الَِّلِ ) ونحو ذلك. وهذا أمر يتناول الإمام والمأموم والمنفرد
بأن يذكر الله فى نفسه بالغدو والآصال ، وهو يتناول صلاة الفجر
والظهر والعصر ، فيكون المأموم مأمورا بذكر ربه فى نفسه لكن إذا
كان مستمعاً كان مأمورا بالاستماع ، وإن لم يكن مستمعاً كان مأمورا
بذكر ربه فى نفسه. والقرآن أفضل الذكر كما قال تعالى: (وَهَذَا
ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ) وقال تعالى: (وَقَدْءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِكْرًا ) وقال
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
تعالی :
أَعْمَى ) وقال: (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرِيِّن رَّبِّهِم مُحْدَثٍ ) .
وأيضاً : فالسكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة ،
٢٨٥

ولا مأمورا به ؛ بل يفتح باب الوسوسة ، فالاشتغال بذكر الله أفضل
من السكوت، وقراءة القرآن من أفضل الخير، وإذا كان كذلك فالذكر بالقرآن
أفضل من غيره، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)). رواه مسلم فى صحيحه. وعن عبد
الله بن أبي أوفى قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
إنى لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئى منه، فقال :
((قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا
حول ولا قوة إلا بالله)) فقال: يارسول الله! هذا اللّه، فمالي، قال:
قل: ((اللهم ارحمني ، وارزقني ، وعافنى، واهدنى)) فلما قام قال :
هكذا بيديه - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما هذا
فقد ملأ بدبه من الخير)) رواه أحمد، وأبو داود ، والنسائى.
والذين أوجبوا القراءة فى الجهر : احتجوا بالحديث الذي فى السنن
عن عبادة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كنتم ورائى
فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)). وهذا
الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ، ضعفه أحمد وغيره
من الأئمة . وقد بسط الكلام على ضعفه فى غير هذا الموضع ، وبين
أن الحديث الصحيح قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا
٢٨٦

بأم القرآن )) فهذا هو الذي أخرجاه فى الصحيحين ، ورواء الزهري عن
محمود بن الربيع عن عبادة . وأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين
وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس ، فقال هذا فاشتبه عليهم
المرفوع بالموقوف على عبادة.
وأيضا : فقد تكلم العلماء قديما وحديثا فى هذه المسألة ، وبسطوا
القول فيها ، وفى غيرها ، من المسائل . وتارة أفردوا القول فيها فى
مصفات مفردة ، وانتصر طائفة للإثبات فى مصنفات مفردة : كالبخاري
وغيره. وطائفة للنفي : كأبي مطيع البلخي، وكرام ، وغيرهما .
ومن تأمل مصنفات الطوائف تبين له القول الوسط ، فإن عامة
المصنفات المفردة تتضمن صور كل من القولين المتباينين ، قول من ينهى
عن القراءة خلف الإمام ، حتى فى صلاة السر . وقول من يأمر
بالقراءة خلفه مع سماع جهر الإمام ، والبخاري ممن بالغ فى الانتصار
للإثبات بالقراءة حتى مع جهر الإمام ؛ بل يوجب ذلك ، كما يقوله
الشافعي في الجديد ، ، وابن حزم ، ومع هذا حججه ومصنفه إنما
تتضمن تضعيف قول أبى حنيفة فى هذه المسألة وتوابعها ، مثل كونه ،
٢٨٧

وقال أيضاً رحمه الله
فى القراءة خلف الإمام بعد كلام : والنبى صلى الله عليه وسلم قال :
((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وهذا أخرجه أصحاب الصحيح
كالبخاري ومسلم فى صحيحيهما ، وعليه اعتمد البخاري في مصنفه . فقال :
( باب وجوب القراءة فى كل ركعة ) وروى هذا الحديث من طرق:
مثل رواية ابن عيينة ، وصالح بن كيسان ، ويوسف بن زيد . قال
البخاري: وقال معمر عن الزهري: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
فصاعدا)) وعامة الثقاة. لم يتابع معمرا فى قوله: ((فصاعدا)) مع أنه
قد أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: ((فصاعدا )) غير معروف ما أراد به
حرفان أو أكثر من ذلك؛ إلا أن يكون كقوله: ((لا تقطع اليد إلا
فى ربع دينار فصاعدا ، فقد تقطع اليد فى ربع دينار ، وفى أكثر من
دينار . قال البخاري : ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرا،
وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري ، ثم أدخل بينه وبين الزهري
غيره ، ولا يعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا .
قلت : معنى هذا حديث صحيح ، كما رواه أهل السنن ، وقد
٢٨٨

رواه البخاري فى هذا الصنف : حدثنا مسدد ثنايحى بن سعيد ثنا أبو
عثمان النهدي عن أبي هريرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره
فنادى أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وما زاد )) وقال أيضاً : حدثنا
محمد بن يوسف ثنا سفيان عن ابن جريج . عن عطاء عن أبي هريرة
قال: ((تجزئ بفاتحة الكتاب فإن زاد فهو خير)) وذكر الحديث
الآخر عن أبي سعيد فى السنن . قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا
همام عن قتادة عن أبى نضرة قال: ((أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم
أن نقرأ بفاتحة الكتاب ، وما تيسر)).
قلت : وهذا يدل على أنه ليس المراد به قراءة المأموم حال سماعه
الجهر الإمام ، فإن أحداً لا يقول إن زيادته على الفاتحة ، وترك إنصاته
لقراءة الإمام فى هذه الحال خير . ولا أن المأموم مسأمور حال الجهر
بقراءة زائدة على الفاتحة ، وكذلك عللها البخاري فى حديث عبادة ،
فإنها تدل على أن المأموم المستمع لم يدخل فى الحديث ، ولكن هب
أنها ليست فى حديث عبادة ، فهي فى حديث أبى هريرة .
وأيضا فالكتاب والسنة بأمر بإنصات المأموم لقراءة الإمام ، ومن
العلماء من أبطل صلاته إذا لم ينصت ، بل قرأ معه .
وحينئذ يقال تعارض عموم قوله: (( لا صلاة إلا بأم القرآن))
٢٨٩

وعموم الأمر بالإنصات ، فهؤلاء يقولون : بنصت إلا في حال قراءة
الفاتحة، وأولئك يقولون: قوله (( لا صلاة إلا بأم القرآن)) يستثنى منه
المأمور بالإنصات ، إن سلموا شمول اللفظ له ، فإنهم يقولون ليس فى
الحديث دلالة على وجوب القراءة على المأموم، فإنه إنما قال: ((لا صلاة
لمن لم يقرأ بأم القرآن)). وقد ثبت بالكتاب والسنة وبالإجماع أن
إنصات المأموم لقراءة إمامه بتضمن معنى القراءة معه وزيادة؛ فإن استماعه
فيما زاد على الفاتحة أولى به بالقراءة باتفاقهم، فلو لم يكن المأموم المستمع
لقراءة إمامه أفضل من القارئ لكان قراءته أفضل له ، ولأنه قد
ثبت الأمر بالإنصات لقراءة القرآن ، ولا يمكنه الجمع بين الإنصات والقراءة ،
ولولا أن الإنصات يحصل به مقصود القراءة وزيادة لم يأمر الله بترك
الأفضل لأجل المفضول .
وأيضا فهذا عموم قد خص منه المسبوق ، بحديث أبى بكرة وغيره
وخص منه الصلاة بإمامين ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما صلى
بالناس ، وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر
ولم يستأنف قراءة الفاتحة لأنه بنى على صلاة أبى بكر ، فإذا سقطت
عنه الفاتحة فى هذا الموضع ، فعن المأموم أولى .
وخص منه حال العذر، وحال استماع الإمام حال عذر ، فهو
مخصوص وأمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يخص معه شيء لا بنص
٢٩٠

خاص ، ولا إجماع ، وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ، والآخر
مخصوص ، وجب تقديم المحفوظ .
وأيضا فإن الأمر بالإنصات داخل فى معنى اتباع المأموم ، وهو
دليل على أن المنصت يحصل له بإنصاته واستماعه ما هو أولى به من
قراءته ، وهذا متفق عليه بين المسلمين فى الخطبة ، وفى القراءة فى الصلاة فى
غير محل النزاع ، فالمعنى الموجب للإنصات يتناول الإنصات عن
الفاتحة وغيرها .
وأما وجوب قراءتها فى كل صلاة فإذا أنصت إلى الإمام ، الذي
يقرأها كان خيراً مما يقرأ لنفسه ، وهو لو نذر أن يصلي فى المسجد
الأقصى لكان صلاته فى المسجد الحرام ، ومسجد النبى صلى الله عليه
وسلم بجزئه ؛ بل هو أفضل له كما دلت على ذلك السنة ، وهو لم
يوجب على نفسه إلا الصلاة فى البيت المقدس ؛ لكن هذا أفضل منه.
فإذا كان هذا فى إيجابه على نفسه جعل الشارع الأفضل يقوم مقام
المنذور ، وإلغاء تعيينه هو بالنذر، فكيف يوجب الشارع شيئاً ولا يجعل
أفضل منه يقوم مقامه ، والشارع حكيم لا يعين شيئاً قط وغيره أولى
بالفعل منه ؛ بخلاف الإنسان ، فإنه قد يخص بنذره ووقفه ووصيته
ما غيره أولى منه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المصلي إذا سها
بسجود السهو فى غير حديث .
٢٩١

ثم المأموم إذا سها يتحمل إمامه عنه سهوه ؛ لأجل متابعته له ،
مع إمكانه أن يسجد بعد سلامه . وإنصاته لقراءته أدخل فى المتابعة ،
فإن الإمام إنما يجهر لمن يستمع قراءته ، فإذا اشتغل أحد من المصلين
بالقراءة لنفسه كان كالمخاطب لمن لا يستمع إليه ، كالخطيب الذي يخطب
الناس وكلهم يتحدثون، ومن فعل هذا فهو كما جاء فى الحديث ((كمار
يحمل أسفاراً)) فإنه لم يفقه معنى المتابعة ، كالذي يرفع رأسه قبل
الإمام، فإنه كالحمار، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما
يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار؟! »
فإنه متبع للإمام فكيف بسابقه؟ ! ولهذا ضرب عمر من فعل ذلك ،
وقال : لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت . وأمر إذا رفع رأسه
سهواً أن يعود فيتخلف بقدر ما سبق به الإمام ، وقد نص أحمد
وغيره على ذلك ، وذكر هو وغيره الآثار فى ذلك عن الصحابة .
فقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم
القرآن فهي خداج )، وفى تمامه - فقلت : يا أبا هريرة! إنى أكون
أحيانا وراء الإمام ، قال : اقرأ بها فى نفسك يا فارسى ، فإنى سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني
وبين عبدي نصفين)) الحديث إلى آخره . وهو حديث صحيح رواه
مسلم فى صحيحه .
٢٩٢

والبخاري احتج به فى هذا المصنف - وإن كان لم يخرجه في
صحيحه على عادته في مثل ذلك ، وإسناده المشهور الذي رواه مسلم
حديث العلاء عن ابن السائب عن أبى هريرة ، وبعضهم يقول : عن
أبيه عن أبى هريرة ، ورواه من حديث عائذ ، وعمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده .
قال البخاري : ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد بن
زريع ، ثنا محمد بن إسحق ، ثنا يحيى بن عباد، عن أبيه ، عن
عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل صلاة
لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) قال البخاري : وزاد يزيد بن هارون
بفاتحة الكتاب ، قال : وحدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان ، تنا
عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن
فهي مخدجة )) .
وقال : حدثنا هلال بن بشر ثنا يوسف بن يعقوب السلعى تنا
حسن المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب
فهي خداج ، فهى خداج ))
٢٩٣

وقال البخاري تنا موسى ، ثنا داود بن أبي الفرات ، عن إبراهيم
الصائغ ، عن عطاء ، عن أبي هريرة : فى كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة
الكتاب ، فما أعلن لنا النبى صلى الله عليه وسلم فنحن نعلنه ، وما
أسر فنحن نسره . وروي من طريقين عن أبي الزاهرية : تناكثير بن
مرة، سمع أبا الدرداء يقول: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أفي كل صلاة قراءة ؟ قال : نعم ! فقال رجل من الأنصار : وجبت
هذه)). وهذه الأحاديث بمنزلة قوله ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب)) فإن المستمع المنصت قارئ بل أفضل من القارئ لنفسه ،
ويدل على ذلك ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما زاد)) وقوله: ((أمرنا
أن نقرأ بها وما تيسر)) فإن المستمع المنصت ليس مأموراً بقراءة الزيادة.
وأيضاً : فقول أبى هريرة: ما أسمعنا أسمعنا كم ، وما أخفى علينا
أخفينا عليكم : دليل على أن المراد به الإمام ، وإلا فالمأموم لا يسمع
أحداً قراءته .
وأما قوله: (( أفى كل صلاة قراءة؟)) وقوله: ((لا صلاة إلا
بأم القرآن )). فصلاة المأموم المستمع لقراءة الإمام فيها قراءة ، بل
الأكثرون يقولون الإمام ضامن لصلاته ، فصلاته فى ضمن صلاة
الإمام ، ففيها القراءة . وجمهورم يقولون إذا كان الإمام أميا لم
يقتد به القارئ . فلو كانت قراءة الإمام لا تغنى عن
٢٩٤

المأموم شيئاً ، بل كل يقرأ لنفسه: لم يكن فرق بين عجزه عن
القراءة ، وعجزه عن غير ذلك من الواجبات ؛ ولأن الإمام مأمور
باستماع ما زاد على الفاتحة ، وليست قراءة واجبة . فكيف لا يؤمر
بالاستماع لقراءة الإمام الفاتحة ، وهي الفرض ، وكيف يؤمر باستماع
التطوع ، دون استماع الفرض . وإذا كان الاستماع للقراءة الزائدة
على الفاتحة واجباً بالكتاب والسنة والإجماع ، فالاستماع لقراءة
الفاتحة أوجب .
ثم قال البخاري : وقيل له : احتجاجك بقول الله: (وَإِذَا قُرِىَ
الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوْلَهُ وَأَنصِتُواْ ) أرأيت إذا لم يجهر الإمام أيقرأ خلفه ،
فإن قال: لا، تبطل دعواه ؛ لأن الله قال: (فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ )
وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله تعالى: (فَاسْتَمِعُوْلَهُ)
نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات . قال سمرة : كان للنبي صلى
الله عليه وسلم سكتات : سكتة حين يكبر ، وسكتة حين يفرغ من
قراءته . وقال ابن خثيم : قلت لسعيد بن جبير : أقرأ خلف الإمام ؟
قال : نعم ، وإن سمعت قراءته. فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه
إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت ، حتى يظن أن من
خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ، ثم قرأ وأنصت . وقال أبو هريرة : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقرأ سكت سكتة، قال:
٢٩٥

وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وميمون بن مهران ، وغيرهم ، وسعيد
ابن جبير ، يرون القراءة عند سكوت الإمام ليكون مقتديا بقول النبى
صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) فتكون قراءته
في السكتة . فإذا قرأ الإمام أنصت ، حتى يكون متبعاً لقول الله تعالى:
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) وقوله: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ
)
بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِيرًا ) .
وإذا ترك الإمام شيئاً من حق الصلاة فحق على من خلفه أن
يتموا ، قال علقمة: إن لم يتم الإمام أتممنا . وقال الحسن وسعيد بن
جبير وحميد بن هلال : أقرأ بالمحمد يوم الجمعة . قال: وقال آخرون من
هؤلاء يجزئه أن يقرأ بالفارسية ، ويجزئه أن يقرأ بآية: بنقض آخرجم
على أولهم بغير كتاب ولا سنة .
وقيل له : من أباح لك الثناء - والإمام يقرأ - بخبر أو قياس
وحظر على غيرك الفرض ، وهي القراءة ، ولا خبر عندك ولا اتفاق
لأن عدة من أهل المدينة لم يروا الثناء للإمام ، ولا لغيره : يكبرون
ثم بقرأون فتحير عندم في ريبهم يترددون مع أن هذا صنعه فى
أشياء من الفرض ، فجعل الواجب أهون من التطوع .
٢٩٦

زعمت أنه إذا لم يقرأ فى الركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء
يجزئه ، وإذا لم يقرأ فى ركعة من أربع من التطوع لم يجزئه .
قلت : وإذا لم يقرأ فى ركعة من المغرب أجزأه ، وإذا لم يقرأ فى
ركعة من الوتر لم يجزه، فكأنه يريد أن يجمع بين ما فرق
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يفرق بين ما جمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
قلت : أما سكتة النبي صلى الله عليه وسلم حين يكبر فقد بين
أبو هريرة فى حديثه المتفق على صحته أنه كان يذكر فيها دعاء
الاستفتاح، لم يكن سكوناً محضاً ؛ لأجل قراءة المأمومين . وثبت فى
الصحيح أن عمر كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح ، يعلمه الناس .
وأما احتجاجه على من استفتح حال الجهر ، فهذا فيه نزاع معروف ،
هل يستفتح في حال الجهر ويتعوذ ، أو يستفتح ولا يتعوذ إلا إذا
قرأ ، أولا يستفتح حال الجهر ، ولا يتعوذ فيه ؟ فيه ثلاثة أقوال ، هي
ثلاث روايات عن أحمد .
لكن الأظهر ما احتج به البخاري ، فإن الأمر بالإنصات يقتضى
الإنصات عن كل ما يمنعه من استماع القراءة ، من ثناء وقراءة ، ودعاء
كما ينصت للخطبة، بل الإنصات للقراءة أوكد . ولكن إذا سكت
٢٩٧

الإمام السكتة الأولى للثناء ، فهنا عند أحمد وأبي حنيفة وغيرها استفتاح
المأموم أولى من قراءة الفاتحة في هذه السكتة ؛ لأن مقصود القراءة
يحصل له باستماعه لقراءة الامام ، وأما مقصود الاستفتاح فلا يحصل له
إلا باستفتاحه لنفسه ؛ ولأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يسكت
مستفتحاً ، وعمر كان يجهر بالاستفتاح ليعلمه المأمومين ، فعلم أنه مشروع
للمأموم . ولو اشتغل عنه بالقراءة لفاته الاستفتاح ، والنبى صلى الله عليه
وسلم لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون فى حال سكوته ، وهذا مذهب
جمهور العلماء لا يستحبون للإمام سكوناً لقراءة المأموم ، وهو مذهب
أحمد وأبي حنيفة ومالك وغيرهم .
ومن أصحاب أحمد من استحب له السكوت لقراءة المأموم ، ومنهم
من استحب له في حال سكوت الإمام أن يقرأ ولا يستفتح ، وهو
اختيار أبي بكر الدينوري ، وأبي الفرج ابن الجوزي .
ومنهم من استحب له القراءة بالفاتحة فى حال جهر الإمام . كما
اختاره جدي أبو البركات . وهو مذهب الليث والأوزاعى وغيرهما.
ثم من هؤلاء من يستحب له أن يستفتح في حال سكوته ،
ويقرأ ليجمع بينهما . ومنهم من يستحب له القراءة دون السكوت .
كما أن الذين يكرهون قراءته حال الجهر : منهم من يستحب له
٢٩٨

الاستفتاح حال الجهر ، ومنهم من يكرهه ، وهو روايتان عن أحمد ،
ومذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما أنه فى حال سكوته للاستفتاح
يستفتح ، وهو الأظهر .
وما ذكره البخاري من أن عدة من أهل المدينة لم يروا الاستفتاح
كمذهب مالك : هو حجة للجمهور ؛ لأنهم يقولون الإمام هنا لا سكوت
له ، وحينئذ فان قرأنا معه خالفنا الكتاب والسنة ، لكن ما ذكره
البخاري حجة على من يستفتح حينئذ ، فيشتغل بالاستفتاح عن
استماع القراءة .
وهؤلاء نظروا إلى أن الإمام يحمل القراءة عن المأموم ، ولا يحمل
عنه الاستفتاح ، لكن هذا إنما يدل على عدم وجوب القراءة ، والمأموم
مأمور بالاستماع والإنصات ، فلا يشتغل عن ذلك بثناء ، كما لا يشتغل
عنه بقراءة ، والقراءة أفضل من الثناء ، فإن كان الإمام يسكت للثناء
وأدركه المأموم أثنى معه ، وإن كان لا يسكت ، أو أدرك المأموم
وهو يقرأ فهو مأمور بالإنصات والاستماع ، فلا يعدل عما أمر به .
فإن قيل فى وجوب الثناء قولان في مذهب أحمد ، قيل فى
وجوب القراءة على المأموم قولان في مذهب أحمد ، وإذا نهي عن
القراءة لاستماع قراءة الإمام ، فلأن ينهى عن الثناء أولى ، لقوله :
٢٩٩

( فَاسْتَمِعُوْلَهُ وَأَنصِتُواْ ) وألا تناقضوا. كما ذكره البخاري.
وأما قول أبى هريرة : اقرأ بها فى نفسك يا فارسى ! فإني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال اللّه: قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفين)) إلى آخره . فقد يقال إن أبا هريرة إنما
أمره بالقراءة ؛ لما فى ذلك من الفضيلة المذكورة في حديث القسمة ،
لا لقوله: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) فإنه
لو كان صلاة المأموم خداجا ، إذا لم يقرأ لأمره بذلك ؛ لأجل ذلك
الحديث . ولم يعلل الأمر بحديث القسمة . اللهم إلا أن يقال : ذكره
نوكيداً ، أو لأنه لما قسم القراءة قسم الصلاة ، فدل على أنه لا بد
منها في الصلاة ، إذ لو خلت عنها لم تكن القسمة موجودة . وعلى هذا
يبقى الحديثان مدلولهما واحد .
وقوله : اقرأ بها فى نفسك . مجمل ، فإن أراد ما أراد غيره من
القراءة فى حال المخافتة، أو سكوت الإمام ، لم يكن ذلك مخالفاً ؛ لقول
أولئك، يؤيد هذا أن أبا هريرة ممن روى قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا))
وروى قوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وما زاد)) وقال:
(( تجزئ فاتحة الكتاب وإذا زاد فهو خير)) ومعلوم أن هذا لم يتناول
المأموم المستمع لقراءة الإمام ، فإن هذا لا تكون الزيادة على الفاتحة
خيراً له ، بل الاستماع والإنصات خيراً له ، فلا يجزم حينئذ بأنه أمره
٣٠٠