النص المفهرس
صفحات 261-280
لكن من العلماء من يستحب الإعادة مطلقاً، كالشافعى وأحمد ، ومنهم من يستحبها إذا كانت الثانية أكمل ، كمالك . فإذا أعادها فالأولى هي الفريضة ، عند أحمد وأبى حنيفة، والشافعي فى أحد القولين. لقوله فى هذا الحديث: ((فإنها لكما نافلة )) وكذلك قال فى الحديث الصحيح: ((إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)) وهذا أيضاً يتضمن إعادتها لسبب ، ويتضمن أن الثانية نافلة . وقيل الفريضة أكملها . وقيل ذلك إلى الله . ومما جاء في الإعادة لسبب الحديث الذي في سنن أبى داود لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه)). فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل لذلك المصلى فضيلة الجماعة ، ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي وأحمد ومالك وقت النهي، وعند أبى حنيفة لا تشرع وقت النهي . وأما المغرب : فهل تعاد على صفتها؟ أم تشفع بركعة ؟ أم لا تعاد ؟ على ثلاثة أقوال مشهورة للفقهاء . ومما جاء فيه الإعادة لسبب ما ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم في بعض صلوات الخوف صلى بهم الصلاة مرتين ، صلى بطائفة ركعتين ، ٢٦١ ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين ثم سلم، ومثل هذا حديث معاذ بن جبل لما كان يصلي خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهنا إعادة أيضاً ، وصلاة مرتين . والعلماء متنازعون فى مثل هذا : وهي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل )» على ثلاثة أقوال . فقيل : لا يجوز كقول أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايات . وقيل : يجوز كقول الشافعي وأحمد فى رواية ثانية . وقيل : يجوز للحاجة مثل حال الخوف ، والحاجة إلى الاتتمام بالمتطوع ، ولا يجوز لغيرها كرواية ثالثة عن أحمد . ويشبه هذا إعادة صلاة الجنازة لمن صلى عليها أولا ؛ فإن هذا لا يشرع بغير سبب باتفاق العلماء ، بل لو صلى عليها مرة ثانية ثم حضر من لم يصل . فهل يصلي عليها ؟ على قولين للعلماء . قيل : يصلي عليها ، وهو مذهب الشافعي وأحمد ، ويصلى عندهما على القبر ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن غير واحد من الصحابة ، أنهم صلوا على جنازة بعد ما صلى عليها غيرم . وعند أبى حنيفة ومالك ينهى عن ذلك ، كما ينهيان عن إقامة الجماعة فى المسجد مرة بعد مرة ، قالوا : لأن الفرض بسقط بالصلاة الأولى ، فتكون الثانية نافلة ، والصلاة على الجنازة لا يتطوع بها . وهذا بخلاف من يصلي الفريضة فإنه يصليها باتفاق المسلمين ؛ لأنهاواجبة ٢٦٢ عليه ، وأصحاب الشافعي وأحمد يجيبون بجوابين : أحدهما : أن الثانية تقع فرضاً عمن فعلها، وكذلك يقولون فى سائر فروض الكفايات : أن من فعلها أسقط بها فرض نفسه ، وإن كان غيره قد فعلها فهو مخير بين أن يكتفي بإسقاط ذلك ، وبين أن يسقط الفرض بفعل نفسه . وقيل : بل هي نافلة ، ويمنعون قول القائل : إن صلاة الجنازة لا يتطوع بها ، بل قد يتطوع بها ، إذا كان هناك سبب يقتضي ذلك . وبنني على هذين المأخذين أنه إذا حضر الجنازة من لم يصل أولا : فهل لمن صلى عليها أولا أن يصلي معه تبعا ؟ كما يفعل مثل هذا فى المكتوبة ، على وجهين . قيل : لا يجوز هنا ؛ لأن فعله هنا نفل بلا نزاع . وهي لا يتنفل بها . وقيل: بل له الإعادة ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما صلى على القبر، صلى خلفه من كان قد صلى أولا . وهذا أقرب ، فإن هذه الإعادة بسبب اقتضاه ، لا إعادة مقصودة وهذا سائغ فى المكتوبة والجنازة. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. - ٢٦٣ وسئل شيخ الإسلام عمن يجد الصلاة قد أقيمت . فأيما أفضل . صلاة الفريضة ؟ أو يأتى بالسنة ويلحق الإمام ولو فى التشهد ؟ وهل ركعتا الفجر سنة للصبح أم لا؟ فأجاب: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) وفى رواية ((فلا صلاة إلا التى أقيمت )) فإذا أقيمت الصلاة فلا يشتغل بتحية المسجد ولا بسنة الفجر ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها بتحية المسجد . ولكن تنازعوا في سنة الفجر : والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السنة لا في بيته ولا فى غير بيته . بل يقضيها إن شاء بعد الفرض . والسنة أن يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين سنة ، والفريضة ركعتان ، وليس بين طلوع الفجر والفريضة سنة إلا ركعتان ، والفريضة تسمى صلاة الفجر ، وصلاة الغداة ، وكذلك السنة تسمى سنة الفجر، وسنة الصبح، وركعتى الفجر، ونحو ذلك والله أعلم. ٢٦٤ وسئل عن «القراءة خلف الإمام))؟ فأجاب : الحمد لله. للعلماء فيه نزاع واضطراب مع عموم الحاجة إليه. وأصول الأقوال ثلاثة : طرفان ، ووسط . فأحد الطرفين أنه لا يقرأ خلف الإمام بحال . والثاني : أنه يقرأ خلف الإمام بكل حال . والثالث: وهو قول أكثر السلف ؛ أنه إذا سمع قراءة الإمام أنصت ، ولم يقرأ، فإن استماعه لقراءة الإمام خير من قراءته ، وإذا لم يسمع قراءته قرأ لنفسه ، فإن قراءته خير من سكوته ، فالاستماع لقراءة الإمام أفضل من القراءة ، والقراءة أفضل من السكوت ، هذا قول جمهور العلماء كمالك وأحمد بن حنبل وجمهور أصحابها، وطائفة من أصحاب الشافعي ، وأبى حنيفة ، وهو القول القديم للشافعي ، وقول محمد بن الحسن . ٢٦٥ وعلى هذا القول : فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على المأموم ؟ أو مستحبة ؟ على قولين فى مذهب أحمد . أشهرها أنها مستحبة ، وهو قول الشافعي فى القديم ، والاستماع حال جهر الإمام هل هو واجب أو مستحب؟ والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمة أو مكروهة ؟ وهل تبطل الصلاة إذا قرأ ؟ على قولين في مذهب أحمد، وغيره : ( أحدهما ) أن القراءة حينئذ محرمة ، وإذا قرأ بطلت صلاته ، وهذا أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو عبد الله ابن حامد، فى مذهب أحمد . (والثانى) أن الصلاة لا تبطل بذلك ، وهو قول الأكثرين ، وهو المشهور من مذهب أحمد ، ونظير هذا إذا قرأ حال ركوعه وسجوده : هل تبطل الصلاة ؟ على وجهين في مذهب أحمد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً . والذين قالوا : يقرأ حال الجهر ، والمخافتة، إنما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر بالفاتحة خاصة ، وما زاد على الفاتحة فإن المشروع أن يكون فيه مستمعاً لا قارئاً . ٢٦٦ وهل قراءته للفاتحة مع الجهر واجبة . أو مستحبة ؟ على قولين: (أحدهما ) : أنها واجبة ، وهو قول الشافعي في الجديد ، وقول ابن حزم . ( والثاني ) أنها مستحبة ، وهو قول الأوزاعى ، والليث بن سعد ، واختيار جدي أبى البركات ، ولا سبيل إلى الاحتياط في الخروج من الخلاف فى هذه المسألة ، كما لا سبيل إلى الخروج من الخلاف فى وقت العصر ، وفى فسخ الحج ، ونحو ذلك من المسائل . يتعين في مثل ذلك النظر فيما يوجبه الدليل الشرعي ، وذلك أن كثيراً من العلماء يقول صلاة العصر يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه ، كالمشهور من مذهب مالك ، والشافعى ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وأبو حنيفة يقول : حينئذ يدخل وقتها ، ولم يتفقوا على وقت يجوز فيه صلاة العصر ، بخلاف غيرها فإنه إذا صلى الظهر بعد الزوال بعد مصير ظل كل شيء مثله ، سوى ظل الزوال صحت صلاته ، والمغرب أيضاً بجزئ باتفاقهم إذا صلى بعد الغروب ، والعشاء تجزئ باتفاقهم إذا صلى بعد مغيب الشفق الأبيض ، إلى ثلث الليل ، والفجر ٢٦٧ يجزئ باتفاقهم إذا صلاها بعد طلوع الفجر إلى الإسفار الشديد، وأما - العصر فهذا يقول : تصلى إلى المثلين ، وهذا يقول لا تصلى إلا بعد المثلين ، والصحيح أنها تعلى من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس ، فوقتها أوسع ، كما قاله هؤلاء ، وهؤلاء ، وعلى هذا ندل الأحاديث الصحيحة المدنية، وهو قول أبى يوسف، ومحمد بن الحسن وهو الرواية الأخرى عن أحمد . والمقصود هنا أن من المسائل مسائل لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه ، لكن ولله الحمد القول الصحيح عليه دلائل شرعية تبين الحق . ومن ذلك فسخ الحج إلى العمرة ، فإن الحج الذي اتفق الأمة على جوازه أن يهل متمتعاً يحرم بعمرة ابتداء ، ويهل قارناً وقد ساق الهدى ، فأما إن أفرد أو قرن ولم يسق الهدى ففي حجه نزاع بين السلف والخلف . والمقصود هنا القراءة خلف الإمام فنقول : إذا جهر الإمام استمع لقراءته، فإن كان لا يسمح لبعده فإنه يقرأ فى أصح القولين، وهو قول أحمد وغيره ، وإن كان لا يسمع لصممه ، أو كان يسمع ٢٦٨ همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول : ففيه قولان فى مذهب أحمد ، وغيره . والأظهر أنه يقرأ ؛ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعاً ، وإما قارئاً ، وهذا ليس بمستمع ، ولا يحصل له مقصود السماع ، فقراءته أفضل من سكوته ، فنذكر الدليل على الفصلين . على أنه فى حال الجهر يستمع ، وأنه فى حال المخافتة يقرأ . فالدليل على الأول الكتاب والسنة والاعتبار : ( أما الأول ) فإنه تعالى قال: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوْلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقد استفاض عن السلف أنها نزلت فى القراءة في الصلاة ، وقال بعضهم فى الخطبة ، وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنها نزلت في ذلك ، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر . ثم يقول: قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْلَهُ وَأَنْصِتُواْ ◌َعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) لفظ عام ، فإما أن يختص القراءة فى الصلاة ، أو فى القراءة فى غير الصلاة ، أو يعمهما . والثانى باطل قطعاً ؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين أنه يجب الاستماع خارج الصلاة ، ولا يجب في ٢٦٩ الصلاة ، ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به ويجب عليه متابعته أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة داخلة فى الآية ، إما على سبيل الخصوص ، وإما على سبيل العموم ، وعلى التقديرين فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام ، وسواء كان أمر إيجاب أو استحباب . فالمقصود حاصل . فإن المراد أن الاستماع أولى من القراءة ، وهذا صريح فى دلالة الآية على كل تقدير . والمنازع يسلم أن الاستماع مأمور به دون القراءة، فيما زاد على الفاتحة . والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن . والفاتحة أم القرآن ، وهي التى لابد من قراءتها في كل صلاة ، والفاتحة أفضل سور القرآن . وهي التى لم ينزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا فى الزبور ولا في القرآن مثلها ، فيمتنع أن يكون المراد بالآية الاستماع إلى غيرها دونها ، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها ، مع أن قراءتها أكثر وأشهر، وهي أفضل من غيرها . فإن قوله: (وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ) يتناولها ، كما يتناول غيرها، وشموله لها أظهر لفظاً ومعنى . والعادل عن استماعها إلى قراءتها إنما يعدل لأن قراءتها عنده أفضل من الاستماع ، وهذا غلط يخالف النص والإجماع ، فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون القراءة ، والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على الفاتحة أفضل من قراءته لما زاد عليها . ٢٧٠ فلو كانت القراءة لما يقرأه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته لكان قراءة المأموم أفضل من قراءته لما زاد على الفاتحة ، وهذا لم يقل به أحد . وإنما نازع من نازع فى الفاتحة لظنه أنها واجبة على المأموم مع الجهر ، أو مستحبة له حينئذ . وجوابه أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها ، بدليل استماعه لما زاد على الفاتحة ، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين ، وهو القراءة ، فلما دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الاستماع أفضل له من القراءة ، على أن المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ ، وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها، فالمستمع لقراءة الإمام يحصل له أفضل مما يحصل بالقراءة ، وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى وينهى عن الأعلى. وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة ، كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان . وفى ذلك الحديث المعروف عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). وهذا الحديث روي مرسلا ، ومسنداً لكن أكثر الأئمة الثقاة رووه مرسلا عن عبد الله بن شداد عن النبى صلى الله عليه وسلم. وأسنده بعضهم ، ورواه ابن ماجه مسنداً ، وهذا المرسل قد عضده ٢٧١ ظاهر القرآن والسنة ، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين ومرسله من أكابر التابعين ، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة ، وغيرهم ، وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل . فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة ؛ لأن هذا من الأمور الظاهرة التى يحتاج إليها جميع الأمة ، فكان بيانها فى القرآن مما يحصل به مقصود البيان ، وجاءت السنة موافقة للقرآن. ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعرى قال: (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا ، فقال : أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا)). وهذا من حديث أبي موسى الطويل المشهور. لكن بعض الرواة زاد فيه على بعض ، فمنهم من لم يذكر قوله : ((وإذا قرأ فانصتوا)) ومنهم من ذكرها ، وهي زيادة من الثقة. لا تخالف المزيد ، بل توافق معناه ، ولهذا رواها مسلم فى صحيحه . فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به فإن من قرأ على قوم لا يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به ، وهذا مما يبين حكمة سقوط القراءة على المأموم، فإن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها ، حتى في الأفعال ، فإذا أدركه ساجداً سجد معه ، وإذا أدركه فى وتر من صلاته ٢٧٢ تشهد عقب الوتر ، وهذا لو فعله منفرداً لم يجز، وإنما فعله لأجل الاتتمام ، فيدل على أن الائتمام يجب به مالا يجب على المنفرد ، ويسقط به ما يجب على المنفرد . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)). رواه أحمد، وأبو داود ، والنسائي، وابن ماجه . قيل لمسلم بن الحجاج : حديث أبى هريرة صحيح، يعنى ((وإذا قرأ فانصتوا )) قال هو عندي صحيح . فقيل له : لما لا تضعه ههنا ؟ يعنى فى كتابه ، فقال : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. وروى الزهري عن ابن أكيمة الليثى عن أبى هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها، فقال: (( هل قرأ معي أحد منكم آنفاً ؟ فقال رجل : نعم . يا رسول الله! قال: إني أقول مالي أنازع القرآن)). قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبى صلى الله عليه وسلم بالقراءة فى الصلوات ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه، والنسائى، والترمذي ، وقال : حديث حسن. قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس، يقول: قوله: ((فانتهى الناس)) من كلام الزهري . ٢٧٣ وروى عن البخاري نحو ذلك ، فقال : فى الكنى من التاريخ ، وقال أبو صالح حدثنى الليث حدثنى يوسف عن ابن شهاب سمعت ابن أكيمة الليثي يحدث أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول : صلى لنا النبى صلى الله عليه وسلم صلاة جهر فيها بالقراءة ثم قال: ((هل قرأ منكم أحد معي ؟ قلنا : نعم، قال: إني أقول مالي أنازع القرآن)) قال : فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر الإمام ، قال الليث : حدثني ابن شهاب ولم يقل : فانتهى الناس ، وقال بعضهم : هو قول الزهري، وقال بعضهم : هو قول ابن أكيمة ، والصحيح أنه قول الزهري . وهذا إذا كان من كلام الزهري فهو من أدل الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرأون فى الجهر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الزهري من أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل زمانه بالسنة ، وقراءة الصحابة خلف النبى صلى الله عليه وسلم إذا كانت مشروعة واجبة أو مستحبة تكون من الأحكام العامة ، التى يعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، فيكون الزهري من أعلم الناس بها، فلو لم يبينها لاستدل بذلك على انتفائها ، فكيف إذا قطع الزهري بأن الصحابة لم لم يكونوا يقرأون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فى الجهر . فإن قيل : قال البيهقي : ابن أكيمة رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده ، ولم يحدث عنه غير الزهري . ٢٧٤ قيل : ليس كذلك ، بل قد قال أبو حاتم الرازي فيه: صحيح الحديث ، حديثه مقبول. وحكي عن أبي حاتم البستى أنه قال : روي عنه الزهري ، وسعيد بن أبى هلال ، وابن أبيه عمر ، وسالم بن عمار ابن أكيمة بن عمر . وقد روى مالك في موطئه عن وهب بن كيسان ، أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: ((من صلى ركعة لم يقرأ فيها، لم يصل إلا وراء الإمام )) وروى أيضاً عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل : هل يقرأ خلف الإمام ؟ يقول : إذا صلى أحدكم خلف الإمام تجزئه قراءة الإمام ، وإذا صلى وحده فليقرأ . قال : وكان عبد الله بن عمر، لا يقرأ خلف الإمام ، وروى مسلم فى صحيحه عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام ، فقال : لا قراءة مع الإمام فى شيء . وروى البيهقى عن أبى وائل أن رجلا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام ، فقال: أنصت للقرآن ، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام ، وابن مسعود وزيد بن ثابت هما فقيها أهل المدينة ، وأهل الكوفة من الصحابة وفى كلامهما تنبيه على أن المانع إنصاته لقراءة الإمام . ٢٧٥ وكذلك البخاري في ((كتاب القراءة خلف الإمام)» عن علي بن أبى طالب قال : وروى الحارث عن علي يسبح فى الأخريين ، قال : ولم بصح ، وخالفه عبيد الله بن أبى رافع، حدثنا عثمان بن سعيد ، سمع عبيد الله بن عمرو، عن إسحق بن راشد ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن أبى رافع. مولى بني هاشم، حدثه عن علي بن أبى طالب: إذا لم يجهر الإمام فى الصلوات ، فاقرأ بأم الكتاب ، وسورة أخرى فى الأوليين ، من الظهر والعصر ، وفاتحة الكتاب فى الأخريين من الظهر والعصر ، وفي الآخرة من المغرب ، وفى الأخريين من العشاء . وأيضاً ففي إجماع المسلمين على أنه فيما زاد على الفاتحة يؤمر بالاستماع دون القراءة : دليل على أن استماعه لقراءة الإمام خير له من قراءته معه ، بل على أنه مأمور بالاستماع دون القراءة مع الإمام . وأيضاً : فلو كانت القراءة فى الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام ، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ ، ولم نعلم نزاعا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها ، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة . فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر ، بل نقول : لو كانت قراءة المأموم فى حال الجهر والاستماع مستحبة ، لا ستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم، ولا يستحب للإمام ٢٧٦ السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء ، وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرم . وحجتهم فى ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون ، ولا نقل هذا أحد عنه ، بل ثبت عنه في الصحيح سكونه بعد التكبير للاستفتاح، وفي السنن (( أنه كان له سكتتان: سكتة في أول القراءة ، وسكتة بعد الفراغ من القراءة ، وهي سكتة لطيفة للفصل لا تتسع لقراءة الفاتحة . وقد روى أن هذه السكتة كانت بعد الفاتحة ، ولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات ، ولا أربع سكتات ، فمن نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم ثلاث سكنات أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين ، والسكتة التى عقب قوله : ( وَلَا الضَّالِّينَ ) من جنس السكتات التى عند رؤوس الآي. ومثل هذا لا يسمى سكوتاً ؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء إنه يقرأ فى مثل هذا . وكان بعض من أدركنا من أصحابنا بقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي . فإذا قال الإمام : ( الْحَمْدُ لِتَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) قال: (الْحَمْدُللَّهِ رَسِّ الْعَلَمِينَ) وإذا قال: ( إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيََّكَ نَسْتَعِيرُ) قال: (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيََّكَ نَسْتَعِينُ ) وهذا لم يقله أحد من العلماء . ٢٧٧ وقد اختلف العلماء فى سكوت الإمام على ثلاثة أقوال : فقيل : لا سكوت فى الصلاة بحال ، وهو قول مالك . وقيل : فيها سكتة واحدة للاستفتاح ، كقول أبي حنيفة . وقيل فيها : سكتتان ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وغيرهما لحديث سمرة بن جندب: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له سكتتان: سكتة حين يفتح الصلاة ، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية . قبل أن يركع ، فذكر ذلك لعمران بن حصين ، فقال : كذب سمرة . فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبى بن كعب ، فقال : صدق سمرة ، رواه أحمد . واللفظ له وأبو داود وابن ماجه ، والترمذي ، وقال حديث حسن . وفي رواية أبى داود: ((سكتة إذا كبر . وسكتة إذا فرغ من ( غَيرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ))) وأحمد رجح الرواية الأولى، واستحب السكتة الثانية ؛ لأجل الفصل . ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم ، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك ، ومعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم لو كان بسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة ، لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فلما لم ينقل هذا أحد على أنه لم يكن . والسكتة الثانية فى حديث سمرة قد نفاها عمران بن حصين . وذلك أنها سكتة بسيرة ، قد لا ينضبط مثلها ، وقد روي أنها بعد ٢٧٨ الفاتحة. ومعلوم أنه لم يسكت إلا سكنتين، فعلم أن إحداهما طويلة ، والأخرى بكل حال لم تكن طويلة متسعة لقراءة الفاتحة . وأيضاً فلو كان الصحابة كلهم يقرأون الفاتحة خلفه إما فى السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فكيف ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا فى السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة ، مع أن ذلك لو كان مشروعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه ، وعمله ، فعلم أنه بدعة . وأيضاً فالمقصود بالجهر استماع المأمومين ، ولهذا يؤمنون على قراءة الإمام في الجهر دون السر ، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته ، وهو بمنزلة أن يحدث من لم يستمع لحديثه ، ويخطب من لم يستمع لخطبته ، وهذا سفه تنز عنه الشريعة. ولهذا روي فى الحديث: ((مثل الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً)) فهكذا إذا كان يقرأ والإمام يقرأ عليه . ٢٧٩ فصل وإذا كان المأموم مأموراً بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام ، لم يشتغل عن ذلك بغيرها، لا بقراءة، ولا ذكر، ولا دعاء، ففي حال جهر الإمام لا يستفتح ولا يتعوذ . وفى هذه المسألة نزاع . وفيها ثلاثة أقوال ، هى ثلاث روايات عن أحمد . قيل : إنه حال الجهر يستفتح ويتعوذ ، ولا يقرأ ؛ لأنه بالاستماع يحصل له مقصود القراءة ؛ بخلاف الاستفتاح والاستعاذة ، فإنه لا يسمعها . وقيل : يستفتح ولا يتعوذ ، لأن الاستفتاح تابع لتكبيرة الإحرام بخلاف التعوذ فإنه تابع للقراءة ، فمن لم يقرأ لا يتعوذ . وقيل : لا يستفتح ولا يتعوذ حال الجهر ، وهذا أصح ، فإن ذلك يشغل عن الاستماع والإنصات المأمور به ، وليس له أن يشتغل عما أمر به بشيء من الأشياء . ثم اختلف أصحاب أحمد : فمنهم من قال هذا الخلاف إنما هو فى حال سكوت الإمام ، هل يشتغل بالاستفتاح ، أو الاستعاذة، أو بأحدهما ٢٨٠