النص المفهرس

صفحات 201-220

وكذلك فيها عن أبى هريرة - ولفظه -: ((وعن الصلاة بعد
الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب)) وفيها عن أبي سعيد قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس،
ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) ولمسلم (( لا صلاة بعد صلاة
الفجر ، وبعد صلاة العصر )) وفي صحيح مسلم حديث عمرو بن عبسة
قال: قلت: يارسول الله: أخبرنى عن الصلاة، قال: ((صل
صلاة الصبح ، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ،
فإنها تطلع حين تطلع بين قرنى شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار
ثم صل فإن الصلاة محضورة مشهودة ، حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم
اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ،
فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ، ثم اقصر عن الصلاة
حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرنى شيطان ، وحينئذ يسجد
لها الكفار » .
والأحاديث المختصة بوقت الطلوع والغروب ، وبالاستواء : حديث
ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بدا حاجب
الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس
فأخروا الصلاة حتى تغيب)) هذا اللفظ لمسلم، وفي صحيح مسلم
عن عقبة بن عامر، قال: (( ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينهانا أن نصلى فيهن ، أو نقبر فيهن موتانا : حين تطلع
٢٠١

الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ، وحين
تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب)) . ووقت الزوال ليس فى عامة
الأحاديث ، ولم يذكر حديثه البخاري ؛ لكن رواه مسلم من حديث
عقبة بن عامر ، ومن حديث عمرو بن عبسة ، وتابعهما الصنابحي . وعلى
هذه الثلاثة اعتمد أحمد ، ولما ذكر له الرخصة فى الصلاة نصف
النهار يوم الجمعة ، قال : فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم من
ثلاثة أوجه : حديث عقبة بن عامر ، وحديث عمرو بن عبسة ،
وحديث الصنابحي .
والخرقى لم يذكره فى أوقات النهي ، بل قال : ويقضي الفوائت
من الصلوات الفرض ، ويركع للطواف ، وإن كان في المسجد وأقيمت
الصلاة ، وقد كان صلى فى كل وقت نهى عن الصلاة فيه ، وهو بعد
الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب .
وهذا يقتضي أنه ليس وقت نهي إلا هذان، ويقتضي أن ما أباحه
يفعل فى أوقات النهي كإحدى الروايتين ، ويقتضي أن النهي معلق
بالفعل ، فإنه قال : بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولم يقل الفجر ، ولو
كان النهي من حين طلوع الفجر لا ستثنى الركعتين ، بل استثنى الفرض
والنفل . وهذه ألفاظ الرسول ، فإنه نهى عن الصلاة بعد الصبح
حتى تطلع الشمس ، كما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
٢٠٢

ومعلوم أنه لو أراد الوقت لا ستثنى ركعتى الفجر والفرض ، كما
ورد استثناء ذلك فى ما نهى عنه، حيث قال: ((لا صلاة بعد
الفجر إلا سجدتين)) فلما لم يذكر ذلك فى الأحاديث علم أنه
أراد فعل الصلاة كما جاء مفسراً فى أحاديث صحيحة . ولأنه
يمتنع أن تكون أوقات الصلاة المكتوبة فرضها وسنتها وقت نهي ،
وما بعد الفجر وقت صلاة الفجر سنتها وفرضها ، فكيف يجوز أن
يقال : إن هذا وقت نهي ؟ وهل يكون وقت نهي سن فيه الصلاة
دائماً بلا سبب ؟ وأمر بتحري الصلاة فيه ؟ هذا تناقض مع أن هذا
الوقت جعل وقتاً للصلاة إلى طلوع الشمس ، ليس كوقت العصر
الذي جعل آخر الوقت فيه إذا اصفرت الشمس .
والنهي هو لأن الكفار يسجدون لها ، وهذا لا يكون من
طلوع الفجر، ولهذا كان الأصل فى النهي عند الطلوع والغروب ، كما
فى حديث ابن عمر ، لكن نهى عن الصلاة بعد الصلاتين سداً للذريعة
فإن المتطوع قد يصلي بعدهما حتى يصلي وقت الطلوع والغروب .
والنهي فى هذين أخف ، ولهذا كان يداوم على الركعتين بعد العصر،
حتى قبضه الله. فأما قبل صلاة الفجر فلا وجه للنهي ، لكن لا يسن
ذلك الوقت إلا الفجر سنتها وفرضها .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل، ويوتر ، ثم
إذا طلع الفجر صلى الركعتين ، ثم صلى الفرض ، وكان يضطجع أحياناً
٢٠٣

ليستريح ، إما بعد الوتر ، وإما بعد ركعتى الفجر ، وكان إذا غلبه
من الليل نوم أو وجع صلى من النهار اثنتى عشرة ركعة بدل قيامه
من اليل ، ولم يكن يقضي ذلك قبل صلاة الفجر ؛ لأنه لم يكن يتسع
لذلك ، فإن هذه الصلاة فيها طول ، وكان يغلس بالفجر . وفى الصحيح
(( من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له
كأنما قرأه من الليل، ومعلوم أنه لو أمكن قراءة شيء منه قبل صلاة
الفجر كان أبلغ ، لكن إذا قرأه قبل الزوال كتب له كأنما قرأه من
الليل - فإن هذا الوقت تابع لليلة الماضية، ولهذا يقال فيما قبل
الزوال : فعلناه الليلة . ويقال ، بعد الزوال : فعلناه البارحة - وهو
وقت الضحى ، وهو خلف عن قيام الليل .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا نام عن قيامه قضاه من
الضحى ، فيصلي اثنتى عشرة ركعة . وقد جاء هذا عن عمر وغيره من
الصحابة فى قوله: ( وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَّكَّرَ أَوْأَرَادَ
شُكُورًا ) .
هما بعد طلوع الفجر إنما سن للمسلمين السنة
الراتبة ، وفرضها الفجر ، وما سوى ذلك لم يسن، ولم يكن منهيا عنه
إذا لم يتخذ سنة ، كما فى الحديث الصحيح: (( بين كل أذانين صلاة ،
بين كل أذانين صلاة ، ثم قال فى الثالثة لمن شاء)). كراهية أن
يتخذها الناس سنة .
٢٠٤

فهذا فيه إباحة الصلاة بين كل أذانين ، كما كان الصحابة يصلون
ركعتين بين أذانى المغرب، والنبى صلى الله عليه وسلم يرام ويقرم
على ذلك ، فكذلك الصلاة بين أذانى العصر والعشاء ، وكذلك بين
أذاني الفجر والظهر ، لكن بين أذانى الفجر الركعتان سنة بلا ريب ،
وما سواها يفعل ولا يتخذ سنة ، فلا يداوم عليه ، ويؤمر به جميع
المسلمين ، كما هو حال السنة ، فإن السنة تعم المسلمين ويداوم عليها ، كما
أنهم كلهم مسنون لهم ركعتا الفجر ، والمداومة عليها .
فإذا قيل : لا سنة بعد طلوع الفجر إلا ركعتان، فهذا صحيح ،
وأما النهي العام فلا . والإنسان قد لا يقوم من الليل فيريد أن يصلي
في هذا الوقت ، وقد استحب السلف له قضاء وتره ، بل وقيامه من
الليل فى هذا الوقت ، وذلك عندم خير من أن يؤخره إلى الضحى .
فصل
وللناس فى الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وغيرها أقوال :
قيل بالتهي مطلقاً وهو المشهور عن أحمد . وقيل : الإذن مطلقاً ،
كما اقتضاه كلام الخرقى ، ويروى عن مالك . وقيل : بالفرق بين الجمعة
وغيرها ، وهو مذهب الشافعى ، وأباحه فيها عطاء فى الشتاء ، دون
الصيف ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى حديث عمرو بن عبسة
(( ثم بعد طلوعها صل. فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل
٢٠٥

الظل بالرمح ، ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم . فإذا أقبل
الفي فصل )).
فعلل النهي حينئذ بأنه حينئذ تسجر جهم . وفى الطلوع والغروب
بمقارنة الشيطان ، فقال: (( ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع فإنها تطلع
بين قرني شيطان)) وفى الغروب قال: (( ثم اقصر عن الصلاة حتى
تغرب فإنها تغرب بين قرنى شيطان)). وأما مقارنة الشيطان لها حين
الاستواء فليس فى شىء من الحديث إلا فى حديث الصنابحي . قال :
(( إنها تطلع ومعها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت قارنها ، ثم إذا استوت
قارنها ، فإذا زالت قارنها ، وإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت
قارنها)) فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فى تلك
الساعات . لكن الصنابحي قد قيل : إنه لم تثبت له صحبة ، فلم يسمع هذا
من النبى صلى الله عليه وسلم، بخلاف حديث عمرو بن عبسة فإنه صحيح
سمعه منه .
ويؤيد هذا أن عامة الأحاديث ليس فيها إلا النهي وقت الطلوع
ووقت الغروب ، أو بعد الصلاتين . فدل على أن النهى نصف النهار
نوع آخر له علة غير علة ذينك الوقتين .
يوضح هذا : أن الكفار بسجدون لها وقت الطلوع ، ووقت
٢٠٦

الغروب كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما سجودهم لها قبل
الزوال فهذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم عنهم ، ولم يعلل به .
وأيضاً : فإن ضبط هذا الوقت متعسر ، فقد ثبت فى الصحيح أنه
قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة
الحر من فيح جهنم)) وهذا حديث اتفق العلماء على صحته ، وتلقيه
بالقبول ، فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم ، وهذا موافق لقوله :
(فإنه حينئذ تسجر جهنم)» وأمر بالإبراد ، فدل على أن الصلاة منهى
عنها عند شدة الحر ؛ لأنه من فيح جهم.
ففى الصيف تسجر نصف النهار ، فيكون النهي عن الصلاة نصف
النهار في الحر ، وهو يؤمر بأن يؤخر الصلاة عن الزوال حتى يبرد ،
لكن إذا زالت الشمس فاءت الأفياء فطالت الأظلة ، بعد تناهي قصرها
وهذا مشروع فى الإبراد ، فلهذا كانت الصلاة جائزة من حين الزوال ،
كما فى حديث عمرو بن عبسة: (( ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ
تسجر جهنم، فإذا أقبل الفى فصل)) فدل على أن الصلاة مشروعة من
حين يقبل الفي ، فيفى الظل : أي يرجع من جهة المغرب إلى جهة
المشرق ، ويرجع في الزيادة بعد النقصان .
ولهذا قالوا : إن لفظ الفيء مختص بما بعد الزوال ، لما فيه من
٢٠٧

معنى الرجوع . ولفظ الظل يتناول هذا وهذا ، فإنه قبل طلوع الشمس
يكون الظل ممتداً، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ وَلَوْشَآءَ
ثم إذا طلعت الشمس كانت عليه دليلا ،
لَجَعَلَهُ سَاكِنًا)
فتميز الظل عن الضحى ، ونسخت الشمس الظل ، لاتزال تنسخه وهو
يقصر إلى الزوال ، فإذا زالت فإنه يعاد ممتداً إلى المشرق ، حيث ابتدأ
بعد أن كان أول ما نسخته عن المشرق ، ثم عن المغرب ، ثم تفيء إلى
المشرق ثم المغرب ، ولم يزل يمتد ويطول إلى أن تغرب ، فينسخ الظل
جميع الشمس . فلهذا قال فى حديث عمرو بن عبسة: ((ثم اقصر
عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم ، فاذا أقبل الفى فصل » .
وعلى هذا فمن رخص فى الصلاة يوم الجمعة قال : إنها لا تسجر
يوم الجمعة ، كما قد روى ، وقالوا : إنه لا يستحب الإبراد يوم الجمعة ،
بل يجوز عقب الزوال بالسنة الصحيحة ، واتفاق الناس ، وفى الإبراد
مشقة للخلق . ويجوز عند أحمد وغيره أن يصلي وقت الزوال كما
فعله غير واحد من الصحابة ، فكيف يكون وقت نهي والجمعة جازة
فيه ، والفرائض المؤداة لا تشرع في وقت النهي لغير عذر ، كما قلنا
في الفجر ، فإن هذا تناقض .
وبالجملة جواز الصلاة وقت الزوال يوم الجمعة على أصل أحمد
أظهر منه على أصل غيره ، فإنه يجوز الجمعة وقت الزوال ، ولا يجعل
٢٠٨

ذلك وقت نهي ، بل قد قيل فى مذهبه : إنها لا تجوز إلا فى ذلك
الوقت ، وهو الوقت الذي هو وقت نهي فى غيرها . فعلم الفرق بين
الجمعة وغيرها ، وكما أن الإبراد المأمور به فى غيرها لا يؤمر به فيها ،
بل ينهى عنه ، وهو معلل بأن شدة الحر من فيح جهنم ، فكذلك
قد علل بأنه حينئذ تسجر جهم. وهذا من جنس قوله: ((فإن شدة
الحر من فيح جهنم)).
وإذا كانت مختصة بما سوى يوم الجمعة : فكذلك الأخرى ، وعلى
مقتضى هذه العلة لا ينهى عن الصلاة وقت الزوال ، لا فى الشتاء ،
ولا يوم الجمعة ويؤيد ذلك ما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم
(أنه نهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة)) وهو أرجح مما
احتجوا به على أن النهي فى الفجر معلق بالوقت . والله أعلم .
وقال شيخ الإسلام
الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن
سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً .
٢٠٩

فصل
في أن ذوات الأسباب تفعل فى أوقات النهى . فقد كتبنا فيما تقدم
فى الإسكندرية وغيرها كلاماً مبسوطاً: فى أن هذا أصح قولي العلماء
وهو مذهب الشافعى ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه، اختارها
أبو الخطاب .
وكنا قبل متوقفين لبعض الأدلة التى احتج بها المانعون ، فلما
بحثنا عن حقيقتها وجدناها أحاديث ضعيفة ، أو غير دالة ، وذكرنا أن
الدلائل على ذلك متعددة:
منها : أن أحاديث الأمر بذوات الأسباب كقوله: ((إذا دخل
أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين عام محفوظ لا خصوص فيه
وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام ، بل كلها مخصوصة ،
فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه ، فإنه حجة باتفاق السلف
والجمهور القائلين بالعموم ؛ بخلاف الثانى ، وهو أقوى منه بلا ريب .
ومنها : أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة
٢١٠

تحية المسجد للداخل عند الخطبة هنا بلا خلاف عنه لثبوت النص به ،
والنهي عن الصلاة فى هذا الوقت أشد بلا ريب ، فإذا فعلت هناك،
فهنا أولى .
ومنها: أن حديث ابن عمر فى الصحيحين لفظه: ((لا نتحروا
بصلاتكم طلوع الشمس ، ولا غروبها)) . والتحري هو التعمد والقصد
وهذا إنما يكون فى التطوع المطلق . فأما ما له سبب فلم يتحره ؛ بل
فعله لأجل السبب ، والسبب ألجأه إليه . وهذا اللفظ المقيد المفسر
يفسر سائر الألفاظ ، ويبين أن النهي إنما كان عن التحري ، ولو كان
عن النوعين لم يكن للتخصيص فائدة ، ولكان الحكم قد علق بلفظ
عديم التأثير.
ومنها : أنه قد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بعضها بالنص ،
كالركعة الثانية من الفجر ، وكركعتى الطواف ، وكالمعادة مع إمام الحي
وبعضها بالنص والإجماع كالعصر عند الغروب ، وكالجنازة بعد العصر ،
وإذا نظر فى المقتضى للجواز لم توجد له علة صحيحة ، إلا كونها ذات
سبب، فيجب تعليق الحكم بذلك ، وإلا فما الفرق بين المعادة وبين
تحية المسجد، والأمر بهذه أصح ، وكذلك الكسوف قد أمر بها فى
أحاديث كثيرة صحيحة .
٢١١

والمقصود هنا أن نقول : الصلاة فى وقت النهي لا تخلو أن تكون
مفسدة محضة ، لا تشرع بحال : كالسجود للشمس نفسها ، أو يكون
مما بشرع فى حال دون حال ، والأول باطل ؛ لأنه قد ثبت بالنص
والإجماع أن العصر تصلى وقت الغروب قبل سقوط القرص كله .
وثبت فى الصحيحين قوله: (( من أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس ، فقد أدرك ، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن
تطلع الشمس فقد أدرك )) والأول : قد اتفق عليه ، والثانى :
قول الجمهور .
وأبو حنيفة يفرق بين الفجر والعصر ، ويقول : إذا طلعت الشمس
بطلت الصلاة ؛ لأنها تبقى منهياً عنها فائتة ، والعصر إذا غربت الشمس
دخل فى وقت الجواز ، لا في وقت النهي ، وقد ضعف أحمد والجمهور
هذا الفرق ، وقالوا : الكلام فى العصر وقت الغروب ، فإنه وقت
نهى ، كما أن ما بعد الطلوع وقت نهي ، وليس له أن يؤخر العصر إلى
هذا الوقت ، لكن يكون له عذر كالحائض تطهر ، والناثم يستيقظ .
ولو قدر أنه أخرها من غير عذر فهو مأمور بفعلها فى وقت النهي ،
مع إمكان أن يصليها بعد الغروب. فإذا قيل : صلاتها في الوقت فرض .
قيل: وقضاء الفائنة على الفور فرض، لقوله: ((من نام عن صلاة أو
نسيها فليصلها إذا ذكرها لاكفارة لها إلا ذلك)).
٢١٢

وأيضا : فإذا صلى ركعة من الفجر قبل الطلوع فقد شرع فيها
قبل وقت النهي ، فهو أخف من ابتدائها وقت النهى ، مع أن هذا
جاز عند الجمهور . وإذا ثبت أن الصلاة فى أغلظ أوقات النهي - وهو
وقت الطلوع والغروب ليس مفسدة محضة - لا تشرع بحال ؛ بل
تشرع فى بعض الأحوال ، علم أن وجود بعض الصلوات فى هذه
الأوقات لا يوجب مفسدة الهي ، إذ لو وجدت لما جاز شيء
من الصلوات .
وإذا كان كذلك : فالشرع قد استقر على أن الصلاة بل العبادة
التى تفوت إذا أخرت تفعل بحسب الإمكان فى الوقت ، ولو كان فى
فعلها من ترك الواجب وفعل المحظور ما لا يسوغ عند إمكان فعله
في الوقت ، مثل الصلاة بلا قراءة ، وصلاة العريان ، وصلاة المريض
وصلاة المستحاضة ، ومن به سلس البول، والصلاة مع الحدث بلا اغتسال
ولا وضوء ، والصلاة إلى غير القبلة ، وأمثال ذلك من الصلوات التى
لا يحرم فعلها ، إذا قدر أن يفعلها على الوجه المأمور به فى الوقت . ثم
إنه يجب عليه فعلها فى الوقت مع النقص لئلا يفوت ، وإن أمكن فعلها
بعد الوقت على وجه الكمال . فعلم أن اعتبار الوقت فى الصلاة مقدم
على سائر واجباتها ، وهذا فى التطوع كذلك ، فإنه إذا لم يمكنه أن
يصلي إلا عرياناً، أو إلى غير القبلة، أو مع سلس البول، صلى كما
٢١٣

يصلي الفرض ؛ لأنه لو لم يفعل إلا مع الكمال تعذر فعله ، فكان
فعله مع النقص خيراً من تعطيله .
وإذا كان كذلك فذوات الأسباب إن لم تفعل وقت النهي فانت
وتعطلت ، وبطلت المصلحة الحاصلة به ، بخلاف التطوع المطلق ، فإن
الأوقات فيها سعة ، فإذا ترك فى أوقات النهي حصلت حكمة النهي ، وهو
قطع للتشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس في هذا الوقت ، وهذه
الحكمة لا يحتاج حصولها إلى المنع من جميع الصلوات ، كما تقدم . بل
يحصل المنح من بعضها فيكفي التطوع المطلق .
وأيضاً فالنهي عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا يتشبه
بالمشركين ، فيفضى إلى الشرك، وما كان منهياً عنه لسد الذريعة لا لأنه
مفسدة فى نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة ، ولا تفوت المصلحة
لغير مفسدة راجحة . والصلاة للّ فيه ليس فيها مفسدة بل هي ذريعة
إلى المفسدة فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت واكتفى منها إذا
لم يكن هناك مصلحة . وهو التطوع المطلق . فإنه ليس فى المنع منه
مفسدة ، ولا تفويت مصلحة ، لإمكان فعله في سائر الأوقات .
وهذا أصل لأحمد وغيره: فى أن ما كان من ((باب سد الذريعة))
إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه ، وأما مع الحاجة للمصلحة التى لا تحصل إلا به،
وقد ينهى عنه ؛ ولهذا يفرق فى العقود بين الحيل وسد الذرائع: فالمحتال
٢١٤

يقصد المحرم ، فهذا ينهى عنه . وأما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم،
لكن إذا لم يحتج إليها نهي عنها ، وأما مع الحاجة فلا .
وأما مالك فإنه يبالغ فى سد الذرائع ، حتى ينهى عنها مع
الحاجة إليها .
و ((ذوات الأسباب)» كلها تفوت إذا أخرت عن وقت النهي :
مثل سجود التلاوة ، وتحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، ومثل الصلاة
عقب الطهارة كما فى حديث بلال ، وكذلك صلاة الاستخارة : إذا كان
الذي يستخير له يفوت إذا أخرت الصلاة . وكذلك صلاة التوبة ، فإذا
أذنب فالتوبة واجبة على الفور ، وهو مندوب إلى أن يصلي ركعتين
ثم يتوب ، كما فى حديث أبى بكر الصديق. ونحو قضاء السنن الرواتب
كما قضى النبى صلى الله عليه وسلم ركعتي الظهر بعد العصر. وكما أقر الرجل
على قضاء ركعتى الفجر بعد الفجر ، مع أنه يمكن تأخيرها ؛ لكن تفوت
مصلحة المبادرة إلى القضاء ، فإن القضاء مأمور به على الفور، في الواجب
واجب ، وفى المستحب مستحب .
والشافعي يجوز القضاء في وقت النهي ، وإن كان لا يوجب
تعجيله ، لأنها من ذوات الأسباب ، وهي مع هذا لا تفوت بفوات
٢١٥

الوقت ؛ لكن يفوت فضل تقديمها ، وبراءة الذمة ، كما جاز فعل الصلاة
في أول الوقت للعريان والمتيمم ، وإن أمكن فعلها آخر الوقت
بالوضوء والسترة ؛ لكن هو محتاج إلى براءة ذمته فى الواجب ، ومحتاج
فى السنن الرواتب إلى تكميل فرضه ؛ فإن الرواتب مكملات للفرض ،
ومحتاج إلى أن لا يزيد التفويت ، فإنه مأمور بفعلها فى الوقت ، فكلما
قرب كان أقرب إلى الأمر ، مما يبعد منه .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأنوا
منه ما استطعتم)، فيقربها من الوقت ما استطاع، والشيخ أبو محمد
المقدسي يجوز فعل الرواتب في أوقات النهي ، موافقة لأبى الخطاب لكن
أبو الخطاب يعمم كالشافعي ، وهو الصواب .
فإن قيل : فالتطوع المطلق يفوت من قصده عمارة الأوقات
كلها بالصلاة؟
قيل : هذا ليس بمشروع ، بل هو منهى عنه ، ولا يمكن بشراً
أن يصلي دائماً جميع النهار والليل ، بل لا بد له من وقت راحة
ونوم ، وقد ثبت في الصحيحين أن رجالا قال أحدهم : أنا أصوم ولا
أفطر، وقال الآخر: وأنا أقوم لا أنام، وقال الآخر: لا أتزوج
النساء ، وقال الآخر : لا آكل اللحم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم
٢١٦

((لكنى أصوم وأفطر وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم
فمن رغب عن سنتي فليس مني )) بل قد قيل: إن من جملة حكمة
النهي عن التطوع المطلق فى بعض الأوقات ، إجمام النفوس في وقت
النهى لتنشط للصلاة ، فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه ، وتنشط
للصلاة بعد الراحة ، والله أعلم.
٢١٧

وسئل
عمن رأى رجلا يتفل فى وقت نهي فقال : نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن الصلاة فى هذا الوقت ، وذكر له الحديث الوارد
فى الكراهة . فقال هذا: لا أسمعه ، وأصلي كيف شئت ، فما الذي
يجب عليه ؟
فأجاب : الحمد لله . أما التطوع الذي لا سبب له : فهو منهي عنه
بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد صلاة العصر حتى تغرب
الشمس ، باتفاق الأئمة ، وكان عمر بن الخطاب يضرب من يصلي بعد
العصر . فمن فعل ذلك فإنه يعزر اتباعا لما سنه عمر بن الخطاب ، أحد
الخلفاء الراشدين ، إذ قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم بالنهي عن ذلك .
وأما ماله سبب : كتحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، فهذا فيه
نزاع ، وتأويل : فإن كان يصلي صلاة يسوغ فيها الاجتهاد لم يعاقب .
وأما رده الأحاديث بلا حجة ، وشتم الناهي ، وقوله للناهي :
٢١٨

أصلي كيف شئت ، فإنه يعزر على ذلك ، إذ الرجل عليه أن يصلي كما
يشرع له ، لا كما يشاء هو . والله أعلم.
وسئل رحمه الله
عن الرجل إذا دخل المسجد في وقت النهى : هل يجوز أن يصلي
تحية المسجد ؟
فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة فيها قولان للعلماء ، هما روايتان
عن أحمد :
( أحدهما ) وهو قول أبي حنيفة ، ومالك : أنه لا يصليها .
( والثاني ) وهو قول الشافعي ، أنه يصليها ، وهذا أظهر ، فإن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس
حتى بصلي ركعتين)). وهذا أمر يعم جميع الأوقات، ولم يعلم أنه
خص منه صورة من الصور . وأما نهيه عن الصلاة بعد طلوع الفجر
وبعد غروبها ، فقد خص منه صور متعددة . منها قضاء الفوائت .
ومنها ركعتا الطواف . ومنها المعادة مع إمام الحي ، وغير ذلك . والعام
المحفوظ مقدم على العام المخصوص .
٢١٩

وأيضاً : فإن الصلاة وقت الخطبة منهى عنها ، كالنهي فى هذين
الوقتين ، أو أوكد ، ثم قد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( إذا دخل أحدكم المسجد والخطيب على المنبر فلا
يجلس حتى يصلي ركعتين )) فإذا كان قد أمر بالتحية فى هذا الوقت ،
وهو وقت نهي . فكذلك الوقت الآخر بطريق الأولى، ولم يختلف
قول أحمد فى هذا لمجيء السنة الصحيحة به ، بخلاف أبى حنيفة
ومالك فإن مذهبها فى الموضعين النهي ، فإنه لم تبلغها هذه السنة
الصحيحة ، والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن تحية المسجد ((هل تفعل)) فى أوقات النهى ؟ أم لا ؟
فأجاب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا دخل أحدكم
المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )) فإذا دخل وقت نهي فهل
يصلي ؟ على قولين للعلماء؛ لكن أظهرهما أنه يصلي ، فإن نهي النبي
صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر قد خص
من صور كثيرة . وخص من نظيره وهو وقت الخطبة ، بأن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا
٢٢٠