النص المفهرس

صفحات 181-200

إذا كانت بين قرنى شيطان ، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها
إلا قليلا)).
لكن جعله الرسول مدركا للوقت، وهو وقت الضرورة ، فى مثل
النائم إذا استيقظ ، والحائض إذا طهرت ، والكافر إذا أسلم والمجنون
والمغمى عليه إذا أفاقا ، فأما من أمكنه قبل ذلك فهو آثم بالتأخير
إليه ، وهو من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، ولكن فعلها
فى ذلك الوقت خير من تفويتها ، فإن تفويتها من الكبائر .
وفى الصحيحين عنه أنه قال: ((من فاتته الصلاة : صلاة العصر،
فكأنما وتر أهله وماله )) وأما المصلى قبل طلوع الشمس فلا إثم
عليه ، فإذا كان من صلى ركعة بعد غروب الشمس (١)
فمن صلى ركعة قبل طلوعها أو قد صلاها قبل أن يطلع شيء
منها فهو (١)
وقولهم : إن ذلك يصلى الثانية فى وقت جواز بعد الغروب ،
بخلاف الأول . فإنه يصلي الثانية وقت نهي. يقال: الكلام فى الأمرين
لم جوزتم له أن يصلي العصر وقت النهي مع أن النبى صلى الله عليه
(١) بياض بالأصل.
١٨١

وسلم إنما جعل وقت العصر ما لم تغرب الشمس ، أو تضيف للغروب ،
ولم يجوزوا فعل الفجر وقت النهي؟
الثانى: أن مصلي العصر ، وإن صلى الثانية في غير وقت نهي،
فمصلى الفجر صلى الأولى في غير وقت نهي ، ثم إنه ترجح عليه بأنه
صلى الأولى فى وقتها ، بلا ذم ولا نهي ؛ بخلاف مصلى العصر ؛ فإنه
إنما صلى الأولى مع الذم والنهي .
وبكل حال فقد دل الحديث ، واتفاقهم: على أنه لم ينه عن
كل صلاة ؛ بل عصر يومه تفعل وقت النهي بالنص ، واتفاقهم .
وكذلك الثانية من الفجر تفعل بالنص ، مع قول الجمهور . فإن قيل
فهو مذموم على صلاة العصر وقت النهي ، فكيف يقولون : لم ينه قبل
الذم ؟ إنما هو لتأخيرها إلى هذا الوقت، ثم إذا عصى بالتأخير أمر أن
يصليها فى هذا الوقت، ولا يفوتها ، فإن التفويت أعظم إنما ؛ ولا يجوز
بحال من الأحوال ، وكان أن يصليها مع نوع من الإثم خيراً من أن
يفوتها ، فيلزمه من الإثم ما هو أعظم من ذلك .
والشارع دائما يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر
الشرين بالتزام أدناهما ، وهذا كمن معه ماء فى السفر هو محتاج إليه
لطهارته ، يؤمر بأن يتطهر به فإن أراقه عصى وأمر بالتيمم ، وكانت صلاته
١٨٢

بالتيمم خيراً من تفويت الصلاة ؛ لكن فى وجوب الإعادة عليه قولان
هما وجهان فى مذهب أحمد ، وغيره .
ومفوت الوقت لا تمكنه الإعادة . كما قد بسط في غير هذا
الموضع . وبكل حال فقد دل النص مع اتفاقهم على أن النهي ليس
شاملاً لكل صلاة ، وقد احتج الجمهور على قضاء الفوائت فى وقت
النهي بقوله فى الحديث الصحيح المتفق عليه: (( من نام عن صلاة أو
نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) وفي حديث أبى قتادة
المتفق عليه واللفظ لمسلم: (( ليس فى النوم تفريط ، إنما التفريط فى
اليقظة : على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى ، فمن فعل
ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها)) فقد
أمره بالصلاة حين ينتبه ، وحين بذكر ، وهذا يتناول كل وقت .
وهذا العموم أولى من عموم النهي ؛ لأنه قد ثبت أن ذاك لم
يتناول الفرض ؛ لا أداء ولا قضاء ، لم يتناول عصر يومه ، ولم يتناول
الركعة الثانية من الفجر ؛ ولأنه إذا استيقظ أو ذكر فهو وقت تلك الصلاة
فكان فعلها فى وقتها كفعل عصر يومه في وقتها، مع أن هذا معذور وذاك
غير معذور لكن يقال: هذا المفوت لو أخرها حتى يزول وقت النهي، لم يحصل
له تفويت ثان بخلاف العصر ، فإنه لو لم يصلها لفاتت ، وكذلك الثانية
من الفجر .
١٨٣

فيقال : هذا يقتضى جواز تأخيرها لمصلحة راجحة كما أخرها
النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال: (( هذا واد حضرنا فيه الشيطان))
ومثل أن يؤخرها حتى يتطهر غيره ، ويصلوها جماعة ، كما صلوا خلف
النبى صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر لما ناموا عنها ، بخلاف الفجر
والعصر الحاضرة ، فإنه لا يجوز تفويتها بحال من الأحوال .
وهذا الذي بيناه يقتضي أنه لا عموم لوقت طلوع الشمس ،
ووقت غروبها ، فغيرهما من المواقيت أولى وأحرى .
فصل
وروى جبير بن مطعم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:
(( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية
ساعة شاء من ليل أو نهار)) رواه أهل السنن . وقال الترمذي
حديث صحيح. واحتج به الأئمة الشافعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم ،
وأخذوا به وجوزوا الطواف والصلاة بعد الفجر والعصر ، كما روى
عن ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من الصحابة والتابعين .
وأما فى الأوقات الثلاثة فعن أحمد فيه روايتان . وآخرون من
أهل العلم كأبي حنيفة ومالك ، وغيرهما، لا يرون ركعتى الطواف فى
١٨٤

وقت النهي ، والحجة مع أولئك من وجوه :
أحدها: أن قوله: ((لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى
أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) عموم مقصود في الوقت ، فكيف
يجوز أن يقال : إنه لم يدخل في ذلك المواقيت الخمسة ،
الثاني: أن هذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إجماع ،
وحديث النهي مخصوص بالنص والإجماع ، والعموم المحفوظ راجح على
العموم المخصوص .
الثالث : أن البيت ما زال الناس يطوفون به ، ويصلون عنده
من حين بناه إبراهيم الخليل ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به ، ويصلون عنده ، وكذلك لما فتحت
مكة كثر طواف المسلمين به ، وصلاتهم عنده . ولو كانت ركعتا الطواف
منهياً عنها فى الأوقات الخمسة لكان النبى صلى الله عليه وسلم ينهى
عن ذلك نهياً عاماً ، لحاجة المسلمين إلى ذلك ، ولكان ذلك ينقل ،
ولم ينقل مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، مع أن
الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل .
الرابع : أن فى النهي تعطيلا لمصالح ذلك من الطواف والصلاة .
١٨٥

؟
١.٠
الخامس : أن النهى إنما كان لسد الذريعة ، وما كان لسد الذريعة
فإنه يفعل للمصلحة الراجحة ، وذلك أن الصلاة فى نفسها من أفضل
الأعمال، وأعظم العبادات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا
ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة )) فليس فيها نفسها
مفسدة تقتضي النهي ، ولكن وقت الطلوع والغروب الشيطان يقارن
الشمس ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، فالمصلي حينئذ بتشبه بهم فى
جنس الصلاة .
فالسجود وإن لم يكونوا يعبدون معبودهم ، ولا يقصدون مقصوده
لكن يشبههم فى الصورة فنهى عن الصلاة فى هاتين الوقتين سداً للذريعة
حتى ينقطع التشبه بالكفار، ولا يتشبه بهم المسلم في شركهم، كما نهى
عن الخلوة بالأجنبية ، والسفر معها ، والنظر إليها لما يفضى إليه من
الفساد ، ونهاها أن تسافر إلا مع زوج ، أو ذي محرم ، وكما نهى عن
سب آلهة المشركين ؛ لئلا بسبوا الله بغير علم، وكما نهى عن أكل
الخبائث لما يفضي إليه من حيث التغذية الذي يقتضي الأعمال المنهي
عنها ، وأمثال ذلك.
ثم إن ما نهى عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة ، كما يباح
النظر إلى المخطوبة، والسفر بها إذا خيف ضياعها ، كسفرها من دار
الحرب ، مثل سفر أم كلثوم ، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن
١٨٦

المعطل ، فإنه لم ينه عنه ، إلا لأنه يفضى إلى المفسدة ، فإذا كان مقتضياً
للمصلحة الراجحة لم يكن مفضياً إلى المفسدة .
وهذا موجود فى التطوع المطلق ، فإنه قد يفضي إلى المفسدة ،
وليس الناس محتاجين إليه فى أوقات النهي ، لسعة الأوقات التى نباح
فيها الصلاة ، بل فى النهي عنه بعض الأوقات مصالح أخر من إجمام
النفوس بعض الأوقات ، من نقل العبادة كما يجم بالنوم وغيره . ولهذا
قال معاذ: إنى لأحتسب نومتى ، كما أحتسب قومتى ، ومن تشويقها
وتحبيب الصلاة إليها إذا منعت منها وقتاً ، فإنه يكون أنشط وأرغب
فيها ، فإن العبادة إذا خصت ببعض الأوقات ، نشطت النفوس لها أعظم
مما تنشط للشيء الدائم . ومنها : أن الشيء الدائم تسأم منه، وتمل
وتضجر ، فإذا نهى عنه بعض الأوقات زال ذلك الملل ، إلى أنواع أخر
من المصالح فى النهي عن التطوع المطلق ، ففى النهي دفع لمفاسد ،
وجلب المصالح من غير تفويت مصلحة .
وأما ما كان له سبب فمنها ما إذا نهى عنه فاتت المصلحة ، وتعطل
على الناس من العبادة والطاعة ، وتحصيل الأجر والثواب ، والمصلحة
العظيمة فى دينهم ، ما لا يمكن استدراكه ، كالعادة مع إمام الحي ،
وكتحية المسجد ، وسجود التلاوة ، وصلاة الكسوف ، ونحو ذلك .
١٨٧

ومنها ما تنقص به المصلحة ، كركعتي الطواف ، لاسيما للقادمين ،
وهم يريدون أن يغتنموا الطواف في تلك الأيام ، والطواف لهم ،
ولأهل البلد طرفي النهار .
الوجه السادس : أن يقال: ذوات الأسباب إنما دعا إليها داع ؛ لم تفعل
لأجل الوقت ؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له ، وحينئذ
فمفسدة النهي إنما تنشأ مما لا سبب له دون ما له السبب ، ولهذا قال
في حديث ابن عمر: ((لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها»
وهذه الوجوه التى ذكرناها تدل أيضاً على قضاء الفوائت فى
أوقات النهي .
فصل
والمعادة : إذا أقيمت الصلاة وهو فى المسجد تعاد في وقت الهي
عند الجمهور : كمالك والشافعي وأحمد ، وأبى ثور وغيرهم .
وأبو حنيفة، وغيره جعلوها مما نهي عنه ، واحتج الأكثرون
بثلاثة أحاديث :
١٨٨

أحدها : حديث جابربن يزيد بن الأسود عن أبيه قال :
((شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة
الفجر فى مسجد الخيف ، وأنا غلام شاب ، فلما قضى صلاته . إذا هو
برجلين فى آخر القوم لم يصليا معه ، فقال : علي بها ، فأتى بهما ترعد
فرائصهما ، فقال : ما منعكما أن تصليا معنا ؟ قالا : يا رسول الله ! قد
صلينا فى رحالنا . قال: لا تفعلا، إذا صليتها في رحالكا ثم أنيتما مسجد
جماعة فصليا معهم ، فإنها لكما نافلة )) رواه أهل السنن . كأبى داود ،
والترمذي ، وغيرهما ، وأحمد والأثرم.
والثانى : ما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن بشر بن
محجز عن أبيه: (( أنه كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن
للصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم رجع ومحجن
فى مجلسه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تصلي مع
الناس ؟ ألست برجل مسلم ؟! قال : بلى ! يا رسول الله ! ولكن قد
صليت فى أهلي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جئت
فصل مع الناس ، وإن كنت قد صليت)) وهذا بدل بعمومه والأول
صريح فى الإعادة بعد الفجر .
الثالث : ماروى مسلم فى الصحيح عن أبي ذر قال : قال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء
١٨٩

يؤخرون الصلاة عن وقتها ، أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ قال : قلت
فما تأمرنى؟ قال : صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصل ،
فإنها لك نافلة)) وفى رواية له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((وضرب يغذي: كيف أنت إذا بقيت فى قوم يؤخرون الصلاة عن
وقتها ؟ قال : فما تأمرنى ؟ قال : صل الصلاة لوقتها ، ثم اذهب
لحاجتك ، فإن أقيمت الصلاة وأنت فى المسجد فصل)) وفى رواية
لمسلم أيضاً (( صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الصلاة فصل، ولا نقل
إنى قد صليت فلا أصلي ))
وهذه النصوص تتناول صلاة الظهر والعصر قطعا ، فإنهما هما
اللتان كان الأمراء يؤخرونهما ؛ بخلاف الفجر ، فإنهم لم يكونوا يصلونها
بعد طلوع الشمس ، وكذلك المغرب لم يكونوا يؤخرونها ، ولكن كانوا
يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع الغروب .
وحينئذ فقد أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ، ثم يصليها معهم بعد
أن صلاها ، ويجعلها نافلة ، وهو فى وقت نهي ، لأنه قد صلى
العصر ؛ ولأنهم قد يؤخرون العصر إلى الاصفرار ، فهذا صريح
بالإِعادة في وقت النهي .
١٩٠

فصل
والصلاة على الجنازة بعد الفجر ، وبعد العصر . قال ابن المنذر :
إجماع المسلمين فى الصلاة على الجنازة بعد الفجر ، وبعد العصر ،
وتلك الأنواع الثلاثة لم يختلف فيها قول أحمد أنها تفعل فى أوقات
النهى ؛ لأن فيها أحاديث خاصة تدل على جوازها فى وقت النهي، فلهذا
•٠
استئناها ، واستثنى الجنازة فى الوقتين ، لإجماع المسلمين .
وأما سائر ذوات الأسباب : مثل تحية المسجد ، وسجود التلاوة ،
وصلاة الكسوف ، ومثل ركعتى الطواف في الأوقات الثلاثة ، ومثل
الصلاة على الجنازة فى الأوقات الثلاثة . فاختلف كلامه فيها . والمشهور
عنه النهي، وهو اختيار كثير من أصحابه: كالخرقي ، والقاضي ، وغيرهما
وهو مذهب مالك ، وأبى حنيفة . لكن أبو حنيفة يجوز السجود بعد
الفجر والعصر ، لا واجب عنده .
والرواية الثانية : جواز جميع ذوات الأسباب ، وهي اختيار أبى
الخطاب ، وهذا مذهب الشافعي ، وهو الراجح فى هذا الباب لوجوه :
١٩١

منها : أن تحية المسجد قد ثبت الأمر بها فى الصحيحين ، عن
أبى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل
أحدكم المسجد فليركع ركعتين. قبل أن يجلس)) وعنه قال: ((دخلت
المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهرانى الناس
قال : فجلست ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن
تركع ركعتين قبل أن تجلس ؟ فقلت: يارسول الله! رأيتك جالسا
والناس جلوس ، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع
ركعتين )) فهذا فيه الأمر بركعتين قبل أن يجلس ، والنهي عن أن
يجلس حتى يركعهما ، وهو عام في كل وقت عموما محفوظا لم يخص منه
صورة بنص ، ولا إجماع . وحديث النهي قد عرف أنه ليس بعام،
والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص فإن هذا قد على أنه
ليس بعام ، بخلاف ذلك ، فإن المقتضى لعمومه قائم لم يعلم أنه خرج
منه شيء .
الوجه الثانى : ما أخرجا فى الصحيحين عن جابر قال : جاء رجل
والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فقال: ((صليت يا فلان؟
قال: لا، قال: قم فاركع)) وفى رواية ((فصل ركعتين)) ولمسلم
قال : ثم قال: (( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب ، فليركع
ركعتين، وليتجوز فيها)) وأحمد أخذ بهذا الحديث بلا خلاف عنه ،
هو وسائر فقهاء الحديث ، كالشافعى ، وإسحق ، وأبى ثور ، وابن
١٩٢

المنذر ، كما روى عن غير واحد من السلف ، مثل الحسن ،
ومكحول وغيرها .
وكثير من العلماء لم يعرفوا هذا الحديث فنهوا عن الصلاة وقت
الخطبة ؛ لأنه وقت نهي ، كما نقل عن شريح والنخعي وابن سيرين ،
وهو قول أبي حنيفة ، والليث ، ومالك ، والثوري .
وهو قياس قول من منع تحية المسجد وقت النهي ، فإن الصلاة
والخطيب على المنبر أشد نهياً؛ بل هو منهي عن كل ما يشغله عن
الاستماع ، وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا ، فإذا كان قد أمر بتحية
المسجد فى وقت الخطبة ، فهو في سائر الأوقات أولى بالأمر .
وقد احتج بعض أصحابنا : أنه إذا دخل المسجد في غير وقت
النهي عن الصلاة يسن له الركوع، لقوله: ((إذا دخل أحدكم المسجد
والإمام يخطب فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين)) وقالوا تنقطع الصلاة
يجلوس الإمام على المنبر ، فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد
ويوجز ، وهذا تناقض بين ، بل إذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
أمر بالتحية في هذا الموضع ، وهو وقت نهي عن الصلاة وغيرها ، مما
يشغل عن الاستماع ؛ فأوقات النهي الباقية أولى بالجواز .
يبين ذلك أنه فى هذه الحال لا يصلى على جنازة ؛ ولا يطاف
١٩٣

بالبيت ، ولا يصلى ركعتا الطواف ، والإمام يخطب . فدل على أن
النهي هنا أوكد ، وأضيق منه بعد الفجر والعصر ، فإذا أمر هنا بتحية
المسجد ، فالأمر بها هناك أولى وأحرى . وهذا بين واضح ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله .
الوجه الثالث : أن يقال : قد ثبت استثناء بعض الصلوات من
النهي : كالعصر الحاضرة، وركعتى الفجر ، والفائتة، وركعتى الطواف.
والمعادة فى المسجد ، فقد ثبت انقسام الصلاة أوقات النهي إلى منهي عنه
ومشروع غير منهي عنه ، فلا بد من فرق بينهما ، إذا كان الشارع لا
يفرق بين المتماثلين ، فيجعل هذا مأموراً ، وهذا محظوراً . والفرق
بينها ! إما أن يكون المأذون فيه له سبب ، فالمصلي صلاة السبب صلاها
لأجل السبب ، لم يتطوع تطوعا مطلقاً ، ولو لم يصلها لفاته مصلحة
الصلاة ، كما يفوته إذا دخل المسجد ما فى صلاة التحية من الأجر،
وكذلك يفوته مافى صلاة الكسوف ، وكذلك يفوته ما في سجود التلاوة ،
وسائر ذوات الأسباب .
وإما أن يكون الفرق شيئاً آخر فإن كان الأول : حصل المقصود
من الفرق بين ذوات الأسباب ، وغيرها . وإن كان الثانى قيل لهم :
فأنتم لا تعلمون الفرق ، بل قد علمتم أنه نهى عن بعض ، ورخص فى
بعض ، ولا تعلمون الفرق ، فلا يجوز لكم أن تتكلموا فى سائر موارد
١٩٤

النزاع ، لا بنهى ولا بإذن ؛ لأنه يجوز أن يكون الفرق الذي فرق به
الشارع فى صورة النص ، فأباح بعضاً وحرم بعضاً ، متناولا لموارد النزاع ،
إما نهياً عنه وإما إذناً فيه، وأنتم لا تعلمون واحداً من النوعين ، فلا
يجوز لكم أن تنهوا إلا عما علمتم أنه نهى عنه؛ لانتفاء الوصف
المبيح عنه، ولا تأذنوا إلا فيما علمتم أنه أذن فيه ؛ لشمول الوصف
المبيح له. وأما التحليل والتحريم بغير أصل مفرق عن صاحب الشرع ،
فلا يجوز .
فإن قيل : أحاديث النهي عامة ، فنحن نحملها على عمومها إلا ما
خصه الدليل ، فما علمنا أنه مخصوص لمجيء نص خاص فيه خصصناها
به ، وإلا أبقيناها على العموم.
قيل : هذا إنما يستقيم أن لو كان هذا العام المخصوص لم يعارضه
عمومات محفوظة أقوى منه ، وأنه لما خص منه صور على اختصاصها بما
يوجب الفرق ، فلو ثبت أنه عام خص منه صور لمعنى منتف من غيرها
بقى ماسوى ذلك على العموم ، فكيف وعمومه منتف! وقد عارضه
أحاديث خاصة وعامة عموماً محفوظاً ، وما خص منه لم يختص بوصف
يوجب استثناءه دون غيره ، بل غيره مشارك له في الوصف الموجب
لتخصيصه ، أو أولى منه بالتخصيص .
١٩٥

وحاجة المسلمين العامة إلى تحية المسجد أعظم منها إلى ركعتى
الطواف ، فإنه يمكن تأخير الطواف ، بخلاف تحية المسجد ، فإنها لا
تمكن ؛ ثم الرجل إذا دخل وقت فهي إن جلس ولم يصل ، كان
مخالفاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، مفوناً هذه المصلحة، إن لم
يكن آئماً بالمعصية ، وإن بقي قائماً أو امتنع من دخول المسجد ، فهذا
شر عظيم . ومن الناس من يصلي سنة الفجر فى بيته ، ثم يأتى إلى
المسجد ، فالذين يكرهون التحية : منهم من يقف على باب المسجد حتى
يقيم ، فيدخل يصلي معهم ، ويحرم نفسه دخول بيت اللّه فى ذلك
الوقت الشريف، وذكر الله فيه . ومنهم من يدخل ويجلس ولا يصلي
فيخالف الأمر ، وهذا ونحوه مما يبين قطعاً أن المسلمين مأمورون
بالتحية في كل وقت ، وما زال المسلمون يدخلون المسجد طرفى النهار،
ولو كانوا منهيين عن تحية المسجد حينئذ لكان هذا مما يظهر نهي
الرسول عنه، فكيف وهو قد أمريم إذا دخل أحدم المسجد والخطيب على
المنبر فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، أليس فى أمرم بها فى هذا
الوقت تنبيها على غيره من الأوقات ؟
الوجه الرابع : ما قدمناه من أن النهي كان لسد ذريعة الشرك ،
وذوات الأسباب فيها مصلحة راجحة ، والفاعل يفعلها لأجل السبب ،
لا يفعلها مطلقاً فتمتنع فيه المشابهة .
١٩٦

الوجه الخامس: أنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم : أنه قضى ركعتى الظهر بعد العصر ، وهو قضاء النافلة ، فى
وقت النهي ، مع إمكان قضائها في غير ذلك الوقت ، فالنوافل التى
إذا لم تفعل فى أوقات النهي نفوت هي أولى بالجواز من قضاء نافلة في
هذا الوقت مع إمكان فعلها في غيره ، لاسيما إذا كانت مما أمر به :
كتحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، وقد اختار طائفة من أصحاب
أحمد منهم أبو محمد المقدسى أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر ، ولا
نقضى فى سائر أوقات النهي . كالأوقات الثلاثة .
وذكر أن مذهب أحمد : أن قضاء سنة الفجر جائر بعدها ، إلا
أن أحمد اختار أن يقضيها من الضحى. وقال الإمام أحمد: إن صلاها
بعد الفجر أجزاء ؛ وأما أنا فأختار ذلك وذكر في قضاء الوتر بعد
طلوع الفجر أن المنصوص عن أحمد أنه يفعله . قال الأثرم : سمعت أبا
عبد الله يسأل : أيوتر الرجل بعد ما يطلع الفجر ؟ قال : نعم ! قال:
وروى ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وحذيفة ،
وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وفضالة بن عبيد ، وعائشة ، وعبد
الله بن عامر بن ربيعة. وهو أيضاً مروي عن علي بن أبى طالب .
وأنه لما ذكر له عن أبى موسى أنه قال : من أوتر بعد المؤذن لاوتر
له ، وسألوا علياً. قال: أعرف: يوتر ما بينه وبين الصلاة، وأنكر
١٩٧

ذلك ولم يذكر نزاعا إلا عن أبى موسى، مع أنه لا ينبغي
بعد الفجر .
قال : وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة فى النهي قبل صلاة
الفجر ، وإنما فيه حديث أبي ، وقد احتج أحمد بحديث أبى نضرة
الغفاري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله زادكم
صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر)) وهذا
مذهب مالك والشافعى والجمهور . قال مالك : من فاتته صلاة الليل ،
فله أن يصلي بعد الفجر قبل أن يصلي الصبح ، قال : وحكاه ابن أبي
موسى الخرقي في ((الإرشاد )) مذهباً لأحمد، قياساً على الوتر .
قلت : وهذا الذي اختاره لا يناقض ما ذكره الخرقى وغيره من
قدماء الأصحاب ، فإنه ذكر إباحة الأنواع الأربعة فى جميع أوقات النهي:
قضاء الفوائت ، وركعتي الطواف ، وإذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد
وصلاة الجنازة ، ولكن ذكر النهى عن الكسوف ، وسجود التلاوة ،
فى بليها . فلم ينه عن قضاء السنن في أوقات النهي .
فاختار الشيخ أبو محمد وطائفة من أصحاب أحمد : أن السنن الراتبة
تقضى بعد العصر ، ولا تقضى فى سائر أوقات النهي ، ولا يفعل غيرها
من ذوات الأسباب ، كالتحية ، وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستخارة ،
١٩٨

وصلاة التوبة ، وسنة الوضوء ، وسجود التلاوة ، لافى هذا الوقت ؛
ولا فى غيره ؛ لأنهم وجدوا القضاء فيها قد ثبت بالأحاديث الصحيحة ،
قالوا : والنهي فى هذا الوقت أخف من غيره ، لاختلاف الصحابة فيه
فلا يلحق به سائر الأوقات ، والرواتب لها مزية ، وهذا الفرق ضعيف
فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحية المسجد ، وأمره بصلاة الكسوف
وسجود التلاوة ، أقوى من قضاء سنة فائتة ، فإذا جاز هذا فذاك
أجوز ، فإن قضاء السنن ليس فيه أمر من التى صلى الله عليه وسلم
بل ولا أمر بنفس السنة : سنة الظهر ، لكنه فعلها وداوم عليها ،
وقضاها لما فاتته . وما أمر به أمته ، لاسيما وكان هو أيضاً يفعله ، فهو
أوكد مما فعله ، ولم يأمرهم به .
فإذا جاز لهم فعل هذا فى أوقات النهي ففعل ذلك أولى ، وإذا
جاز قضاء سنة الظهر بعد العصر ، فقضاء سنة الفجر بعد الفجر أولى ،
فإن ذلك وقتها ، وإذا أمكن تأخيرها إلى طلوع الشمس أمكن تأخير
تلك إلى غروب الشمس ، وقد كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها
وهو صلى الله عليه وسلم يرام ويقرم على ذلك: وقال: (( بين كل
أذانين صلاة - ثم قال فى الثالثة - لمن شاء)) كراهية أن يتخذها
الناس سنة .
١٩٩

فصل
والنهي فى العصر معلق بصلاة العصر : فإذا صلاها لم يصل بعدها
وإن كان غيره لم يصل ، ومالم يصلها فله أن يصلي ، وهذا ثابت بالنص
والاتفاق ؛ فإن النهي معلق بالفعل .
وأما الفجر : ففيها نزاع مشهور ، وفيه عن أحمد روايتان :
قيل : إنه معلق بطلوع الفجر ، فلا يتطوع بعده بغير الركعتين ،
وهو قول طائفة من السلف ، ومذهب أبى حنيفة . قال النخعى كانوا
يكرهون التطوع بعد الفجر .
وقيل : إنه معلق بالفعل ، كالعصر . وهو قول الحسن والشافعي
فإنه لم يثبت النهي إلا بعد الصلاة ، كما في العصر . وأحاديث النهي
تسوى بين الصلاتين ، كما فى الصحيحين عن ابن عباس قال: (( شهد عندي
رجال مرضيون، وأرضام عندي عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر
حتى تغرب)).
٢٠٠