النص المفهرس
صفحات 161-180
ترى أن الإنسان لو قرأ لنفسه يوم الجمعة ؟ قد يقال : إنه لم يستحب له أن يسجد دون الناس ، كما لا يشرع للمأموم أن يسجد لسهوه ؛ لأن متابعة الإمام أولى من السجود ، وهو مع البعد ، وإن قلنا يستحب له أن يقرأ فهو كما يستحب للمأموم أن يقرأ خلف إمامه. ولو قرأ بالسجدة لم يسجد بها دون الإمام . وما أعلم فى هذا نزاعا . فهنا محافظته على متابعة الإمام فى الفعل الظاهر أفضل من سجود التلاوة ، ومن سجود السهو ، بل هو منهي عن ذلك ، ويوم الجمعة إنما سجد الناس لما سجد عمر ، ولو لم يسجد لم يسجدوا حينئذ. فإذا كان حديث عمر قد يراد به أنه لم يكتب علينا فى هذه الحال ، لم يبق فيه حجة ، ولو كان مرفوعا . وأيضاً فسجود القرآن هو من شعائر الإسلام الظاهرة ، إذا قرئ القرآن فى الجامع سجد الناس كلهم اللّه رب العالمين ، وفي ترك ذلك إخلال بذلك ؛ ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان ، كقول أبى حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي ، وأحد القولين فى مذهب أحمد . وقول من قال لا يجب فى غاية البعد ، فإنها من أعظم شعائر الإسلام ، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير. وقول من قال هي فرض على الكفاية لا ينضبط ، فإنه لو حضرها فى ١٦١ المصر العظيم أربعون رجلا لم يحصل المقصود ، وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم ، كما في الجمعة. وأما الأضحية فالأظهر وجوبها أيضاً ، فإنها من أعظم شعائر الإسلام ، وهي النسك العام فى جميع الأمصار ، والنسك مقرون بالصلاة . فى قوله : ( إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ وقد قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ) فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة. وقد قال تعالى: ( وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوْآَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَارَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَإِلَ هُكُمْإِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوأُ وَشِرِالْمُخْبِتِينَ) وقال: ( وَاُلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعَِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَأَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْمِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّكَذَلِكَ سَخَرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَدِمَاؤُهَا وَلَكِن ◌َنَالُهُالنَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَالَكُمْ لِشُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ ) وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته ، وبها بذكر قصة الذبيح ، فكيف يجوز أن المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم ، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج ، فى بعض السنين . وقد قالوا إن الحج كل عام فرض على الكفاية ؛ لأنه من شعائر الإسلام ، والضحايا فى عيد النحر كذلك ، بل هذه تفعل فى كل بلد ١٦٢ هي والصلاة، فيظهر بها عبادة اللّه وذكره ، والذيج له ، والنسك له، ما لا يظهر بالحج، كما يظهر ذكر اللّه بالتكبير في الأعياد. وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها . وقد خرج وجوبها قولا فى مذهب أحمد ، وهو قول أبى حنيفة ، وأحد القولين فى مذهب مالك ، أو ظاهر مذهب مالك . ونفاة الوجوب ليس معهم نص ، فإن عمدتهم قوله صلى الله عليه وسلم: (( من أراد أن يضحي ودخل العشر ، فلا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره)). قالوا : والواجب لا يعلق بالإرادة . وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد . فيقال: إن شئت فافعله ؛ بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام . كقوله : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ ) وقد قدروا فيه : إذا أردتم القيام ، وقدروا : إذا أردت القراءة فاستعذ ، والطهارة واجبة ، والقراءة فى الصلاة واجبة وقد قال: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ * لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ( ومشيئة الاستقامة واجبة . وأيضاً فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي ، وإنما تجب على القادر، فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: ((من أراد الحج فليتعجل ، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض الحاجة )) والحج فرض على المستطيع. فقوله: ((من أراد أن يضحي)) كقوله: ((من أراد الحج ١٦٣ فليتعجل )) ووجوبها حينئذ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه الأصلية . كصدقة الفطر . ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت - صاحب المنزل - ونسائه وأولاده، ومن معهم . كما كان الصحابة يفعلون . وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح ، بل اشترى لماً . فقد تكون مسألة نزاع . كما تنازعوا في وجوب العمرة ، وقد يكون من لم يضح لم يكن له سعة فى ذلك العام ، وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها لغير الله، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم ، فقد ترك الواجب لمصلحة راجحة . كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ، لولا ما فى البيوت من النساء والذرية)) فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين ، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته ، فهو مقدم على الجمعة والجماعة . ولو أن ولي الأمر - كالمحتسب وغيره - تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها فيعاقبه ، جاز ذلك . وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة ، فإن عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق ، والنبى صلى الله عليه وسلم قد بين أنه لولا النساء والصبيان ١٦٤ لحرق البيوت على من فيها ، لكن فيها من لا يجب عليه جمعة ولا جماعة من النساء والصبيان ، فلا تجوز عقوبته . كما لا ترجم الحامل حتى تضع حملها ؛ لأن قتل الجنين لا يجوز . كما فى حديث الغامدية . فصل وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل : هذا هو السنة المعروفة عن النبى صلى الله عليه وسلم، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين . وعلى هذا فليست صلاة ، فلا تشترط لها شروط الصلاة ، بل يجوز على غير طهارة . كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة ؛ لكن هي بشروط الصلاة أفضل ، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر . فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به ؛ لكن قد يقال : إنه لا يجب فى هذه الحال ، كما لا يجب على السامع ، ولا على من لم يسجد قارئه ، وإن كان ذلك السجود حازاً عند جمهور العلماء . وكما يجب على المؤتم فى الصلاة تبعاً لإمامه بالاتفاق ، وإن قالوا : لا يجب في غير هذه الحال ، وقد حمل بعضهم حديث زيد على أن ١٦٥ النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن متطهراً، وكما لا تجب الجمعة على المريض، والمسافر، والعبد، وإن جاز له فعلها، لا سيما وأكثر العلماء لا يجوزون فعلها إلا مع الطهارة ، ولكن الراجح أنه يجوز فعلها للحديث. والمروى فيها عن النبى صلى الله عليه وسلم تكبيرة واحدة ، فإنه لا ينتقل من عبادة إلى عبادة . وعلى هذا ترجم البخاري فقال: ( باب سجدة المسلمين مع المشركين ) والمشرك نجس ليس له وضوء. قال : وكان ابن عمر بسجد على غير وضوء ، وذكر سجود النبى صلى الله عليه وسلم بالنجم لما سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون . وهذا الحديث فى الصحيحين من وجهين : من حديث ابن مسعود ، وحديث ابن عباس . وهذا فعلوه تبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله: ( فَأَسْبُدُ واْلِلَّهِ وَأَعْبُدُ واْ ها ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة ، بل إنما تشترط للصلاة . فكذلك جنس السجود يشترط لبعضه ، وهو السجود الذي الله كسجود الصلاة ، وسجدتى السهو ، بخلاف سجود التلاوة ، وسجود الشكر ، وسجود الآيات . ومما يدل على ذلك : أن الله أخبر عن سجود السحرة لما آمنوا بموسى على وجه الرضا بذلك السجود ، ولا ريب أنهم لم يكونوا متوضئين ، ولا يعرفون الوضوء . فعلم أن السجود المجرد لله مما يحبه ١٦٦ الله ويرضاه، وإن لم يكن صاحبه متوضئاً، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا سجود إيمان ، ونظيره الذين أسلموا فاعتصموا بالسجود ، ولم يقبل ذلك منهم خالد فقتلهم ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم عليا فودام بنصف دية، ولم ينكر عليهم ذلك السجود، ولم يكونوا بعد قد أسلموا، ولا عرفوا الوضوء ، بل سجدوا لله سجود الإسلام ، كما سجد السحرة . ومما يدل على ذلك أن الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب سجداً، ويقولوا: حطة . ومعلوم أنه لم يأمرم بوضوء ، ولا كان الوضوء مشروعا لهم ؛ بل هو من خصائص أمة محمد ، وسواء أريد السجود بالأرض ، أو الركوع . فإنه إن أريد الركوع فهو عبادة مفردة . يتضمن الخضوع لله ، وهو من جنس السجود . لكن شرعنا شرع فيه سجود مفرد ، وأما ركوع مفرد ففيه نزاع، جوزه بعض العلماء بدلا عن سجود التلاوة . وأيضاً فقد أخبر الله عن الأنبياء بالسجود المجرد، في مثل قوله: أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم ) مِنَ النَِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجِ وَمِن ذُرِيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَاً إِذَاتُتْلَى عَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْسُجَّدً ا وَتُكِيًّا (١ ) ولم يكونوا مأمورين بالوضوء فإن الوضوء من خصائص أمة محمد، كما جاءت الأحاديث الصحيحة ((أنهم ١٦٧ يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأن الرسول يعرفهم بهذه السياء )) فدل على أنه لا يشركهم فيها غيرم. والحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وقال: (( هذا وضوئى، ووضوء الأنبياء قبلي)). حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث ، لا يجوز الاحتجاج بمثله ، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين ، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعاً؛ ولكن لم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء ، وهذه الأمة مما فضلت به التيمم مع الجنابة ، والحدث الأصغر . والوضوء . فإن قيل : أولئك الأنبياء إنما سجدوا على غير وضوء؛ لأن الصلاة كانت تجوز لهم بغير وضوء . قيل : لم يقص الله علينا فى القرآن أن أحداً منهم صلى بغير وضوء ونحن إنما نتبع من شرع الأنبياء ما قصه الله علينا ، وما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنه قص ذلك علينا لنعتبر به . وقال : ( أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِة) وكذلك ذكر عن الذين أوتوا العلم من قبله: أنهم ( إِذَايُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَآ إِن كَانَ وَعْدُرَيْنَالَمَفْعُولًا * وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (٢ ) . ١٦٨ وقد أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة كما أمر بذلك فى القرآن ، وكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )) أخرجاه فى الصحيحين . وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )) وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة . يبقى الكلام في مسمى ((الصلاة)) فإن الذين أوجبوا الطهارة للسجود المجرد ، اختلفوا فيما بينهم . فقالوا : يسلم منه ، وقال بعضهم : يكبر نكبيرتين: تكبيرة للافتاح، وتكبيرة للسجود ، وقال بعضهم : يتشهد فيه، وليس معهم لشىء من هذه الأقوال أثر، لاعن التى صلى اللّه عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة؛ بل هو مما قالوه برأيهم، لما ظنوه صلاة. وقال بعضهم : لا تكون الصلاة إلا ركعتين ، ومادون ذلك لايكون صلاة ، إلا ركعة الوتر . واحتج بما فى السنن عن ابن عمر أن النى صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) وهذا القول قاله ابن حزم . ولم يشترط الطهارة لما دون ذلك ، لا لصلاة الجنازة ، ولا لغيرها . وهذا أيضاً ضعيف . فإن الحديث ضعيف. والحديث الذي فى الصحاح الذي رواه الثقاة قوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وأما قوله: و ((النهار)) فزيادة انفرد بها البارقى، وقد ضعفها أحمد، ١٦٩ وغيره . والمرجع فى مسمى الصلاة إلى الرسول . وفى السنن حديث علي عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم)). وهذا محفوظ عن ابن مسعود من قوله: فهذا يبين أن ((الصلاة)) التى مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم . وهذا يتناول كل ما تحريمه التكبير ، وتحليله التسليم : كالصلاة التى فيها ركوع وسجود ، سواء كانت مثنى أو واحدة ، أو كانت ثلاثاً متصلة، أو أكثر من ذلك . وهو يتناول صلاة الجنازة ، فإن تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم . والصحابة أمروا بالطهارة لما فرقوا بينها وبين سجود التلاوة ، وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه . فقال فى ( باب سنة الصلاة على الجنازة ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من صلى على الجنازة)) وقال: ((صلوا على صاحبكم)) وقال: ((صلوا على النجاشي)) سماها صلاة ، وليس فيها ركوع ولا سجود ، ولا يتكلم فيها ، وفيها تكبير وتسليم ، وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهراً ، ولا يصلي عند طلوع الشمس ، ولا غروبها، ويرفع يديه. وقال تعالى: (وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهٍِ ) وفيها صفوف وإمام . وهذه الأمور التى ذكرها كلها منتفية فى سجود التلاوة ، والشكر ١٧٠ وسجود الآيات . فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يسم ذلك صلاة ولم يشرع لها الاصطفاف ، وتقدم الإمام ، كما يشرع في صلاة الجنازة وسجدتى السهو بعد السلام ، وسائر الصلوات . ولا سن فيها النبى صلى الله عليه وسلم سلاما، لم يرو ذلك عنه لا بإسناد صحيح ، ولا ضعيف ، بل هو بدعة ، ولا جعل لها تكبير افتتاح ، وإنما روي عنه أنه كبر فيها إما للرفع ، وإما للخفض. والحديث فى السنن . وابن عباس جوز التيمم للجنازة عند عدم الماء ، وهذا قول كثير من العلماء ، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين ، فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده ، وكذلك هذه الصفات منتفية فى الطواف ، فليس فيه تسليم ، والكلام جاز فيه ، وليس فيه اصطفاف وإمام ، وقد قرن الله في كتابه وسنة رسوله بين الطائف والمصلي ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالطهارة للطواف ، لكنه كان يطوف متطهراً هو والصحابة ، وكانوا يصلون ركعتى الطواف بعد الطواف ، ولا يصلي إلا متطهراً، والنهي إنما جاء فى طواف الحائض فقال: ((الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت )) وقد قيل إن ذلك لأجل المسجد ، وقيل : لأجل الطواف ، وقيل : لهما . والله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّيِفِين ) فاقتضى ذلك تطهيره من دم الحيض وغيره . ١٧١ وأيضا فإبراهيم والنبيون بعده كانوا يطوفون بغير وضوء ، كما كانوا يصلون بغير وضوء، وشرعهم شرعنا إلا فيما نسخ، فالصلاة قد أمرنا بالوضوء لها ، ولم يفرض علينا الوضوء لغيرها ، كما جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً ، فحيث ما أدركت المسلم الصلاة فعنده مسجده وطهوره ، وإن كان جنباً تيمم وصلى ، ومن قبلنا لم يكن لهم ذلك ، بل كانوا ممنوعين من الصلاة مع الجنابة حتى يغتسلوا ، كما يمنع الجنب من اللبث فى المسجد ، ومن قراءة القرآن . ويجوز للمحدث اللبث فى المسجد معتكفا ، وغير معتكف . ويجوز له قراءة القرآن ، والمروى فيها عن النبى صلى الله عليه وسلم تكبيرة واحدة ، فإنه لم ينتقل من عبادة إلى عبادة. ١٧٢ وسئل شيخ الإسلام وحمد الله عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة ، فقرأ سجدة، فقام على قدميه وسجد . فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد ؟ أم لا ؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق ؟ فأجاب : بل سجود التلاوة قائما أفضل منه قاعدا ، كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وكما نقل عن عائشة ، بل وكذلك سجود الشكر ، كما روى أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده للشكر قائما ، وهذا ظاهر فى الاعتبار ، فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أحياناً يصلي قاعدا فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم ، وأحياناً يركع ويسجد وهو قاعد ، فهذا قد يكون للعذر ، أو للجواز ، ولكن محريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم، دليل على أنه أفضل . إذ هو أكمل وأعظم خشوعا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة للّه من القيام. ١٧٣ ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى ، أو قيام ليل ، أو غير ذلك ، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس ، إذا على اللّه من قلبه أنه يفعله سرا لله مع اجتهاده فى سلامته من الرياء ، ومفسدات الإخلاص ؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض : ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك . وفعله فى مكانه الذي تكون فيه معيشته التى يستعين بها على عبادة الله خير له من أن يفعله حيث تتعطل معيشته ، ويشتغل قلبه بسبب ذلك ، فإن الصلاة كلما كانت أجمع للقلب وأبعد من الوسواس كانت أكمل . ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء ، قهيه مردود عليه من وجوه : ( أحدها ) : أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفاً من الرياء ، بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها ، ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه ، وإن جزمنا أنه يفعلها رياء ، فالمنافقون الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهِإِلَّ قَلِيلًا ) فهؤلاء كان النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون يقرونهم على ما يظهرونه من الدين، وإن كانوا مرائين ، ولا ينهونهم عن الظاهر ؛ لأن الفساد فى ترك إظهار ١٧٤ المشروع أعظم من الفساد فى إظهاره رياء ، كما أن فساد ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم من الفساد فى إظهار ذلك رياء ؛ ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد فى إظهار ذلك رئاء الناس . ( الثاني ) : لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ، ولا أن أشق بطونهم)) وقد قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرا أحببناه ، وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك . ومن أظهر لنا شراً أبغضناه عليه ، وإن زعم أن سريرته صالحة . ( الثالث ) : أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمراً مشروعا مسنوناً ، قالوا : هذا مراء ، فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة ، حذرا من لمزم وذمهم ، فيتعطل الخير ، ويبقى لأهل الشرك شركة يظهرون الشر، ولا أحد ينكر عليهم ، وهذا من أعظم المفاسد . ( الرابع ) : أن مثل هذا من شعائر المنافقين ، وهو يطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ١٧٥ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَاللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) . فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما حض على الإنفاق عام تبوك جاء بعض الصحابة بصرة كادت بده تعجز من حملها ، فقالوا : هذا مراء ، وجاء بعضهم بصاع ، فقالوا : لقد كان اللّه غنياً عن صاع فلان، فلمزوا هذا وهذا، فأزل الله ذلك، وصار عبرة فيمن يلمز المؤمنين المطيعين لله ورسوله ، والله أعلم . وسئل عن الرجل إذا تلي عليه القرآن فيه سجدة سجد على غير وضوء ، فهل يأثم ؟ أو يكفر ؛ أو تطلق عليه زوجته ؟ فأجاب : لا يكفر ، ولا تطلق عليه زوجته ، ولكن يأثم عند أكثر العلماء ، ولكن ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن من صلى بلا وضوء فيما تشترط له الطهارة بالإجماع . كالصلوات الخمس أنه يكفر بذلك ، وإذا كفر كان مرتداً . والمرتد عند أبى حنيفة تبين منه زوجته ، ولكن تكفير هذا ليس منقولا عن أبى حنيفة نفسه ، ولا عن صاحبيه وإنما هو عن أتباعه ، وجمهور العلماء على أنه يعزر، ولا يكفر إلا إذا استحل ذلك ، واستهزأ بالصلاة . وأما سجدة التلاوة : فمن العلماء من ذهب إلى أنها بجوز بغير ١٧٦ طهارة ، وما تنازع العلماء فى جوازه لا يكفر فاعله بالاتفاق ، وجمهور العلماء على أن المرتد لا تبين منه زوجته ، إلا إذا انقضت عدتها ، ولم يرجع إلى الإسلام ، والله أعلم . وسئل عن دعاء الاستخارة ، هل يدعو به فى الصلاة ؟ أم بعد السلام؟ فأجاب : يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة ، وغيرها : قبل السلام وبعده ، والدعاء قبل السلام أفضل ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم أكثر دعائه كان قبل السلام ، والمصلي قبل السلام لم ينصرف ، فهذا أحسن ، والله تعالى أعلم . - ١٧٧ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله فصل فى أوقات النهي ، والنزاع فى ذوات الأسباب ، وغيرها . فإن للناس فى هذا الباب اضطراباً كثيراً . فنقول : قد ثبت بالنص والإجماع أن النهي ليس عاما لجميع الصلوات ، فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك - وفى لفظ - فليصل إليها أخرى - وفى لفظ ـ فيتم صلانه ـــ وفى لفظ ـــ سجدة)) وكلها صحيحة، وكذلك قال: (( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك - وفي لفظ : فليتم صلاته ـــ وفي لفظ - فليصل إليها أخرى - وفى لفظ : سجدة)) وفى هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس . وفيه أنه إذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت ١٧٨ تلك الركعة ، وهو مأمور بأن يصل إليها أخرى . وهذا الثانى مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء . وأما الأول : فهو قول جمهور العلماء ، يروى عن على ، وغير واحد من الصحابة والتابعين ، وعلى هذا مجموع الصحابة ، فقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ فى الفجر بسورة البقرة ، فلما سلم ، قيل له : كادت الشمس تطلع ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرم ذلك، ولم تجدهم غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله، ممثلين لقوله: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْمِّنَ وهذا القول مذهب مالك ، والشافعى ، وأحمد اٌلْغَفِلِينَ ) وإسحق ، وأبى ثور ، وابن المنذر . وهؤلاء يقولون : يقضى ما نام عنه أو نسيه فى أوقات النهى ، ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون: تفسد صلاته ، لأنها صارت فائتة ، والفوات عندم لا يقضى في أوقات النهى ، بخلاف عصر يومه فإنها حاضرة ، مفعولة فى وقتها . واحتجوا بتأخير الصلاة يوم نام هو وأصحابه عنها حتى طلعت ١٧٩ الشمس . وأجاب الجمهور بوجوه : أحدها : أن التأخير كان لأجل المكان ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا وادٍ حضرنا فيه الشيطان)) . الثانى : أنه دليل على الجواز لا على الوجوب . الثالث : أن هذا غايته أن يكون فيمن ابتدأ قضاء الفائتة . أما من صلى ركعة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الوقت. كما قال: ((فقد أدرك)) والثانية تفعل تبعاً ، كما يفعله المسبوق ، إذا أدرك ركعة . قالوا : وهذا أولى بالعذر من العصر إلى الغروب ؛ لأن الغروب مشهود ، يمكنه أن يصلي قبله . وأما الطلوع فهو قبل أن تطلع لا يعلم متى تطلح . فإذا صلى على في الوقت ؛ ولهذا لا يأثم من أخر الصلاة حتى يفرغ منها قبل الطلوع ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى أحاديث المواقيت ((أنه سلم في اليوم الثانى، والقائل يقول: قد طلعت الشمس او كادت)). وقال فى الحديث الصحيح: ((وقت الفجر ما لم تطلع الشمس)) وقال: ((وقت العصر ما لم تصفر الشمس - وفى لفظ: ما لم تضيف للغروب )) فمن صلى قبل طلوع الشمس جميع صلاة الفجر فلا إثم عليه ، ومن صلى العصر وقت الغروب من غير عذر فهو آثم . كما فى الحديث الصحيح ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى ١٨٠